* قصة عروة بن الزبير مع الحجاج:
[١٨٣]- (ولما قُتِلَ عبد الله بن الزبير خرج أخوه عروة بن الزبير هاربًا من الحجاج حتى أتى الشام، فاستجار بعبد الملك بن مروان، فأجاره، وأظهر إكرامه، وأقام عنده.
فكتب الحجاج إلى عبد الملك به أن أموال عبد الله بن الزبير عند أخيه عروة، فرُدَّه إليّ لاستخرجها منه. فقال عبد الملك لبعض حراسه: انطلق بعروة إلى الحجاج.
فقال عروة: يا بني مروان، ما ذل من قتلتموه، بل ذل من ملكتموه.
فتذمم عبد الملك، وخلَّى سبيل عروة. وكتب إلى الحجاج: إلْهُ عن عروة، فلن أسلطك عليه) (^١).
ذكر نحوًا منها: الفاكهي (^٢) والفسوي (^٣)، البلاذري (^٤).
• نقد النص:
خبر عروة مع الحجاج جاء مسندًا عند الفاكهي وهو أصح وأوثق مما جاء به صاحب الكتاب، الذي جاء بالخبر وفيه نزعة تشيع، وهو تحريف قول عروة ابن الزبير السابق بقوله: (يا بني مروان، ما ذل من قتلتموه، بل ذل من ملكتموه)، وهذا من الطعن في حكم بني أمية.
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣١٥، ٣١٦.
(٢) أخبار مكة ٢/ ٣٥٢.
(٣) المعرفة والتاريخ ١/ ٥٥٣.
(٤) الأنساب ٩/ ٤٤١.
[ ٤٣١ ]
حيث قال الفاكهي: (وحدّثني أبو زرعة (^١)، عن عليّ بن عبد الله (^٢) قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: "لمّا قتل الحجّاج عبد الله بن الزّبير -﵄- أخذ عروة بن الزّبير أموال ابن الزّبير فأودعها قومه، ثمّ لحق بعبد الملك، فلمّا انتهى إلى الباب قال للبوّاب: قل لأمير المؤمنين أبو عبد الله بالباب قال: من أبو عبد الله؟ قال: قل له أبو عبد الله فدخل الحاجب، فقال: إنّ رجلًا بالباب عليه ثياب السّفر يقول: أبو عبد الله بالباب قال: قلت له: من أبو عبد الله؟ قال: قل له: أبو عبد الله بالباب قال: ويحك ذاك عروة بن الزّبير، ائذن له قال: فأذن له فدخل، فقال: مرحبًا بأبي عبد الله حتّى أقعده معه على السّرير، ثمّ قال: ما فعل أبو خبيبٍ؟ قال: قُتِلَ يرحمه الله قال: فنزل عبد الملك عن السّرير فخرّ ساجدًا، ثمّ عاد إلى السّرير قال: وجاء رسولٌ من عند الحجّاج بكتابٍ يخبره فيه بقتل ابن الزّبير، وأنّ عروة أخذ الأموال فأودعها قومه ولحق بك، فأقرأه عبد الملك الكتاب، فغضب عروة وقال: "والله ما يدعون الرّجل أو يأخذ سيفه فيموت كريمًا ") (^٣)، وزاد في رواية الفسوي موقف عبد الملك: (فلمّا رأى ذلك كتب إلى الحجّاج: أن أعرض عن ذلك) (^٤).
وأما عن الحجاج فقد حمل على عروة وأراد أن يأخذه فلم يجد طريقًا إلا اتهامه بحيازة الأموال، وهذه الأموال خاصة لورثة عبد الله بن الزبير -﵁- ولم
_________________
(١) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، المخزومي القرشي، الرازي، وهو ثقة وأحد الأئمة المشهورين، والحفاظ المتقنين، ولد سنة مائتين، وتوفي سنة مائتين وأربع وستين. المزي: تهذيب الكمال ١٩/ ٨٩. ابن حجر: التقريب ٣٧٣.
(٢) علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي، البصري، المعروف بابن المديني، ثقة ثبت، إمام أهل الحديث وعلله، حتى قال عنه البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، مات سنة ٢٣٤. الذهبي: السير ١١/ ٤١، ابن حجر: التقريب ٤٠٣.
(٣) أخبار مكة ٢/ ٣٥٢.
(٤) المعرفة والتاريخ ١/ ٥٥٤.
[ ٤٣٢ ]
تكن من مال المسلمين وإلا لم يكن لعروة سبيل لحيازتها وهو من كبار الفقهاء في عصره، فهو بريء من هذا؛ ولذلك لم يحذر من مواجهة عبد الملك؛ لأنه يعرف أنه لا يتهمه بها.
