في يوم السبت سابع عشر شوال، تقدم إلى مؤيد الدين أبي طالب محمل بن أحمد بن العلقمي مشرف دار التشريفات يومئذ أن يحضر عند استاذ الدار شمس الدين أبي الأزهر أحمد بن الناقد ويتفقا على القبض على نائب الوزارة مؤيد الدين القمي فجمع استاذ الدار رجال النوبتين وأمرهم بالمبيت في دار الخلافة ولم يشعر أحدًا منهم بشيء فلما أغلق بابا النوبي والعامة، عين على جماعة مع ابن شجاع مقدم باب الأتراك، بالقبض على القمي إذا فتح باب النوبي، وعين على جماعة مع حسن بن صالح المعمار للقبض على ولده في الساعة المعينة، وعين جماعة للقبض على أخيه وجميع أصحابه وخواصه، فلما فتح باب النوبي خرج الجميع بالسيوف وهجموا عليه وعلى ولده وأخيه وجميع أصحابه في ساعة واحدة فلم يفلت منهم صغير ولا كبير. فأما هو وولده فنقلا ليلا إلى باطن دار الخلافة فحبسا هناك. وأما بناته ونساؤه فنقلن إلى دار بالقصر من دار الخلافة. وأما أخوه ومماليكه وأصحابه فحملوا إلى الديوان.
وفي يوم السبت المذكور. استدعي استاذ الدار شمس الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد إلى دار الخلافة، وخلع عليه نيابة الوزراء وقلد سيفا وقدم له مركب بمركب ذهبًا وركب من باب البستان المقابل لدار التشريفات وبين يديه جميع الحجاب وقد تقدمه إلى الديوان جميع أرباب الدولة فدخل إليه وجلس في الموضع الذي جرت عادة نواب الوزارة بالجلوس فيه، وكتب والأنهاء وبرز الجواب فقرأه قائمًا على الحاضرين، وأمر الخليفة بأن يخاطب بخطاب الوزير أبي الحسن ناصر بن المهدي العلوي وهو المولى الوزير الأعظم الصاحب الكبير المعظم، العالم العادل، المؤيد المظفر المجاهد نصير الدين صدر الإسلام، غرس الإمام، شرف الأنام، عضد الدولة، جلال الملة، مغيث الأمة، عماد الملك، اختيار الخلافة مجتبى الأمانة المكرمة، تاج الملوك، سيد صدور العالمين، ملك وزراء الشرق والمغرب، غياث الورى، أبو الأزهر أحمد أبن محمد أبن الناقد ظهير أمير المؤمنين، ووليه المخلص في طاعته، الموثوق به في صحة عقيدته.
[ ٨ ]
وفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال ولي مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي استاذية الدار، وخنع عليه في دار الوزارة وركب في جمع كثير واسكن في الدار المقابلة لباب الفردوس، ولما قبض على القمي، قال الشعراء في ذلك أشعار كثيرة منها ما قاله الحاجب محمد بن عبد الملك الوظائفي وحرض الخليفة على قتلهما بألفاظ رمات البندق. وهو:
لقد انتحى المستنصر المنصور يوم المكين كما انتحى المنصور
ملك الخراساني ذاك ببغية وكذا خراسانينا المأسور
لا تبقه ياخير من وطىء الحصا فالحزم أن لا يهمل الموتور
وأفصم عرى عنق القصير فدونه في المكر والكيد الوكيد قصير
مولاي في وجه العداة صرعت مصطحبًا وطير المخر فيه وكور
أخليت منه الجو في ندب وكم حامت عليه ولم تنله نسور
خيشته لكن مفيقا فاتبع ما سنه في البندق الجمهور
والرأي تذكية المفيق فإنه مازال يملك روعة ويطير
فالكي مخلفه لديه واضع في حده عضد له وظهير
لا تأمنن عليهما في محبس ضنك فعندهما له تدبير
كم هارب من قلة في قلعة ولكم نجا بقيوده مطمور
فاقتلهما بالسيف أحوط حارس لهما وهذا أول وأخير
ضل المكين بكل ما صنعت به آراؤه في دسته المغرور
وتر الخلافة بالخلاف ولم يكن قد رد تدبير الملوك وزير
فعزمت فيه عزمة نبوية كادت لسطوتها السماء تمور
حرست ثغور المسلمين بعزلة وتبسمت للعالمين ثغور
وفيها، ولي جمال الدين علي ابن البوري حجابة باب النوبي، وفيها، قطع الشيخ محمد المعروف بالواعظ عن الوعظ ومنع من الجلوس بباب بدر، وكذلك العدل اسماعيل بن النعال الواعظ.
وفي ذي القعدة، استناب نصير الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد نائب الوزارة أخاه جمال الدين عبد الله في الوكالة ليتوفر هو على أمر الوزارة، وفيه، انعم الخليفة على الأمير علاء الدين الطبرسي المعروف بالدويدار، الكبر بالدار المقابلة لباب الحرم المجاورة لداره، وانتقل عنها معلى بن الدباهي.
وحج بالناس في هذه السنة الأمير شمس الدين أصلان تكير الناصري.
وفيها، توفى أبو بكر محمد بن عبد الغني المعروف بابن نقطة وكان على طريقة حميدة وقاعدة جميلة، عني بعلم الحديث وسماعه، وسافر البلاد في طلبه.
وفي خامس شوال، توفي جمال الدين محمد بن علي بن خالد الكاتب شيخ فاضل عالم بالسير والأخبار، كتب بخطه كثيرًا وجمبع عدة مجاميع، واختصر كتاب الأغاني للاصفهاني وخدم في عدة أعمال. منها كتابة المخزن وخزانة الغلات بباب المراتب، وأشراف البلاد الحلية وغير ذلك، وصنف كتابًا في علم الكتابة وسماه جوهر اللباب في كتابة احساب.