على أي حال أصبح اليون إمبراطورًا جديدًا للدولة البيزنطية، وصار تبعًا لذلك المسؤول الأول عن الدفاع عن القسطنطينية وتخليصها من الأزمة التي تعيشها، وأسفر عن ما كان يخفيه عن المسلمين من المخادعة والمكر، ومحاولة إضعافهم بكافة ما يستطيع من الوسائل والسبل، ولا غرابة في ذلك؛ فهو يبني لنفسه مجدًا، وينافح عن بني دينه ووطنه. وظهر لمسلمة بن عبد الملك خطؤه، واشتد أسفه، وغلبته كآبة وهم عظيم١، ولكن هيهات بعد فوات الأوان.
وهنا نقف بعد أن تكشفت الأمور عند بعض الأحداث أثناء الحصار لاستجلائها، ومعرفة الموقف الإسلامي والبيزنطي أثناء وغِبَّ ذلك.
استعراض القوى:
يصف الليث بن تميم الفارسي وهو أحد المشاركين في الحملة البحرية مشهدًا أثار انتباهه وتعجبه؛ فذكر أنه بعد أن تكاملت القوى الإسلامية أمام أسوار القسطنطينية صف المسلمون قواتهم صفًا طويلًا جدًا، أو صفين - لم ير الليث مثلهما في حياته - مع الكراديس٢ الكثيرة، وأظهروا (السلاح في ألف مركب بين محرقات وقوادس فيها الخزائن.. والمعينات فيها المقاتلة ٣، وذلك
_________________
(١) ١ العيون والحدائق ص ٣٠. ٢ كتائب الخيل، واحدها كردوس. لسان العرب، مادة (كردس) . ٣ تاريخ دمشق ٥٠/٣٣٨، وانظر ٤٥/٣٧٤. والمحرقات: قال في لسان العرب مادة (حرق) الحراقات سفن فيها مرامي نيران، وقيل هي المرامي نفسها. والقوادس: هي السفن الكبار. لسان العرب مادة (قدس) ويؤيده ما ذكر في النص من حمل الخزائن والأمتعة فيها. أما المعينات: فذكر في النص أنها التي تحمل الجنود والمقاتلة.
[ ٤٥٠ ]
لاستعراض القوى أمام العدو، وبث الرعب والخوف في النفوس، وقد فعلوا مثل ذلك في الحصار الأول.
ولم يجد إمبراطور الروم بدًا من مسايرة المسلمين وإظهار التحدي فصف " رجاله فيما بين الحائط والبحر صفًا طويلًا بحذاء صف المسلمين " وأظهروا السلاح ١.
وفد مسلمة إلى اليون:
فيما حفظ لنا محمد بن عائذ عن شيخه الوليد بن مسلم عن يزيد بن جابر خبر السفارة التي بعث بها مسلمة بن عبد الملك إلى اليون في القسطنطينية، بعد أن ظهر منه المكر والخديعة، وانحاز إلى صف الروم وصار ملكًا عليهم، لتناقشه في نقض ما أبرم معهم من اتفاق، وتناشده وفاء العهد: “أين ما كنت عاهدت الله عليه من النصيحة لنا وإدخالنا إياها؟ ”، قال بعد أن أذن لهم، وعرف أفراد الوفد ٢: “لئن ظن مسلمة أني أبيع ملك الروم بالوفاء له لبئس ما ظن”، وعرض عليهم أن يصنع لمسلمة وللجيش طعامًا وحمامًا، فيدخلون ويصيبون من الطعام والحمام ثم ينصرفون، فردّ أفراد الوفد بحزم رافضين ذلك، وأنهم لن يبرحوا إلا بدفع الجزية عن صغار أو يدخلوا المدينة عنوة، فقال اليون: “إن دون ذلك لصغارًا وقتالًا شديدًا..” ثم دعا بغداء فغداهم من الألوان والطرائف، ليظهر للوفد عدم تأثرهم بالحصار، وليؤكد ذلك أوعز للوفد بأن يطلبوا ما يشاؤون ويتشهّوا، فقال البطال: “كفًا من تراب من خلف الخندق”٣، فغضب
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق ٥٠/٣٣٨. ٢ هم البطال وأبو زرعة اللخمي وثالث لم يصرح باسمه، قد يكون سليمان بن معاذ الأنطاكي انظر العيون والحدائق ص ٢٨. ٣ وذلك من أجل الفأل، وهو أمر محمود وقد كان رسول الله ﷺ يحب الفأل ويكره الطيرة
[ ٤٥١ ]
وأمر فخرجوا من عنده، وأتوا مسلمة بما كان بينهم ١
أثبتت هذه الرواية وقوع المسلمين في الخدعة نتيجة الغفلة عن المنهج الرباني في التعامل الصحيح مع أهل الشرك؛ قال تعالى: ﴿كيفَ يكونُ للمشركينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧] أي أَمَانٌ، وقال: ﴿كيفَ وإنْ يَظهروا عليكم لا يَرقُبوا فيكم إلًاّ ولا ذِمةً يُرضونكم بأفواههمْ وتأبى قلوبهمْ وأكثرهمْ فاسقون﴾ [التوبة: ٨]، ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى بصدد هذه الآية تحريض الله تعالى للمؤمنين على معاداة الكفار والبراءة منهم، وأنهم لا يستحقون عهدًا ولا أمانًا لشركهم بالله تعالى وكفرهم بالرسول ﷺ، ولأنهم لو ظهروا على المسلمين لم يبقوا ولم يذروا٢.
هذه الرواية أكدت ما رجحنا من قبل وهو أن الاتفاق المبرم كان بين مسلمة بن عبد الملك واليون عندما تكاتبوا وأشهدوا على ذلك ٣، وليس بين اليون وسليمان، وأن اليون عرف أفراد الوفد، مما يدل على لقاء سابق بهم قبل هذا اللقاء، وأثبتت غدر اليون ونكثه لما أبرم مع المسلمين من المناصحة وتسهيل دخول المدينة.
وفيها ما يؤكد ارتفاع روح المسلمين المعنوية مع بعد الدار وكَلَب العدو عندما أعلنوا أمام الملك - في تحدّ - أنهم لن يبرحوا إلا بدفع الجزية عن صغار، أو فتح المدينة عنوة.
وأظهرت نباهة هذا الملك وحزمه عندما رفض غاضبًا أن يعطيهم شيئًا من تراب المدينة، لا كما فعل نظيره الفارسي الذي حمَّل وفد المسلمين - في نزق
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق ٦٦/٢٤٦-٢٤٧،وانظر الذهبي، تاريخ الإسلام (٨١-١٠٠) ص ٢٧١. ٢ الإلّ: القرابة، والذمة: العهد، انظر تفسير ابن كثير ٢/٣٣٨، ٣٣٩. ٣ تاريخ دمشق ٥٨/٢١.
[ ٤٥٢ ]
ـ وقرًا من تراب، تفاءلوا به في فتح بلاده١.
وفدُ ملك الروم إلى مسلمة وابن هبيرة في بذل الفداء وطلب الصلح:
وعند ابن عساكر في رواية أخرى لابن عائذ عن شيخ من موالي ابن هبيرة عن عمر بن هبيرة القائد البحري لأسطول المسلمين المحاصر للقسطنطينية ذكر فيها قصة مجيء رسول ملك الروم إليه، مستجديًا إياه في التوسط لدى القائد العام مسلمة بن عبد الملك لقبول عرض الفداء الذي تقدم به إليه الملك، فرفضه مسلمة، وهو أن يدفع (فدية صلح على كل إنسان بالقسطنطينية من رجل وامرأة وصبي٢ دينارًا دينارًا، على أن ترحلوا عنا إلى بلادكم..)، فأصرَّ مسلمةُ على أن يؤدوا الجزية عن صغار، أو يدخل البلد عنوة.
قال رسول الملك في استجدائه لابن هبيرة - بعد أن حكى له ما شاهد من سوء أحوال المسلمين مما حاول ابن هبيرة ستره عنه ـ: “الصغارُ ما لا تطيب به أنفسنا أبدًا..”، وطلب منه أن يتوسط لدى القائد مسلمة لقبول العرض، فرد عليه ابن هبيرة من فوره بصواب رأي مسلمة، وأنه غير مخالف له وأنه عونه على ما يريد، وأن ذلك ما أمر الله تعالى به، فغضب الرجل وصلَّب على وجهه وانصرف إلى أصحابه ٣.
إن تقدم الروم بهذا العرض على مسلمة ثم على ابن هبيرة دليل على شدة الضراء التي كانوا بها من جراء الحصار المضروب على مدينتهم، حتى وإن
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٢/٣٩٢ ٢ وعند صاحب العيون والحدائق عن كل رجل بالغ فقط ولم يذكر المرأة والصبي ص ٣١، لكن ابن هبيرة في رواية ابن عساكر هذه شاهد عيان وطرف في المفاوضات. ٣ تاريخ دمشق ٦٨/٢٣٠-٢٣١.
