قال أبو محمد بن عبد الملك بن هشام: ثم قام الغلام الذي سماه الهدهاد ابن شرحبيل للملك - وهو مالك بن عمرو بن يعفر بن عمرو بن حمير بن السياب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك المقعقع بن وائل بن حمير ابن سبأ - خطيبًا فقال: يا بني حمير نطق الدهر وخرستم وانتبه الذل ونمتم، أما ترون الجبابرة تجاهلت وكل يد تطاولت، سفهت الأحلام وانتبه العوام والملك تراث أهل العزم والألباب دعوتكم ودعاكم الذل أجيبوا إحدى الدعوتين فلكم نبأ ولله وقد عهد إليكم الهدهاد عهدًا فيه الفصل والسداد فأجابوه وقدموه في الملك فسمى مالك ناشر النعم.
قالت حمير: نشر لنا مالك الملك بعد الموت وأحياه بعد الهلكة ورده بعد الذهاب - فقال في ذلك النعمان بن الأسود بن المعترف الحميري:
أنا شر وجه العز من جدت القبر أجدت على ما شئت من أجركم أجري
حييت بروح الملك في كل شارق تحية ملك في نماء إلى الحشر
لعمري لقد جللت حمير نعمة ستبقى لها فخر السيوف على ذكر
وراجعتها الملك الذي كان قد مضى فأنت حسام الدهر ذي النعم الزهر
ولولا سليمان الذي كان أمره من الله تنزيلًا ووحيًا على قدر
لما كان انس يبتغي أن يرومنا ولا الجن إلا أن نساق على قسر
ولكن قدرًا كان تحويل ملكنا إلى ابن نبي الله داود ذي النصر
[ ١٨١ ]
فنحن ملوك الناس قبل نبيه وقبل أبيه الحبر عصرًا من الدهر
ونحن ولاة الملك في الدهر ما بقى إلى أن يكون الدين قصرًا إلى الحبر
نبي أمين أمره غير زاهق رحيم بذي القربى لطيف بذي الوتر
شفيق رفيق واهب متفضل أمين له أمر يؤول إلى أمر
محمد الهادي وأحمد اسمه رسول منير مشرق الوجه كالبدر
له أمة منا غطاريف سادة مصا ليتها أهل النكاية والصبر
يدينون دين الحق عن دين أحمد يسيرون في الدنيا على الحق بالنصر
وسوف ترى السودان من أرض حمير من الأثل والأحقاف قسرًا إلى هجر
يكون لهت ملك لهم غير طائل يقيم بها عشرًا تؤول إلى عشر
فيخرجهم ذو الشأن منها بقدرة ويقتلهم قتلًا ذريعًا إلى البحر
ويغلب آفاق البلاد بعزمه ويبقى بذاك الذكر في آخر الدهر
يرد عماد الملك من آل حمير يقوم له إلا الأملاك بالحمد والشكر
بني حمير عدوا البلاء لعزكم فإن المعالي لا تصاب بلا صبر
فليس ينال العز من كان خاملًا وليس يدينون العباد بلا قهر
قال أبو محمد فلما ولي الملك ناشر النعم أقر بلقيس على ملكها بمأرب ولم يغير عليها شيئًا من ملكها - فقال الأعصم بن سام بت نوح بن زيد ابن المنتاب بن زيد بن عملاق الحميري يرثى سليمان بن داود النبي ﷺ فقال:
إن يكن الدهر أتى عامدًا فنال بالقسوة خير المنال
معتمدًا قهرًا إلى ذي النهي وخير خلق الله عند الفعال
إلى سليمان بن داود إذ علا على الناس بفضل الكمال
[ ١٨٢ ]
فهد بالملك ذرى ملكنا جلا بنور الوحي دين الضلال
هدى سريعًا بالهدى أمة عارفة في الحق حسن المقال
يا خير مفجوع فجعنا به مصطفيًا بلقيس دهر الزوال
لئن بعثنا من بني حمير فوارس الهيجاء يوم النزال
راحوا إلينا بالذي قاله قلنا الذي يسأل خير السؤال
دنا الذي دان على أننا لم نعطه الذلة عند المحال
فلم يسرد حربًا ولكنه مال إلى الرحمة قبل القتال
أقام رحبعم لنا دعوة من بعده يومًا كفئ الظلال
انتقم الله له منهم بعاجل السيف وبرد الشمال
فقام بالملك لنا ماجد يجود بالعرف وبذل النوال
يا ناشر الخيرات أحييتنا يا ناصر الملك على كل حال
قال أبو محمد وحدث أسد عن أبي إدريس عن وهب إنه قال - لما هزمت الملائكة أهل إنطاكية الذين قتلوا رحبعم غلقوا باب سورهم وعلوه فهبت عليهم ريح الشمال ببرد صرفا سقطتهم موتى ونزلت الملائكة إلى الباقين فقتلوهم والله أعلم - وعاشت بلقيس بعد ابنها رحبعم سنة وماتت فقال النعمان بن الأسود بن المعترف بن عمرو بن يعفر الحميري وهو من بيت الملك وأبناء الملوك يرثى بلقيس ابنة الهدهاد بن شرحبيل:
أخرج الموت من ذرى قصر بينو ن همامًا على الحمادير
حمير الخير قد رأيتك عصرًا ذا بهاء من قبل تقضي الأمور
فأراني إذا ذكرت همامًا ملكًا قد تضمنته القبور
يا لقومي لقد أراهم وللدهر صروف تمضي بهم فتبير
ناعمًا بالنا قد أوطأت ذلًا في شروق البلاد والخيل زور
[ ١٨٣ ]
وغروب البلاد ترجف منها وعلى ملكها السحاب المطير
فهم اليوم حشوة في قبور وأرى ما بقي إليهم يصير
صاح إن كان ملك حمير أودى جار فيه الزمان فيما يجور
أوحش العرش من ذوي أهل عز ورمى للزمان كف هصور
إن بلقيس قد أذل لها الملك سليمان واصطفاها قدير
إذ رسول له إلينا عجيب بكتاب وما آتانا غرور
قد آتانا بذاك في الطرس سطرًا فاهتدينا وكل ذلك نور
ذاك وحي من الإله بيان فاضًا الحق إذ آتانا البشير
هدهد من طيور أرض شآم فرمى في الهواء على العرش نور
باقتضاء الهدى إلى ملك بلقي س بغمدان إذ آتاها النذير
إذ أتى آصف فاختلس العر ش سريعًا وما لديه محير
لم تحس الاحراس نبأته حي ن تولى وكأنه مسحور
أبصرت في الكتاب بلقيس عجبًا فأتى منظر مهيب كبير
أرسلت في ملوك حمير إني قد آتاني الغداة لأمر منير
فأشيروا فقد رضيت بما قل تم فإن الملوك ممن يشير
فنطيب الصحاح منا لما جا ء ومر العباد أمر نكير
قام أهل النهي وقالوا الخير إن منك السداد والتبشير
نحن أهل الرشاد والملك والع ز لنا البأس والردى محذور
قالت الآن فاتقوا الذل منه كل ما قلت عنده معذور
إن اسنى ما لدي من الرأ ي وفي ذاك للجواب ظهور
[ ١٨٤ ]
لاطلاع الأنباء من خبر القو م وحكم من دونه مستور
أرسلت بين عاتق وغلام مائة شبهت عليها الحرير
وعتاقًا من الخيول تهادى وعليها من الملا تعبير
وصنوف الفصوص حمرًا وصفرًا وعلى ذاك لؤلؤ منثور
ولجين بحق عاج ودر مطبقًا ما يرى لديه فطور
وأتى بالبيان والعلم وحيا وهداه به العليم الخبير
كان ما كان بينهم من أمور وإلى ربها ترد الأمور
وأتى الوفد بالجواب على الحين وكل يشأنه مأمور
ثم ولوا بذاك من ذا وهذا ك وبادوا وملكهم مشهور
استعاروا من مالك الملك ملكا وإلى الله ما أعار يحور
اسلموا ملكهم ولم يسلموا من غير فلا ردى عليهم يدور
كل عسر وإن تطاول دهرا بعده الموت ذاك عمر قصير
قال أبو محمد: حدثنا أسد بن موسى عن زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق قال عبد الله بن عباس: أول من خرج من اليمن وشخص إلى أرض تهاتمة عملوق قال - عملاق بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح النبي - وأنشأ عملاق يقول عند شخوصه إلى مكة:
لما رأيت الناس في تبلبل وسائر مما درا النبأ الأول
يعفر في الجم الغفير المعضل فقال سيروا في البلاد الأمثل
قلت لقومي قول من لم يجهل سيروا بجمع القوم في تمهل
إلى يماني الأرض ذات القرمل نزلته حينا ولما أرحل
ثم رحلت عن مقام أطول إلى حريم البيت ذات الحرمل
[ ١٨٥ ]
وقلت يا طسم إلي فأعجل نحل بالبيت العتيق الأفضل
فسار عملاق ببنيه وبني بنيه وهم قبيل كثير حتى نزل مكة وبها بقايا هزان بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ، ثم شخص بعده أخوه طسم بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح النبي ﷺ في طلب عملاق وأنشأ يقول:
أني أنا طسم العلا بن سام ووالدي لاوذ بن رام
لما رأيت من بني الأعمام عملاق قد سار إلى المقام
قلت لنفسي الحقي في عام أخاك عملوقاُ وذا الإقدام
وخلفي يافث وآل حام
فسار حتى نزل الطائف وأرض جو - وهي اليمامة - وإنما سميت أرض اليمامة بالجارية الحادة البصر التي تسمى اليمامة، ثم شخص جديس ابن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح في أثر أخيه طسم - وقال سعيد بن سعد بن جديس:
أنا ابن مأمون الحياة عبقر لما بدا عملوق ذو التهير
إلى بلاد البيت ذي المحجر رأيت وجه الدهر في تغير
وفاض منا غير نكس أمدر قضيت سيرًا بالوجوه البصر
إلى حريم الأرض ذات المشعر من ارض سام جدنا المعمر
حتى نزلنا بالمقام الميسر
فسارت جديس حتى نزلت بجوار أخواتهم من طسم، وكان طسم بنوه
[ ١٨٦ ]
نزلوا مران من أرض جو وغلبوا على بقايا هزان بن يعفر بن سكسك المقعقع، وكان بنو هزان قد هربوا من مكة وأرض تهامة وحرها إلى طيب اليمن، فما اقل من بقي منهم بمكة والطائف وجو. ونزل جديس زبنوه على هزان في بوادي جو فأساء جديس وبنوه جوار هزان وتطاول عليهم فقال الأعفف بن هزان الهزاني في ذلك:
قد غرنا من دهرنا طول المنا وهرنا من دهرنا ما لزنا
وشتت الله علينا أمرنا ثم اجتنى الأحياء علينا بالفنا
قد غرنا الدهر لما قد غرنا أبناء عمرو ما نجوا من غمنا
قد تبعتهم غمنا ذوي الغنا
ثم سار قطورا ورائس ابنا لاوذ بن ارم بن سام بن نوح حتى نزلوا بأجياد. ولما ولي يعرب بن قحطان ملك مكة جرهم على بني عملاق وطسم وجديس ورائس وقطورا وجاور عملاقًا وكثر بنو جرهم بمكة حتى شاركوهم بها. فأقام جرهم بمكة دهرًا طويلًا، ثم مات وولي الملك بعده ابنه عبد ياليل بن جرهم فولي عبد ياليل بن جرهم بمكة الملك دهرًا طويلًا، وكان ملكه كملك أبيه من تحت ملك
يعرب بن قحطان والملوك من بنيه. ثم مات عبد ياليل فولي الملك من بعده ابنه حشرم بن عبد ياليل. فولي الملك دهرًا طويلًا وكان أجود خلق الله في وقته وأنداهم كفا فعمرت في زمانه مدينة مكة وكثر البناء وكثر الحجيج - فقال في ذلك الأسمر بن أسعد العملاقي يمدح حشرم بن عبد ياليل:
لابن عبد ياليل المعظم حشرم تناهى الندى فاقعد لذلك أو قم
[ ١٨٧ ]
لقد جر سجف العرف حتى أباحه تناول منه كل غان ومعدم
يرى ماله نهبًا لمن رام أخذه كأن عليه فيه الوه مقسم
لقد ضاع من يستودع الذئب شأنه كما ضاع مال ضمه بيت حشرم
إذا عذت مما لا يطاق بعزه تعوذت بالحرمان من رأس جرهم
فولي الملك بعده ابنه عبد المدان بن حشرم الجرهمي دهرًا طويلًا، ثم مات فولي الملك بعده ابنه نفيلة بن عبد المدان بن حشرم الجرهمي وكان عاملًا لعبد شمس سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود. فولي الملك دهرًا طويلًا، ثم مات فولي الملك بعده ابنه عبد المسيح بن نفيلة الجرهمي وغزا بالجيوش إلى أرض الحبشة وإلى بني ماريع بن كنعان، وإلى الشام فعمرت بذلك دهرًا طويلًا، ثم مات فولي الملك بعده ابنه مضاض بن عبد المشيح، واسم عبد المسيح عمرو - فغزا بالجيوش وقاتل الأمم، فولي بعد ذلك دهرًا طويلًا ثم مات، فولي الملك بعده ابنه الحارث بن مضاض الجرهمي.
