وفي المحرم، عزل علاء الدين هاشم بن الأمير السيد من صدرية المخزن ورتب عوضه فخر الدين محمد بن أبي عيسى نقلا من صدرية دجبل.
وفيها، حضر أسد الدين شير كوه صاحب حمص عالة وأخذها صلحًا ورتب بها نائبًا.
وفيها، ولي أقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني تدريس الطائفة الحنفية بالمدرسة المستنصرية عوضًا عن أبن الانصاري الحلبي فإنه سأل الأذن في العود إلى بلده بأهله وأولاده فأذن له، وكانت مدة تدريسه بالمدرسة المذكورة أحدًا وعشرون شهرًا.
وفيها، في تشرين الأول جاء رعد هائل وبرق عظيم ووقعت صواعق كثيرة: منها صاعقة أصابت أنسانًا بظاهر سور سوق السلطان قريبًا من سوق الخيل كان على بغل فأحرقت بعض صدره ونصف البغل فوقعا ميتين ووقعت صاعقة أخرى في دار يهودي بخربة ابن جردة، وأخرى على نخلات بباب محول فأخرقتها، كل ذلك في ساعة واحدة، ووقعت صاعقة أخرى في شباط على الرواق بالمدرسة المستنصرية فشعثت منه موضعًا.
[ ٢٧ ]
وفيها، رد أمر حجر البيع إلى تاج الدين علي بن الدرامي حاجب باب النوبي يومئذ، وعين الأمير شمس الدين أصلان تكين زعيما ببلاد خوزستان، عوضًا عن الأمير علاء الدين ايلدكز المعروف بطاز، وكانت مدة ولايته ثلاث سنين وخمسة أشهر.
وعزل، منصور بن عباس عن صدرية لديوان المفرد بنهر الملك ونهر عيسى وهيت، ورد أمرها إلى صاحب الديوان فخر الدين أبي سعيد المبارك بن المخرمي.
وفي ربيع الآخر، تقدم إلى المدرسين والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية وأرباب الدولة من الصدور والأمراء بحضور جامع القصر لأجل الصلاة على ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل زوجة الأمير علاء الدين الطبرسي الدويدار الكبير وصلي عليها في القبلة وشيع الكل جنازتها، إلى المشهد الكاظمي ودفنت إلى جانب ولدها في الايوان المقابل للمدخل إلى مصف الحضرة المقدسة في ضريح مفرد، قيل أنها كانت نفساء، عن نيف وعشرين سنة ومدة مقامها في بغداد عشر سنين، وعمل العزاء في دار الأمير علاء الدين وحضر النقيب الظاهر الحسين بن الاقساسي وموكب الديوان وأقامه من العراء، ونفذ المحتسب أبو الفرح عبد الرحمن بن الجوزي إلى بدر الدين لؤلؤ ليقيمه من العزاء.
وفي جمادي الأولى، عقد العقد في دار الوزارة على ابنة سليمان شاه بن برجم بمظفر الدين محمد بن الأمير جمال الدين قشتمر، وأحضر أقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني ونوابه وكان مبلغ الصداق ألف دينار.
فيها، كثر شغب العوام ببغداد وقتل جماعة من الناس في عدة أماكن فولي عماد الدين طغرل الناصري شحنكية بغداد فسكن الناس.
وفيها، دخل دار الوزارة مملوك من مماليك الخليفة وهي مغتصة بالزحام لاجل السلام فقصد صفة المسند وأطبق دواة الوزير فانزعج الحاضرون ولم يشكوا أنه مأمور، وذلك عنوان العزل وتطالت الأعناق إلى ما وراء ما فعل، فبدأ منه مايدل على تغير عقله، فقام إليه أحد الحجاب ودبه بيده وأنزله من الصفة، وعرف الوزير هذه الصورة، فأنهى ذلك إلى الخليفة، فتقدم بهلاك المملوك فشفع الوزير فيه، ووقع الاقتصار على حبسه بالمارستان أسوة بالمجانين.
