[ ٤ ]
في المحرم، وصل إلى بغداد مظفر الدين أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي كوجك صاحب أربل، ولم يكن قدم بغداد قبل ذلك، وكان معه محي الدين يوسف بن الجوزي، وسعد الدين حسن ابن الحاجب علي، وكانا قد توجها إليه في السنة الخالية فخرج إلى لقائه فخر الدين أحمد بن مؤيد الدين القمي نائب الوزارة، والأمراء كافة والقضاء والمدرسون وجميع أرباب المناصب، فلقوه على نحو من فرسخ، ولقيه فخر الدين بن القمى بظاهر السور واعتنقا راكبين ثم نزلا، فقال له فخر الدين لما انتهى إلى مقار العز والجلال ومعدن الرحمة والكرم والافضال: لا زالت الأبواب الشريفة ملجأ للقاصدين، والاعتاب المنيفة منهلًا للواردين، وصولك يامظفر الدين رسم أعلى المراسم الشريفة وأسماها، وأنفذ أوامرها في مشارق الأرض ومغاربها وأمضاها، قصدك وتلقيك وأحماد مساعيك أكرامًا لك واحترامًا لجانبك، فيقابل ما شملك من الأنعم بتقبيل الرفام، والدعاء الصالح الوافر الأقسام المفترض على كافة الأنام والله ولي أمير المؤمنين. فقبل الأرض حيئذ مرارًا، ثم دخلوا جميعًا إلى البلد فلما وصل باب النوبى، ساق فخر الدين ونزل مظفر الدين وقبل الأرض، وعضده الاجل نور الدين أبو الفضل بن الناقد أحد حجاب المناطق بالديوان، ثم ركب وقصد دار الوزارة فلقى مؤيد الدين القمى وجلس هناك، وركب نائب الوزارة وولده وجميع أرباب الدولة والأمراء، وتوجهوا نحو دار الخلافة.
فأما مؤيد الدين وولده وخواصه، فدخلوا من الباب القائمي بالمشرعة. وأما الولاه والأمراء فدخلوا من باب عليان وباب الحرم، وانتهي الجميع إلى تحت التاج على شاطىء دجلة، ووقفوا تحت الدار الشاطئية ذات الشبابيك، ثم استدعى مظفر الدين من دار الوزارة بالأمير عز الدين ألب قرأ الظاهري وبأحد خدم الخليفة، فحضر فرفعت الستارة فقبل الجميع الأرض. وكان قد نصب تحت الشباك الاوسط كرسي ذو درج، فرقي عليه نائب الوزارة واستاذ الدارابن الناقد. ومظفر الدين، وسلم مظفر الدين مشيرًا برده إلى الشباك تاليًا قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) فرد الخليفة ﵇. فقبل الأرض مرارًا ثم شكر الخليفة سعيه، فاكثر من تقبيل الأرض والدعاء فاسبلت الستارة وعدل بمظفر الدين إلى حجرة، فخلع عليه فيها، وقلد سيفين وقدم له فرس بموكب ذهبًا ومشده ورفع وراءه سنجقان مذهبان وخرج من الباب القائمي المعروف بباب التمر المشرعة، وبه كان قد دخل ومضى والناس في خدمته إلى حيث انزل بدار شمس الدين علي ابن سنقر، بدرب فراشًا وأنزل جماعة من الأمراء الواصلين معه في دور، في عدة محال، وباقي عسكره في المخيم ظاهر البلد وأقيمت له ولاصحابه الاقامات الوافرة، ثم سأل زيارة المشاهد والربط ببغداد فعمل له في كل مكان وليمة، وصلى في جامع القصر جمعتين داخل الرواق إلى جانب المنبر، ثم حضر في منتصف صفر مؤيد الدين القمي نائب الوزارة وولده والجماعة الذين حضروا يوم دخوله وجرت الحال على ما تقدم شرحه، وخاطبه الخليفة بما طابت به نفسه، فقبل الأرض وابتهل بالدعاء، وتلا قوله تعالى (ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) ثم اسبلت الستارة وخلع عليه في تلك الحجرة، وأعطي كوسات وأعلامًا وخمسين ألف دينار، برسم نفقة الطريق، وبرسم حاشيته، وأصحابه عشرة آلاف دينار. وخرج من هناك إلى دار الوزراة وحضر جميع أصحابه فخلع عليهم بحضورة، وأقام بعد ذلك أيامًا ثم خرج إلى مخيمه بظاهر سور سوق السلطان وتوجه إلى بلده، وكانت مدة مقامه ببغداد عشرين يومًا، ومضى معه محي الدين بن الجوزي، وسعد الدين حسن بن الحاجب علي، وعادا في ربيع الأول وأخبرا أن مظفر الدين حلف أمراءه وأعيان بلده، على طاعة الخليفة وتسليم البلد عند وفاته إليه.