قال أبو محمد في زمان شرحبيل وعمرو ذي الاذعار وقعت فترة في ملك حمير فنبغ في بني ماريع بن كنعان بن جالوت بن هربال، وقام بالشام ونصره بنو حام بن نوح النبي ﷺ ونصره القبط بن كنعان بن حام من أرض بابليون ونصره بنو النوب بن كنعان بن حام بن نوح النبي ﷺ من برية أرض بابليون، وكان طالوت داعيًا من دعاة النبي ﷺ،
وهو طالوت بت روحيل بن شمعون ابن خصرون بن عمون بن واهب بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن
[ ١٨٨ ]
إبراهيم أمره داود بجهاد جالوت، فخرج إليه في بني إسرائيل وأمره النبي داود أن يحمل التابوت الذي فيه السكينة، فسار بين يديه وقال له داود: إن الله أنزل فيه السكينة وأسكنها قلوبكم وزلزل أكباد بني ماريع وقذف نفسه فيها الرعب فجعل طالوت التابوت بين يديه كما تسير العرب بالرايات وكما تسير العجم بالفيلة فحمل التابوت على القنا، ثم سار بريد طالوت إلى النبي داود ﷺ يستمده فخرج داود ﵇ بمن معه وكان طالوت عالمًا بالحروب وبكل علم وأعطاه الله بسطة في العلم والجسم. فلما أتى داود انهزم جالوت وبنو حام وقتل داود جالوت، كما قال الله تعالى ﴿وقتل داود جالوت﴾.
قال أبو محمد: كان بنو إسرائيل من بعد داود سليمان يزحفون بذلك التابوت، وذلك إنه لما حمى الوطيس واستمر الوغى ألقى بنو إسرائيل القنا من أيديهم الذين يحملون بها التابوت فسقطت وحملت التابوت الملائكة فوق رأس داود ﷺ حتى هزم الجبارين وقومهم.
قال أبو محمد: لم يزل بنو إسرائيل يزحفون بالتابوت حتى كان في زمن الحارث بن مضاض الجرهمي بعد موت إسماعيل النبي ﷺ وبعد موت ابنه ووصيه نابت بن قيذار بن إسماعيل، فبدل بنو إسرائيل دين داود وسليمان صلى الله عليهما وسلم وانتحلوا على الزبور كتبًا انتحلوها وأنهم زحفوا إلى أهل الحرم وهم إذا ذاك عملاق وجرهم وبمكة بنو إسماعيل وكان إذا ذاك القائم والوصي فيهم بدين الله ودعوة إسماعيل همسيع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليهما. والملك يومئذ بمكة وما والاها الحارث بن مضاض الجرهمي، فلما أتى إسرائيل إلى مكة زاحفين بمن
[ ١٨٩ ]
نصرهم من بني إسحاق والروم الأول من أرض الشام برز إليهم جرهم في مائة ألف وعملاق في مائة ألف
فقاتلوهم قتالًا شديدًا فانهزم بنو إسرائيل ومن معهم ورموا بالتابوت فأخذته جرهم وعملاق فأتوا به إلى مزبلة من مزابل مكة فحفروا وله ودفنوه فيها فنهاهم عن ذلك همسيع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل ونهاهم عنه الحارث بن مضاض الجرهمي فعصوهما وقال لهم همسيع: أن فيه صحف الزبور وفيه السكينة فأخذهم الوباء بالغم وكانوا لا يتداركون فعمد الحارث بن مضاض إلى التابوت في تلك المزبلة فاستخرجه ليلًا وأخذه همسيع وكان عنده يتوارثونه وارث عن وارث إلى زمان عيسى ابن مريم ﵇ فإنه أخذه من كعب بن لؤي بن غالب، فلما هلكت جرهم وعملاق غمًا وفنوا جميعهم ولم يبق من عملاق إلا عشرون رجلًا فكانوا مؤمنين على دعوة إسماعيل مع همسيع وثمانية رجال من جرهم مع الحارث بن مضاض الجرهمي. فلما رأى الحارث قومه هلكوا ترك ابنه عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي عند الهمسيع وخرج هاربًا يجول في الأرض همًا وغمًا ووحشة لما نزل بقومه، وشب ابنه عمرو وتغرب الحارث ابن مضاض ثلاثمائة عام، ولقد كثرت فيه الأمثال وسار بغربته الصوت حتى ذكره حبيب بن أوس الطائي في الإسلام فقال:
غربة تقتدي بغربة قيس بن زهير والحارث بن مضاض
والفتى من تعرقته الليالي في الفياقي كالحبة النضتاض
صلتان أعداؤه حيث كانوا في حديث من ذكره مستفاض
هذه الأبيات في شعر له. وحدث ابن لهيعة عن أبي مخنف عن كميل بن زياد النخعي عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه إنه حدث يومًا
[ ١٩٠ ]
عن غربة الحارث بن مضاض الجرهمي قال: أخبرني عبد مناف عن أبيه عبد المطلب بن هاشم إنه قال: أدركنا الحكماء والمعمرين وأهل الآثار بالعلم الأول من أهل تهامة يذكرون غربة الحارث بن مضاض الجرهمي المتوج فكل قد رفع
الحديث إلى الياس بن مضر وكان الياس بن مضر مؤمنا. قال رسول الله ﵌ (لا تسبوا جدي الياس فإنه كان مؤمنًا ولا تسبوا تيما فإنه كان مؤمنا) زعم أن الياس قال: سالت عمي إياد بن نزار بن معد بن عدنان بن ادد بن همسيع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ قال: قلت له يا عم ما كان أصل مالك؟ قال لي: نعم يا بني مات أبي نزار وخلفنا ونحن أربعة أخوة - أنا ومضر وربيعة وانمار - وكنت أكبر أخوتي فاستخلفني عليهم وأمرني إن لم يتراضوا في القسمة أن يرتفعوا إلى القلمس الحكيم - أفعى نجران - فبلغنا إلى أفعى نجران فحكم لي بالخف والظلف وحكم لمضر بالقبة وحكم لربيعة بالفرس وحكم لانمار بالأرض. فحلت علينا أزمة شديدة فأهلكت مالي فلم يبق لي غير عشرة أبعرة فكنت أكري ظهورها وأعود به إلى أهلي حتى أتت رفقة إلى الشام من أهل مكة وأهل تهامة فأكريت ظهور جمالي وخرجت معهم وخرج أخوتي في الرفقة ربيعة ومضر وانمار فباع الناس تجاراتهم واشتروا ثم إني أكريت ابلي إلى المدينة، فلما بلغناها التمست شيئًا أكري فلم أجد، وتواعد الناس للرحيل بلغداة وبيننا وبين مكة عشر مناهل، فأمسيت مغمومًا، فبنما أنا كذلك إذ سمعت صوتًا كالرعد وهو ينادي ويقول: أيها الناس من يحملني إلى البلد الحرام وله وقر جمله درًا وياقوتًا وعقيانًا، فلا يجيبه أحد، اشتغل الناس عنه بأموالهم، قلت لنفسي ومالي لا أعطيه جملًا فإن كان صادقًا كان في ذلك الغنى وإن كان كاذبًا لم يضرني ذلك، فلم أزل أتبع الصوت حتى ظهر لي فإذا بشيخ كالنخلة
[ ١٩١ ]
السحوق أعمى ولحيته تناطح ركبته فراعني ما رأيت من عظم جسمه. فلما دنا مني قلت: يا شيخ عندي حاجتك، قال: ادن مني يا بني، فدنوت منه فوضع يده على منكبي فكأني أحس يده على عاتقي كالجبل. قال: إياد ابن نزار؟ قلت: نعم من أنبأك باسمي؟ قال لي: علمك عندي عن أبي عن جدي أن إياد بن نزار يرد
الحارث بن مضاض الجرهمي إلى مكة من بعد طول غربته. فكم عندك من الجمال؟ قلت: عشرة قال: يكفي. قلت: أمعك أحد غيرك؟ قال: لا ولكني أركب الجمل يومًا ويحيد قال: قلت أنا قد أنعمت له وبالله لا أرجع عن قولي أبدًا، قال: قلت له نعم، قال: فمل بي عندك أبيت، فبات عندي، فلما أصبح رفع الناس يريدون مكة وحملت الشيخ أريد معهم مكة ليس معي أحد. فسرنا نهارنا أجمع إلى الأصل فحيد جمل فقطرته وحملته بالغداة على غيره فسرنا ولم يزل يحيد لي جمل في جمل حتى بلغنا مكة وعلونا جبل المطايخ، قال يا بني: أحس الجمل يجرني جرًا أواقع جزت جبل المطابخ؟ قلت له: نعم، قال لي: أيجاورك أحد يسمع كلامي، قلت له: لا - قومًا أخرت وقومًا قدمت - قال: أتدري من أنا؟ قلت له: لا، قال لي: أنا الحارث بن مضاض بن عبد المسيح بن نفيلة بن عبد المدان بن حشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود النبي ﷺ - كنت ملك مكة وما والاها من الحجاز والتهائم إلى هجر والأنعمين وحضر العالمين إلى مدائن ثمود وكان الملك قبلي أخي عمرو بن مضاض - وكنا أهل تيجان - كنا نعلق التاج يومًا على رؤوسنا ويومًا على الرتاج بالبيت العتيق، وأنه أتى رجل من بني إسرائيل بدر وياقوت تاجرًا إلى مكة واشترى الملك أخي عمرو ما أتى به من الدر والياقوت ونقض الملك التاج
[ ١٩٢ ]
وزاد فيه العقيان والدر والياقوت وجعله كالمجن وإن الإسرائيلي غيب أحسن ما كان معه من الدر والياقوت ثم عرضه على بعض الناس وبلغ ذلك الملك عمرًا، فأرسل إلى الإسرائيلي فأتى به فقال له: لم غيبت عني عتيق ما معك وبعت مني نفايته ألم أبلغك أملك في درك وياقوتك؟ قال: نعم أيها الملك، قال: فما حملك على ما فعلت؟ قال له الإسرائيلي: هو مالي أيها الملك أبيع منه ما أحببت وأحبس منه ما أحببت. فغضب عليه الملك وأمر به فنزع عنه ما معه من در وياقوت وكان يسيرًا وإن الإسرائيلي رصد الذي يحمل
