* حمل الرءوس إلى عبيد الله:
[٨١]- (وبعث عمر بن سعد برأس الحسين من ساعته إلى عبيد الله بن زياد مع خولى بن يزيد الأصبحي) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢)، والبلاذري (^٣)، والطبري (^٤)، وزاد عندهم أنه بعث الرأس مع خولي بن يزيد، وحميد بن مسلم الأزدي (^٥).
[٨٢]- (وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين يومين، ثم آذن في الناس بالرحيل، وحُمِلَتِ الرءوس على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين رأسًا، جاءت هوازن منها باثنين وعشرين رأسًا، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسًا مع الحصين بن نمير، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأسًا مع قيس بن الأشعث، وجاءت بنو أسد بستة رءوس مع هلال الأعور (^٦)، وجاءت الأزد بخمسة رءوس مع عيهمة بن زهير (^٧)، وجاءت ثقيف باثنتي عشرة رأسًا مع الوليد بن عمرو (^٨) (^٩).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٥٩.
(٢) الطبقات ١/ ٤٨١ (ت د. محمد السلمي).
(٣) الأنساب ٣/ ٢٠٦.
(٤) التاريخ ٥/ ٤٥٥.
(٥) حميد بن مسلم الأزدي، لم أقف على ترجمة له، ساق له أبي مخنف روايات عن مقتل الحسين -﵁- وعن فتنة المختار، ويذكر أنه كان صديقًا لإبراهيم بن الأشتر. الطبري: التاريخ ٦/ ١٨.
(٦) هلال بن الأعور: لم أقف على ترجمته.
(٧) عيهمة بن زهير: لم أقف على ترجمته.
(٨) الوليد بن عمرو: لم أقف على ترجمته.
(٩) الأخبار الطوال ٢٥٩.
[ ٢٠٩ ]
ذكر نحوًا منها: الطبري (^١)، والبلاذري (^٢).
• نقد النص:
هذه الرواية باطلة لأنها جاءت مسندة من طريق أبي مخنف (^٣) وهو ضعيف، ثم إنه لا يوجد حاجة لحمل الرءوس كلها إلى عبيد الله بن زياد كما تقول هذه الرواية، وإنما الثابت هو حمل رأس الحسين -﵁- كما سيأتي.
[٨٣]- (وأمر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في المحامل المستورة على الإبل وكانت بين وفاة رسول الله -ﷺ- وبين قتل الحسين خمسون عامًا) (^٤).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٥).
ومما يروى في موقف عمر بن سعد من نساء الحسين -﵁- وابنه علي بن الحسين، أنه قال: (لا تعرضوا لهؤلاء النسوة ولا لهذا المريض) (^٦).
وهذا تأكيد لما ذكره صاحب الكتاب من أن عمر بن سعد حمل نساء الحسين -﵁- على الجمال المستورة، وهذا الأمر كله ينفي تعرض أهل الحسين -﵁- لأي شر بعد المعركة.
وقد أثنى علي بن الحسين على عمر بن سعد وقال: (جزيت من رجل خيرًا فوالله لقد دفع الله عني بمقالتك شرًّا) (^٧).
_________________
(١) التاريخ ٥/ ٤٦٧.
(٢) الأنساب ٣/ ٢٠٧.
(٣) البلاذري: الأنساب ٣/ ٢٠٧، الطبري: التاريخ ٥/ ٤٦٧.
(٤) الأخبار الطوال ٢٥٩.
(٥) التاريخ ٥/ ٤٥٥.
(٦) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٨٠ (ت د. محمد السلمي)، الطبري: التاريخ ٥/ ٤٥٤.
(٧) الطبري: التاريخ ٥/ ٤٥٤.
[ ٢١٠ ]
وأما ابن زياد فقد رُوِيَ أن أحسن شيء فعله ابن زياد أنه لما جيء بنساء الحسين -﵁- وأهله، أمر لهن بمنزل في مكان معتزل، وأجرى عليهن رزقًا، وأمر لهن بنفقة وكسوة (^١)، وهذا مما لا شك فيه، فشيمة المسلم لا تسمح له بأذى المرأة مهما كان الخلاف.
