[١١٣]- (قالوا: وفي سنة ثمانين تفاقم أمر الأزارقة الخوارج، وإنما سموا أزارقة برئيسهم نافع بن الأزرق (^١) (^٢).
• نقد النص:
انفرد بهذا القول صاحب الكتاب ولم تذكر المصادر أي خبر للخوارج سنة ثمانين، وقد ذكر الطبري (^٣) أن اشتداد شوكة الخوارج كانت سنة خمس وستين.
[١١٤]- (وكان أول خروجهم في أربعين رجلًا، وفيهم من عظمائهم نافع بن الأزرق، وعطية بن الأسود (^٤)، وعبد الله بن صبار (^٥)، وعبد الله بن إباض (^٦)، وحنظلة بن بيهس (^٧)، وعبيد الله بن مأحوز (^٨)، وذلك في سلطان يزيد.
_________________
(١) نافع بن الأزرق الحروري، من رءوس الخوارج، له أسئلة مع ابن عباس -﵁-، أقام بسرف الأهواز، يتعرض الناس فأثخن القتل فيهم حتى في النساء والصبيان، فارتاع منه أهل البصرة، قتل سنة ٦٥ هـ. ابن حجر: الميزان ٨/ ٢٤٦.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦٩.
(٣) التاريخ ٥/ ٦١٣.
(٤) عطية بن الأسود اليمامي الحنفي، من علماء الخوارج وأمرائهم، تنسب إليه فرقة العطوية. السمعاني: الأنساب ٩/ ٢٣٨. الزركلي: الأعلام ٤/ ٢٣٧.
(٥) الصحيح من اسمه عبد الله بن صفار بدل (صبار) الصيرمي التميمي، رئيس الصفرية قال الزركلي: وفي نسبتهم له خلاف. البلاذري: الأنساب ١٢/ ٥٣. الزركلي: الأعلام ٤/ ٩٣.
(٦) عبد الله بن إباض التميمي الإباضي، رأس الإباضية من الخوارج، وهم فرقة كبيرة، وكان هو فيما قيل رجع عن بدعته فتبرأ منه أصحابه. ابن حجر: لسان الميزان، ت: أبو غدة ٤/ ٤١٨.
(٧) لم أقف على ترجمته.
(٨) عبيد الله بن الماحوز، من رؤساء الخوارج، تولى قيادتهم بعد أخيه عبد الله بن الماحوز، تولوا الرئاسة بعد نافع بن الأزرق ٥/ ٦٠٤.
[ ٢٧٩ ]
وعلى البصرة يومئذ عبيد الله بن زياد، فوجه إليهم عبيد الله أسلم بن ربيعة (^١) في ألفي فارس، فلحقهم بقرية من الأهواز تدعى آسك (^٢) مما يلي فارس، فواقعهم، فقتلت الخوارج من أصحاب ابن ربيعة خمسين رجلًا، فانهزم أسلم، فأنشأ رجل من الخوارج يقول:
أألفا مؤمن منكم زعمتم … ويهزمكم بآسك أربعونا؟
كذبتم، ليس ذاك كما زعمتم … ولكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتم … على الفئة الكثيرة ينصرونا (^٣)
أطعتم أمر جبار عنيد … وما من طاعة للظالمينا (^٤) (^٥)
أورد نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٦) مختصرًا، والبلاذري (^٧) والمبرد (^٨) والطبري (^٩) مطولًا.
• نقد النص:
لعل صاحب الكتاب أراد أن يختصر الخبر فأدخل بعضه على بعض، وسوف أورد الخبر مرتبًا على نحو ما جاءت به المصادر الأخرى.
_________________
(١) والصحيح من اسمه أسلم بن زرعة بدل (ربيعة)، تولى خراسان من قبل عبيد الله بن زياد، ثم وجهه ابن زياد لقتال مرداس بن عمرو، أبو هلال وقتل بآسك. الطبري: التاريخ ٥/ ٤٧١.
(٢) آسك: بلد من نواحي الأهواز، قرب أرجان، بين أرجان ورامهرمز. معجم البلدان ١/ ٥٣.
(٣) هذه الأبيات لعيسى الخطي. البلاذري: الأنساب ٥/ ١٨٣.
(٤) انفرد به صاحب الكتاب.
(٥) الأخبار الطوال ٢٦٩.
(٦) التاريخ ٢٥٦.
(٧) الأنساب ٥/ ١٨٠.
(٨) الكامل في اللغة والأدب ٣/ ١٨٤.
