في المحرم، قلد العدل مجد الدين أبو القاسم هبة الله بن المنصوري الخطيب، نقابة نقباء العباسيين والصلاة والخطابة وخلع عليه قميص اطلس بطراز مذهبًا ودراعة خارا اسود، وعمامة ثوب خارا اسود مذهب بغير ذوابة، وطيلسان قصب كحلي، وسيف محلى بالذهب وامتطى فرسًا بمركب ذهبًا، وقرىء بعض عهده في دار الوزارة وسلم إليه، وركب في جماعة إلى دار أنعم عليه بسكناها في المطبق من دار الخلافة وأنعم عليه بخمسمائة دينار، وهو من أعيان عدول مدينة السلام وأفاضل أرباب الطريقة المتكلمين بلسان أهل الحقيقة. كان يصحب الفقراء دائمًا ويأخذ نفسه بالرياضة والسياحة والصوم الدائم والتخشن التباعد من العالم، وكان الموفق عبد الغافر ابن الفوطي من جملة تلامذته فعمل فيه أبياتًا طويلة، لما انتهى حالها إلى الديوان أنكر ذلك عليه ووكل به أياما ولم يخرج إلا بشفاعته، وأول الأبيات:
في دسته جالسا ببسملة بين يديه أن قام في أدب
وركبة منه كنت أعهده يذم أربابها على الرتب
وكان أبناؤها لديه على سخط من الله شامل الغضب
أصاب في الرأي من دعاك لها وأنت لما أجبت لم تصب
[ ٩ ]
أول صوت دعاك عن غرض لبيته مقبلا على السبب
ويقول فيها:
قد كنت ذاك الذي تظن به لو لم تكن مسرعًا إلى الرتب
شيخي أين الذي يعلمنا الز هد ويعتده من القرب
أين الذي لم يزل يسلكنا إلى خروج عن كل مكتسب
أين الذي لم يزل يعرفنا فضل العتري بالجوع والتعب
ومنها:
أين الذي لم يزل يرغبنا في الصوف لبسا له وفي الجشب
وأين من غرنا بزخرفه متى اعتقدناه زاهد العرب
وأين ذاك التجريد يشعرنا أن سواه في السعي لم يخب
وأين من لم يزل يذم لنا الدينا وقول المحال والكذب
وأين من لم يزل بأدمعه يخدعنا باكيًا على الخشب
وأين من كان في مواعظه يصول زجرًا عن كل مجتذ ب
ويقطع القول لا يتممه منظبا بالسماع والطرب
يقسم الغمر أنه رجل ليس في الوجود من أرب
لو كانت الأرض كلها ذهبًا أعرض عنها أعراض مكتئب
أسفر ذاك الناموس مختيلًا عن راغب في التراث مستلب
وكان ذاك الصرخ يزعجنا شكوى فقير على الدنا وصب
شيخي بعد الذم الصريح لما أبينه جئته على طلب
نسيت ما قلته على ورع عني لما اكتسبت بالدأب
ويل له أن يمت بخدمته يمت كفورًا وليس بالعجب
ما كان مال السلطان مكتسبًا لمؤمن سالم منالعطب
هذا ورزقي من وقف أربطه قدر طفيف أعطاه بالتعب
ولست في ثروة أسر بها دنياي منها موفورة النشب
فليت شعري ماذا أقول وقد حلت منها في مرتع خصب
أعطيت كراثة فتهت بها عن طلب كان أشرف الطلب
لو أنها نجمة خشيت على دينك شركا يكون عن كثب
وأن ذاك الحنيك منعطفا لجام من يدعي ولم ينب
شيخي بعد التفضيل منتقيا ثوبًا قصيرًا مجاوز الركب
اختلت في ملبس ذلاذله تسحب من طولها على الترب
يرفعها كل شادن غنج يفتن نساكنا على الرهب
واعتضت من عصي الزهادة من حولك مشي الغلمان بالقضب
لو كنت والله زاهدًا ورعًا لم ترضى دنيا الغرور باللعب
وكان في الله شاغل أبدًا عما تراه بعين محتجب
لا يغتر بعد ذا أخو ثقة بمحسن في جميل مطلب
وليتعظ مدعي تقريه بحال شيخي الفتون وليتب
فكتب النقيب قطب الدين الحسن بن الاقساسي إلى النقيب مجد الدين المذكور أبياتًا كالمعتذر عنه والمسلي له، يقول في أولها:
أن صحاب النبي كلهم غير علي وآله النجب
مالو إلى الملك بعد زهدهم وضطربوا بعده على الرتب
وكلهم كان زاهدا ورعًا مشجعًا في الكلام والخطب
فأخذ عليه فيها مآخذ فيما يرجع إلى ذكر الصحابة والتابعين وتصدى له جماعة وعملوا قصائد في الرد عليه، وبالغوا في التشنيع عليه، حتى أن قوما استفتوا عليه الفقهاء ونسبوه إلى أنه طعن في الصحابة والتابعين ونسبهم إلى قلة الدين فافتاهم الفقهاء بموجب ما صدرت به الفتيا.