وأما قوله: إن بين وفاة الرسول -ﷺ- وبين مقتل الحسين -﵁- خمسون عامًا فهذا صحيح؛ لأن الرسول -ﷺ- توفي في السنة الحادية عشرة من الهجرة في الثاني عشر من ربيع الأول (^٢)، والحسين كما سبق أن بيناه قتل سنة إحدى وستين.
* عبيد الله بن زياد ورأس الحسين -﵁-:
[٨٤]- (قالوا: ولما أدخل رأس الحسين على ابن زياد فوضع بين يديه جعل ابن زياد ينكت بالخيزرانة ثنايا الحسين، وعنده زيد بن أرقم (^٣)، صاحب رسول الله -ﷺ-، فقال له: مه، ارفع قضيبك عن هذه الثنايا، فلقد رأيت رسول الله -ﷺ- يلثمها، ثم خنقته العبرة، فبكى، فقال له ابن زياد: مم تبكي؟ أبكى الله عينيك، والله لولا أنك شيخ قد خرفت لضربت عنقك) (^٤).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٥)، والطبري (^٦).
• نقد النص:
جاء في هذه الرواية نكث عبيد الله بن زياد الخبيث رأس الحسين -﵁-
_________________
(١) البلاذري: أنساب الأشراف ٣/ ٢٢٦. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٩٣.
(٢) خليفة بن خياط: التاريخ ١/ ٩٤.
(٣) زيد بن أرقم بن قيس بن النعمان من الخزرج، شهد الخندق والمريسيع، وغزا مع الرسول -ﷺ- سبع عشرة غزوة، له حديث كثير، وروى عن علي -﵁-. ابن حجر: الإصابة ٢/ ٤٨٧.
(٤) الأخبار الطوال ٢٥٩، ٢٦٠.
(٥) الأنساب ٣/ ٢٠٧. بروايتين دون سند، الأولى بحضرة زيد بن أرقم عند ابن زياد، والثانية ٢١٤، بحضرة أبو برزة الأسلمي عند يزيد.
(٦) التاريخ ٥/ ٤٥٦.
[ ٢١١ ]
بالقضيب، بحضرة زيد بن أرقم -﵁- وهذا لم يثبت، وإنما الثابت أن النكث كان بحضرة أنس بن مالك -﵁-، فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالكٍ -﵁-، أتى عبيد اللّه بن زيادٍ برأس الحسين ﵇، فجعل في طستٍ، فجعل ينكث، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنسٌ: «كان أشبههم برسول اللّه -ﷺ-، وكان مخضوبًا بالوسمة» (^١).
أما عن مصير رأس الحسين -﵁-:
فقد توسع شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن رأس الحسين -﵁- وصنف كتابًا اسماه «رأس الحسين -﵁-»، وقد ذكر حمل الرأس إلى عبيد الله بن زياد فقال: (الذي ثبت في صحيح البخاري: أن الرأس حُمِلَ إلى قدام عبيد الله بن زياد، وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه بحضرة أنس بن مالك) وفي المسند (أن ذلك كان بحضرة أبي برزة الأسلمي)، ولكن بعض الناس روى بإسناد منقطع (أن هذا النكت كان بحضرة يزيد بن معاوية) وهذا باطل.
فإن أبا برزة، وأنس بن مالك، كانا بالعراق ولم يكونا بالشام، ويزيد بن معاوية كان بالشام، لم يكن بالعراق حين مقتل الحسين، فمن نقل أنه نكث بالقضيب بحضرة هذين قُدَّامه فهو كاذب قطعًا، كذبًا معلومًا بالنقل المتواتر) (^٢).
[٨٥]- (قالوا: وكانت الرءوس قد تقدم بها شمر بن ذي الجوشن أمام
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٢٦، والإمام أحمد في فضائل الصحابة ٢/ ٧٨٣، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ١/ ٣٠٦، والطبراني في المعجم الكبير ٣/ ١٢٥، وابن حبان في صحيحه ١٥/ ٤٢٩.
