[ ٢١ ]
في المحرم، وصل الملك الناصر ناصر الدين داود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب إلى بغداد واجتاز بالحلة السفيفة وبها الأمير شرف الدين علي بن جمال الدين قشتمر زعيم الحلة وفتلقاه بالاكرام والمد والإقامات وعمل له دعوة عظيمة بلغ الخرج عليها زيادة على اثني عشر ألف دينار، ثم توجه إلى بغداد فخرج إلى لقائه النقيب الطاهر قطب الدين أبو عبد الله الحسين بن الاقساسي وخادمان من خدم الخليفة وجميع الحجاب والدعاة فدخل وقبل عتبة باب النوبي ثم قصد دار الوزارة ولقي نصير الدين نائب الوزارة فاحترمه وبجله وخلع عليه خلعة احضرت من المخزن وهي قباء أطلس وسربوش وقدم له فرس عربي بمركب وذهبًا وأسكن في دار بمحلة المقتدية تعرف بمعد الموسوي، وسبب قدومه إلى بغداد أنه كان قد ملك دمشق بعد وفاة أبيه الملك المعظم بعهد منه له، فقصده عماه الكامل أبو المعالي محمد صاحب مصر يومئذ والاشراف أبو الفتح موسى ابنا العادل أبي بكر، والاشرف حينئذ صاحب حران والرها وخلاط وغير ذلك، ونزلا بعساكرها ظاهر دمشق محاصرين لها واقاما على ذلك شهورًا وذلك في سنة ست وعشرين وستمائة فلما طال حصار البلد وضاق على أهله وكثر عبث العساكر وفسادهم وتخريبهم نرل ناصر الدين على حكمهما وفتح لهما البلد وخلاه فلما تمكنا من البلد سيراه إلى الكرك في جماعة من أصحابه فحضر لينهي حاله إلى الخليفة فوعده بأصلاح امره ثم أنفذ إليها في المعنى فأجابا إلى ذلك وسأل ناصر الدين في مدة اقامته ببغداد أن يحضر المدرسة المستنصرية فأمر الخليفة بعمل دعوة واحضار فقهاء المدارس، ثم حضر ناصر الدين فجلس على طرف ايوانها الشمالي ووقف مماليكه وأصحابه في ربعي المالكية والحنفية، ووقف عند كل طائفه حاجب وحضر قراء الديوان وقرئت الحتمات وأنشد جماعة من الفقهاء قصائد ثم قدم المشروب وبعده أنواع الأطعمة فتناول ناصر الدين من ذلك بعد أن قبل الأرض مرارا فلما فرغوا من ذلك انصرف إلى داره.
وفي ثامن عشر شعبان، تقدم إلى أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي بالجلوس في الرباط المجاور لمعروف الكرخي المقابل لتربة واقفته وحضر ناصر الدين، ولما انقضى المجلس مد سماط عظيم ثم خلع عليه في حادي عشرية في دار الوزارة وقدم له فرس عربي بمركب ذهبًا ومشدة وأعطي علمًا بمشاد وجفتايين، وخلع على حميع أصحابه وأتباعه ومماليكه وأعطي عدة ارؤس من الخيل وثيابًا كثيرة وخمسة وعشرين ألف دينار وخمسين جملًا وكراعًا كثيرًا وآلات ومفارش وغير ذلك وتوجه إلى مستقره وقد اصلحت الحال بينه وبين عميه الكامل والاشرف.
وفي سلخ ربيع الأول، وصل الأمير ركن الدين اسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إلى بغداد وخرج إلى لقائه النقيب الطاهر الحسين بن الاقساسي وخادمان من خدم الخليفة وموكب الديوان فلقيه بظاهر البلد ودخل معه إلى باب النوبي فقبل العتلة ودخل إلى نصير الدين نائب الوزارة فأكرمه وخلع عليه قباءا أطلس وسربوش شاهي وقدم له فرسًا بعدة كاملة وأسكن دار الأمير علي بن سنقر الطويل بدرب فراشا وأسكن الأمراء الذين كانوا صحبته في دور، وبعد أيام قصد زيارة أخته زوجة الأمير علاء الدين أبي شجاع الطبرسي الدويدار فعمل له دعوة جميلة عمت جميع أصحابه وخلع عليه وأعطاه أحد عشر رأسًا من الخيل العربيات وعشر جون فيها من أنواع الثياب وخمسة آلاف دينار وخلع على جميع أصحابه واتباعه ومماليكه.
وفي سابع عشر ربيع الآخر، حضر بالبدرية عند شرف الدين أقبال الشرابي فخلع عليه وعلى جميع أصحابه ووصله بذهب كثير وخيل وتحف واهدايا.
وفي العشرين من الشهر، حضر في دار نصر الدين نائب الوزارة فخلع عليه وقلد سيفًا وأمطي فرسًا بعدة كاملة وخلع على جميع أصحابه وأنعم عليه بقدر صالح من العين برسم نفقة الطريق ثم توجه مصعدًا في ثامن عشر الشهر، وفي مدة مقامه ببغداد عملت له دعوة في رباط الخلاطية فحضر هناك وتفرج في الرباط، ثم عملت له دعوة أخرى في رباط والده الخليفة الناصر لدين الله، ثم عملت له دعوة أخرى في المدرسة المستنصرية فحضر وجلس على أيوانها وقرأ وذكر المدرسون الدروس ثم طيف به في رواقها.