التاج إلى البيت يومًا ليعلق على البيت فعمد إليه الإسرائيلي فقتله وأخذ التاج وركب نجيبًا ورفع رأسه في أول الليل وأصبح الناس فلم يردوا من ذهب بالتاج واشتبه عليهم الأمر حتى أتى الخبر اليقين من بيت المقدس، فأرسل الملك عمرو إلى بني إسرائيل - وكان صاحب أمرهم فاران بن يعقوب بن سبط بن يامين - يأمره برد التاج ويأخذ منه كفاف حقه ويطل له الدم الذي أصاب، واعترف الملك بالزلة وندم عليه، فأبى عليه فاران. فأرسل إليه الملك عمرو: إنه يعلق على البيت العتيق بمكة ولم يجعل في ذلك التاج غصبًا قط ولا غلولا، فأرسل إليه فاران أني أعلقه على بيت المقدس، فأرسل إليه الملك عمرو: إن الله هو الغني، فهل تسلب بيتًا لبيت فتعظم شعائر الله وتحلها بغلول؟ فأرسل إليه فاران: نحن أهل كتاب أعلم بالله منك، فأرسل إليه الملك عمرو: اعلم الناس بالله من أطاعة ولم يعصه ولم أر بيتًا يسلب بيتًا ولكن ملكًا يسلب ملكًا. فخرجنا إليهم في مائتي ألف نحن جرهم في مائة ألف وعملاق في مائة ألف ونصرنا الأحوص بن عمرو العبدودي بطن من قضاعة بن مالك بن حمير في خمسين ألفًا من عبدود بن كليب بن وبرة بن حلوان بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير. واستنصر فاران بن يعقوب بقومه من الروم - وكان صاحب
[ ١٩٣ ]
أمر الروم شنيف بن هرقل - فنصره شنيف في مائة ألف من الروم. وخرج فاران في مائة ألف من بني إسرائيل ونصرهم أهل الشام في مائة ألف، فسار فاران بن يعقوب حتى نزل هذا الجبل وجاز عمرو الملك بمن معه حتى نزلنا هذا الجبل - جبل المطابخ - أفتدري لم سمي بجبل المطابخ؟ قلت: لا، قال لي: نعم لما نزل شنيف وفاران شرقي الجبل أوقدوا النيران فطبخوا. ونزلنا غربي الجبل فأوقدنا وطبخنا فسمي هذا الجبل جبل المطابخ. قال لي: فما اسم هذا الموضع الذي تريده؟ قلت له: قعيقعان، قال: أفتدري لم سمي قعقيعان؟ قلت: لا قال لي: نعم أصبحنا وأصبحوا تأخرنا لهم عن الجبل ونزلنا إلى سهب
قعقيعان، فلما تساوت بنا وبهم الأرض قعقعنا عليهم الجحف فسمي ذلك الموقع قعيفعان، قال لي: أفتدري وترى ربوة يقال لها (فاضحة) قلت له: نعم ها هي تلك وأنا أراها، قال لي: فسمعت بيوم شنيف؟ قلت له: نعم، قال: أتدري لم سمي يوم شنيف؟ قلت له: لا قال: نعم لما برز الجمع إلى الجمع برز من جمعنا أخي عمرو والملك وقال لي: يا حارث لك الملك بعدي. ثم تقدم إليهم فقال لهم: من ملككم وصاحب أمركم وإني أنا عمرو بن مضاض. قيل له: آمرنا إلى شنيف بن هرقل، قال لهم: أبرزوه لي لأكلمه. فبرز إليه شنيف فقال له عمرو: لم يموت الناس بيني وبينك ولكن ابرز إلي فإن قتلتني سمع لك من معي وأطاع لك ولك جميع السلاح والخف والظف والحافر والذهب والفضة، وإن قتلتك سمع لي وأطاع جميع من كان معك ولي ما فيه من جميع ما ذكرت لك، آخذه منهم أن قتلتك. قال له شنيف: نعم. فتعاهدا على ذلك. ثم برز إليه الملك عمرو وبرز إليه شنيف فاختلفت طعنتان بينهما، فطعنه عمرو فقتله على ربوة فاضح ونزل
[ ١٩٤ ]
إليه فجره برجله وفضحه وكذلك فسميت تلك الربوة فاضحة لما فضح عليها عمر شنيفًا. ثم أرسل عمرو إلى فاران أعطني ما تعاهدت عليه مع شنيف، فأرسل إليه فاران أعطيكه بمكة من أموال أهلها إذا رغبت عليها. فراسل إليه عمرو يقول له: ما أشبه أول ظلمك بآخره وقد أوعدتك القتال غدًا، فقال الأحوص بن عمرو العبدودي في قومه خطيبًا فقال: يا عشيرتاه إن الرأي اليوم ليس له غدًا أوصيكم بشكر ذي النعم والغيرة للحرم والتمسك بالحسن والكف عن المن على المن وعليكم بالحمية فإنها وجه العز ولا ترضوا بالدنية ففيها التلف، ولا تسارعوا إلى الحرب فإن فيها ذهاب المهج، وإن هجمت عليكم كرهًا فخذوها عزمًا ولا تخدعوا عند اشتباهها فإن لها شبهات وشهوات تعمي القلوب واحذروا كيد الحروب فانه يهدم العز ويسلب المجد، وأنتم أهل الملك التالد والحرب الأول وبنو إسرائيل والروم ثوار في
الملك والحروب، فإن زلت بكم قدم الحرب تقاعد أمركم بقديم الملك وإن تك عليكم الدائرة فهلاك الناس عند أول عثرة، فاصبروا يحييكم ربكم. وإن الملك عمرًا نهض إليهم بمن معه ونهضوا إلينا فتضاربنا طويلًا فحطمناهم بالسيوف حطمًا، ثم كانت لنا عليهم الدائرة فقتلناهم قتلًا ذريعًا فبذلك سمي يوم شنيف. وأدرك الملك عمرو فاران بن يعقوب على تل فقتله فسمي ذلك التل تل فاران وقال الملك عمرو شعرًا:
ولما رأيت الشمس أشرق نورها تناولت منها حاجتي بيميني
قتلت شنيفًا ثم فاران بعده وكان على الآيات غير أمين
فللموت خير من مذلة خامل يضيء بها حقًا لغير قرين
ثم مضى في أثرهم إلى بيت المقدس فأذعنوا له بالطاعة وأتوه بتاج الملك
[ ١٩٥ ]
فأخذوه وكانت فيهم امرأة جميلة يقال لها وبرة ابنة شمعون لم يكن مثلها في وقتها من سبط يوسف بن يعقوب، فأرسلوها إليه تكلمه في أمر نزل بها، وقد لبست حليها وحللها، فلما رآها عمرو الملك فتن بها فتزوجها - وكان ذلك مكرًا منهم له - فلما خلا بها قالت له: أرضيت؟ قال لها: نعم، قالت له: فأرضني. قال لها: لك ذلك. ثم رفع عنهم، فسار حتى بلغ مكة وكان سار معه مائة رجل من أكابر بني إسرائيل رهينة بالولد والعيال على السمع والطاعة من قومهم. ثم نزل بأجياد، ثم قال لي: أتدري لم سميت أجياد؟ قلت: لا، قال لي: نعم، لما نزل بأجياد عمدت برة بنت شمعون امرأته على حسكة من حديد فسمتها ثم ألقتها في فراشه عند منامه بالليل وأعدت نجبًا ورجالًا يردونها إلى بيت المقدس، فلما القى عمرو الملك نفسه في فراشه شجته الحسكة جنباها ودخله السم فمات وهربت وهرب معها المائة رجل الرهائن. فأخذت فرسان جرهم وعملاق وبلغت تل فاران وليس لهم عنه محيد حتى أتوا، فأخذتهم وأخذتها ورجعت بهم وبها إلى مكة فأصابت الملك
عمرًا وقد تناثرت مفاصله من السم فحفرت له ضريحًا وواريته، ثم أمرت بالمائة الرجل فقدموا إلى السيف فقال المتقدم الأول للسياف: احتفظ لا ترفع ولا تخفض وانزل سيفك على الأجياد، فسمي الموضع (أجياد)، ثم وليت الملك بمكة وتوجت ورجعت إلى بني إسرائيل والروم وأهل الشام من كان منهم باللسان الأعجمي، فخرجت إليهم في مائة ألف من جرهم ومائة ألف من عملاق فقاتلتهم بأمر فهزمتهم وكانوا زحفوا إلى بتابوت
[ ١٩٦ ]
داود الذي فيه السكينة والزبور فالقوه، فأخذته جرهم وعملاق ودفنوه في مزبلة من مزابل مدينة مكة فنهيتهم عن ذلك فعصوني، ولم يكن لجماعة قومي طاقة ونهاهم عن ذلك همسيع بن نبت قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم ﷺ فعصوه فعمدت إلى التابوت ليلًا فأخرجته وجعلت مكانه تابوتًا ودفعته إلى همسيع. ونزل بجرهم وعملاق الغم أجمعين إلا يسيرًا ممن نهى عن ذلك، ثم أخذت برة لأقتلها فقال لي: خدعت في مجلس الملك ودخل إليه نقيب بني إسرائيل وهو المقتول الأول ففعل ما رأيت ولا علم لي بذلك وكيف أفعل ذلك وأنا مثقلة منه، وأمرت القوابل فأصابوا الحمل بيننا وكان عمرو منع الولد غير بنتين كانتا له. فلما قيل لي ذلك أدركني أمري وغلبت علي الشفقة فحطتها وأدخلتها داخل القصر وجعلت عليها حرسًا حتى وضعت حملها فأتت بغلام سميته مضاضًا باسم أبي جده، فشب فلم يكن في وقته أجمل منه وجهًا. ودبرت أمري في قتل برة فقلت أقتلها لا آمن علي ولدها، ولكن أترك أمر أمه في أبيه إليه، ثم قال لي: أين أنت؟ قلت: برياض الغرقد قال لي: بلغنا مكة دع عنك أن تقصد مكة وامض بي إلى ذات اليسار إلى شعب الأثل والطلح، فلما بلغته قال لي: لجج بي يا بني حتى بلغت غيضة السمر والضال، قال لي: مل ذلك اليمين ومل ذات الشمال حتى أدخلني مواضع ما دخلتها قط على أني بمكة مسقط رأسي وكنت أفتك فاتك بها صعلوكًا بكل سهب وحالق، فلما لججت في غيضة الزيتون