(٢) ابن تيمية: رأس الحسين ١٩٩.
[ ٢١٢ ]
عمر بن سعد) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢)، الطبري (^٣).
راجع نقد الرواية رقم [٨٢].
* دفن قتلى كربلاء:
[٨٦]- (قالوا: واجتمع أهل الغاضرية فدفنوا أجساد القوم) (^٤).
ذكر الطبري (^٥) مثلها، وزاد بعد ما قتلوا بيوم.
* حال عمر بن سعد بعد قتله الحسين -﵁-:
[٨٧]- (ورُوِيَ عن حميد بن مسلم (^٦) قال: كان عمر بن سعد لي صديقًا، فأتيته عند منصرفه من قتال الحسين، فسألته عن حاله، فقال: لا تسأل عن حالي، فإنه ما رجع غائب إلى منزله بِشَرٍّ مما رجعت به، قطعت القرابة القريبة، وارتكبت الأمر العظيم) (^٧).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٨)، والبلاذري (^٩).
* وصول خبر مقتل الحسين -﵁- إلى يزيد وموقفه:
[٨٨]- (قالوا: ثم إن ابن زياد جهز عليَّ بن الحسين ومن كان معه من
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٦٠.
(٢) الأنساب ٣/ ٢٠٦.
(٣) التاريخ ٥/ ٤٥٦. من طريق أبي مخنف، وزاد: ومعه قيس بن الأشعث وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج.
(٤) الأخبار الطوال ٢٦٠.
(٥) التاريخ ٥/ ٤٥٥.
(٦) مجهول الحال.
(٧) الأخبار الطوال ٢٦٠.
(٨) الطبقات ١/ ٤٨٥ (ت د. محمد السلمي).
(٩) الأنساب ٣/ ٢١١.
[ ٢١٣ ]
الحرم، ووجه بهم إلى يزيد بن معاوية مع زحر بن قيس (^١)، ومحقن بن ثعلبة (^٢)، وشمر بن ذي الجوشن، فساروا حتى قدموا الشام، ودخلوا على يزيد بن معاوية بمدينة دمشق، وأدخلوا معهم رأس الحسين، فرُمِيَ بين يديه.
ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن، فقال: يا أمير المؤمنين، وَرَدَ علينا هذا في ثمانية عشر رجلًا من أهل بيته، وستين رجلًا من شيعته، فصرنا إليهم، فسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد، أو القتال، فغدونا عليهم عند شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل جانب، فلما أخذت السيوف منهم مأخذها جعلوا يلوذون إلى غير وزر (^٣)، لوذان الحمام من الصقور، فما كان إلا مقدار جزر جزوز، أو نوم قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم مُعفَّرة، تُسْفَى عليهم الرياح، زُوَّارهم العقبان، ووفودهم الرخم.
فلما سمع ذلك يزيد دمعت عينه وقال: ويحكم، قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه، رحم الله أبا عبد الله. ثم تمثَّل:
نفلق هامًا من رجال أعزة … علينا، وهم كانوا أعق وأظلما (^٤) (^٥)
_________________
(١) زحر بن قيس بن معاوية بن سنعة الجعفي، له إدراك، وقد كان من الفرسان، من أصحاب علي -﵁-، وشهد معه صفين، وأولاده من أشراف الكوفة. ابن عساكر: تاريخ دمشق. ابن حجر: الإصابة ٢/ ٥٢٠.
(٢) الصحيح من اسمه (محفز) بدل (محقن) وهو محفز بن ثعلبة بن مرة العائذي القرشي، وقد وفد على يزيد بن معاوية. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٧/ ٩٦.
(٣) وزر: ملجأ. الخليل: العين ٣١٦.
(٤) هذا البيت للحصين بن الحمام بن ربيعة بن مساب المري، شاعر مشهور، ذكر ابن ماكولا أن له صحبة. ابن حجر: الإصابة ٢/ ٧٤.
(٥) الأخبار الطوال ٢٦٠، ٢٦١.
[ ٢١٤ ]
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^١)، والبلاذري (^٢) مختصرًا، والطبري بمثله مطولًا (^٣).