[ ٤٥٣ ]
لم يكن محكمًا من ناحية الشمال، وحتى مع علمهم بسوء أحوال المسلمين فقد نفد صبرهم، وتطلعوا إلى إنهائه والتخلص منه وبذلوا في ذلك أموالهم.
وهنا ما يدل أيضًا على سمو الروح المعنوية لدى المسلمين، وأنهم لا تُنَهْنِهُهُمْ الصعاب، ولا يغريهم بريق المال، وأنهم عندما يسيرون في جهادهم لأعداء الله تعالى وفق ما شرعه لهم على لسان رسوله ﷺ فإنهم يرهبونهم، وتحصل لهم العزة، ويتصل حبلهم بالله سبحانه.
وفي هذا النص ما ينبئ عن تلاحم القيادة الإسلامية، واتحاد كلمتها أمام عدوها.
هذا وكشفت بعض النصوص عن وجود عناصر عربية نصرانية كانت تعيش في بلاد الروم وكانت تقاتل جنبًا إلى جنب في صفوفهم، بل كان بعضهم شديدًا على المسلمين؛ كما في قصة خالد بن عمير السلمي الذكواني في مبارزته وصراعه مع الرجل الإيادي أثناء فترة الحصار، والتي انتهت بأسْره، ثم بعثْه إلى هشام بن عبد الملك وهو بحرّان، فقتل بين يديه لما أصر على الكفر ١.
استغاثة اليون بملك برجان (البلغار Bulgar) ٢وما كان بينهم وبين المسلمين:
ولعل من أهم ما حدث أثناء فترة وقوف المسلمين على القسطنطينية
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق ١٦/١٧٩، ومعجم البلدان ٣/٤٣-٤٤. ٢ ينحدر البلغار من أصول صقلبية على الراجح، وهذا ما يفسر تسمية بعض المؤرخين المسلمين لهم بالصقالبة، وهم قسمان: بلغار الفولجا (اتيل) شمال بحر الخزر، وبلغار الدانوب (الطونة) جنوب غرب القسطنطينية، وهؤلاء الأخيرون هم المعنيون هنا، وقد كان بلغار الدانوب يسمون ببرجان. انظر: ابن خرداذبة، المسالك والممالك ص ٢٥٧، وبارتولد، مادة (بلغار) في دائرة المعارف الإسلامية ٤/٨٨، والموسوعة العربية الميسرة ص ٣٩٨، والراجحي، العباسيون والبلغار ص ١٤، ١٥.
[ ٤٥٤ ]
عندما ألظّ بأهلها الحصار استنجاد إمبراطورهم اليون بملك البرجان؛ ترفل Tervel، وتخويفه من المسلمين، فتحرك هذا الأخير وأوقع بالمسلمين وقعة عظيمة في مخادعة منه كما سنرى بإذن الله تعالى.
وقد وردت إشارات موجزة لدى بعض المؤرخين الأقدمين تومئ إلى ما حصل بين المسلمين وبرجان؛ كما عند الطبري رحمه الله تعالى فيما رواه عن الواقدي؛ حيث ذكر في أحداث سنة ٩٨؟ إغارة برجان على مسلمة بن عبد الملك وهو في عدد قليل من المسلمين، فطلب المدد من أخيه سليمان فأمده، وذكر مكر الصقالبة، ثم هزيمتهم بعد ذلك، وفتح المسلمين لمدينتهم١.
لكن التفصيل الشافي لتلك الأحداث هو ما رواه ابن عساكر رحمه الله تعالى بسنده عن شاهدي عيان مشاركين هما الليث الفارسي وأبو سعيد المعيطي٢، وهذه الرواية أقرب ما تكون إلى الحقيقة لقرب رواتها من الحدث، وللتجرد من الهوى؛ فليس هناك ما يدعو إليه، وملخص هذه الرواية:
أن اليون كتب إلى صاحب برجان بعد أن اشتد عليه الحصار وخاف ظهور المسلمين يخبره بنزولهم على بلده ويستصرخه لنجدته وقال مخوفًا له إنهم: “إنما يقاتلون الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى..” ٣. وقد استجاب ملك برجان لهذا النداء سريعًا، ونظرًا لأن مسلمة لم يعلم بخبر هذه المراسلة فقد أظهر له ملك برجان في كتاب إليه فرحه بغزو المسلمين لبلاد الروم، وعرض عليه المساعدة، فكتب مسلمة إليه بحاجته إلى الميرة والسوق فقط، فاهتبل الملك هذه
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٦/٥٣٢، وكامل ابن الأثير ٤/١٤٧. ٢ للتأكد من مشاركتهما انظر تاريخ دمشق ١٦/٦٢، ٥٠/٣٣٧، ٦٦/٢٦٧. وأبو سعيد هو مولى لمحمد بن عمر المعيطي الأموي، شارك في غزو القسطنطينية وحصارها الأول والثاني. انظر عنه: تاريخ دمشق ٦٦/٢٦٧-٢٦٨ ٣ تاريخ دمشق ٢٢/٤٤٢.
[ ٤٥٥ ]
الفرصة وكتب إلى مسلمة يخبره بإعداد سوق عظيمة للمسلمين في مكان اختاره تحيط به الجبال والغياض، فلما نزل المسلمون بذلك المكان يريدون التسوق على غير حذر أو خوف من عدو - وكان مسلمة قد ولى عليهم رجلًا - أحاطت بهم كتائب برجان فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا، ثم عادوا إلى بلادهم. وجاء الخبر إلى مسلمة ومن معه من المسلمين فأغمهم ذلك وأزعجهم ١.
مما يلفت النظر في هذه الرواية تعاضد قوى الكفر لحرب الإسلام ومناهضة المسلمين؛ فلم يصرفهم عن هذا اختلاف الدين أو الجنس أو وجود العداوة بينهما، بل كانت المبادرة سريعة من قبل برجان، لإنزال ضربة غير متوقعة بالمسلمين.
ويلفت النظر كذلك تخلي مسلمة بن عبد الملك عن الحذر في مثل هذا الموقف الخطر الذي ينبغي فيه الاحتياط وأخذ الأهبة للعدو، وعدم الركون إلى ما يُظهر من اللين أوالموادعة أوالموافقة، ولاسيما أنهم في حالة حرب، وأنهم ما زالوا يتجرعون غصص غدر اليون بهم.
لم تبين الرواية حجم الإصابة التي لحقت بالمسلمين؛ لا عدد القتلى، ولا المأسورين، ولا الفارين، لكن يفهم منها أن مصيبة المسلمين كانت فادحة، لمباغتة العدو لهم على غير أهبة أو استعداد، والتعبير بقوله: “فقتلوا ما شاءوا وأسروا ما شاءوا إلا من أعجزهم”٢ يوحي بذلك، وقريب منه قول ابن كثير: “فقتلوا خلقًا كثيرًا من المسلمين وأسروا آخرين، وما رجع إلى مسلمة إلا القليل”٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٢٢/٤٤٢-٤٤٣، والبداية والنهاية ٩/١٨٣-١٨٤ وقد صرح بالنقل عن ابن عساكر. ٢ تاريخ دمشق ٢٢/٤٤٣ ٣ البداية والنهاية ٩/١٨٤
[ ٤٥٦ ]
ويتضح من هذه الرواية عدم دقة رواية الواقدي التي أومأنا إليها قبل قليل - كما رواها الطبري - والتي تفيد أن برجان أغاروا على مسلمة نفسه وهو في قلة من الناس، والأمر ليس كذلك لأن إغارتهم كانت على المسلمين الذين رغبوا في التسوق وكان الوالي عليهم رجلًا آخر من قِبَل مسلمة لا مسلمة نفسه.
ويستفاد من روايات شهود العيان هذه أنها حفظت لنا ألفاظ المخاطبات التي جرت بين اليون وملك برجان وبين هذا ومسلمة ١.