وفيها، قدم راجح بن قتادة مكتة شرفها الله تعالى في جمع كبير ودخلها واستولى عليها، وطرد من كان بها من عساكر الكامل أبي المعالي ودخلها واستولى عليها، وطرد من كان بها من عسكر الكامل أبي المعالي محمد بن العادل صاحب مصر، فلما بلغ الكامل ذلك أرسل إلى مكة عسكرا فلما علم راجح بقدومهم نزح عنها فدخلها العسكر بغير محاوبة، وطبيوا قلوب أهلها وأحسنوا إليهم، بخلاف ما فعل راجح لما وليها
[ ١٠ ]
وفيها، حصر الكامل أبو المعالي المذكور مدينة آمد، وضيق على أهلها وأضعفهم بقلة الميرة وغيرها، واستولى عليها وملكها عنوة، وكان صاحبها الملك مسعود الدوادار الملك.
وفيها، رد النظر في أوقاف مدارس الحنيفة والربط وجامع السلطان إلى فخر الدين أبي طالب أحمد ابن الدامغاني مشرف الديوان وكفت يد نواب قاضي القضاة ابن مقبل عنها.
وفيها، وصل الأمير حسام الدين أبو فراس بن جعفر بن أبي فراس الذي كان أمير الحاج في الأيام الناصرية وقد تقدم ذكر مفارقته للحاج مسيره إلى الشام، ومصر، ملتجأ إلى الكامل أبي المعالي محمد بن العادل، هربًا من الوزير القمي وحدرًا من قصيدة أياه، فلما بلغه عزله كاتب الديوان واستأذن في العودة فأجيب سؤاله فلما وصل إلى مدينة السلام، حضر عند نصير الدين بن الناقد نائب الوزارة فخلع عليه ومضى إلى داره بسوق العجم ثم استدعي بعد أيام وخلع عليه وأعطي سيفًا محلى بالذهب وأمطي فرسًا وأعطي سبعة أحمال كوسات وأعلامًا، وضم إليه جماعة من العسكر وأقطع بلد دقوقًا.
وفيها، صرف تاج الدين أبو الفتوح علي بن هبة الله بن الدوامي، عن أشراف دار التشريفات وخرج راجلًا إلى داره، ورتب عوضه تاج الدين أبو المظفر محمد بن الضحاك.
وفي جمادى الآخرة، فرج عن ولد مؤيد الدين القمي وجميع أصحابه وأتباعه.
وفي شهر رمضان، فتحت دور الضيافة بجانبي مدينة السلام جريًا علي العادة في كل سنة وزيد فيها داران أحداهما بدار الخلافة لاولاد الخلفاء المقيمين في دار الشجرة، والأخرى بخربة ابن جردة، للفقراء الهاشميين.
وفي هذه السنة، سير جمال الدين بكلك الناصري إلى قلعة زرده ومعه عدة من العسكر، فحصرها وضيق على من بها وجرت بينهم حروب كثيرة وقتال شديد، فملكها عنوة وقهرًا واستولي عليها وأرسل إلى الخليفة يعرفه ذلك، فاستبشر به ونظم الشعراء في ذلك أشعارًا كثيرة.