• نقد النص:
مع أن هذا الخطاب الذي أُلْقِيَ بين يدي يزيد لم يرد بشيء صحيح، وفيه مبالغات في وصف القتلى، إلا أنه حجة على من رواه وبراءة ليزيد من دم الحسين -﵁-، وأنه لم يأمرهم بقتله، وإلا فما الحاجة إلى ذكر حالهم مع الحسين -﵁- لو كان هو الآمر، ثم إن بكاءه ودمع عينه لهو خير دليل في اعتراضه على قتلهم له.
وما ذكرته هذه الرواية أن يزيد تمثل ببيت من الشعر عندما وضع الرأس أمامه، فهذا باطل؛ لأن رأس الحسين -﵁- لم يُحْمَلْ أصلا إلى يزيد وقد سبق نفي ابن تيمية لذلك في نقد الرواية رقم (٨٤)، أما تمثله بهذه الأبيات فهو باطلٌ ببطلان حمل الرأس إليه، وقد اتهموه أيضًا بعد الحرة أنه تمثل ببيت لابن الزبعرى كما سيأتي، ولم يتمثل فيه حتى ابن زياد.
وقد ذكر ابن سعد (^٤) قولًا وهو أن الذي تمثل بهذه الأبيات هو عبيد الله بن زياد.
قال المحقق السلمي: (والذي في تاريخ الطبري من طريق أبي مخنف، وفي معجم الطبراني بإسناد رجاله ثقات كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد إلا أنه معضل فإن الليث بن سعد لم يدرك الحادثة، وأيضًا عند ابن الأثير بالكامل وابن
_________________
(١) الطبقات ١/ ٤٨٦ (ت د. محمد السلمي).
(٢) الأنساب ٣/ ٢١٤.
(٣) التاريخ ٥/ ٤٥٩. من طريق هشام بن محمد بن الكلبي، سبقت ترجمته وهو ضعيف.
(٤) الطبقات ١/ ٤٨١ (ت د. محمد السلمي).
[ ٢١٥ ]
كثير بالبداية والنهاية أن الذي تمثل بهذا الشعر هو: يزيد بن معاوية لا عبيد الله، وعلى كلٍّ لم يصل من طريق صحيح، بل أحسنه معضل) (^١).
ولو ثبت أن يزيد تمثل في هذا البيت لظهر لنا ما كان يخفيه من الفرح على قتل الحسين -﵁-؛ لأن معنى هذا البيت: (نشقق هاماتٍ من رجال يكرمون علينا لأنهم منا، وهم كانوا أسبق إلى العقوق وأوفر ظلمًا؛ لأنهم بدءونا بالشر، وألجئونا إلى القتال، ونحن منتقمون ومجازون) (^٢).
ويزيد شاعر يَعْرِفُ الشعر فلا يصح أن يتمثل بشيء يناقض ما أبداه من الحزن على قتل الحسين -﵁-.
[٨٩]- (ثم أمر بالذرية فأُدْخِلوا دار نسائه، وكان يزيد إذا حضر غذاؤه دعا عليَّ بن الحسين وأخاه عمر فيأكلان معه، فقال ذات يوم لعمر بن الحسين (^٣): هل تصارع ابني هذا؟ يعنى خالدًا، وكان من أقرانه.
فقال عمر: بل أعطني سيفًا، وأعطه سيفًا حتى أقاتله، فتنظر أينا أصبر. فضمه يزيد إليه، وقال: شنشنة أعرفها من أخزم (^٤)، هل تلد الحية إلا حية (^٥).
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٨١ (ت. د محمد السلمي).
(٢) الأصفهاني: شرح ديوان الحماسة ١/ ١٤٦.
(٣) جاء في الطبري: التاريخ ٥/ ٤٦٢ أنه عمر بن (الحسن) وليس ابن (الحسين) وهو الذي ذكرناه سابقًا أنه ممن بقي من أهل بيت الحسين -﵁-.