وتمضي الروايات في رصد ما جرى بين المسلمين والبرجان في ضوء تتابع الأحداث، مشيرة إلى الموقف الإسلامي الذي اتخذ بعد مصاب المسلمين؛ فقد وُجِّهَ جيش قوي كثيف إلى بلادهم عليه عبيدة بن قيس وابنه شراحيل بن عبيدة، ومضى هذا الجيش حتى دفع في أرض برجان، وكان العدو قد نذر بالمسلمين فلقوهم متأهبين، فكان بينهم قتال شديد، فأنزل الله تعالى نصره على المسلمين، فقتلوا من الكفار مقتلة عظيمة، وسبوا وأسروا وخلّصوا أسرى المسلمين، كما
_________________
(١) ١ ونصها أن اليون كتب إلى صاحب برجان، “أما بعد: فقد بلغك نزول العرب بنا، وحصارهم إيانا، وليسوا يريدوننا خاصة دون غيرنا من جماعة من يخالف دينهم، وإنما يقاتلون الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى، فما كنت صانعًا يوم تأتيهم الجزية، أو يدخلوا علينا عنوة، ثم يفضون إليك وإلى غيرك، فاصنعه يوم يأتيك كتابي هذا “. فكتب صاحب برجان إلى مسلمة: “أما بعد: فقد بلغنا نزولك بمدينة الروم، وبيننا وبينهم من العداوة ما قد علمتم، وكلما وصل إليهم فهو لنا سار، فمهما احتجت إليه من مدد أو عدة أو مرفق فأعلمناه، يأتيك منا ما أحببت”. فكتب إليه مسلمة: “أنه لاحاجة لنا بمدد ولا عدة، ولكنا نحتاج إلى الميرة والسوق، فابعث إلينا ما استطعت”. فكتب إليه صاحب برجان: “إني قد توجهت إليك سوقًا عظيمًا فيه من كل ما أحببت من باعة، يضعفون عن النفوذ إليكم به ممن يمرون به من حصون الروم، فابعث من يجوزه إليك” تاريخ دمشق ٢٢/٤٢٢-٤٢٣
[ ٤٥٧ ]
تجلت المعركة عن قتل صاحب برجان، وقتل شراحيل بن عبيدة رحمه الله تعالى. وكان عبيدة قد أراد أن يوغل في أرض العدو بعد هزيمتهم، لكن صرفه عن ذلك رسول مسلمة الذي استعجله بالقدوم بعد أن فتح الله عليه١ وتؤكد أغلب المصادر الإسلامية على فتح المسلمين لمدينة الصقالبة ٢، مما يدل على أن نصرهم كان حاسمًا في معاركهم مع برجان.
وتشير الروايات بعد ذلك إلى لطف الله تعالى بالمسلمين حيث صرف عنهم كيد عدوهم عندما أضرموا النار في الحشيش اليابس الذي ينزل عليه المسلمون، فأطفأها الله عنهم ٣.
كما تشير إلى أسماء بعض المجاهدين الذين خرجوا ابتغاء الحصول على الشهادة فرزقوا إياها، ورأوا بشائر صدقهم وإخلاصهم في نزلهم بالجنة وهم ما زالوا على قيد الحياة ٤.
تحقيق في روايات إرسال المدد:
ثم ماذا عن إرسال الإمدادات؟ هل أمدَّ سليمان بن عبد الملك الحملة بقوى جديدة بعد أن وصلت إلى القسطنطينية وحاصرتها، ثم بعد أن تطورت الأحداث فصارت الأمور تسير في غير صالح الجيش المحاصِر؟
من مطالعة الروايات في المصادر المختلفة نجد أن هناك اختلافًا من مصدر لآخر، بل حتى في المصدر الواحد نلاحظ تناقضًا في الروايات؛ فبينما تثبت
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق ٣٨/١٥٤-١٥٥، وانظر ٢٢/٤٤٣-٤٤٤ والبداية والنهاية ٩/١٨٤. ٢ تاريخ خليفة بن خياط ص ٣٢١، وتاريخ الطبري ٦/٥٣٢، وتاريخ القضاعي ص٣٥٨، وتاريخ دمشق ٥٨/٢٧، وكامل ابن الأثير ٤/١٤٧، والبداية والنهاية ٩/٣٢٨. ومدينة الصقالبة هذه لم أجد في المصادر والمعاجم التي وصلت إليها ما يُعين على التعريف بها، لكن قد يُستشف من سياق الحديث عنها أنها عاصمة دولتهم. ٣ تاريخ دمشق ٣٨/١٥٥. ٤ المصدر السابق ٦٧/١٥٩.
[ ٤٥٨ ]
روايات كل من اليعقوبي١وابن كثير٢ إرسال المدد، تجد روايات لدى كل من الطبري ٣ وابن عساكر ٤ وابن الأثير٥ تنفي ذلك، في الوقت الذي تجد فيه روايات أخرى لديهم أنفسهم تثبته٦.
وبعد فحصٍ وتدقيق فيما وقفت عليه من روايات في هذا الشأن، ترجح لديَّ ثبوت إرسال سليمان بن عبد الملك الأمداد إلى أخيه مسلمة في أعقاب وقعة برجان ومصاب المسلمين، عندما بعث إليه بخبرها، ومستندي في ذلك وجود رواية مصدرها شاهدا عيان هما الليث الفارسي وأبو سعيد المعيطي، جاءت روايتهما صريحة في هذا الصدد ٧.
ثم إن سليمان كان مرابطًا في دابق شمالي الشام لمتابعة أخبار الحملة عن قرب، وللإمداد وقت الحاجة، لكن يبدو أنه لم يستطع في آخر المدة بعد أن اشتدت الأزمة على المسلمين أن يمدهم لحلول فصل الشتاء ببرده وثلوجه ٨، ومداهمة أجله إياه رحمه الله تعالى، وإلا فقد عقد العزم على أن لا يرجع إلى دمشق حتى تفتح القسطنطينية، باذلًا في سبيل ذلك ما بذل، أو يموت، فمات هنالك ٩.
وبهذا يزول التناقض الذي قد يظهر في روايات المؤرخين المشار إليها.
_________________
(١) ١ تاريخ اليعقوبي ٢/٣٠٠. ٢ البداية والنهاية ٩/١٧٥، ٩/١٨٤. ٣ تاريخ الطبري ٦/٥٣١. ٤ تاريخ دمشق ٢٢/٤٤٣. ٥ الكامل ٤/١٤٧. ٦ تاريخ الطبري ٦/٥٣٢، تاريخ دمشق ٣٨/١٥٤، الكامل ٤/١٤٧. ٧ تاريخ دمشق ٢٢/٤٤٣. ٨ العيون والحدائق ص ٣٣. ٩ البداية والنهاية٩/١٨٣.
[ ٤٥٩ ]
فك الحصار عن المدينة وتحرير مدته:
بعد أن تظافرت أسباب كثيرة حالت دون الاستمرار في حصار مدينة القسطنطينية، وتوفي الخليفة سليمان بن عبد الملك في شهر صفر سنة ٩٩؟، فخلفه ابن عمه عمر بن عبد العزيز، الذي رأى أن من مصلحة الجيش المحاصِر رفعَ الحصار عن المدينة، والعودةَ إلى ديار الإسلام، خوفًا عليهم من غائلة الروم وبلادهم، وبما أصابهم من الضراء وضيق العيش ١، ولهذا فقد أرسل عمر في مستهل خلافته بعثًا عليهم عمرو بن قيس السكوني ٢ إلى مسلمة بن عبد الملك في أربعة آلاف رجل ٣، معهم الطعام والشراب والكسوة والدواب ٤، والخيل العتاق ٥، وزيت الزيتون لعلاج الجرب ٦، لإغاثة الناس وإمدادهم بما يحتاجون، وكان قد استحث الناس على معونتهم ٧، كما أرسل رسولًا بكتاب إلى مسلمة يأمره بالعودة٨ فرأى مسلمة بعد مراجعة مع الخليفة أنه لا بد من فك خناق المدينة، ورفع الحصار عنها.
هذا وأحب أن أنبه هنا إلى أن بعض المراجع العربية الحديثة قد بالغت
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٩/١٨٤. ٢ تاريخ دمشق ٤٦/٣٢٠. ٣ المصدر السابق ٦٨/٣٣٢. ٤ المصدر السابق ٥٨/٣٢، والعيون والحدائق ص ٣٣. ٥ تاريخ الطبري ٦/٥٥٣. ٦ تاريخ دمشق ٥٠/٦١. ٧ تاريخ خليفة ص ٣٢٦، وتاريخ الطبري ٦/٥٥٣. ٨ تاريخ دمشق ٦٨/٣٣٢، ويذكر صاحب العيون والحدائق أن عمر بن عبد العزيز أمر الرسول أن ينادي هو بالقفول إن تلكأ مسلمة في ذلك، ففعل ص ٣٣، لكن رواية ابن عساكر عن شاهد عيان، فهي أقوى.
[ ٤٦٠ ]
كثيرًا في الحديث عن هزيمة المسلمين عند القسطنطينية وعن تحطم القوى الإسلامية أمام أسوارها بشكل ملفت للنظر، وحتى الإمدادات البحرية والبرية كان مصيرها الدمار والهلاك على أيدي القوات البيزنطية المظفرة؛ وذلك اعتمادًا على المراجع الغربية التي بالغت في هذا الجانب، وصورت الإمبراطور اليون بصورة بطولة خارقة ١، ولم ألاحظ في المصادر العربية القديمة أو المصادر التي تنقل عن شهود العيان صدى واضحًا لتلك الانتصارات أو الهزائم، فهي إذًا تنقل وجهة نظر طرف واحد، وهو منهج غير دقيق.