وفيها، عزل قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل، أبا عبد الله محمد بن أبي الفضل الحنفي عن قضاء واسط، وكان قد قلده القضاء في السنة الخالية فأقام بها شهورًا فلم يحمد مجاورة أهلها، واصعد ليقرر قاعدة تمكنه المقام بها من توفير الجاه، فلم يتهيأ له ذلك.
[ ٥ ]
وفي صفر، دخل بعض الأتراك إلى دار الوزير مؤيد الدين القمي وطلب غفلة الستري وانتهى إلى مجلسه فلم يصادفه جالسًا، وكان بيده سيف مشهور وكان آخر النهار، وقد تقوض الجامعة من الديوان فصاح عليه خادم، فتبادر الغلمان وأمسكوه، وانتهى ذلك إلى مؤيد الدين فجلس وأحضر التركي بين يديه وسأله عما حمله على ذلك؟ فلم يقل شيئًا، فضرب ضربًا مبرحًا، فذكر أنه له مدة لم يصله شيء من معيشته وهو ملازم الخدمة وقد أضر به ذلك، فحمله فقره وحاجته وغيظه على ما فعل فأمر بصلبه فصلب وحط بعد يومين.
وفيها، أنهى إلى الديوان، أن انسانًا يهوديًا أسلم وتزوج مسلمة ثم ارتد إلى دين اليهود، فأمر بقتله وفاحضر وصلب.
وقطع لسان إنسان جيء به من همذان تحت الاستظهار، نقل عنه أنه ادعى هناك اتصالا بالخليفة المستنصر بالله ثم حمل إلى المارستان فحبس به.
وفيها، اجتاز رجل بباب مسجد وقد نصب عليه خشب ليجعل عليه أضواء لاجل الختمة فوقع عليه جذع قمات وحمل إلى بيته فقال الجيران هذا تخاصم هو وزوجته اليوم فخرج وهو يقول (اشتهيت أن يقع علي شيء حتى أموت وأستريح منكم) .
وفي ليلة عيد الفطر، فتح باب في حائط دار الوزارة وجعل عليه شباك حديد وجلس فيه مؤيد الدين القمي نائب الوزارة واستعرض العسكر.
وفي شوال، تكامل بناء المدرسة التي أنشأها شرف الدين أقبال الشرابي بسوق العجم بالشارع الأعظم بالقرب من عقد سور سوق السلطان مقابل درب الملاحين، وكان المتولي لبنائها شمس الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد وكيل الخليفة المستنصر بالله وشرط الواقف، له النظر فيها وفي أوقافها، ثم بعده إلى من يلي وكالة الخلافة، وفتحت في آخر شوال ورتب بها الشيخ تاج الدين محمد بن الحسن الارموي مدرسًا، وخلع عليه وعلى الفقهاء والعبيد وجميع الحاشية ومن تولى عمارتها، وحضر جميع المدرسين والفقهاء على اختلاف المذاهب، وقاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل، فجلس في صدر الايوان وجلس في طرفي الايوان محي الدين محمد بن فضلان، وعماد الدين أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق بن عبد القادر فكلاهما قد كان قاضي قضاة وعمل من أنواع الاطعمة والحلواء ما تعبى في صحنها قبابا، وحمل من ذلك إلى جميع المدارس والاربطة، وقرئت الختمة وتكلم الشيخ محمد الواعظ ثم جلس المدرس بعده، وذكر دروسًا أربعة فأعرب عن غزارة فضله وتوسع علمه، وفيها خلع على الأمير شمس الدين أصلان تكين، خلعة إمارة الحاج، وحج بالناس.
وفيها، توفي بركة بن محمود الساعي المشهور بالسعي والعدو وكان من أهل الحربية سعى من واسط إلى بغداد في يوم وليلة.
ومن تكريت إلى بغداد، في يوم واحد، وحصل له بسبب ذلك مال كثير وجاه عريض، واتصل بخدمة الخليفة الناصر لدين الله وجعله أخيرًا مقدمًا لرجال باب الغربة، فكان على ذلك إلى أن توفي.
وفيها، توفي الملك الأمجد أبو المظفر بهرام شاه بن فروخ شاه أبن شاهنشاه بن أيوب شاه بن شادي صاحب بعلبك، كان قد ملكها بعد أبيه فانتزعها الملك الاشرف موسى بن العادل أبي بكر محمد بن أيوب منه قهرًا، وأخرجه عنها فرحل إلى دمشق وأقام بها. فاتهم بعض مماليكه بسرقة منطقة وحبسه، فوثب عليه ليلًا وقتله فأخذ المملوك وقتل، وكان الملك الأمجد أديبًا فاضلًا شاعرًا، فمن شعره يقول:
يؤرقني حنين وأذكار وقد خلت المعاهد والديار
تناءى الظاعنون فلي فؤاد تسير مع الهوادج حيث ساروا
وليلي بعد بعدهم طويل فأين مضت ليالي القصار
فمن ذا يستعير لنا عيونا تنام ومن رأى عينًا تعار