بعد عرض الأدلة والبراهين التي تبين من خلالها أن أبا حنيفة الدينوري لم يؤلف هذا الكتاب وهو أبعد ما يكون عنه، بقي أن أتعرف على اسم صاحب الكتاب والفترة التي عاشها، وهذا أيضًا لم أجد ما يسعفني من معلومات لكي أستند إليها، فليس في كتابه شيء يمكن من خلاله التعرف على اسمه، ومن جهة معرفة زمانه أيضًا لم يأت المؤلف بأي من صيغ السماع المباشر مثل: حدثنا، أو حدثني، أو أخبرنا، أو أخبرني، أو أنبأنا، أو أنبأني، أو سمعتُ، أو قال لي فلان،
[ ٣٤ ]
ولو أنه أتى بهذه الصيغ لعرفت من عاصره، ومن أخذ منهم مباشرة.
والذي وجدت في كتابه صيغ تحتمل السماع مثل قوله: (قال الهيثم)، (قال الأصمعي)، (قال الشعبي).
ولم أجد إلا شيئًا واحدًا يفيدنا بزمنه وهو توقفه عن الكتابة في سنة ٢٢٧ هـ، وهذا نستأنس به، ولا يمكن أن نعتمد عليه أيضًا؛ لأننا لا نملك ما يسانده.
ولعلّ مؤلف الكتاب حرص على عدم إظهار اسمه وزمنه، فأخفى كل ما يدلّ عليه، وربما نحله مباشرة أو بعد زمن على رجل مشهور وهو (أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري)، والمتهم في ذلك هو ابن النديم، فهو ورّاق شيعي، وبعده تناقله المصنفون من غير تحقيق.
والذي أجزم به أن الكتاب ظهر في زمن البويهيين، وهم شيعة فرس وقد بينت ذلك مفصلًا فيما سبق وذلك عند الحديث عن ابن النديم ونسبة الكتاب.
ولذلك لا أستطيع أن أنسب الكتاب لأحد دون برهان.
لكن لا يخفى على من يطَّلع على هذا الكتاب أن صاحبه كان من الفرس، ويثبت ذلك تتبعه لسير ملوك الفرس والعناية الفائقة بتاريخهم والإشادة بهم وبحكمهم، وبغلبتهم على سائر الأقوام في ذلك الزمان، ثم يتحول إلى أبي مسلم الخراساني ويشيد بجهوده في سبيل الدعوة العباسية ويجعل له كل الفضل والأثر في قيام الدولة العباسية.
وهذا مما لاشك فيه أنه مذهب الشعوبيين الذين أخذوا على عاتقهم مدح الفرس وتنقص العرب.
ومما يدل على فارسيته أنه أورد في كتابه في كثير من المواضع كلمات فارسية منها قوله: (ويقال إن ذلك المكان بموضع من الماء يسمى داى مرج،
[ ٣٥ ]
سمى بأمه؛ لأن الأم بلسان الفرس تسمى داي) (^١)، (مرد ومرد، أي رجل ورجل) (^٢).
(قالوا: ولما نظرت الفرس إلى العرب قد أقحموا دوابهم الماء وهم يعبرون، تنادوا ديوان آمدند، ديوان آمدند) (^٣)، (وقال لبهرام: أيها الاسبهبد) (^٤) (فنادى الكرماني مولاه: بذبخت، مارمار أي حية قد عرضت، فقال مولاه:
بكز بكز أي عضها) (^٥).
ثم إنه قد أتى بروايتين فيهما انتقاصٌ للأمين؛ لكي يُعْلي بهما من شأن المأمون، الذي لا يخفي ميوله إلى الفرس وإيثارهم في دولته.
أما عن مذهبه فهو من غلاة الشيعة الذين أخذوا على عاتقهم الحطّ من قدر الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ذلك تصويره للصلح الذي تم بين الصحابيين الجليلين أبي موسى الأشعري -﵁- وعمرو بن العاص -﵁- بأن عمرًا -﵁- خدع أبا موسى -﵁- بقوله: (قالوا: ثم إن عمرو بن العاص جعل يظهر تبجيل أبي موسى وإجلاله، وتقديمه في الكلام وتوقيره، ويقول: صحبت رسول الله -ﷺ- قبلي، وأنت أكبر سنًّا مني) (^٦).
وجاء برواية مكذوبة على لسان أبي موسى -﵁- الأشعري وفيها مقارنة بين معاوية -﵁- وبين أبرهة الصباح بقوله: (قال أبو موسى: اتق الله يا عمرو، أما ما ذكرت من شرف معاوية، فلو كان يستوجب بالشرف الخلافة، لكان أحق
_________________
(١) الأخبار الطوال ٥٨.
(٢) المصدر السابق ١٢٣.
(٣) ومعناها جاء الشياطين. المصدر السابق ١٢٦.
(٤) كلمه فارسية تعني القائد. المصدر السابق ٩٠.
(٥) المصدر السابق ٣٦١.
(٦) المصدر السابق ١٩٩.
[ ٣٦ ]
الناس بها أبرهة بن الصباح، فإنه من أبناء ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا شرق الأرض وغربها) (^١).
وأنه تتبع سيرة علي بن أبي طالب -﵁- وبنيه الحسن -﵁- والحسين -﵁- وما جرى بينهم وبين معاوية -﵁- وابنه يزيد.
ولذلك نجد أن بعض المتأخرين الذين اطلعوا على كتاب الأخبار نقدوا مؤلفه وبينوا أصله ومذهبه:
قد وصفه أغا بزرك الطهراني (^٢) بقوله: (وهو من أبناء الفرس يستظهر إمامته) (^٣).
ووصفه عبد المنعم عامر بقوله: (تجري في عروقه دماء الفرس، وتنصهر في نفسه عزة العرب وأمجاد الإسلام) (^٤).
ووصفه العلامة، إحسان إلهي ظهير (^٥)، بأنه شيعي (^٦).
ووصفه الدكتور محمد بن صامل السلمي (^٧) بقوله: (تبين أنه تنزعه عرق فارسية، مع ميول شيعية) (^٨).
_________________
(١) الأخبار الطوال ١٩٩.
(٢) هو محسن أو محمد محسن بن علي بن محمد رضا الطهراني، ولد سنة ١٢٩٣ هـ، من أهل طهران، عالم بتراجم المصنفين، وأحد محدثي الشيعة، له عدة مصنفات، توفي سنة ١٣٥٤ هـ. الزركلي: الأعلام ٥/ ٢٨٨.
(٣) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ١/ ٣٣٨.
(٤) الأخبار الطوال (د).
(٥) إحسان إلهي ظهير، شيخ وكاتب إسلامي مبرز من لاهور، توفي في ١٤٠٧ هـ أثر قنبلة وضعت له وهو يخطب. محمد خير: تكملة معجم المؤلفين ٢٥.
(٦) الشيعة وآل البيت ١/ ١٠٠.
(٧) محمد بن صامل بن صوميل السلمي، ولد عام ١٣٦٩ هـ، يعمل أستاذًا مشاركًا بقسم التاريخ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. موقع جامعة أم القرى. https:// uqu.edu.sa/ mssolami/ ١٥٣٠
(٨) السلمي: منهج كتابة التاريخ ٤٦٤.
[ ٣٧ ]