بل الذي يفهم مما روى ابن عساكر عن شاهد عيان كان مشاركًا في الحصار أن مسلمة لما قرأ كتاب عمر بن عبد العزيز الذي يأمره فيه بالعودة لم يستجب على الفور وإنما أعاد الرسول بكتاب إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز يخبره فيه بما بلغ من جهد المحاصَرين وما أشرف على المسلمين من الفرج بقرب موسم حصاد ما زرعوا حول المدينة، ويشير عليه بتركهم حتى يحكم الله تعالى بينهم ٢، وورد في رواية أخرى أن مسلمة دافع رسول عمر وقال: أقم علي أيامًا، فإني قد أشرفت على فتحها ٣، فالمشكلة التي كان يعاني منها المسلمون بالدرجة الأولى مشكلة قلة الأقوات في شتاء قارس البرودة، ولو كان هناك هزائم متتالية وتحطم أساطيل لتحدث عنها شهود العيان، فقد ذكروا أشياء أقل من ذلك أهمية.
ورأينا في روايات ابن عساكر كيف تمكنت قوات المسلمين التي يحتمل
_________________
(١) ١ انظر مثلًا فرج، العلاقات بين الإمبراطورية البيزنطية والدولة الأموية ص ١٤٩-١٥١،١٥٩، ١٦١-١٦٢، وعمران، معالم تاريخ الإمبراطورية البيزنطية ص ٩٨. ٢ تاريخ دمشق ٦٨/٣٣١-٣٣٢. ٣ العيون والحدائق ص ٣٣.
[ ٤٦١ ]
جدًا أنها كانت مددًا ١ من هزيمة البرجان بعد خدعتهم ومباغتتهم للمسلمين على غرة، وهي روايات موثقة بأسانيد ليست على غرار الروايات الغربية التي لا تعرف هذا النمط من التوثيق
وبعد أن تم رجوع الجيش الإسلامي بعث عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عبد الأعلى بن أبي عمرة لفداء أسراء القسطنطينية، ففاداهم الرجل من المسلمين برجلين من الروم ٢.
هذا وقد اختلفت روايات المؤرخين في تحديد مدة الحصار؛ ما بين سنة ٣، وعشرين شهرًا٤، وثلاثين شهرًا ٥، وذكرت بعض الروايات أنهم أقاموا عليها سنين ٦.
وقبل تحرير مدة الحصار أحب أن أقف عند بعض التواريخ التي وردت لدى بعض الأساتذة من المؤرخين المحدثين فقد ذكروا أن مسلمة بن عبد الملك وصل إلى القسطنطينية وعسكر عند أسوارها في ١٥ أغسطس سنة ٧١٧ م٧، وهو يوافق الثاني من شهر محرم سنة ٩٩ هـ تقريبًا ٨، وهذا التاريخ في نظري
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق ٢٢/٤٤٣. ٢ المصدر السابق ٣٣/٤١٩. ٣ الذهبي، سير أعلام النبلاء ٤/٥٠١، وانظر العدوي، الأمويون ص ١٦٦، وعاشور، أوربا ص١/١١٣. ٤ الذهبي، تذكرة الحفاظ ١/٧٠. ٥ المقدسي، البدء والتاريخ ٦/٤٤، وابن العبري، تاريخ مختصر الدول ص ١٩٧، والذهبي، تاريخ الإسلام (٨١-١٠٠) ص ٢٧١، وسير أعلام النبلاء ٤/٥٠٢. ٦ ابن تيمية، مجموع الفتاوى ١٨/٣٥٢. ٧ العدوي، الأمويون ص ١٦٣، والناصري، الروم والمشرق العربي ص ٢٤٠، وفرج، العلاقات.. ص ١٤٣. ٨ محمد مختار باشا، التوفيقات الإلهامية ١/١٣١.
[ ٤٦٢ ]
موضع شك؛ لأن وفاة سليمان بن عبد الملك كانت لعشر ليال خلون من شهر صفر سنة ٩٩؟١، فيكون بين وصول مسلمة ووفاة سليمان شهر واحد وأيام، بينما استغرقت مدة الحصار على أقل تقدير - كما رأينا - سنة كاملة كان أكثرها في زمن سليمان.
كما ذكروا أيضًا أن القوات الإسلامية رفعت الحصار عن المدينة في ١٥ أغسطس من سنة ٧١٨ م٢، ويوافق في التاريخ الهجري ١٣ محرم سنة ١٠٠؟ تقريبًا ٣، ومعنى هذا أن عمر بن عبد العزيز لم يأمر الجيش بالقفول إلا بعد مضي حوالي سنة من بدء حكمه، لأنه تولى في اليوم الذي توفي فيه سليمان وهو العاشر من شهر صفر سنة ٩٩؟ ٤، وهذا يخالف ما نصت عليه معظم المصادر من أنه أمر بالعودة سنة ٩٩؟٥، ويخالف ما عرف عن عمر من حرص على حياة المسلمين وراحتهم، فلا يمكن أن يُجَمِّرَهم هذا الوقت كله بعد ولايته مع علمه بسوء حالهم.
ولتحرير مدة الحصار أقول - بعد استقراء وتأمل للروايات ـ: يُرجّح أن انطلاق الحملة من الشام إلى بلاد الروم كان في سنة ٩٧؟٦، فقضت أغلب
_________________
(١) ١ تاريخ خليفة ص ٣٢٢، وتاريخ الطبري ٦/٥٤٦. ٢ العدوي، الأمويون ص ١٦٦، والعريني، الدولة البيزنطية ص ٨٩، وهذه التواريخ تتفق مع ما في المراجع الغربية، انظر مثلًا: Bury، Later Roman Empire، II، P.٤٠٤ & Ostrogorsky، History of The Byzantine State، P. ١٣٨ ٣ باشا، التوفيقات ١/١٣٢. ٤ تاريخ خليفة بن خياط ص ٣٢٢. ٥ تاريخ خليفة ص ٣٢٦، وتاريخ الطبري ٦/٥٥٣، والعيون والحدائق ص ٣٣ وينص على أن عمر بن عد العزيز أمر بذلك ساعة ولي، وانظر ص ٣٩، وتاريخ دمشق ٤٦/٣٢٠ ٦ المسعودي، التنبيه ص ١٦٥، وابن عساكر، تاريخ دمشق ٤٥/٣٧٤ وروايته هنا عن شاهد عيان. وهذا يخالف ما ردده أكثر المؤرخين من أن انطلاق الحملة كان في سنة ٩٨؟ انظر: تاريخ خليفة ص ٣٢١، وتاريخ الطبري ٦/٥٣٠، وابن الأثير، الكامل ٤/١٤٦، وابن العبري، تاريخ مختصر الدول ص ١٩٦، والذهبي، العبر ١/٨٧، وابن كثير، البداية والنهاية ٩/١٧٤.
[ ٤٦٣ ]
شتاء ذلك العام في الضواحي، كما سلف، ثم كان الوصول إلى القسطنطينية، وضرب الحصار عليها في أواخر تلك السنة١، ودخلت سنة ٩٨؟ والحصار قائم، وبذلك توحي إشارات بعض المؤرخين ٢، وهجم شتاء تلك السنة، وكان ذا برد شديد ٣، ثم ابتدأت أزمة المسلمين الغذائية بعد أن نفد ما لديهم من أقوات، ولم يستطع سليمان أن يمدهم بشيء من المؤن لكثرة البرد والثلوج، إلى أن توفي، فخلفه عمر بن عبد العزيز في العاشر من شهر صفر سنة ٩٩؟ الذي أمر بعودة الجيوش فورَ توليه٤، لكن قد يكون تنفيذ هذا الأمر استغرق وقتًا - بسبب مراجعة مسلمة له في استمرار الحصار - فيما بين ذهاب الرسول إلى القسطنطينية، ثم رجوعه منها إلى الشام، ثم عودته إليها مرة أخرى ٥، ويؤكد هذا قول المسعودي: “فقفل (أي مسلمة) بعد كره شديد وخطب طويل”٦.
وبذلك فإنه يرجح أن مدة الحصار كانت أكثر من سنة؛ حيث كان
_________________
(١) ١ قارن بأشهر السنة الميلادية المقابلة في التوفيقات الإلهامية ١/١٢٩. ٢ انظر مثلًا تاريخ دمشق ٨٥/٣٤؛ حيث يروي ابن عساكر عن الوليد بن مسلم: “أن سليمان بن عبد الملك سنة ٩٨ نزل بدابق، وكان مسلمة على حصار القسطنطينية”، والذهبي، تاريخ الإسلام (٨١-١٠٠) ص ٢٦٩ ٣ العيون والحدائق ص٣٢. ٤ المصدر السابق ص ٣٣. ٥ تاريخ دمشق ٦٨/٣٣٢. ٦ التنبيه ص ١٦٦.