وفيها، عزل علي بن غزالة المدائني عن النظر بواسط وولي عوضه على بن الشاطر الانباري وولي الأمير بكتين الناصري شحنكيتها.
[ ٢٢ ]
وفيها، وصل الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر المغربي الأصل الشرمساحي المولد الاسكندراني المنشأ والدار، إلى بغداد ومعه أهله وولده وجماعة من الفقهاء فلقي بالقبول من الديوان ثم أحضر دار الوزارة واحضر جميع المدرسين فذكر مسألة تفرع منها عدة مسائل على مذهب الإمام مالك بن أنس وبحثت الجماعة معه واستجادوا كلامه فخلع عليه وأمطي بغلة بعدة كاملة أسوة بالمدرسين بالمدرسة المستنصرية وتقدم بحضور أرباب الدولة والمدرسين بسائر المدارس والفقهاء فحضروا، فخطب خطبة بليغة وذكر اثني عشر درسًا وختمها بدرس من الوعظ وأعربت دروسه عن فضل ظاهر وجعل له في كل رجب مائة دينار وخلع على أخيه وجعل معيدًا لدرسه ثم خلع على الفقها الذين وصلوا صحبته وأثبتوا، وفي ربيع الآخر نقل القاضي فخر الدين أبو سعيد المبارك بن المخرمي من وكالة باب طراد، ونظره بدار التشريفات إلى صدرية المخزن، وخلع عليه وأعطي مركوبًا بعدة كاملة وأنعم عليه بألف دينار وأسكن في الدار المنسوبة إلى الوزير عبيد الله بن يونس المجاورة للديوان ورتب علي بن غزالة المدائني مشرفًا عليه ورتب هبة الله بن خليد كاتبًا معه، وخلع عليهما، ثم نقل فخر الدين بن المخرمي إلى صدرية ديوان الزمام، ونقل ابن غزالة إلى الأشراف عليه، وخلع عليهما وانحدرًا إلى واسط.
واستناب نصير الدين بن الناقد نائب الوزارة اخاه أبا الفضل في الدكالة.
وفيها، ولي الأمير سراج الدين سرابه الناصري شحنكية البصرة.
وفيها تكامل بناء الايوان الذي انشىء مقابل المدرسة المستنصرية وعمل تحته صفة يجلس فيها الطبيب وعنده جماعته الذين يشتغلون عليه بعلم الطب ويقصده المرضى فيداويهم وبني في حائط هذه الصفة دائرة وصور فيها صورة الفلك وجعل فيها طاقات لطاف لها أبواب لطيفة، وفي الدائرة بأزان من ذهب في طاستين من ذهب ووراءهما بندقتان من شبه لايدركهما الناظر فعند مضي كل ساعة ينفتح فما البازين ويقع منهما البندقتان وكلما سقطت بندقة انفتح باب من أبواب تلك الطاقات والباب من ذهب فيصير حينئذ مفضفضًا، وإذا وقعت البندقتان في الطاستين تذهبان إلى مواضعهما، ثم تطلع أقمار من ذهب في سماء لازوردية في ذلك الفلك مع طلوع الشمس الحقيقية وتدور مع دورانها وتغيب مع غيبوبتها فإذا جاء الليل فهناك أقمار طالعة من ضوء خلفها كلما تكاملت ساعة تكامل ذلك الضوء في دائرة القمر ثم يبتدىء في الدائرة الأخرى إلى انقضاء الليل وطلوع الشمس فيعلم بذلك أوقات الصلاة، ونظم الشعراء في ذلك اشعارًا: منها قول أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. من أبيات مدح بها الخليفة.
يا أيها المنصور يا مالكا برأيه صعب الليالي يهون
شيدت لله ورضوانه أشرف بنيان يروق العيون
أيوان حسن وضعه مدهش يحار في منظره الناظرون
صور فيه فلك دائر والش مس تجري ما لها من سكون
دائرة من لازورد حكت نقطة تبر فيه سرمصون
فتلك في الشكل وهذي معا كمال هاء ركبت وسط نون
وفيها، حضر عند قاضي القضاة أبي المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي حاجب الديوان وشافهه بالعزل عن القضاء وتدريس المدرسة المستنصرية وأمره بالانتقال من الدار التي سكنها القضاة، وولي عوضه أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد السلام بن اللمغاني أقضى القضاة.
وفيها عاد تاج الدين أبو الفتوح على بن الدوامي من أربل مفارقًا للخدمة بها، وقد تقدم ذكر أصعاده إليها متوليًا لأعمالها وصدرًا لديوانها، فلما نقل فخر الدين أبو سعيد المبارك بن المخرمي من صدرية المخزن إلى صدرية ديوان الزمام رتب تاج الدين في صدرية المخزن وخلع عليه وقلد سيفًا وأمطى فرسًا.