وفيها، اتصل مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي وولده عز الدين أبو الفضل أحمد بابنتي الوزير مؤيد الدين محمد بن محمد القمي وكان الاجتماع بهما في شعبان وكان قد أفرج عنهما وردت عليهما أملاكهما وما اجتمع من اجرتها وهو سبعة آلاف دينار في صفر من السنة.
وفي شعبان، رتب شمس الدين عبد العزيز بن محمد بن خليد مشرفًا بدار التشريفات نقلًا من الكتابة بها، ورتب مجد الدين علي ابن أبي الميامن بن أمسينا الواسطي كاتبًا بها، وقلد العدل الخطيب أبو طالب الحسين بن أحمد بن المهتدي بالله نقابة العباسيين.
وفي آخر شعبان، انتهي من عمارة باب جامع القصر مما يلي الرحبة وفتح، وفتحت المزملة التي عملت بالجامع المذكور أيضًا.
وفيه، نهض على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل نفران من الباطنية ليقتلاه فجرحه أحدهما في يده فقبضا وقتلا وأخذ في التحرز بعد ذلك والاستتار.
وفيها، نقل العدل أبو طالب أحمد بن الدامغاني من أشراف المخزن إلى ديوان عرض الجيش المختص بالغرباء، وتفرد أبو علي الحسن بن المختار العلوي بديوان عرض العساكر البغدادية فصار حينئذ للجيش عارضان، وكان قد جعل لديوان المجلس حاجبان فقيل في ذلك:
هذه دولة حوت كل حسن وجهها مشرق بديع المعاني
فلها حاجبان زيدا جمالا ولها من جمالها عارضان
وفيه، علق طائر بباب بدر، قيل أنه رماه كيخسرو بن كبقباذ ملك الروم ونثر عليه ألف دينار، تولى ذلك عبد الله بن المختار.
وفيها، توفي شمس الدين التمش بن قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين محمد بن سام الغوري ملك الهند، وملك بعده ولده ركن الدين فيروز شاه فلم يستقم له الأمر، وتفرق عنه العسكر فقبضت عليه اخته وملكت بعده وأطاعها الجند والرعية وتلقبت - رضية الدنيا والدين - واستقام لها الأمر.
[ ٢٨ ]
وفيها، توفي الأمير شرف الدين علي بن الأمير جمال الدين قشتمر، امه ايران خاتون ابنة أبي طاهر ملك المر، كان قد مرض وشفي وركب وخلع على الطبيب، فلما نزل، عرض له ألم في فؤاده واعقال طبع، فمات وكان شابًا جميلًا كريمًا شجاعًا، قد أمر وأضيف إليه عدة من المماليك ورفع وراءه سيفان وتوفر اقطاعه، فاخترمته المنية في عنفوان شبابه، ودفن عند والدته بمشهد الحسين ﵇، واستدعي جمال الدين قشتمر إلى دار الوزارة، ومعه ولده مظفر الدين محمد وولده شرف الدين علي المتوفي، وهو فخر الدين مغدي فخلع على مظفر الدين وجعل أميرًا على مائة فارس وعمره يومئذ ثلاث عشرة سنة، وخلع على فخر الدين مغدي وجعل أميراٍ على عدة خمسين فارسًا، وعمره يومئذ خمس سنين، ثم خلع على الأمير جمال الدين قشتمر، كل ذلك جبرًا لقلبه، من فجعته بولده.