[ ٤٦٤ ]
بدؤه في أواخر سنة ٩٧؟، واستمر إلى أن مضت عدة أشهر من سنة ٩٩؟، وقد تصل هذه المدة إلى حدود عشرين شهرًا - حسب رواية الذهبي السابقة - لكنها لاتصل بحال إلى ثلاثين شهرًا؛ لأنه لو افترضنا أن فك الحصار كان بعد تولي عمر بثلاثة أشهر على أكثر تقدير، فسيكون بدؤه قبيل منتصف سنة ٩٦؟، وهذا قبل وفاة الوليد، وهو مخالف لما عليه كافة المؤرخين من أن انطلاق الحملة وحصار القسطنطينية كان في زمن سليمان بن عبد الملك.
ويعزز هذا الترجيح عبارة وردت لدى ياقوت الحموي ذكر فيها: أن سليمان شتى بدابق شتاءًا بعد شتاء ١، فهي تفيد أنه مرّ شتاءان بعد خروج الحملة شتاء سنة ٩٧ والشتاء الذي يليه، ويعزز ذلك أيضًا ما روي من أن مسلمة أقام على حصار الروم شتاءًا وصيفًا وزرع بأرضهم، وهجم عليه الشتاء الآخر، وكان ذا برد شديد ٢.
وكانت تعوز ابن العبري الدقة عندما أرخ انطلاق الحملة في سنة ٩٨؟، ثم أرخ رجوعها بتولي عمر بن عبد العزيز أي في سنة ٩٩؟، ثم ذكر أن مدة الحصار ثلاثين شهرًا!! ٣.
مناقشة رواية دخول المسلمين القسطنطينية وبناء المسجد:
ونقف هنا عند مسألة وردت موجزة عند بعض المؤرخين وهي مصالحة المسلمين أهل القسطنطينية على دخولها، وبناء مسجد فيها ٤. لكن جاءت
_________________
(١) ١ معجم البلدان ٢/٤١٦. ٢ العيون والحدائق ص ٣٢ ٣ ابن العبري، تاريخ مختصر الدول ص ١٩٦-١٩٧. ٤ تاريخ القضاعي ص ٣٥٢، والبغدادي، تاريخ بغداد ٩/٣٣٨، وابن تيمية، مجموع الفتاوى ١٨/٣٥٢، والذهبي، دول الإسلام ص ٦٩، وسير أعلام النبلاء ٥/١١٢، وابن كثير، البداية والنهاية ٩/١٧٤، ٩/١٧٧، ٩/٣٢٨.
[ ٤٦٥ ]
رواية ابن أعثم عن دخول مسلمة المدينة مفصلة؛ فذكرت أن اليون طلب من مسلمة المصالحة على أن يؤدي إليه في كل سنة (ألف ألف درهم، وألف ألف أوقية من ذهب، وخمسة آلاف من البقر والغنم، وألف رمكة١، بفحولها، سوى ما يتبع ذلك..) وأن مسلمة رفض هذا العرض، وحلف يمينًا مغلظة أن لا يرحل عن المدينة إلا بعد أن يدخلها، أو يقيم عليها، فوافق اليون على ذلك، شريطة أن يكون وحده لا ثاني معه، وله الأمان حتى يخرج، على أن يقف قائده البطال بالجموع على باب المدينة الذي يظل مفتوحًا فإن كان ثم غدر اقتحم المدينة، فقاتل المقاتلة وسبى النساء والذرية، وأخذ الأموال. وتمضي الرواية في ذكر تنفيذ الاتفاق، ودخول مسلمة المدينة بتكبير وشموخ؛ وأنه دخل كنيستهم راكبًا، واقتلع صليبهم الأعظم، المصنوع من الذهب والجوهر، فاحتمله معه، واليون يتشفع إليه في تركه، فيأبى، حتى إذا توسط المدينة رفعه منكسًا على رمحه وهم ينظرون إليه بتحسر وألم، حتى خرج من المدينة وقت العصر. ثم بعث إليه اليون ما صالحه عليه. وآذن مسلمة جيشه بالرحيل بعد أن خطبهم وذكر لهم وفاة أبيه وأخيه الوليد واستدعاء أخيه سليمان إياه، فبكى الناس، وعرضوا عليه البيعة، فرفض ٢.
عند التمعن في محتوى هذه الرواية يتبين ما يلي:
أولًا: لم تشر رواية ابن أعثم هذه مع تفصيلها في مسألة الدخول إلى بناء المسجد داخل المدينة إطلاقًا، وإنما ذكرت وجود مسجد خارجها، فيما أسمته بمدينة القهر التي بناها مسلمة بإزاء مدينة القسطنطينية، وأن مسلمة لما أزمع على الرحيل هدد اليون إن تعرض لهذا المسجد ٣.
_________________
(١) ١ الرَّمَكَةُ: الفرس والبرذونة تتخذ للنسل. الخليل بن أحمد، كتاب العين ٥/٣٧٠. ٢ الفتوح ٧/٢٩٩-٣٠٤. ٣ المصدر السابق ٧/٣٠٥.
[ ٤٦٦ ]
ثانيًا: تدور علامات التساؤل والشك حول كثير مما ورد في رواية الدخول هذه التي ساقها ابن أعثم، ومن ذلك:
- ورد في مقدار المصالحة (ألف ألف درهم) والدرهم عملة فارس أعداء البيزنطيين، التي لا يتعاملون بها وإنما يتعاملون بالدنانير.
- ما ورد في مقدار المصالحة يخالف ما هو ثابت في رواية شهود العيان من أنهم لما رغبوا فيها - أي المصالحة - قبلوا أن يدفعوا عن كل إنسان في القسطنطينية دينارًا دينارًا.
- عندما رفض البيزنطيون الجزية التي عرضها عليهم المسلمون رفضوها أنفة وكبرياء؛ قالوا: “والصغار والجزية ما لا تطيب به أنفسنا أبدًا “١، وهذه الرواية تخالف ذلك تمامًا، وتفيض بذكر ما صاروا إليه من الذل والصغار والقبول والتنفيذ لكل ما طلب منهم.
- ثم إن مسلمة لم يكن في موقف المنتصر على أهل القسطنطينية حتى يفرض شروطه عليهم ويذلهم بتلك الطريقة المهينة بالنسبة لهم.
ولذلك فإن مسألة دخول مسلمة إلى المدينة مستبعدة وكذلك بناء المسجد داخلها، وإن كان هناك مسجد مبني فهو خارج أسوارها، حيث كان يقيم مسلمة وجنده، عندما بنوا بيوت الخشب أول قدومهم، وظلوا فيها أثناء الحصار، ومن المتوقع بل المفترض أن يكون لهم مسجد جامع يؤدون فيه الجمع والجماعات والأعياد، ومن المحتمل أيضًا بقاء هذا البناء بعد رحيل المسلمين، ولا سيما أن بعض العلماء صرحوا بأنه باق إلى زمانهم ٢.
ومن الغرائب التي وردت عند ابن أعثم: أن مسلمة عندما أراد فك
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق ٦٨/٢٣١. ٢ ابن تيمية، مجموع الفتاوى ١٨/٣٥٢، وابن كثير، البداية والنهاية ٩/٣٢٨.
[ ٤٦٧ ]
الحصار أخبر الناس بوفاة أبيه عبد الملك وأخيه الوليد!! - وكأن الناس لم يعلموا بذلك، ولا مضى على وفاتيهما زمن طويل - مع أن معظم المصادر تكاد تجمع على أن خروج جيش مسلمة الذي نحن بصدده كان في عهد سليمان. وورد عنده أن سليمان بن عبد الملك هو الذي استدعى أخاه مسلمة وكتب إليه يأمره بالانصراف إلى ما قبله، ليوجهه إلى خراسان حيث يزيد بن المهلب ١.
والروايات الصحيحة تثبت غير ذلك؛ لأن سليمان توفي والحصار ما زال قائمًا، والذي أمر الجيش بالقفول هو عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. وأمرٌ آخر وهو أن خلاف يزيد بن المهلب على الأمويين لم يكن في عهد سليمان، وإنما كان في عهد يزيد بن عبد الملك، وفي العراق وليس في خراسان.
ومن غرائب بن أعثم أن مسلمة كان يقاتل أهل القسطنطينية في معارك برية مكشوفة خارج أسوار المدينة، ثم يدخلها أهلها والمسلمون يَقتلون ويَسلبون ٢.
وهذا غير ثابت في المصادر التي تنقل عن شهود العيان، ولا كان أهل القسطنطينية يجرؤون عليه، فيعرضون أنفسهم ومدينتهم للخطر، لمعرفتهم الدقيقة بالمسلمين وجرأتهم، وإنما كانوا يقاتلون خلف الأسوار.