قال لي: يا بني أبعدت وقد خلونا وثالثنا الله الشاهد العالم الواحد، يا بني إذا أسديت إلى المرء نعمة وجب عليه الشكر وأنت أسديت إلي نعمة ووجب بها علي شكرك فعلي
[ ١٩٧ ]
لك النصيحة أو فلي النصيحة، يا بني أنبئك بما ينجيك واعلم أن ما به أهديك أحب إلي مما به أغنيك، يا بني هل ولد في بني مضر مولود اسمه محمد قلت له: لا. قال: أن ولد وإلا فسيولد ويأتي حينه ويعلو دينه ويقبل أوانه ويشرف زمانه فإن أدركته فصدق وحقق وقبل الشامة التي بين كتفيه ﵌، وقل له يا خير مولود دعوت إلى خير معبود أجب أو لا تجب فإن أمره يباريك إلى الموت، فعند الموت يأتيك فأما هلك وإلا ملك فذهب مثلًا. ثم قال لي: يا بني هل بلغت الزيتونتين؟ قلت نعم: قال: ما اسم هذا الموضع يا بني؟ قلت: لا أدري، قال لي: أنزلني فأنزلته، فقال: اقصد في الزيتونيتن، فقصدت به نحوهما وبينهما صخرة عظيمة مربعة منحوتة فطاف بها طويلًا فلمسها بيديه علوًا وسفلًا ثم قال لي: يا بني هذا الموضع يسمى (موطن الموت)، ثم بكى حتى غسل دمعه وجهه ولحيته، وأنشأ يقول:
أموت فقيدًا والعيون كثيرة ولكنها بخلا علي جوامد
فلم تبق لي الأيام إلا مشذبًا أمت حين لا تأسى على العوائد
ولكن سيبكيني العلائق بالسرى ويبكي على قبري البروق والرواعد
تمادت بي الأيام حتى تركنني كمثل حسام أفردته القلائد
ونادى بي الأدنى واشمت بي العدى ويأمن كيدي الكاشحون الاباعد
ثم قال لي: يا بني أتدري لم سمي هذا الموضع موطن الموت؟ قلت له: لا، قال لي: أتدري لم سمي جبل مكة أبا قبيس؟ قلت له: لا، قال لي: أتعرف موضعًا يقال له الدار؟ قلت له: نعم. قال: أفتدري لما سمي (الدار) قلت: لا، قال: أتعرف موضعًا يقال له (الجار)؟ قلت: نعم، قال:
[ ١٩٨ ]
أتدري لم قيل له الجار؟ قلت: لا، قال
لي: نعم يا بني، إنه لما شب مضاض ابن أخي عمرو الملك لم يكن بمكة ولا ما والاها أجمل منه وانه كان من بنات عمه من بيت الملك جارية تسمى ميا ابنة مهليل بن عامر صاحب الشعب وكانت معه في نسق واحد وكانت أجمل من رأته ففتن بها وفتنت به وشب معها وشبت معه في حي واحد وصان مئزرة عنها وكان ذلك خيفة الطعن في الملك، فلما بلغ بهما الهوى مبلغه وحذرا من الفضيحة أو السقم والموت بعثا إلي فشكوا ما نزل بهما من شوق بعضهما إلى بعض فأرسلت إلى مهليل بن عامر بن عمرو وأعلمته ما كان منهما، فقال لي: أيها الملك أنت وليهما افعل بهما برأيك وزوجها منه وقد هجم علينا الشهر الأصم رجب وكنا لا نحدث فيه حدثًا غير العمرة والطواف حتى ينسلخ، قلت له: يا مهليل ينصرف رجب وافعل. وإن مضاضًا اعتمر وطاف، وبلغ ذلك ميا فأقبلت تعتمر وتطوف متنكرة غيرة على مضاض أن يتعرض متعرض ومضاض لا يعلم بمكانها وإن قبيس بن سراج الجرهمي من رهط حقير في جرهم رأى ميا فهويها وهي لا تعلم ومضاض لا يعلم بذلك، وكان قبيس يراعي أحوال مي. فلما بلغه أنها اعتمرت خرج إلى الطواف ليقضي لبانته من النظر إلى مي فكانت مي تطوف وتراعي أحوال مضاض ومضاض لا يعلم بذلك ويطوف قبيس في إثر مي لا تعلم بذلك وإن رقية بنت البهلول الجرهمي طافت وكان يومًا قائظًا، فطافت رقية بنت البهلول فعطشت عطشًا حافت منه على نفسها الموت واحتشمت أن تقف لأهل السقاية وسدنة البيت من جرهم. فلما أبصرت مضاضًا نادت به لشبيبته وحملها عليه حالة الشباب فقالت له: يا مضاض اسقني جرعة من ماء فاني خشيت أن أموت طمأ، فأمر فناولها فرأته
[ ١٩٩ ]
مي حين ناول رقية الماء فاشتعل قلبها غيرة فسقطت مغشيًا عليها وجعلت ترعد ولا تدري ما هي فيه، ونظر إليها الحجيج فقيل لهم: عرضت وإن ميا أدركت نفسها فقامت فلم تستطع الطواف
وولت إلى منزلها، وكان منزل أبيها مهليل في سفح جبل مكة، فأتت أباها فقال لها: ما الحجيج يا بنية افترق؟ فقالت له: لم يفترق الحجيج يا أبت ولكن الكوت لا يكتم إليك شكواي واستعانتي لأنك عمادي ورجائي، قال: فما لك يا بنية؟ قالت له: انصدع قلبي صدعًا لن يلتئم بعدها صدعه، قالت: يا أبت إن مضاضًا ابن عمي دعا قلبي فأجابه، فلما أجابه قذف الهوى خلف النوى قالت له: رأيته يلاحظ رقية بنت البهلول وسقاها ماء ففارق روحي جسمي أسرع من طرفة عين، ثم تداركت أمري ورأيت إنه بدل حسبًا بحسب وخطرًا بخطر ولم يبلغ والله خطر البهلول مهليل بن عامر ولا رقية بنت البهلول ميا بنت مهليل بن عامر، قال لها أبوها: صدقت لا ورب الكعبة ما يكون ذلك، قالت له: يا أبت لن والله أقيم بموضع يكون فيه مضاض بن عمرو أبدًا وإني راحلة إلى أخوالي جسر بن قين بن حمير من بلى (وبلى نسل من قضاعة بن مالك بن حمير وكانوا نزلوا بامج ذات الضال)، فقال لها: لك ذلك يا بنية، وأنشأت تقول:
مضاض غدرت الحب والحب صادق وللحب سلطان يعز اقتداره
غدرت ولم أغدر وللعهد موثق وليس فتى من لا يقر قراره
إذا جاءني ليل تململت بالذي دعا كبدي حتى تمسكن ضاره
أبيت أقاسي النجم والليل دامس وللنجم قطب لا يدور مداره
إذا غاب لم أشهد وكان محله محلي وداري حيثما كان داره
إذا هاج ما عندي لأول غيرة علاه اشتعال ما يطاق استعاره
وإن قبيس بن سراج آتاها وأنشأ يبث لها أخبارًا ليفرق بينها وبين مضاض
[ ٢٠٠ ]
لما رأى من غيرتها حين سقطت بالطواف فعمل شعرًا على لسان مضاض. وشعرًا على لسان رقية وقال لها: يا مي رأيت عجبًاَ! قالت: ما هو؟ قال لها: رأيت مضاضًا واضعًا كفيه على قرون رقية بنت البهلول في الطواف وهو يدافع عنها
أهل الطواف سانحًا وبارحًا، ثم استسقته ماء فناو لها سقاء بيده فشربت وناولته، فأنشأ مضاض يقول، قال له: ما الذي قال يا قبيس، قال لها: قال:
رقية قلبي قد تباين صدعه وللحب مني شاهد ودليل
رأيت الهوى يهوى وللوصل واصل فهل لك أن يلقى الخليل خليل
قال: فأجابته رقية فقالت:
أصون الهوى والطرف مني كاتم ولا يعلمون الناس إذ ذاك ما دائي
سوى أنني قد فزت منك بنظرة تجرعت عذب الحب منه مع الماء
قال: فالتمستها حمية قول قبيس وجعلت تقبل بين خيام الحي مرة وتدبر أخرى وهي لا تعلم ما هي فيه، ثم قالت لأبيها: نذرت لله نذرًا يا أبت لترحلن غدًا إلى أمج ذات الضال وانزل مع جسر بن قين، قال لها أبوها: نعم. وحملته الحمية والأنفة على ذلك لما استبدل بخطره وقدره، وإن رجلًا من أهل الحي بلغ مضاضًا فاعلمه بما قال قبيس وبما قالت مي. فركب فرسه وأخذ سيفه وخرج يريد قتل قبيس وأنذر قبيس بمكان مضاض فخرج هاربًا في البيداء، فما أدري أي الأرض انطوت عليه إلى يومنا هذا. فلما لم يجد مضاض من قبيس أثرًا وأعجزه هربًا، رجع إلى مي وأصاب أهل الحي يحتملون وأصاب ميًا راكبة على نجيب في هودجها فقصدها وقال: يا مي أعيذك بالله أن تغدري من لم يغدرك وهذا موقفي
[ ٢٠١ ]
بين يديك فجودي لمن لم يجترم جرمًا، وقال:
يعشى عن الناس لحظ طرفي وعنك يا مي غير عاشي
أتهجريني بغير ذنب وتقتليني بقول واشي
قال فولت عنه وعيناه تغرورقان دموعًا وتبعها وهي تقول:
كذبت هوى وحنثت إذا يميني إذا طالبت أثرًا بعد عين
سأرحل والفؤاد له وجيب واقطع للنوى بينًا ببيني
إذا شط المزار عن ابن عمرو نزلت بغربة جسر بن قين
كأني حيت أطلبه وصالًا ويصرمه أطالبه بدين
تعست إذا وخان أبي وأمي وبعت بعارها زيني بشين
وتجهمته وزحفت غضبى وتمادى الحي للرحلة ومضوا وافترق الحي من سفح الجبل أبا قبيس لما فرق قبيس بن سراج من جمعهم منه - وإن مضاضًا لمت ظعن الحي رجع فركب ناقة وبدل زيه وخرج في طلب الحي وكان له خليلان من بني عمه عمرو وعامر فركبا في أثره حتى لحقاه فقالا له: يا مضاض خلعت تاج الملك بطلاب الهوى قال لهما: غلب الهلع التجلد والجزع والصبر والهوى حاكم والقلب محكوم عليه - وأنا إذ ذاك غاز إلى بني إسرائيل نزلت إليهم بجبل طورسينا - ثم بلغت أمج فنزلت لجعل عليها عيونًا يأتونه بأخبارها ويطوف حول أمج من حي إلى حي ولا يعلم من هو ومعه خليلاه عمرو وعامر - فقال:
أعلل قلبي بالمنى ولعلها تقول أبارت لابن عم مقادره