وفيها، توفي الملك الاشرف أبو الفتح موسى بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي صاحب دمشق، ملك بعد وفاة أبيه ديار الجزيرة وميا فارقين وخلاط، واستقر ملكه بها، ثم ملك سنجار صلحا، وقصد بلاد الموصل وسار يريد أربل، فراسله الخليفة الناصر لدين الله بالرجوع عنها والصلح، فأجاب إلى ذلك على أن يخطب له ويضرب الدينار باسمه، فأجاب مظفر الدين كوكبري إلى ذلك، فلما عاد إلى حران، راسل الخليفة يسأل تشريفه بالفتوة فنفذ إليه من فتاه بطريق الوكالة، وكان عنده أدب وفضل مع ظرافة ولطافة وكرم فائض، وكان متعففًا عن أموال الرعية منعكفًا على ملاذة، مشتهرًا بحب الغلمان الأتراك والميل إليهم، مستهترًا بهم وله فيهم أشعار كثيرة، ليست بالجيدة: فما قاله في غلام تركي كان على خزانته:
أفدي قمرًا تحار فيه الصفة يسخو بدمي وهو أمين ثقة
ماذا عجب بحفظ مالي ويرى روحي تلفت به ولا يلتفت
وكانت وفاته بدمشق في المحرم، وقد جاوز الستين سنة من عمره واستولى أخوه الملك الصالح اسماعيل على دمشق بعده.
وفيها، توفي ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد الله من أعيان المتصرفين خدم أولًا خواجة الأمير علاء الدين تتامش، ثم تولى عرض ديوان الجيش ثم عين عليه في وزارة بلاد خوزستان، ثم عزل واعتقل هناك في سنة ست وعشرين، فكان على ذلك إلى أن توفي الخليفة الناصر لدين الله فأفرج عنه ووصل إلي بغداد فولي صدرية ديوان عرض الجيش ثم نقل إلى صدرية ديوان أربل فكان بها، ثم سأل أن يعفى من الخدمة بها فأعفي، ثم أعيد إلى بلاد خوزستان فكان بها إلى أن مات.
وفيها، توفي المللك الكامل أبو المعالي محمد بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي صاحب مصر والشام، وكان فاضلًا أديبًا متفقها وسمع الحديث ورواه وكان معظمًا لأهل العلم محبًا لهم يحضرهم مجلسه في كل اسبوع ويبحثون عنده ويتناظرون ويتكلم معهم، ويشركهم في بحثهم ويلزم معهم أدب المناظرة ويخاطبهم أحسن خطاب، وله شعر جيد، منه: ما كتبه إلى أخيه الاشراف حيث كان على دمياط:
يامسعفي أن كنت حقًا مسعفي فأرحل بغير تفند وتوقف
واطو المنازل والديار ولا تنخ إلا على باب المليك الاشرف
قبل يديه لا عدمت وقل له عني بحسن تعطف وتلطف:
أن تأت صنوك عن قريب تلقه ما بين حد مهند ومثقف
أو تبط عن أنجاده فلقاؤه يوم القيامه في عراص الموقف
[ ٢٩ ]
ولما توفي أبوه، حذا حذوه في التيقظ والحراسة وحسن التدبير وسياسة الملك، فأخذ اليمن ومكة وتغلبا، ونفذ إليها ولده الملك المسعود بالمظفر يوسف، ولما أخذ الفرنج دمياط وتملكوها، جرد عزما ماضيًا، وخرج بنفسه وجمع العساكر، وانتقل بهم وبجميع أهل البلد وبني مدينة مستأنفة وبنى بها جامعا ومدارس وأربطة وحمامات وخانات، ونقل إلها الناس على اختلافهم، ولم يزل محاصراَ لها مضيقًا على من بها حتى أخذها، وقبض على الفرنج وأخذهم اسرى ودخل القاهرة وهم بين يديه، ثم من على من أسرهم من ملوكهم وأحسن إليهم، وأطلقهم على أشياء قررها، ولو لم يكن له إلا هذا لكفي، فأنهم لما ملكوا دمياط أشرف باقي البلاد على الأخذ ولو أخذت مصر لما بقي بالشام معهم ملك لأحد، وكانت وفاته في شعبان بدمشق، وقد جاوز الستين من عمره، وكانت مدة ملكه منذ ملك مصر أربعين سنة، وعهد إلى ولده العادل حمد.