الأسباب التي حالت دون فتح القسطنطينية:
لم يدخر المسلمون وسعًا في الإعداد لهذا الفتح والتخطيط له - كما لاحظنا - وضربوا على أهل المدينة حصارًا أضناهم، وأبدوا من ضروب البسالة والفداء والتحمل والصبر ما أذهل العدو وأرهقه، وجعله يتوسل إليهم طالبًا المصالحة وقبول الفداء عن كل رأس من أهل القسطنطينية حتى يرحلوا عنهم. ولما لم يكن هدف المسلمين من جهادهم جمع الأموال واكتنازها فإنهم رفضوا
_________________
(١) ١ الفتوح ٧/٢٩٨. ٢ المصدر السابق ٧/٢٩٨-٢٩٩.
[ ٤٦٨ ]
ذلك، وخيروا أهل القسطنطينية بالإسلام أو دفع الجزية مع الصغار أو القتال، وحيث لم يقبلوا بالخيارين الأولين، كان لابد من الثالث، لكن المسلمين لم يتمكنوا من مناجزتهم؛ بسبب احتمائهم خلف أسوار المدينة، ولذا ظلوا مرابطين عندها رجاء فتحها، حتى تجمعت أسباب كثيرة اضطرتهم إلى إنهاء الحصار في ذلك الحين، ورجاء أن تسنح فرصة أخرى يتحقق فيها ما لم يتحقق هذه المرة.
وقبل أن نقف عند أهم الأسباب والعوامل التي حالت دون إتمام فتح المسلمين للمدينة، نود أن نطرح السؤال التالي: ما مدى حقيقة غدر اليون بمسلمة وسرقة ما لدى المسلمين من طعام؟!
تكاد تتفق معظم المصادر العربية على ذكر خديعة اليون مرة أخرى للمسلمين؛ حيث سرق طعامهم الذي جمعوه وادّخروه لوقت الحاجة؛ فأدخله القسطنطينية، وبيان ذلك: أن اليون لما اتفق مع أهل القسطنطينية على تمليكه، بعد أن أذن له مسلمة في الدخول إليهم، للتفاوض معهم، لما ضاقت بهم الحيلة، خرج إلى مسلمة، وقال: قد أجابوني لفتح المدينة، إلا أنهم اشترطوا أن تتنحى عنهم وتبتعد قليلًا في بعض الوجوه أو الرساتيق، حتى يطمئنوا ويصدقوا بأن أمري وأمرك واحد، وأنهم في أمان من السباء والخروج من بلادهم، فقال مسلمة: أخشى أن هذا غدر منك، فحلف له اليون أن يدفع كل ما في القسطنطينية من ذهب وفضة وديباج ومال وآنية وسبي وجوهر وسلاح ووشي وما يدخره الملوك، فارتحل مسلمة وتنحى، فأمر اليون الرجال المستعدين بسفنهم، فنقلوا طعام المسلمين وعلوفاتهم، فأدخلوها المدينة، وشحنوا بها الخزائن الإمبراطورية، وأخذوا ما أمكنهم من أمتعة الجيش، وبلغ الخبر مسلمة، فتحقق غدر اليون، فأقبل راجعًا، وأدرك شيئًا من الطعام، ثم أصبح اليون محاربًا ١.
_________________
(١) ١ المسعودي، التنبيه ص ١٦٦، والمقدسي البدء والتاريخ ٦/٤٤، وتاريخ دمشق ٥٨/٢١، والكامل ٤/١٧٤، وتاريخ مختصر الدول ص ١٩٦، الذهبي، تاريخ الإسلام (٨١-١٠٠) ص ٢٧١، والبداية والنهاية ٩/١٧٥.
[ ٤٦٩ ]
هذه الخدعة التي حيكت ونقلتها المصادر العربية باطلة من وجهة نظري؛ فهي مبنية على احتمال أن اليون كان مصاحبًا لمسلمة حتى وصل القسطنطينية، ثم دخل المدينة واتفقوا على تنصيبه امبراطورًا، وحتى يثبت ولاءه لهم قام بهذه الخدعة، وهي سرقة طعام المسلمين وعلوفاتهم، وقد سبق أن رجحنا رواية ابن عساكر التي تنقل عن شاهد عيان تحدث أن اليون كان ينظم قواته داخل أسوار القسطنطينية وقت وصول المسلمين إليها، وتبين لمسلمة ومن معه حينئذ موقف اليون الغادر فأصابتهم كآبة وهم عظيم، لما رأوا من مخادعته وخيانته، فهل يا ترى يسوغ والحال ما ذكر أن يخرج إليهم ويقابل مسلمة ويخدعه مرة أخرى؟!! هذا أمر، وأمر آخر؛ حتى على افتراض أن ما ذكرته تلك المصادر كان صحيحًا، وهو أن اليون ما دخل القسطنطينية إلا بعد وصول مسلمة، فهل ما ذُكر من تبرير من أجل أن يتنحى المسلمون في بعض الرساتيق، حتى يطمئن أهل القسطنطينية (بأن أمري وأمرك واحد) يعتبر تبريرًا معقولًا يمكن أن يصدقه مسلمة ورجاله، أم هو كلام بارد لا يمكن أن يجوز على أقل الناس عقلًا!!، وأمر ثالث وهو أن المصادر البيزنطية لم تشر إلى حادثة سرقة الطعام، أو إحراقه من قريب أو بعيد، ولم تذكر ذلك مطلقًا ١، ولو أن شيئًا من هذا القبيل حدث لهللت له وأبرزته وأضافته إلى مواهب اليون التي وقفت عندها كثيرًا.
وكذا الرواية الأخرى التي مفادها أن اليون أشار على مسلمة بحرق ما معه من الطعام حتى يتحقق أهل القسطنطينية العزم منه على حربهم ومناجزتهم، فيعطوا بأيديهم، فأحرقه ٢، فهي رواية متهافتة يراد بها الحط من قدر مسلمة؛
_________________
(١) ١ فرج، العلاقات.. ص ١٥٥. ٢ تاريخ الطبري ٦/٥٣١، والعيون والحدائق ص ٢٩.
[ ٤٧٠ ]
يتضح ذلك من وصفه بأنه قد خدع خديعة لو كان امرأة لعيب بها١، فهل يُصدقُ أن يعمد قائد جيش بنفسه إلى إحراق طعامه وطعام جنده وهو في مواجهة عدوه؟! هذا ما لايمكن أن يصدقه عاقل، وهي فرية مكشوفة ظاهرة للعيان، تذكرنا بقصة طارق بن زياد وإحراق السفن المنسوبة إليه زورًا وبهتانًا.
ومثل هذه الرواية في البطلان الرواية الأخرى التي ساقها الطبري أيضًا عن علي بن محمد المدائني - وكلتا الروايتين عنه - والتي ذكرت أن اليون كتب إلى مسلمة يسأله أن يدخل من الطعام ما يعيش به القوم، ويصدقونه بأن أمره وأمر مسلمة واحد٢!! والسؤال الذي يبرز نفسه؛ ما قيمة الحصار المضروب على المدينة إذًا، إذا كان يتصور أن مسلمة سيعطيهم من الطعام ما يعيشون به؟!
إن تلك الروايات في نظري يفهم منها أمر مهم وهو تحميل مسلمة بن عبد الملك مسؤولية عدم نجاح هذه الحملة بتحقيق هدفها الرئيس، وما أصاب المسلمين أثناء الحصار من بعض المحن، حتى قال عنه صاحب العيون والحدائق: إنه عاجز، لا رأي له في الحرب، ولا في أصحابه من له رأي يرجع إليه ٣، وقال في موضع آخر كلامًا نابيًا عنه ٤، وقالوا عنه بعد فقد الطعام: إنه قد خدع خديعة لو كان امرأة لعيبت بها ٥.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٦/٥٣١. ٢ المصدر السابق نفسه، والعيون والحدائق ص ٣٢. ٣ ص ٢٧-٢٨. ٤ وهو أن ليون كان يناظره ويعامله بالمكر والخديعة حتى قال: لو كان مسلمة امرأة ثم شئت أن أفعل بها لفعلت، وما كان يمتنع علي قط في شيء أردت منه. العيون ص٢٧. ٥ تاريخ الطبري ٦/٥٣١، العيون والحدائق ص ٣٢،ابن الأثير، الكامل ٤/١٤٧، ابن العبري، تاريخ مختصر الدول ص ١٩٧.