(٤) أصل هذا المثل لأبي أخزم الطائي، وذلك أن أخزم كان عاقًّا لأبيه، فلما مات خلف بنين عقوا جدَّهم وضربوه وأدموه فقال: إن بني زملوني بالدم … شنشنة أعرفها من أخزم، والشنشنة القطعة والمضغة من اللحم، (وهذا المعنى أراد صاحب الكتاب)، وقيل في معناها: الشنشة السجية والطبيعة؛ أي فيه شبه من أبيه في الرأي والحزم والذكاء. ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٥٠٤.
(٥) يقال للابن يجاري أباه، العصا من العصية، وهل تلد الحية إلا الحية. البرقوقي: الذخائر والعبقريات ١/ ٥٩.
[ ٢١٦ ]
قال: ثم أمر بتجهيزهم بأحسن جهاز، وقال لعلي بن الحسين: انطلق مع نسائك حتى تبلغهن وطنهن، ووجه معه رجلًا في ثلاثين فارسًا، يسير أمامهم، وينزل حجرة (^١) عنهم، حتى انتهى بهم إلى المدينة) (^٢).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٣)، والطبري (^٤) مطولًا.
• نقد النص:
تذكرُ هذه الرواية طلب يزيد بن معاوية من علي بن الحسين -﵁- مبارزة ابنه خالد، وحقيقة أمرها أنها جاءت من طرق غير موثوقة، وفي متنها ما يدل على نكارتها، فالمقام مقام حزن وعزاء من يزيد وأهل بيته، ولا حاجة لجلب مزيدٍ من العداوة.
أما عن معاملة علي بن الحسين وأهله، فلم يصح أنهم تعرضوا لأذى من قبل يزيد بن معاوية، بل يروى غير ذلك، ومنه:
فقد ذكر ابن كثير (^٥) عن يزيد أنه (فرَقَّ عليهم يزيد وبعث بهم إلى الحمَّام وأجرى عليهم الكساوي والعطايا والأطعمة، وأنزلهم في داره، وهذا يردّ قول الرّافضة: إنّهم حملوا على جنائب الإبل سبايا عرايا، حتّى كذب من زعم منهم أنّ الإبل البخاتيّ إنّما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوراتهنّ من قبلهن ودبرهن).
وقد وصف علي بن الحسين حاله ومن معه مع يزيد فقال: (لمّا قتل
_________________
(١) حجرة: أي ناحية. الخليل: العين ٣/ ٧٥.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦١.
(٣) الطبقات ١/ ٤٨٩ (ت د. محمد السلمي)، وأن المدعو عمرو بن الحسن، بطرق قال المحقق إنها ضعيفة.
(٤) التاريخ ٥/ ٤٦٢. من طريق أبي مخنف، وهو ضعيف.
(٥) البداية والنهاية ٨/ ٢١٣.
[ ٢١٧ ]
الحسين دخلنا الكوفة، فلقِيَنَا رجلٌ، فدخلنا منزله، فأحلفنا، فنمت، فلم أستيقظ إلّا بحسّ الخيل في الأزقّة، فحملنا إلى يزيد، فدمعت عينه حين رآنا، وأعطانا ما شئنا وقال: إنه سيكون في قومك أمورٌ، فلا تدخل معهم في شيءٍ، فلمّا كان من أهل المدينة ما كان، كُتِبَ مع مسلم بن عقبة كتابًا فيه أماني، فلمّا فرغ مسلمٌ من الحرّة بعث إليّ، فجئته وقد كتبت وصيّتي، فرمى إليّ بالكتاب، فإذا فيه: استوصِ بعليّ بن الحسين خيرًا، وإن دخل معهم، في أمرهم فأمّنه واعف عنه، وإن لم يكن معهم فقد أصاب وأحسن) (^١).