* أحداث سنة أربع وسبعين:
[١٨٤]- (فأقام الحجاج بمكة حتى أقام للناس الحج، وأمر بالكعبة فنقضت، وأعاد بناءها، وهو هذا البناء القائم اليوم) (^١).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٢)، والطبري (^٣).
جاء في الرواية رقم [١٥٢] أن عبد الله بن الزبير -﵁- أعاد بناء الكعبة، ثم جاء الحجاج وهدمها وأعاد بناءها على ما كانت عليه من قبل بأمر عبد الملك.
وأصح ما جاء في ذلك:
ما أخرجه مسلم في صحيحه: (فلمّا قُتِلَ ابن الزّبير كتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أنّ ابن الزّبير قد وضع البناء على أسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكّة، فكتب إليه عبد الملك: إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزّبير في شيءٍ، أمّا ما زاد في طوله فأقرّه، وأمّا ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه، وسدّ الباب الّذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه) (^٤).
وبهذا هدم الحجاج الكعبة بأمر عبد الملك بن مروان وأعاد بناءها؛ لأنه ظن أن ما فعله عبد الله بن الزبير -﵁- بها كان من أمره ورأيه، ولم يعلم أنه اعتمد بذلك على ما رواه عن خالته عائشة -﵂- عن الرسول -ﷺ-.
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣١٦.
(٢) التاريخ ٢٧٠.
(٣) التاريخ ٦/ ١٩٥.
(٤) الصحيح ٢/ ٩٧٠.
[ ٤٣٣ ]
وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه: (أنّ عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزّبير حيث يكذب على أمّ المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله -ﷺ-: «يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتّى أزيد فيه من الحجر، فإنّ قومك قصّروا في البناء»، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أمّ المؤمنين تحدّث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على ما بنى ابن الزّبير) (^١).
[١٨٥]- (وفي ذلك العام توفي عبد الله بن عمر، وله أربع وسبعون سنة، فدفن بذي طوى (^٢) في مقبرة المهاجرين، وكان يكنى أبا عبد الرحمن.
وفيها مات أبو سعيد الخدرى، واسمه سعد بن مالك.
وفيها مات رافع بن خديج، وله ست وثمانون سنة، وكان يكنى أبا عبد الله) (^٣).
وقوله: وفيها أي سنة ثلاث وسبعين.
اختلف في وفاة عبد الله بن عمر فقيل: في سنة ثلاث وسبعين وقيل: أربع وسبعين (^٤).
وقال ابن كثير: (قال الواقديّ وجماعةٌ: توفّي ابن عمر سنة أربعٍ وسبعين، وقال الزّبير بن بكّارٍ وآخرون: توفّي سنة ثلاثٍ وسبعين والأوّل أثبت، واللّه أعلم) (^٥).
_________________
(١) مسلم: الصحيح ٢/ ٩٧٢ برقم ١٣٣٣.
(٢) ذي طوى: من جبال مكة، وأصبح اليوم في وسط عمرانها. محمد شراب: المعالم الأثيرة ١٠١.
(٣) الأخبار الطوال ٣١٦.
(٤) الربعي: تاريخ مولد العلماء ووفياتهم ١/ ١٩٤.
(٥) البداية والنهاية ٩/ ٩.
[ ٤٣٤ ]
وتوفي أبو سعيد الخدري -﵁- بعد الحرة بسنة (^١)، وقيل: أربع وسبعين (^٢)، وهو المشهور.
وأما رافع بن خديج (^٣) قيل: إنه توفي سنة ثمانٍ وستين (^٤)، وقيل: ثلاث وسبعين (^٥) وقيل: أربع وسبعين (^٦).
[١٨٦]- (قالوا: وأمر عبد الملك بضرب الدراهم سنة ست وسبعين، ثم أمر بعد ذلك بضرب الدنانير، وهو أول من ضربهما في الإسلام، وإنما كانت الدراهم والدنانير قبل ذلك مما ضربت العجم) (^٧).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٨)، والبلاذري (^٩) مطولًا، والطبري (^١٠).
وخبر سك النقود من قبل عبد الملك بن مروان، قد اختصره صاحب الكتاب. ولم تفصح كتب التاريخ عن سبب قيام عبد الملك بسك النقود،
_________________
(١) البخاري: التاريخ الكبير ٤/ ٤٤.
(٢) الطبري: التاريخ ١١/ ٥٢٥، الربعي: تاريخ مولد العلماء ووفياتهم ١/ ١٩٣، البغوي: معجم الصحابة ٣/ ٢٢.
(٣) رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن زيد الخزرجي الأنصاري، استُصغر يوم بدر وأجيز يوم أحد، كان يفتي بالمدينة زمن معاوية -﵁- وبعده، توفي في المدينة وشهده ابن عمر -﵁-. الأصفهاني: معرفة الصحابة ٢/ ١٠٤٤. الذهبي: السير ٣/ ١٨١.