[ ٤٧١ ]
وفي رأيي أن هذا القول عن مسلمة غير دقيق، وقد يكون فيه شيء من التحامل عليه؛ فهو وإن كان لا يعفى من المسؤولية، إلا أنه لا يتحمل نتيجة كل ما حدث، فهو قَدَر نافذ بمسلمة أو بدونه؛ حيث لم يحن بعد زمن الفتح، ومسلمة لم يكن متفردًا بالرأي دون سواه، فقد رأينا مثالًا على مشاورته لأصحابه، لكنه كان يفضل رأي الأغلبية، وإصراره على عدم قبول الفداء من أهل القسطنطينية لمّا عرضوه عليه، كان تنفيذًا لأمر أخيه سليمان الذي وصاه بأن يقيم عليها، حتى يفتحها أو يأتيه أمره، ومن قرأ عن مآثره الحربية وانتصاراته المتوالية على جيوش الروم في أراضيهم، وفي بلاد الخزر استيقن أنه لم يكن وراءها إنسان سهل القياد، عاجز الرأي. نقل ابن عبد ربه عن الأصمعي: “لم يكن لعبد الملك ابنٌ أسدَّ رأيًا ولا أذكى عقلًا ولا أشجع قلبًا ولا أسمح نفسًا ولا أسخى كفًا من مسلمة”١. وقال الجاحظ: “وكان مسلمة شجاعًا خطيبًا بارع اللسان جوادًا، ولم يكن في ولد عبد الملك مثله ومثل هشام بعده”٢، وقال ابن كثير: بعد أن ذكر انتصاراته في حروبه ونكايته في عدوه من الروم وغيرهم: “كانت لمسلمة مواقف مشهورة ومساعي مشكورة، وغزوات متتالية منثورة، وقد افتتح حصونًا وقلاعًا، وأحيا بعزمه قصورًا وبقاعًا، وكان في زمانه في الغزوات نظير خالد بن الوليد في أيامه في كثرة مغازيه، وكثرة فتوحه، وقوة عزمه، وشدة بأسه، وجودة تصرفه في نقضه وإبرامه، هذا مع الكرم والفصاحة”٣، فهل مَنْ هذه صفاته يخدع بسهولة مرات عديدة، ويكون الإخفاق بسببه وحده؟!، ومع ذلك كله فهو بشر يصيب ويخطئ، والمعصوم من
_________________
(١) ١ العقد الفريد ٦/١٣١. ٢ البيان والتبيين ٣/١٨٩. ٣ البداية والنهاية ٩/٣٢٨-٣٢٩.
[ ٤٧٢ ]
عصم الله وحده ١.
ونعود الآن إلى النظر في الأسباب الحقيقية التي حالت دون فتح القسطنطينية وأدت إلى رفع الحصار عنها:
- يأتي في مقدمة ذلك حلول برد قارس شديد البرودة ذي أمطار وثلوج في شتاء سنة ٩٨؟، ومع أن المسلمين استعدوا لهذا الشتاء ببناء بيوت من خشب فشتوا فيها إلا أن قسوة البرد وكثرة الثلوج والأمطار قد أضرت بهم كثيرًا، قال صاحب العيون والحدائق: “وسليمان بن عبد الملك مقيم بدابق لا يقدر أن يمدهم بشيء من الأزواد لكثرة البرد والثلوج “ ٢، وروي أن الثلج غطى وجه الأرض نحوًا من مائة يوم فاشتد الضيق على المسلمين ٣، وذكر أحد المؤرخين الغربيين أن المسلمين لقوا شدة في ذلك العام عندما كان نزول الجليد لا ينقطع لمدة اثني عشر أسبوعًا ٤، ولا شك أن ذلك أثر على المسلمين تأثيرًا شديدًا؛ فتوقف نشاطهم وانكمشوا في انتظار حلول الربيع، لأنهم لم يتعودوا عليه، بينما كان ذلك مألوفًا لدى البيزنطيين؛ فاستفادوا منه بإعادة تنظيم دفاعات مدينتهم، ونقلوا المؤن إلى الداخل، وأرسلوا سفارتهم إلى البلغار ٥. وقد مات بسبب ذلك وبسبب الجوع خلق كثير من المسلمين ٦، ونفقت كثير من خيولهم وبغالهم وجمالهم ٧.
_________________
(١) ١ وقد رأينا مثالًا على خطئه في تعامله مع برجان. ٢ ص ٣٢. ٣ عثمان، الحدود الإسلامية.. ص ٩١. ٤ أومان، الإمبراطورية البيزنطية ص ١٤٦، وذكر في الصفحة نفسها أن اليون كان يفخر بأن ديسمبر ويناير وفبراير من أعظم قواده ٥ فرج، العلاقات.. ص ١٦٦. ٦ المقدسي، البدء والتاريخ ص ٤٤. ٧ عثمان، الحدود الإسلامية.. ص ٩١.
[ ٤٧٣ ]
- ثم كان من الأسباب الرئيسة في فك الحصار حدوث أزمة نفاد أقوات المسلمين، ومع أن المسلمين قد جمعوا أول ما وصلوا إلى القسطنطينية ما استطاعوا جمعه من الطعام والعلف وادخروه لوقت الحاجة إلا أن ذلك نفد ولم يقم بحاجتهم طوال فصل الشتاء الذي صاحبته الأمطار والثلوج والبرد الشديد كما ذكر، ولاسيما أن عدد الجيش كان كبيرًا ومعهم دوابهم التي تحتاج إلى أعلاف ومؤونة في أرض كساها الجليد، ولذلك انتشرت المجاعة والأمراض بين المسلمين، قال عمر بن هبيرة - قائد الأسطول: “بلغنا من حصارهم ما بلغنا، وكان بنا من الأزل والمرض نحوًا مما بهم أو أشد” ١، وقال أحد المشاركين في الحملة وهو محمد بن زياد الألهاني: “هلكنا من الجوع ومات الناس” ٢، وروى أحد الجنود قال: “كنت فيمن حاصر القسطنطينية، فبلغنا من حصارهم وبلغ منّا الجوع نحوًا مما سمعتم” ٣، وتحدث شاهد عيان هو أبو سعيد المعيطي عن حال المسلمين إذ ذاك؛ فذكر أن مسلمة تفقد الجيش وسأل عن طعامهم، فأخبر أن الناس في شدة وضيق، وأنهم يتقوتون الخزيرة ٤، فحثهم على الصبر. قال أبو سعيد: “وقد جهد عامة الناس، وإنما يأكل الخزيرة منهم أهل القوة، وبقيتهم فيما لا يصفه واصف من أكل توافق الدواب وأشباه ذلك، حتى لقد ذكر أن قومًا أكلوا ميتًا لهم”٥، وتحدث شاهد عيان آخر وهو زيد بن واقد عن ما
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق ٦٨/٢٣٠. ٢ الذهبي، دول الإسلام ص ٦٧. ٣ تاريخ دمشق ٦٨/٣٣٢. ٤ الخزيرة: شبه عصيدة، وهو اللحم الغابّ يقطع صغارًا في القدر، ثم يطبخ بالماء الكثير والملح، فإذا أميت طبخًا ذُرَّ عليه الدقيق فعصد به، ولا تكون الخزيرة إلا بلحم، تاج العروس، مادة (خزر) . ٥ تاريخ دمشق ٦٦/٢٦٧-٢٦٨.
[ ٤٧٤ ]
أصابه من الجوع والجهد فذكر أنه هم بنزع جلدة الفسطاط التي تكون في أعلى عمود الخيمة، ليطبخها ويلوكها ويتقوى بها، لكنه سمع تكبير الناس فرحًا بالقفول، فذهب عنه الجوع١. وورد أنهم أكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والعروق والورق وكل شئ غير التراب ٢. وأنه عظم البلاء عليهم لذهاب أقواتهم٣، وأن الناس في معسكرهم أكلوا الميتة والعذرة من الجوع ٤، وأنهم جاعوا جوعًا عظيمًا ٥.
ومن الأخطاء التي وردت عند بعض المؤرخين قولهم عند الحديث عن هذه المجاعة التي أصابت المسلمين: أنهم أكلوا الميتة والعذرة من الجوع في الوقت الذي كان في وسط المعسكر كومة من حنطة مثل الجبل العالي يغيظون بها الروم!! ٦ ولاشك أن هذا غير صحيح؛ لأنهم لا يمكن أن يغيظوا الروم بقتل أنفسهم.
وعلى أي حال فلا شك أن تلك المجاعة كانت مما زاد من سوء أحوالهم، وتعرضهم للإصابة ببعض الأمراض ٧، وكانت سببًا في هلاك بعضهم، وهلاك دوابهم ٨، وأخيرًا كانت من الأسباب التي أدت إلى رحيلهم عن القسطنطينية ٩.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١٩/٥٢٧. ٢ تاريخ الطبري ٦/٥٣١، والعيون والحدائق ص ٣٣، وكامل ابن الأثير ٤/١٤٧. ٣ المسعودي، التنبيه ص ١٦٦. ٤ سير أعلام النبلاء ٤/٥٠٢. ٥ ابن كثير، البداية والنهاية ٩/٣٢٨. ٦ الذهبي، تذكرة الحفاظ ١/٧٠،وسير أعلام النبلاء ٤/٥٠٢. ٧ تاريخ دمشق ٥٨/٢١. ٨ العيون والحدائق ص ٣٠. ٩ تاريخ دمشق ٦٨/٢٣٠، ٢٣٢.