وترثى لمفتون الهوى ولعلها تصدق حبًا صدقته سرائره
يظل يراعي الحادثات نهاره فإن غبن عنه فالقيمر مسامره
يحارس طرفي الشبه من أم غالب أناظر من أشباهها ما تناظره
[ ٢٠٢ ]
لعل فؤادًا كنت قبل فؤاده يرق لمن أرجأه بالموت ناصره
فإن صدق الناس صدق منيتي فإن رجائي صدقته خواطره
لئن بان من مي مدى الوصل فانقضى لقد حل من محذوره ما أحاذره
قال: وأتاه آت فقال له: إن أهل أمج يريدون الرحيل إلى خريف نجد وإن مهليل بن عامر يريد الرحيل إلى مكة فاستبشر بذلك فقال:
خليلي من أمج فارتعا على الضال من مي حتى تريما
لهوت ولم أدر حتى بدت لي الشمس تحتل ليلًا بهيما
غزال يسف برير الأراك غرير يطرف طرفًا سقيما
مهاب السنام وغصن اليشام وبدر التمام تبدي الغيوما
فظل فؤادي غريق الهوى وظلت جفوني تراعي النجوما
أعمرو وعامر إن تظعنا فإني على الضال أمسي مقيما
ورحل مهليل يريد مكة وإن مضاضًا سار مع خليليه حتى لقيهم بالجار فغلب فرط الصبابة على مضاض فتعرض لها في طريقها فقال لها يا مي اتقي الله أن تغدريني:
علام قبست النار يا أم غالب بنار قبيس حين هاجتك ناره
على كبد حرى وأنت عليمه بغيب رفيق لا يبين ضماره
سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى عليه وهجر أنا وحبك جاره
فتهجمته وولت غضبى وهي تقول:
أبي حسبي من أن يهان وإن يكن وقد قدحت فيه العداة ذليلا
فأبديتني للناس حتى نصبتني وأبديت من نفسي إليك خليلا
[ ٢٠٣ ]
فلما تساوى الحب والأمر مقبل عدلت ولم تظهر إلي جميلا
رأيت مكاني حين وليته معرضًا إلى حسب البهلول قليلا
فرجع إلى عمرو وعامر فقالا له ما قالت: قال لهما: قالت:
تصد بلا جرم علي بوجهها وتبعدني لما أردت التقربا
كأني أنادي حية حين أقبلت سفاها فما تزداد إلا تغضبا
قال: فسمي ذلك الموضع الجار لقوله:
سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى عليه وهجرانًا وحبك جاره
قال: فمضى حتى أتى مكة فغلب عليه الهوى ورجع منها عاطفًا فتعرض لها بالموضع الذي يقال له الدار، فقال لها:
علام قبست النار يا أم غالب بنار قبيس حين هاجتك ناره
على كبد حرى وأنت عليمه بغيب رفيق لا يبين ضماره
سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى عليه وهجر أنا وحبك جاره
فام لم يكن وصل فلفظ مكانه إليه وإلا موطن الموت داره
قال: فولت عنه وتجهمته وقالت له: والله لا ألقاك بها أبدًا، فولى إلى صاحبيه وقال: والله لا أشرب بعدها ماءًا أبدًا، وولى وأنف أن يدخل مكة ومضى معه صاحباه يستعطفانه على شرب الماء، فأبى لهما فجال حتى غلب عليه وانصدع قلبه في صدره لما خامره اليأس حتى بلغ هذا الموضع فغشيه الموت، فأناخ ناقته وأخذ رأسه عمرو وجعله في حجره وقال له:
[ ٢٠٤ ]
قصفك الدهر يا مضاض، ففتح عينيه وقال له: قصفني قبيس، وقال: وكانت مي تكنى بأم غالب:
علام قبست النار يا أم غالب بنار قبيس حين هاجتك ناره
على كبد حرى وأنت عليمه بغيب رفيق لا يبين ضماره
سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى عليه وهجر أنا وحبك جاره
فإن لم يكن وصل فلفظ مكانه إليه وإلا موطن الموت داره
خليلي هذا موطن الموت فاندبا مضاض بن عمرو حين شط مزاره
سلا صاحب الخيمات عن قبر هالك لدى دوحة الزيتون سرت صواره
يحن له عود الصوار كأنها إذا هبت الأرواح فيه حواره
فيا ليت شعري عنك يا مي ما الذي أردت بمأسور طويل أساره
فيا ليت شعري عن قبيس بن شارح على كل غبرا أين قر قراره
خليلي عوجا بي إذا مت وأبكيا على دنف بطن الضريح وجاره
صريع هوى نائي المحلة نازح سجا بعد إشراق الصباح نهاره
على إنه قرت إذا هب طارق فليت عرين لا يشق غباره
عفيف عن الفحشاء في كل حالة إذا ما أبيح اللهو يومًا إزاره
فيا شجر الزيتون ويلاك فاندبا على هالك ثوب الضريح شعاره
قال: ثم مات وقد قفلت من غزاتي، فلما نزلت المطابخ نعي الي قيل لي: أوصاك أن تدفنه بموطن الموت بين الدوحتين، الموضع الذي مات فيه، فأصبته ميتًا ومعه صاحباه، فحفرت له ضريحًا في هذه الصخرة وواريته وجعلت عليه هذه الصخرة العظيمة، وهذا قبره تحتها، ولكن يا بني قف بي أودع قبره فبتنا عليه. ثم قلت له: فما كان من أمري؟ قال
[ ٢٠٥ ]
لي: نعم، كان مهليل ينزل المطابخ، وكان منزله الأزهر وكان بجوار البهلول، فلقيت رقية بنت البهلول ميًا ابنة مهليل فقالت لها مي: ما كان من شأنك ومضاض؟ فأعلمتها، فقالت لها: ظلمتيه يا مي بالله ما كان بيني وبينه قط سبب ولا كتمته غي استسقائي منه الماء وذلك أني كدت أموت عطشًا، واحتشمت أن أقف إلى السدنة، ولم أر من أعرفه من أهل الطواف، ولما رأيت مضاضًا حملتني إليه دلة القرابة وحداثة سنه فكلمته فسقاني، ثم ما رأيته بعدها إلى يومي هذا. قالت لها مي: فهل كان منك إليه شعر ومنه إليك شعر؟ قال لها: لا والله ما كان بيني وبينه كلمة غير استسقائي الماء إليه. وآتاها علم أمر قبيس وما وشى بينهما، فندمت على ما كان منها إليه، وبعث إليه، فلم تجده وتعاظم شوقها لما علمت من كلفه بها وبراءته مما أنطقته به. فبينما هي تسأل عنه وتلتمس من لقيه إذ نعي إليها، فتوارت عن الحي إلى تلعة أمام الحي وتبعتها جارية من الحي يقال لها سلمى من بنات عمها كانت مؤانسة لها مطلعة على أسرارها فوجدتها ساكتة تنظر يمينًا وشمالًا كأنها جنت. قالت: ي مي أراك هبلاء وقد مات مضاض؟ قالت لها: قسوة أدركتني منعتني الدمع، وفي الدمع إراحة، لو أصبت إليه سبيلًا. فلما سمعت نساء الحي ينتحبن وعلت أصواتهن أجابها الدمع
فبكت، وأنشأت تقول شعرًا:
آيا موطن الموت الذي فيه قبره سقتك الغوادي الساريات الهوامع
ويا ساكنًا بالدوحتين مغيبا لأن طرت عن ألف فالقك تابع
ثم قالت:
أيا شجر الزيتون ضميت مهجة أنت هضبة من دونها ورياض
[ ٢٠٦ ]
ويا دوحة الزيتون بالله فرجي عن الكبد الحراء كيف مضاض
لئن جاد لي وجدًا بنفس كريمة أثبه بنفسي والثواب قراض
أأرغب في الدنيا حياة سقيمة ويأتي سواد دونه وبياض
قالت: وآلت على نفسها أن لا تشرب ماء حتى يرد جمل أبيها هوز - وكان هوز لا يرد إلا عن خمس - فأقامت يوميين وليلتين، فلما كان يوم الثالث - ولا أحد يعلم بها غير سلمى - غشيها الموت مع الليل فولت إلى الربوة واتبعتها سلمى. فلما بلغت أعلى الربوة سقطت، قال سلمى: فوضعت يدي على فمها فوجدته كالحجر الصلد، فرفعت رأسها إلي بلسان غليظ وصوت خفي، فقالت بكلام ضعيف لا أكاد أبينه (قولي لأبي يدفنني بالدوحتين بجوار مضاض) وقالت:
يقولون مي أسرعت بفراقها فمات مضاض والهوى غير نادم
فيا ليت أني مت من قبل موته بطيب الهوى قبل الردى المتفاقم
لقد مت يوم الماء موتًا أمر من سمام الأفاعي في نقيع العلاقم
فهل هو إلا الروح بالروح أسوة وها هي نفس ارتقت في الحيازم
وقالت سلمى تبكي ميًا:
لم تكن لوعة الهوى لانفراج من يقاسي الهوى فليس يناجي
إن يكن مات من هواها مضاض قد قضت دينه بأيسر حاج
غرس الحب في حشاها فوجًا قلبها بعدة بمدية واج
إن في الموت راحة المحب بات في الوصل ساعة غير راج
ثم لم تلبث إلا يسيرًا حتى ماتت وبلغت سلمى أباها فأعلمته، فدفنها في الدوحتين. وها هنا قبرها غير إني لا أقف عليه، ولقد ضرب بموت
[ ٢٠٧ ]
مضاض المثل في زمانه، قال رجل من أهل الطائف يقال له بهنان كان من أهل هزان بن سكسك بن وائل بن حمير:
أموت جد الفراق بيثرب كما مات من حر الفراق مضاض
فتى لم يخن لكن ردى الدهر خانه تولى وللأيام فيه عضاض
فباد ويحيي ذكره بعد موته حديث على طول الزمان مفاض
وخاض ببحر لم يكن منه مصدر بعيد على الوراد ليس بخاض
دعاه وقد قضى من الموت نحبه بنات الثرى من دونهن رياض
قال: وإن الحارث بن مضاض ألقى بنفسه إلى قبر مضاض وأنشأ يقول:
أنا الملك المحجوب بالحجر والصفا إلى البارقات الغر بين القوانس
رضيت عن الأيام دهرًا فخلخلت على الليالي بعدها بالهواجس
فأفردت من طسم وعاد وجرهم وعملاق والشهبا جديس ورائس