(٤) ابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني ٤/ ١١٩.
(٥) البغوي: معجم الصحابة ٢/ ٣٥١، الطبراني: المعجم الكبير ٤/ ٢٤٠ بروايتين، الأصفهاني: معرفة الصحابة ٢/ ١٠٤٤.
(٦) الربعي: تاريخ مولد العلماء ١/ ١٩٣، الطبراني: المعجم الكبير ٤/ ٢٤٠، الحاكم: المستدرك ٣/ ٦٨٤.
(٧) الأخبار الطوال ٣١٦.
(٨) الطبقات. ٥/ ٢٢٩.
(٩) فتوح البلدان ٢٣٧، ٤٤٧.
(١٠) التاريخ ٦/ ٢٥٦.
[ ٤٣٥ ]
ولا بد من وجود سبب دعاه لذلك، وقد ذكر هذا الحدث البلاذري في الفتوح مفصلًا وذكر السبب، فقال (قالوا: كانت القراطيس تدخل بلاد الروم من أرض مصر ويأتي العرب من قبل الروم الدنانير. فكان عبد الملك بن مروان أول من أحدث الكتاب الّذي يكتب فى رءوس الطوامير من ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^١)، وغيرها من ذكر اللّه، فكتب إليه ملك الروم إنكم أحدثتم في قراطيسكم كتابًا نكرهه، فإن تركتموه وإلا أتاكم في الدنانير من ذكر نبيكم ما تكرهونه. قال: فكبر ذلك في صدر عبد الملك فكره أن يدع سنة حسنة سنها، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له: يا أبا هاشم إحدى بنات طبق (^٢) وأخبره الخبر، فقال: افرخ روعك (^٣) يا أمير المؤمنين، حَرِّمْ دنانيرهم فلا يتعامل بها، واضرب للناس سككًا (^٤)، ولا تعف هؤلاء الكفرة مما كرهوا في الطوامير (^٥). فقال عبد الملك: فرجتها عني فرَّج اللّه عنك، وضرب الدنانير) (^٦).
وقد اختُلِفَ في السنة التي ضرب فيها الدراهم وفي من ضربها ويبدو أنها على مراحل؛ حيث ذكر البلاذري: (أن عبد الملك أول من ضرب الذهب عام الجماعة سنة أربع وسبعين، قال أبو الحسن المدائني: ضرب الحجاج الدراهم آخر سنة خمس وسبعين، ثمّ أمر بضربها في جميع النواحي سنة ست
_________________
(١) سورة الإخلاص الآية: ١.
(٢) إحدى بنات طبق: وبنات طبق هي الدواهي، وإحدى بنات طبق يروى أن أصلها الحية؛ لأنها استدارت حتى صارت مثل: الطبق، ويقال: إحدى بنات طبق: طبق شرك على رأسك، تقول ذلك للرجل إذا رأى ما يكرهه. ابن سيده: المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٢٩٣.
(٣) أفرخ روعك: ليذهب عنك رعبك وفزعك، فإن الأمر ليس على ما تحاذره. الزبيدي: تاج العروس ٢١/ ١٣٢.
(٤) السك: هو الضرب والسبك والطبع. أحمد مختار: معجم اللغة ٢/ ١٠٨٦
(٥) الطوامير: واحدها طومار وهو الصحيفة. ابن منظور: لسان العرب ٤/ ٥٠٣.
(٦) فتوح البلدان ٢٣٨، ابن قتيبة: عيون الأخبار ٤/ ٢٩٦، العسكري الأوائل ٢٥٤.
[ ٤٣٦ ]
وسبعين) (^١).
[١٨٧]- (وفي تلك السنة (^٢) مات جابر بن عبد الله، وله سبع وتسعون سنة) (^٣).
ذكر خليفة بن خياط (^٤) أنه توفي سنة ثمانٍ وستين، وذكر البلاذري (^٥) والطبري (^٦) عن الواقدي أنه توفي سنة ثمانٍ وسبعين (^٧)، وعمره أربع وتسعين وهو الأشهر.
* * *
_________________
(١) فتوح البلدان ٤٤٩.
(٢) أي سنة ست وسبعين كما في الرواية السابقة.
(٣) الأخبار الطوال ٣١٦.
(٤) التاريخ ٢٥٦.
(٥) الأنساب ١/ ٢٤٨.
(٦) التاريخ ١١/ ٥٢٦.
(٧) ذكر الذهبي: السير ٣/ ١٩٤، أن هذا القول روي عن الواقدي ويحيى بن بكير وطائفة.
[ ٤٣٧ ]