[ ٤٧٥ ]
- وقد ضاعف من أزمة نفاد أقوات المسلمين وحلول المجاعة بهم بعدُ خطوط اتصال الجيش الإسلامي بقيادته، للحصول على ما يحتاج إليه من التموين، ومع أن المسلمين هداهم تفكيرهم إلى زراعة الأرض، فأكلوا مما زرعوا، ومما وقع في أيديهم من غنائم من العدو١، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لسد حاجاتهم.
- أحدثت النار الإغريقية التي استخدمها البيزنطيون، والرياح الشديدة والعواصف، والتيارات المائية العاتية أضرارًا بسفن الأسطول الإسلامي، ودمرت عددًا من قطعه ٢، وكانت النار الإغريقية بالذات سببًا فاعلًا من الأسباب الرئيسة التي حدت من فاعلية الأسطول الإسلامي وقدرته ٣.
-مناعة القسطنطينية بموقعها الجغرافي المتميز، وأسوارها العالية، وتحصيناتها القوية، ودفاعاتها المحكمة، وكثرة جيوشها.
- عدم إحكام حصار المدينة من جميع جهاتها؛ فقد ظلت ناحيتها الشمالية المطلة على القرن الذهبي والمتصلة بالبحر الأسود مفتوحة، وذلك بسبب أن التيارات المائية القوية حالت دون وصول المسلمين إليها، ولذا أصبحت تحصل على بعض إمداداتها من حقول القمح الواقعة على شواطئ هذا البحر الشمالية ٤.
- مهاجمة برجان (البلغار) الذين استجاشهم اليون المسلمين من الجانب الأوربي ٥، وعلى الرغم من الهزيمة القاسية التي ألحقها المسلمون بهم آخر الأمر
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٦/٥٣٠. ٢ ماجد، التاريخ السياسي ص ٢٤٩. ٣ عمران، معالم تاريخ الإمبراطورية البيزنطية ص ٩٧. ٤ العدوي، الأمويون ص ١٦٤، وعاشور، أوربا ١/١١٣. ٥ ابن العبري، تاريخ مختصر الدول ص ١٩٧.
[ ٤٧٦ ]
إلا أنه لم ينقطع نشاطهم العدائي عن المسلمين١.
- ويضيف ابن العبري أن الإفرنج كانوا يغيرون على المسلمين في السفن ٢، ومعنى هذا أنه وصلت قوات إفرنجية مساندة للقسطنطينية وقت حصارها، وحاربت المسلمين بحرًا.
- وكان الروم يحاربون المسلمين من داخل أسوار المدينة بالمنجنيقات وأدوات الدفاع المتيسرة لديهم ٣.
- وقد أعطى طول أمد الحصار امبراطور الروم فرصة للتحالف مع بعض القوى المعادية للمسلمين؛ كما فعل مع خان الخزر، ليزيد به قوة جيشه ٤.
- وتشير بعض المراجع إلى وجود عناصر نصرانية ضمن بحارة سفن المسلمين، حدث منها تواطؤ في بعض الأحيان مع بني دينهم ٥.
- وفاة الخليفة سليمان بن عبد الملك المفاجئة - وهو المتحمس للفتح - حالت دون استمرار الحصار، وبعث الإمدادات والأقوات إلى الجيش.
أهم نتائج الحملة والدروس المستفادة منها:
- عادت هذه الحملة الموجهة لفتح القسطنطينية أدراجها، ولم تحقق الهدف الأكبر الذي كانت تطمح إلى تحقيقه، وهو فتح المدينة ونشر الإسلام فيها، وبعد أن كانت الدولة الأموية قد أخفقت في محاولتين سابقتين - كما سلف ـ،
_________________
(١) ١ المصدر السابق نفسه. ٢ نفسه. ٣ نفسه. ٤ عمران، المرجع السابق ص ٩٦. ٥ طقوش، تاريخ الدولة الأموية ص ١٣٢-١٣٣.
[ ٤٧٧ ]
لكن ذلك لم يفت في عضد المسلمين، أو يسرب اليأس إلى نفوسهم، أو يوهن من عزائمهم تجاه الدولة البيزنطية الرابضة على حدودهم الشمالية؛ فقد استمر الضغط على أطرافها طوال العهود التالية، من خلال بعثات الصوائف والشواتي التي اضطلعت بالقيام بهذه المهمة بنجاح ١. وظل هاجس الفتح حيًا في نفوس المسلمين إلى أن تحقق لهم بفضل الله تعالى في سنة ٨٥٧هـ على يد السلطان العثماني محمد الفاتح رحمه الله تعالى.
- أثبت المسلمون كفاءتهم الحربية وقدراتهم القتالية وروحهم الجهادية العالية أمام هذا العدو البعيد الدار، وذلك من خلال المناوشات التي حدثت أثناء الحصار، كما برهنوا على مقدرتهم على تحمل الصعاب والمشكلات والظروف مهما كانت قاسية وعسيرة وشاقة.
- ولا شك أن إخفاق المسلمين في الفتح رفع من معنويات الطرف الآخر، وتجددت آماله في القدرة على المواجهة والتحرش بالمسلمين؛ فمن ذلك تجرؤهم في الإغارة على ثغر اللاذقية في سواحل الشام سنة ١٠٠هـ ٢.
- ومن جانب آخر فبعدَ هذه الحملة غض البيزنطيون الطرف عن موقع آخر كانوا يحاولون استعادته من المسلمين، وهو شمالي أفريقية، وركزوا اهتمامهم على أن تكون عاصمتهم بعيدة المنال عن أيدي المسلمين ٣.
_________________
(١) ١ انظر على سبيل المثال البلاذري، فتوح البلدان ص ١٦٧، ١٧٢-١٧٦، وتاريخ دمشق ٢١/٢١٧، ٣١٨، ٤٦/٤٤٥-٤٤٦، ٥٦/٣٤٧-٣٤٨، ٣٧/٩٠، ٤٨/٨٦، ١١/٤٣٢، ٦٦/١٤٠، ٣٧/٢٩٩-٣٠٠، ٢٣/٣٥٨-٣٥٩، ٢٦/٣٩٦، ٥٩/٤٤٥، ٥٣/٤٨، ٣٣/٣٠١-٣٠٢. ٢ البلاذري، فتوح البلدان ص ١٣٩. ٣ العدوي، الأمويون ص ١٦٧، وعاقل، تاريخ خلافة بني أمية ص ٢٥٠.
[ ٤٧٨ ]
- حرم صمودُ القسطنطينية وتأبِّيها على الفتح الإسلامي الشعوبَ القاطنة شرقي أوربا، ولا سيما الوثنية منها كالآفار والسلاف والبلغار والروس من التعرف على نور الإسلام وحضارته، ويمكن لنا أن نتصور مدى التغيير الذي سيعتري الشطر الشرقي لأوربا لو تم ذلك الفتح ١.
- نودي باليون الإيسوري بعد هذه الحملة مخلِّصًا لأوربا النصرانية من المسلمين والعرب ٢، واعتبره بعضهم من أصحاب الوقائع الفاصلة في التاريخ ٣.
- وظلت الدولة البيزنطية تحتفظ بهيبتها أمام دول الغرب الأوربي فترة طويلة ٤.
- كان من إفرازاتها قتلى من الطرفين، وأسرى ٥.
- ومن أهم الدروس المستفادة منها أن الركون إلى أعداء الله تعالى وموادتهم والإصغاء إليهم، والتخلي عن الحذر عند التعامل معهم، سبب رئيس في القصور عن بلوغ الهدف، وعدم التمكين في الأرض، ووقوع الابتلاء، ألا ترى معي وأنت تقرأ هذه الآيات، وكأنها تشخص الموقف الذي نحن بصدده
_________________
(١) ١ فشر، تاريخ أوربا العصور الوسطى ١/٦٨-٦٩، وعاشور، أوربا العصور الوسطى ١/١١٣. ٢ حتي، تاريخ العرب ٣/٢٢٥. ٣ المرجع السابق ١/٦٩. ٤ سالم، تاريخ البحرية الإسلامية ١/٣٦. ٥ الذهبي، تاريخ الإسلام (٨١-١٠٠) ص ٢٧١، وسير أعلام النبلاء ٤/٥٠٢، وبروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية ص ١٤٨ (الحاشية ٤١)، وماجد، التاريخ السياسي.. ص ٢٤٧.
[ ٤٧٩ ]
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾؟ [الممتحنة: ١]
- أن قوى الكفر مهما كان بينها من اختلاف وبغضاء وتناحر فإنها تجتمع على حرب الإسلام وأهله، جريًا وفق السنن الربانية التي تشير إلى الصراع الأزلي بين الحق والباطل بمختلف أشكاله وصوره.
[ ٤٨٠ ]