أما عن إرسال نساء الحسين -﵁- إلى المدينة فقد ذكر صاحب الكتاب أن يزيد بن معاوية بعثهم مع علي بن الحسين -﵁-، وهو بذلك قد خالف غيره، ومن ذلك ما ذكره ابن سعد أن يزيد بن معاوية: (بعث بثقل الحسين ومن بقي من نسائه وأهله وولده معهم، وجهزهم بكل شيء، فلم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وقال لعلي بن الحسين: إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقك فَعَلْتَ، وإن أحببت أن أردك إلى بلادك وأصلك، قال: بل تردني إلى بلادي، فرده إلى المدينة وأوصله، وأمر الرسل الذين وجههم معهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا، ومتى شاءوا، وبعث بهم مع محرز بن حريث الكلبي (^٢)، ورجل من بهراء، وكانا من أفاضل أهل الشام) (^٣).
وذكر الطبري أن يزيد قال للنعمان بن بشير -﵁-: (جهزهم بما يصلحهم،
_________________
(١) الذهبي: تاريخ الإسلام ٥/ ٢٠.
(٢) محرز بن حريث، وقيل (حزيب) بدل (حريث) بن مسعود بن عدي بن هذيم الكلبي، رجل من أفاضل أهل الشام، بعثه يزيد بن معاوية من دمشق مع أهل بيت رسول الله -ﷺ- حين ردهم من دمشق إلى المدينة قيمًا على حفظهم، وشهد المرج مع مروان، وهو الذي استنقذه يوم المرج. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٧/ ٧٩.
(٣) الطبقات ١/ ٤٩٠ (ت د. محمد السلمي).
[ ٢١٨ ]
وابعث معهم رجلًا من أهل الشام صالحًا أمينًا، وابعث معه خيلًا وأعوانًا فيسير بهم إلى المدينة) (^١).
* ما روي عن عبيد الله بن الحر الجعفي بعد قتل الحسين -﵁-:
[٩٠]- (قالوا: وإن عبيد الله بن الحر ندم على تركه إجابة الحسين حين دعاه بقصر بني مقاتل إلى نصرته، وقال:
فيا لك حسرة ما دمت حيًّا … تردد بين حلقى والتراقى (^٢)
حسين حين يطلب بَذْل نصري … على أهل العداوة والشِّقاق
فما أنسى غداة يقول حزنًا … أتتركني وتزمع لانطلاق؟
فلو فلق التلهف قلب حيٍّ … لهم القلب مني بانفلاق (^٣)
ثم مضى نحو أرض الجبل مغاضبًا لابن زياد، واتبعه أناس من صعاليك الكوفة) (^٤).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٥)، والبلاذري (^٦).
• نقد النص:
سبق في نقد الرواية رقم [٦٢] أن دعوة الحسين -﵁- لعبيد الله بن الحر لنجدته لم ترد بسند صحيح، وفي هذه الأبيات السابقة تأكيدًا على مزاعم ندمه في عدم استجابته لنصرة الحسين -﵁- بعدما طلب نصرته.
_________________
(١) التاريخ ٥/ ٤٦٢.
(٢) جاء هذا البيت وحده عند البلاذري في الأنساب ٧/ ٢٢.
(٣) ذكر ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٩٠ (ت د. محمد السلمي) هذه الأبيات وزاد عليها.
(٤) الأخبار الطوال ٢٦٢.
(٥) الطبقات ١/ ٥١٣ (ت د. محمد السلمي).
(٦) الأنساب ٧/ ٣١
[ ٢١٩ ]
وقد ورد ما يخالف ذلك وهو ما رواه الطبري: (أن عبيد الله بن زياد بعد قتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة، فلم يرَ عبيد اللّه بن الحر، ثمّ جاءه بعد أيام حتّى دخل عليه، فقال: أين كنت يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضًا، قال: مريض القلب، أو مريض البدن! قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد مَنَّ اللّه عليَّ بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا، قال: لو كنت مع عدوك لرُئِي مكاني، وما كان مثل مكاني يخفى، قال: وغفل عنه ابن زياد غفلة، فخرج ابن الحر فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحر؟ قالوا: خرج الساعة، قال: عليَّ به، فأحضرت الشرطة فقالوا له: أجب الأمير، فدفع فرسه ثمّ قال: أبلغوه أني لا آتيه واللّه طائعًا أبدًا) (^١).