فلما رأيت الدهر ألوى بأسرتي وأفردني بعد الهمام الممارس
تجشمت من كرمان كل تنوفة وجاوزت حد القصر من أرض فارس
ولججت في لجى سمرقند فانتهت بي الأرض بهما أقعدت كل ناحس
جبال بكل الطرف دون أنوفها وجوماته صاد قفار بسابس
فسامرت رجل الجن في فلواتها وساريت جري العاصفات الروامس
نزحت عن الدنيا ولست بنازح وعديت عن رسم الديار الدوارس
تغربت في الدنيا مثينًا ثلاثة ولا بد من حتم الصروف العوابس
بعيس إياد انتهبت إلى التي تطم على مجرى النجوم النواحس
[ ٢٠٨ ]
أسير بطرف ما يغمض ساعة وقلب على نهج المنية دائس
لنا نومة أنا نؤول إلى رضى وأما باقي النوى غير حابس
وقال الحارث أيضًا:
شكرت مسارعًا نعم الأيادي لخير الناس كلهم أياد
إلى ابن نزار جبت القفر حتى نزلت برحلة من غير زاد
تمدح لي فجئت إليه أسعى أجاب برأفة صوت المنادي
أجاب نداي إذ صموا لصوتي فرد بدعوة منه فؤادي
فلما أصبح قال لي: قم يا بني، فقمت معه فمشى وهو يحس بيديه الأرض حتى أتى إلى صخرة مطبقة على صخرة أخرى وبينهما خلل يسير فقال: ادن مني يا بني، فدنوت منه فأخذ عضدي وقلع الصخرة، فإذا تحتها سرب تحت الأرض فأخذ بمنكبي فأدخلني السرب وهو خلفي وحيات تصفر عن يميني وشمالي وريح زهمة تنطح وجوهنا. فسرت بين يديه حتى أتيت إلى صخرة أيضًا مطبقة على صخرة ليس لنا مسير، قال: فامسك عضدي بيده اليسرى وأدخل يده اليمنى إلى تحت الصخرة فقلبها فإذا بسرب آخر أسفل من ذلك، فأخذ بمنكبي لئلا أهرب عنه وأدخلني بين يديه. فسرنا حتى أفضينا إلى دار تحت الأرض مضيئة، ولا أدري من أين ضياؤها وفيها بيت قبلي إلى مكة. فقال لي: لا تخف مما ترى فانك ستخلص وتمشي على الدنيا من نسلك قبائل، قال: فخرج من البيت تنين أسود أحمر العينين يجر عرفه ودار في وسط الدار فصار كالجبل العظيم وجعل رأسه أعلاه. ثم دخلت البيت وأصبت في البيت أربعة أسرة ثلاثة عليها ثلاثة رجال وواحد ليس عليه شيء، وفي وسط البيت كرش من در وياقوت ولجين
[ ٢٠٩ ]
وعقيان، فقال: خذ وقر جملك يا إياد، ليس لك غيره - فإن زدت غللت - وكان إياد ديانًا بدين الحنيفية دين آبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق صلى الله عليهم أجمعين، قال
إياد: فأخذت وقر جملي درًا وياقوتًا وذهبًا وتركت بقيته واخترت خياره ثم خرجت، فقال: أتدري من هؤلاء الموتى؟ قلت: لا، قال: هذا الذي يسار سريري الخالي مضاض أبي. وهذا الذي عن يساره عبد المسيح أبوه، وهذا الذي عن يسار عبد المسيح نفيلة أبوه ابن عبد المدان، قال وعلى رأس كل واحد منهم لوح من رخام مكتوب فيه كتاب بالمسند، فعمدت إلى السرير الذي كان عن يمين باب البيت فأصبت شيخًا كبير اللحية أسيل الخد تام العنق تام الصلب مسجى وعليه ثياب كالرماد السحق. فأخذت اللوح فقرأته فإذا فيه مكتوب: أنا نفيلة بن عبد المدان بن حشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود النبي ﷺ - عشت خمسمائة عام وقطعت غور الأرض باطنها وطاهرها في طلب الثروة والملك، فلم يك ذلك ينجيني من الموت، وتحته مكتوب:
قد قطعت البلاد في طلب الثر وة والمجد قالصًا أثوابي
وسريت البلاد قفرًا لقفر بعنائي وقوتي واكتسابي
فأصاب الردى بنات فؤادي بسهام من المنايا صواب
فانقضت شرتي واقصر جهلي واسترحت عواذلي من عتاب
فدفعت السفاه بالحلم لما نزل الشيب في محل الشباب
صاح أبصرت أو سمعت براع رد في الضرع ما قرى في الحلاب
قال: ثم ملت إلى الثاني فإذا بفتى لم أر أجمل منه وجهًا بوجه كدره القمر وأشفار سقطت على خده ولحية سوداء بلغت سرته وسترت صدره تام
[ ٢١٠ ]
العنق تام الصلب وعليه ثياب كالهباء. وأخذت اللوح الذي على رأسه فإذا فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن نفيلة بن عبد المدان، عشت مائة سنة وركبت مائة فرس، وافتضضت مائة بكر، وقتلت مائة مبارز، وأخذني الموت غصبًا وأورثني أرضاَ وتحته مكتوب:
حلبت الدهر أشطره حياتي ونلت من المنى فوق المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني فلم أخضع لمعضلة كؤود
وكدت أنال في الشرف الثريا ولكن لا سبيل إلى الخلود
قال: فملت عنه إلى الآخر فأصبت شيخًا آدم كث اللحية خارج الوجنتين قصير العنق واسع المنكبين وعليه ثياب كالهباء، فأخذت اللوح عن رأسه، فإذا فيه مكتوب: أنا مضاض بن عبد المسيح عشت ثلاثمائة عام، وأخذت مصر وبيت المقدس، وهزمت الروم بالدروب، ولم يكن بد لي من الموت، وتحته مكتوب:
قد تجرعت بعد طول زماني غصة فارقوني اللذات
لا تغرن عيشك اليوم دنيا عمرا ما منها له ميقات
منزل قد تحكم الدهر فيه ليس للنازلين فيه ثبات
كل شيء تخني عليه الليالي آخر الحزن والسرور الممات
ثم نظرت إلى لوح فوق رأسه معلق، فأخذته فإذا فيه مكتوب: أنا الحارث بن مضاض، عشت أربعمائة سنة، ملكت مائة، وجلت في الأرض ثلاثمائة سنة متغربًا بعد هلاك قومي جرهم. وتحته مكتوب:
هلَّ دمعي لفرقة الأحباب واغترابي عن معشر بالحضاب
[ ٢١١ ]
أوطنوا الجزع جزع بيت أبي مو سى إلى النخل بين حجر وقاب
من ملوك متوجين لديه وكهول أعفة وشباب
وبهاليل كالليوث مصا ليس ت مغاوير في الحروب اللجاب
بحلوم رواجح وبهاء واقتدار على الأمور الصعاب
ونساء حواصل عاطلات وبدور مجوبة في القباب
نازلات بين الحجون إلى الخي ف خرا عيب كالدمى اتراب
ها هم نازلون بالذكر فيه حين غابوا به مغيب الشهاب
أسعدتهم أيامهم ثم ولوا ما على الدهر بينهم من عتاب
فهم المطمعون جودًا فعادوا طعمة للثرى وصم الخضاب
فلي الويح بعدهم وعليهم وإليهم من بعد ذاك مآبي
كل حي يموت حقًا فيفني سبب غالب على الأسباب
قال: ثم قال لي: يا بني أعطني تلك القارورة التي في تلك الكوة، فأعطيته إياها فشرب نصفها وأطلى بنصفها جسده. ثم قال لي: يا بني إذا أتيت أخوتك وقومك فقالوا لك: من أين لك هذا المال؟ فقل لهم: أن الشيخ الذي حملت الحارث بن مضاض الجرهمي، فهم يكذبونك، فقل لهم: هذه آية لكم فمر بهم على الحجر المدفون بجوار زمزم فقل لهم: إن مقام إبراهيم في هذا الحجر الأحمر وإن شعر الحارث في هذا الحجر الآخر وهو قوله: كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا. قال ثم قال لي: أعطني القارورة الأخرى فأعطيته إياها فشربها، ثم صاح صيحة ما ظننت إلا أن أهل الدنيا سمعوها، ثم مات مكانه، ثم تمكن على سريره وهجم علي التنين واستدار
[ ٢١٢ ]
في وسط البيت على ما بقي من المال وخرجت أنا فبلغت مكة. فقال لي أخوتي وقومي: من أين لك هذا المال؟ فأعلمتهم فكذبوني فمضيت بهم إلى الحجرين فرأوا مقام إبراهيم ﷺ وقرأ وأشعره وهو هذا:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا صروف الليالي والجدود العواثر
فهل فرج آت بشيء تحبه وهل حزن ينجيك مما تحاذر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
ملكنا فاعززنا وأعظم قدرنا فليس لحي غيرنا شم فاخر
فإن تنثن الدنيا علينا بريبها فإن لها حالًا وفيه التشاجر
فأخرجنا منها المليك بقدرة كذلك بالإنسان تجري المقادر
أقول وقد نام الخلي ولم أنم مدى الليل لا يبقى سهيل وعامر
وبدلت منها أوجهًا لا أحبها وبدل منها حمير ويحابر
فصرنا أحاديثًا وكنا بغبطة كذلك عضتنا السنون الغوابر
وفيه حمام لا يراع أنيسه إذا خرجت منه فليست تغادر
فسحت دموع العين تجري لبلدة بها إلا من آمن الله فيه المشاعر
قال أبو محمد: وإن إيادًا لم يعد إلى الموضع لما حرم عليه الحارث، وكان إياد على دين الحنيفية، وكان دين الحنيفية غالبًا على العرب يدينون به حتى أنشأ عمرو بن قمعة الكناني - فهو أول من غير دين إسماعيل وإبراهيم ونفى أحكامهما - ولقد حدث ابن عباس قال (قال رسول الله ﵌: ﴿رأيت عمرو بن قمعة وهو يجر قصبة في النار﴾
[ ٢١٣ ]
عمرو بن قمعة أول من عبد اللات - وهي صخرة عظيمة يلت عليه الطعام ويطعمه قومه - فسميت الصخرة اللات.