[ ٢٣ ]
وفيها، وصلت الأخبار من أربل أن عساكر المغول اجتازوا بها قاصدين الموصل فحاربهم عسكر أربل وقتل من الفريقين وجرح جماعة ثم انفصلوا قاصدين أعمال الموصل فعاثوا بها أشد العبث وقتلوا ونهبوا وأسروا، فأمر الخليفة بتجهيز العساكر والتوجه إلى تلك الجهة واستنفار الأعراب من البوادي والرجالة من جميع الأعمال فلما حضروا فرقت عليهم الأموال والسلاح وجعل مقدم العساكر الأمير جمال الدين قشتمر وتوجهوا، فلما وصلوا دربند، بلغهم أن المغول قد عادوا راجعين إلى بلادهم فرجع حينئذ قشتمر والعسكر إلى بغداد.
وفيها، صرف محمد بن الغنم من الوكالة ورتب عوضه ابن الطبال الدلال وظهرت منه نجابة ومعرفة وجلادة تامة.
وفيها، توفي أبو عبد الله بن حمد بن المرشد شيخ من أهل - المرية - قرية من أعمال البصرة، يعرف الفقه علي مذهب الشافعي تولى قضاء واسط سنين عدة في الأيام الناصرية وولي الاشراف بديوان واسط وعزل في الأيام المستنصرية وكان عنده دعابة ومزح وكيس وتواضع، قدم بغداد بعد عزله وهو شيخ طوال قليل البصر وقصد يوما كمال الدين عبد الرحيم ابن ياسين فطرق الباب فقال من بالباب فقال ثلاثة عميان فأذن له فلما دخل رآه وحده فاستفسره عما قال فقال أنا الثلاثة العميان، لأني غريب والغريب كما يقال أعمى، وطالب حاجة وطالب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها، والعمى الحقيقي فمشاهد، وكان أب ياسين ضعيف النظر جدًا فقال له ياسيدي صرنا أربعة، كانت وفاته في المرية، وقد أضر وعمره ثمانون سنة.
وتوفي جمال الدين أبو الحسن عبد الله بن الناقد أخو نصير الدين نائب الوزارة، رتب أولًا حاجبا بالديوان ثم نقل إلى حجة المخزن ثم ولي صدرية المخزن وكان على ذلك إلى أن توفي، صعد ليلة إلى غرفة داره فعرض له فالج فلم يتمكن من النزول فبقي على تلك أيامًا ومات في صفر.
وتوفي، بعد أخوه نور الدين أبو الفضل يحيى، كان أحد الحجاب بالديوان وناب عن أخيه نصير الدين نائب الوزارة في الوكالة في هذه السنة وتوفي في ذي الحجة.
وفيها، توفي أبو صالح نصر بن أبي بكر بن عبد الرزاق بن أبي محمد عبد القادر الجيلي الفقيه الحنبلي الواعظ، شيخ وقته ومقدم مذهبه من بيت العلم والصلاح، سمع الحديث ورواه وتفقه على أبيه وعلى الشيخ النوقاني الشافعي وتكلم في مسائل الخلاف ودرس في مدرسة جده بباب الازج والمدرسة الشاطئية بباب الشعير وتكلم في الوعظ وشهد عند قاضي القضاة ابن الدامغاني وقلد قضاء القضاة في خلافة الظاهر بأمر الله ولم يقلد قضاء القضاة حنبلي سواه فسار سيرة حسنة من فتح بابه ورفع حجابه والجلوس للناس عمومًا والآذان على بابه والصلاة بالجماعة والخروج إلى صلاة الجمعة راجلًا ولبس القطن وتجنب لبس الابريسم، ثم عزل في سنة ثلاث وعشرين، فانتقل إلى مدرسته وجلس على عادته بذكر الدروس ويفتي الناس، ولما تكامل بناء الرباط المستجد بدير الروم، جعل شيخًا على من به من الصوفية فلم يزم على ذلك إلى أن توفي، ودفن في دكة الإمام أحمد ﵁ فأنكر الخليفة ذلك وأمر بتحويله فحول ليلًا ودفن قريبًا منه، خارجًا عن تربته ولما عزل عن القضاء قال أبياتًا أولها:
حمدت الله ﷿ لما قضالي بالخلاص من القضاء
وفيها، توفي أبو منصور معلى بن الدباهي الفخري من قرية تعرف - بالفخرية - من أعمال نهر عيسى من أهل بيت ذوي رئاسة وتناية، ومعلى هذا رتب ناظرًا بدجيل، ثم بنهر عيسى، ثم نقل إلى صدرية المخزن، ثم نقل إلى صدرية ديوان الزمام، فكان على ذلك إلى أن أمر بملاحظة أربل وأعمالها، فتوجه إليها في هذه السنة فتوفي بأربل ودفن بها.
وحج بالناس في هذه السنة، الأمير أبو فراس بن جعفر بن أبي فراس.
وفيها، توفي عز الدين ابن الأثير الجزري صاحب الكامل في التاريخ بالموصل.