وعبيد الله بن الحر في كلامه هنا صادقًا وليس لمثله أن يكذب؛ لأنه لا يخاف من ابن زياد، ولو سبق أن استنجد به الحسين -﵁- ورفض وهو يخاف ابن زياد لأخبره بذلك لكي يحظى بمكان عنده، ولكنه مرض ولم يشهد قتل الحسين -﵁- وندم على ألا يكون من المدافعين عنه وقال هذه القصيدة التي خلدت موقفه (^٢):
يقول أمير غادر حق غادر … ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة
ونفسي على خذلانه واعتزاله … وبيعة هذا الناكث العهد لائمة
فيا ندما ألا أكون نصرته … ألا كل نفس لا تسدد نادمة
وإني لأني لم أكن من حماته … لذو حسرة ما أن تفارق لازمه
_________________
(١) التاريخ ٥/ ٤٦٩. وبنحوها البلاذري: الأنساب ٧/ ٣١.
(٢) ذكر هذه الأبيات ابن سعد في الطبقات ١/ ٥١٤ (ت د. محمد السلمي)، وبنحوها البلاذري: الأنساب ٧/ ٣١. والطبري: التاريخ ٥/ ٤٧٠.
[ ٢٢٠ ]
سقى الله أرواح الذين تآزروا … على نصره سقيا من الغيث دائمة
وهذه القصيدة أشهر من التي أوردها صاحب الكتاب.
* تعليقات العلماء حول خروج الحسين -﵁- وقتله:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية متحدثًا عن يزيد ومقتل الحسين -﵁- فيقول: (وجرت في إمارته أمورٌ عظيمةٌ: - أحدها مقتل الحسين -﵁- وهو لم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله؛ ولا نكّت بالقضيب على ثناياه -﵁-، ولا حمل رأس الحسين -﵁- إلى الشّام لكن أمر بمنع الحسين -﵁- وبدفعه عن الأمر، ولو كان بقتاله فزاد النّوّاب على أمره؛ وحضّ الشمر بن ذي الجوشن على قتله لعبيداللّه بن زيادٍ؛ فاعتدى عليه عبيد اللّه بن زيادٍ، فطلب منهم الحسين -﵁- أن يجيء إلى يزيد؛ أو يذهب إلى الثّغر مرابطًا؛ أو يعود إلى مكّة، فمنعوه -﵁- إلّا أن يستأسر لهم وأمر عمر بن سعدٍ بقتاله - فقتلوه مظلومًا - له ولطائفة من أهل بيته -﵃-، وكان قتله -﵁- من المصائب العظيمة فإنّ قتل الحسين، وقتل عثمان قبله: كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمّة وقتلتهما من شرار الخلق عند اللّه، ولَمّا قدم أهلهم -﵃- على يزيد بن معاوية أكرمهم وسيّرهم إلى المدينة، وروي عنه أنّه لعن ابن زيادٍ على قتله، وقال: كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين لكنّه مع هذا لم يظهر منه إنكار قتله، والانتصار له والأخذ بثأره: كان هو الواجب عليه، فصار أهل الحقّ يلومونه على تركه للواجب مضافًا إلى أمورٍ أخرى. وأمّا خصومه فيزيدون عليه من الفِرْية أشياء) (^١).
وعلق الشيخ عبد العزيز بن باز على مقتل الحسين -﵁-: (لم يكن في خروج الحسين -﵁- مصلحة؛ ولذلك نهاه كثير من الصحابة، وحاولوا منعه
_________________
(١) ابن تيمية: الفتاوى ٣/ ٤١٠.
[ ٢٢١ ]
ولكنه لم يرجع، وبهذا الخروج نال أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلومًا شهيدًا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده، ولكنه أمر الله ﵎ وما قدره الله كان ولو لم يشأ الناس، وقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء وقد قُدِّم رأس يحيى ﵇ مهرًا لبغي وقُتِل زكريا ﵇، وكثير من الأنبياء قتلوا كما قال تعالى:
﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١) وكذلك قُتِل عمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين.