قال أبو محمد: حدثني أبي هشام عن أبي يحيى السجيستاني عن رجل من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن في أيام الإمام علي بن أبي طالب بالكوفة قال لي الرجل: خرجنا أنا وأبي إلى صحراء عدن وكان جدي ساكنًا بعدن فدفن مالًا في صحراء عدن وأوصى أبي إنه احتاج أن يأتي موضع كذا من صحراء عدن، وانه قعد بنا الدهر فسرت مع أبي فأصبنا ثلاث روابي متقابلات، فقال لي أبي: لقد اشتبه علي الموضع، ما أدري أي هذه الروابي هي؟ فما رأيك؟ فقلت له: وهل بد من الحفر إن كنت تعلم أن المال في إحداهن، ثم لاح له أمر وعلامة فقال لي: احفر ها هنا، فحفرت فكنت إذا حفرت وأعييت حفر أبي مكاني حتى انتبهنا إلى بلاطة عظيمة فحرصنا على قلعها فعجزنا عن قلعها، ثم حفرت الثانية فوصلت إلى بلاطة أخرى مثل الأولى فأعجزتنا، فحفرنا الثالثة، فوصلت إلى بلاطة مثل
الأولين فأعجزتنا أيضًا فقال لي أبي: ما ترى يا بني؟ قلت له: أنت شيخ كبير لا تستطيع شيئًا، فهل لك أن تخلفني ها هنا وتمضي تأتي ببعير وعبد من عبيدنا؟ فقال لي: يا بني الموضع مهول وأخشى عليك الوحشة وغلظ البلد، قلت له دع عندي من الشراب والطعام ما يكفيني، وخرج على وجهه. فبات عني ليلتين، فلما كان في الليلة الثالثة وأنا قائم أصلي وكنت كثير التلاوة للقرآن، فلم أشعر إلا ورجل جميل الوجه نقي الثياب طيب الريح يمشي وهو يقول:
لولا تلاوتك القرآن ما امتسكت بالأرض رجلاك فاعلم أيها الرجل
في بلدة لعتاة الجن ماردة في كل أفق لها من همسها زجل
[ ٢١٤ ]
لك النصيحة عندي وهي واجبة على ذوي الدين إن لم يسبق الآجل
فاستوقر اليوم من رزق خصصت به ولا تعد راجحًا ينأى بك الأجل
قال: فحفظت الشعر. وطلع إلي أبي والعبد معه والبعير فأخبرت أبي بما كان، وأنشدته الشعر. ثم أتينا إلى ما حفرنا أولًا فقلعنا الحجر، فإذا بشيخ يده مغلولة إلى عنقه بغل من حديد، في هامته وتد من حديد حتى نفذ من دبره، وأصبنا عند رأسه ورقه من ذهب مكتوب كتابًا لا نعرفه. فأخذنا الورقة، وأعدنا البلاطة إلى موضعها وأهلنا التراب على البلاطة حتى رجعت كما كانت. ثم أتينا البلاطة الثانية، فإذا تحتها عجوز مسودة الذوائب واضعة إحدى يديها على رأسها والأخرى على عورتها وإلى جانبها كتاب في لوح لا ندري ما هو، فأخذنا اللوح وأعدنا البلاطة وأهلنا التراب عليها. ثم قلعنا البلاطة الثالثة، فإذا تحتها سرب دقيق ضيق، فدخلناه فأصبنا خابيتين مكشوفتين فيهما رجلان متقاربة أسنانهما متشابهان عليهما حلل مرصعة بالذهب ورأينا كتابًا على الجرتين لا نعرف ما هو، وأصبنا مالًا كثيرًا ذهبًا وفضة وغير ذلك من الدر والياقوت ما لم ير مثله قط. فقال لي أبي: وثقنا بالله وبالغنى وحبور الدهر، فقلت له: يا أبت وكيف الخلود مع الفناء لا
خير فيما يفنى وأم مالنا في هذا قليل في حياة قصيرة؟ فأوقرنا جملنا ثم أوقرنا نحن لنحمل فلم نقدر أن ننهض به، فلم نزل ننقص منه ونريد النهوض فلم نستطع حتى أخذنا في أيدينا ياقوتة ودرة فلم نقدر نهوضًا بهما. فقال لي أبي: الق ما معك يا بني فقد أخذنا رزقنا، فعلمنا أنا منعنا غير ما صار إلينا، فقلت لهما: قد رأيتما ما كان وإياكم أن يعود أحد منا فيهلك، وإن العبد أسر على مواليه الرجعة، فأعتق أبي العبد وكثرت نعمنا ووهب للعبد مالًا جسيمًا يتجر به، وإن العبد أخذ لذلك الموضع ما يصلحه فأخذ معه عونين وسار
[ ٢١٥ ]
لأنه يعرف علامات الموضع، فلما نال من الغار توار عن عونيه ليقضي أربه وبات عوناه أرقين قد ذعرهما ما يريان من وحشة ذلك الموضع وهوله. فحدثني العونان قالا: سمعنا في جوف الليل حسًا وذعرًا وحركة شديدة من ناحية العبد واضطرابًا، فجزعنا من القيام إليه لخوف داخل قلوبنا. فلما أصبحنا أصبناه ميتًا وفي حلقة آثار وفي ثيابه أخداش فحفرنا له وأوريناه وولينا هاربين لئلا يدركنا الليل في ذلك الموضع. قال: ومكثت الورقة واللوح عندنا سنين لا نجد أحدًا يعلم ما فيهما، فبينما أنا في موضع، إذا أنا برجل من أهل نجران من بني الحارث بن كعب، نبيل جميل وهو يسأل، فقلت له: والله يا عبد الله انك لجميل وخليق بالخير فما اضطرك للمسألة؟ فقال لي: يا عبد الله الحمد لله الذي أحسن أبيك وأغناك عن خلقه ومنعك من هذا المقام، اعلم إن الغنى والفقر حظان مقسومان كنت عظيم الدنيا فابتليت بأن سلبت وملك رقي فأعلمت الذي ملك رقي رجل من البغاة من بني الحارث بن كعب من أبناء الملوك فاشتدت قسوته علي حين أعلمته فتركته ليلة من ذلك حتى تباعد عن الحي في بعض حاجاته، فأخذت سيفًا لبعض أهل الحي وقتلته، فصاح لما ضربته فسمعه ولداه، فتبعاني فرجعت عليهما، فلقيت واحدًا فطعنني فبريت قناته ثم أمضيت عليه ولقيت الآخر وبيده سيف فغلبت عليه فقتلته. فإن علاني الزمان فلكل شيء دولة
فالفقر يدال من الغني والسقم يدال من الصحة والهرم يدال من الشباب والموت يدال من الحياة. وقد كان سليمان بن داود بالمكان الذي علمت فابتلى بأن سلب ملكه وجلس عدوه على كرسيه، وابتلى بالفقر وتصدق عليه
[ ٢١٦ ]
وسلب النعمة أربعين يومًا، ثم رد الله عليه ملكه. وما ذلك كان من ذنب له عند الله ولكن ذلك صنعه بالنبيين والصالحين يبتليهم بذلك وينظر كيف صبرهم وليمحو ذنوبهم ويعظم في الآخرة أجرهم، قلت له: إنك لفقيه فما دينك؟ قال لي: الإسلام، قلت: فهل تقرأ؟ قال لي نعم: ثلاثة ألسن فوقع في نفسي أمر الورقة واللوح فأخرجتهما إليه فإذا هو يقرأ ذلك الكتاب وإذا هو بالمسند كتب، وإذا في الورقة التي كانت مع الشيخ المغلولة يده إلى عنقه والمضروب في رأسه وتد خارج من دبره، هذا الشيخ عمرو بن لحي أول من غير دين إسماعيل وعبد اللات. قال: وقرأ اللوح الذي أصبنا مع العجوز فإذا فيه: هذه سعدة بنت جرهم جلبت السحر من دنيا وند وتعلمته وسحرت سبعة أخوة من خيار جرهم فصيرتهم وحوشًا لا يقرون مع الأنس ولا يطمئنون إلى دعة ويرعون مع الوحش كما ترعى. فأتت أمهم إلى نابت بن قيذار بن إسماعيل في الشهر الأصم فقالت له: يا ولي الله إن سعدة الساحرة أتلفت أولادي عني أحوج ما كنت إليهم فأنا مؤمنة وهي كافرة فادعوا الله عليها، فقال لها: افعلي، فقالت: رب إنه الشهر الأصم حرمت ما حرمت فيه فانتقم ممن لم يحرم حرامك ولم يحل حلالك وقالت:
يا رب إن سعدة السحارة تحملت مآثما كباره
قد سحرت ظالمة أولادي وشردتهم فيغبا البلاد
هاموا مع الوحش مع الغفول ويعسفون غامض المجهول
فأبلها بنفسها يا رب ولقها سوء جزاء الكسب
وانسها السحر بعدل منكا واهتك لها ستر الحياء هتكا
ولقها ما عملت في عاجل وفرجن كرب المقام الهائل
[ ٢١٧ ]
قال نابت: اللهم افعل قال، فأنساها الله السحر وهتك عنها ستر الحياء فما لبست ثوبًا حتى ماتت. ورجع السبعة النفر إلى نابت فأعلموه بما كان يتخايل لهم في أعينهم وقلوبهم، فدعا عليها نابت فهلكت فكففت، فلم تقبلها الأرض حتى غرقت، وذلك مقام الظالمين. فقلت له: هل لك أن تقيم عندي فأني توسمت فيك الخير وأزوجك؟ فقال: قد فعلت ذلك وأنت أهل لما أملت من الخير. فزوجته وشاركته في معاشي فأصبته موضعًا لما أملت ورجوت وقال لي: أين أصبت هذه الألواح؟ فقلت: في مغارة بصحراء عدن، قال: فاطرق مليًا فقلت له: مالك؟ قال لي: نعم لم يكن إسلامي إلا على مغارة قال لي: كنت أعبد ما يعبد قومي من الأصنام وكانت لنا أصنام على باب مغارة كنا ندفن فيها موتانا وكنت عاشقًا لابنة عمي، فكنت دهرًا لا أستطيع ذكر ذلك، ثم إن الأمر عظم بي ففشا ذلك في أهل بيتي فمشوا إلى أبيها فسألوه أن يزوجها وكنت امرأ داعرا فقال لهم أبوها: كيف أزوجها وتسألوني تزويجه ولو سأل أحدكم أن يزوجه كريمته لم يفعل ولرده فارضوا لي ما ترضون لأنفسكم قال. فلما قال ذلك يئست منها قال، وخطبها رجل من غير له حسب ومال جم فزوجه إياها، فمكث أيامًا معها ما شاء الله ثم إنه قال لأبيها لابد لي من الخروج إلى بلادي، فأذن له وأنها ماتت بعده وأدخلت في المغارة فغلب علي الوجد بها وجعلت تمثالها نصب عيني فألقيت ثيابي وأخذت ثيابًا رثة كثياب سدنة الأصنام فأقبلت إليهم وصرت منهم وقلت لهم: إني أردت أن أكون معكم من سدنة الأصنام فأقبلت إليهم وصرت منهم وقلت لهم: إني أردت أن أكون معكم من سدنة الأصنام فقربوني، فلم أزل معهم حتى عرفت المكان الذي تركت فيه الجارية، فإذا هو بيت فيه أثريات من رخام في أثرة منها جسد
[ ٢١٨ ]
مكشوف الوجه. فأصبت غفلة من أصحابي وأتيت تلك القبور ومعي مصباح وجعلت
أتصفح واحدًا بعد واحد حتى انتهت إليها، فلما رأيتها عرفتها، فلم أملك نفسي أن وقعت عليها، فجعلت ألثمها وأقبلها فسمعت ناحية البيت هينمة خفية فأوحشني ذلك وجعلت الثمها وأقبلها أريد منها أمرًا وذلك بعد ثلاث لها وجعلت الهينمة تدنو مني، فإذا أنا بثلاثة نفر عليهم أحسن ما رأيت من الثياب بياضًا ورائحة طيبة ووجوه جميلة، وأخذني هيبة لهم فدنا أحدهم فتفل في وجهي وقال: بؤسًا لك. ثم أتى الثاني فمسح على صدري فخفق قلبي في صدري وعشي علي بصري. ثم دنا مني الثالث فمسح يده على وجهي وصدري وقال: أضلت الأصنام عبادها واغتبط من عرف الله لا اله إلا الله محمد رسول الله، فتجلى عن بصري الغشاء وسكن قلبي في صدري. فوليت هاربًا إلى نجران فأصبت دعاة النبي ﵌. فمضيت من فوري ذلك إلى المدينة فدخلت على النبي ﵌، فاحمر وجهه كلما أخبرته حتى ذكرت له فعل الآخر وكيف ذهب عني عشا عيني وعن قلبي الوجيف فأشرق قلبه ﵌، فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله أهدني، فشرح ﵌ لي الإسلام، فأسلمت وقرأت سورًا من كتاب الله.
قال أبو محمد: حدثني أبو عبد الايلي عن ابن لهيعة إنه قال: إن آخر مال الحارث بن مضاض أصابه عبد الله بن جدعان التيمي من قريش.
قال: حدثني مكحول عن أبي صالح عن عبيد بن شرية الجرهمي، وكان عبيد بن شرية معمرًا أدرك حرب داحس وبلغ إلى أيام معاوية في الإسلام وكان مسامرًا له. قال عبيد: جمع الحجيج بمكة عبد الله بن جدعان وكان أوسع المال كثير المعروف جوادًا، فاجتمع وجوه العرب في داره
[ ٢١٩ ]
على مائدة، فقلنا له: ما كان أصل مالك يا عبد الله؟ قال: نعم كنت صعلوكًا من صعاليك قريش فتاكًا أطلب الغوائر فبينما أنا كذلك إذ آتاني عامر البراض أخو بني كنانة فقال لي: ألا أبغيك قنصًا يا
عبد الله، قلت: نعم، قال لي: أن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن نزل بعراعر آمنًا على أسرابه فركبت فرسي وسرت أنا ومالك البراض، فطردنا مائة ناقة حتى ألقيناها بالطائف، فأرسل كلاب إلى قريش أن سفيهكم أغار علي وطرد لي مائة ناقة فليس لكم أن تشهدوا سوق عكاظ ولي لديكم وبرة. وكان عكاظ في وسط أرض قيس عيلان، وإن قريشًا ائتمرت بقتلي لا أجني عليهم الجرائر فيطلبون بسيء وهم تجار لا يستغنون عن بلد. فلما أتيت منزلي من الطائف قيل لي: إن قبائل قريش ائتمرت بقتلك فانج بنفسك، فأخذت زادًا ومزادًا وخرجت هاربًا مع الصباح إلى دوحة الزيتون أتظلل فيها وقريش تطلبني، واني أتيت دوحة الزيتون هاربًا مستسلمًا للقتل، فلم أزل أهرب وأطلب موضعًا أختفي فيه والقوم في طلبي حتى أتيت إلى حجر طبق على حجر بينهما خلل يدخل منه النحيف متجانفًا في ذلك الخلل، فدخلت وأدخلت معي زادي ومزادي، ثم هال علي السرب، ثم قلت لنفسي موتي في هذا السرب أحب إلي من أن يقتلني قومي فيشمت عدو ويحزن حبيب وأترك قومي دحلًا في قريش. فسرت هاربًا ملججًا في السرب حتى دخلت دارًا عظيمة فيها بيت وفي وسط البيت جوهر وياقوت ولجين وعقيان وفيها أربعة أسرة على كل سرير رجل قاعد وعلى رأسه لوح من رخام مكتوب بالمسند. فقرأت الألواح فأصبت فيها أن أهل الألواح الحارث بن مضاض وعبد المسيح ونفيلة ومضاض بن عبد المسيح فأقمت خمسة أيام في ذلك البيت آكل من زادي وأشرب من
[ ٢٢٠ ]
مزادي حتى أيست قريش مني فخرجت ليلًا وأحرزت فلم أجد أحدًا في الغيضة فأخرجت ما أصبت من المال وأخذت الألواح خيفة من قريش تكون لي عندهم براءة، ثم بلغت منزلي فأخذت جملًا وخرجت إلى ذات الحليفة ليلًا. فلما أصبح أتت سيارة يريدون مدين، فسرت معهم لا يدرون من أنا ولا ما معي حتى بلغت مصر فبعت ما معي وأصبت مالًا
جليلًا فرجعت فنزلت ينبع على مالك البراض أخي بني كنانة، فقصصت عليه قصتي مع قريش، فقال لي: هاك خمسين ناقة واجعل أنت مثلها وسر بنا إلى كلاب فقلت لها: لا أنا قد وسع علي في رزقي ولكن اشتر لي مائة فاشتراها وسقتها أنا وهو حتى أتينا كلابًا فأرسلنا إلى ابنه جعفر بن كلاب فدفعنا إليه العكرة من النوق، ثم تبعنا كلاب في بيته وهو شيخ كبير فقلت له: لا تموت هزلًا، فلما آتانا قال لي: ارجعوا بالرحب والسعة، فرجعنا من عنده، ثم سرنا إلى سوق عكاظ وأرسلت إلى قريش فشهدت عكاظ ذلك الموسم، ثم انصرفت معهم إلى مكة، فلما ظهر بعض مالي وثبوا علي وقالوا: غدرت وأعلمتهم بما كان من المغارة وأخرجت لهم الألواح فأرسلوا معي خويلد بن أسد بن عبد العزي وخويلد أبو خديجة زوج النبي ﵌ ووهب بن عبد مناف الزهري وهو جد رسول الله ﵌ أبو آمنة أم النبي ﵌. فسارا معي وسرت بالألواح حتى دخلت ودخلا معي وعاينا الأشباح قالا لي رد الألواح فرددت كل لوح إلى مكانه وخرجنا واعتونا على حجر عظيم فسددنا به الخلل لئلا يكون القبر ملعبة للسفهاء.