ومما ذكر ﵀ في كيفية التعامل مع الحدث:
لا يجوز لمن يخاف الله إذا تذكر قتل الحسين ومن معه -﵃- أن يقوم بلطم الخدود وشق الجيوب والنوح وما شابه ذلك، فقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب) أخرجه البخاري، وقال: (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة). أخرجه مسلم، والصالقة هي التي تصيح بصوت مرتفع. وقال: (إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعًا من جرب وسربالًا من قطران) أخرجه مسلم. وقال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة). وقال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) رواه مسلم. وقال: (النياحة من أمر الجاهلية وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابًا من قطران ودرعًا من لهب النار). رواه ابن ماجه.
والواجب على المسلم العاقل إذا تذكر مثل هذه المصائب أن يقول كما أمر الله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ (^٢). وما
_________________
(١) سورة آل عمران ١٨.
(٢) سورة البقرة ١٥٦.
[ ٢٢٢ ]
علم أن علي بن الحسين أو ابنه محمدًا أو ابنه جعفرًا أو موسى بن جعفر -﵃- ما عرف عنهم ولا عن غيرهم من أئمة الهدى أنهم لطموا أو شقوا أو صاحوا، فهؤلاء هم قدوتنا.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم … إن التشبه بالكرام فلاح) (^١)
من خلال ما سبق يتبين أن المسئول عن قتل الحسين -﵁- هم:
١ - الأول: رءوس أهل الكوفة الذين جاءت المصادر بذكر أسمائهم، وهم ينقسمون إلى فرقتين الأولى: من كتب للحسين -﵁- وشارك في قتاله، وهم أشنع فرقة، والأخرى: من كتبت له ولم تشترك في قتاله وهم من أمثال سليمان بن صرد -﵁- ومن معه، وقد خرجوا فيما يسمى بحركة التوابين.
٢ - الثاني: الشمر بن ذي الجوشن، ويتمثل ذلك في رأيه الذي دفع عبيدالله ابن زياد لقتال الحسين -﵁-.
٣ - الثالث: عبيد الله بن زياد فهو القائد الأول.
٤ - الرابع: عمر بن سعد وهو قائد المعركة.
٥ - الخامس: كل من شارك في المعركة من الجند.
هناك بعض التساؤلات منها:
- لماذا شُنِّعَ بمن قتل الحسين -﵁- ولم يشنع بمن قتل أباه وهو أفضل منه؟.
- استمرار المطالبة بدم الحسين -﵁- والثأر له لقرون من الزمن إلى عصرنا هذا، هل ما زال قتلة الحسين أحياء؟.
_________________
(١) مقتل الحسين -﵁- للشيخ عبد العزيز بن باز، على الشبكة الوطنية الكويتية، الرابط: http:// www.nationalkuwait.com
[ ٢٢٣ ]
والإجابة على هذه التساؤلات هي أن الشيعة لم يرق لهم تنازل الحسن -﵁- عن الخلافة لمعاوية -﵁-، فحاولوا أن يرجعوا هذا الأمر لآل البيت عن طريق الحسين -﵁- فكاتبوه وخذلوه، وألقوا اللوم على غيرهم ليتنصلوا من هذه الذنب ويحملوه على عاتق غيرهم، واستمروا في تتبع آل البيت وإخراجهم عن ولاتهم حتى يُقْتَلوا وتزيد الأمة بقتلهم ضعفًا وتفرقًا وبلاء، وفي حقيقة الأمر ليس هذا منهم ولاء وإخلاص، ولو كان هذا في ظاهره، فأما باطنه فهو عداء منظم، يهدف إلى إرهاق الأمة وتفريق أمرها، فهم مَنْ أحْدَثَ القلاقل والنزاعات منذ ذلك الحدث إلى زماننا هذا، وتزداد أرصدة نواحهم ومآسيهم، وهي المادة التي يعتمدون عليها لجلب أتباعهم، بحجة أنهم ظُلِمُوا وخُذِلُوا، وأنهم الفرقة الوحيدة التى ينقطع عندهم حب آل البيت والإخلاص لهم.
* * *
[ ٢٢٤ ]