(٩) التاريخ ٥/ ٣١٤.
[ ٢٨٠ ]
جاءت هذه الرواية تحكي خروج أربعين رجلًا من الخوارج، وفيهم عظماء الخوارج وهذا مخالف لما جاءت به المصادر السابقة والتي ذكرت أن خبر اجتماع الخوارج وفيهم عظمائهم وعلى رأسهم نافع بن الأزرق كان في مكة وقد قاتلوا مع عبد الله بن الزبير -﵁- ضد أهل الشام، ثم تفرقوا عنه عندما سألوه عن رأيه في عثمان -﵁- فخالفهم، فخرج نجدة بن عامر باليمامة، وخرج نافع بن الأزرق بالبصرة، وتفرق عنه أكثر زعمائهم، سنة أربع وستين (^١)، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مجتمعين في خروجهم، بل تفرقوا بعد عودتهم من ابن الزبير -﵁-.
ثم إن هذا الخبر الذي ذكر فيه هذه الأبيات جاء في قصة مرداس بن أدية (^٢)، وهو من الخوارج، الذي كان في سجن ابن زياد ثم أخرج منه، فخرج في أربعين رجلًا إلى الأهواز، فأرسل له عبيد الله بن زياد جيشًا في ألفين رجل فهزمهم مرداس بن أدية.
وهذه القصة مشهورة ويستشهد بها على شجاعة الخوارج.
وهنا وقفة وتساؤل: هل يمكن لأربعين رجلًا أن يهزموا ألفين؟.
وللإجابة عن هذا السؤال أقول: إنه بعد استقراء الخبر من مصادر أخرى لوحظ عليه ما يلي:
- جرت بين القائد المرسل من قبل عبيد الله بن زياد وبين مرداس بن أدية
_________________
(١) خليفة بن خياط: التاريخ ٢٥٣. ابن سعد: الطبقات الكبرى ٥/ ٢٥. الطبري: التاريخ ٥/ ٥٦٤.
(٢) مرداس بن حدير بن عامر الحنظلي التميمي، من عظماء (الشراة) الخوارج، أحد الخطباء الأبطال العباد، شهد صفين مع علي -﵁- وأنكر هو وأخوه عروة التحكيم، وشهد النهروان، سجنه عبيدالله بن زياد ونجا، ثم خرج في آسك وقتل فيها سنة ٦١ هـ. البري: الجوهرة ١/ ١٣٨. الزركلي: الأعلام ٧/ ٢٠٢.
[ ٢٨١ ]
محاورة حول سبب الخروج وحاول إقناعهم بالرجوع (^١).
- ذكر الإسفراييني (^٢) أن قائد بن زياد يرى رأي الخوارج، وأورد قوله لمرداس ومن معه: (أنتم على الحق ولكنّا نخاف من ابن زياد …).
- تذكر المصادر الهزيمة ولا تذكر وقوع قتلى، سوى أن بعضها ذكرت أن رجلًا واحدًا من جيش أبي بلال قُتِل (^٣)، وأما جيش أهل البصرة لم يرد فيه قتلى.
- ذكر المبرد (^٤) أن أسلم بن زرعة انهزم وأصحابه من غير قتال.
وبعد أن عرضنا هذه الملاحظات على هذا الخبر يتضح بجلاء عدم وقوع القتال بين الطرفين، فكون القائد متهمًا بميله للخوارج، ولا يوجد قتلى في صفوف الجيش المهزوم، فكيف حدثت المعركة.
وقد اختُلِفَ في القائد الذي أَرْسَل عبيد الله بن زياد لقتل مرداس بن أدية، فقيل أنه أسلم بن زرعة (^٥)، وهو الأشهر، وقيل: عبد الله بن حصن (^٦).
[١١٥]- (فاغتاظ ابن زياد من ذلك، فكان لا يدع بالبصرة أحدًا ممن يتهم برأي الخوارج إلا قتله، حتى قتل بالتهمة والظنة تسعمائة رجل) (^٧).
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
وقد ذكر الطبري في هذا الموضع: (وفي هذه السنة اشتد عبيد اللّه بن زياد
_________________
(١) المبرد: الكامل في اللغة ٣/ ١٨٤.
(٢) الفَرْق بين الفِرَق ٧١.
(٣) البلاذري: الأنساب ٥/ ١٨٢.
(٤) الكامل ٣/ ١٨٤.
(٥) البلاذري: أنساب الأشراف ٥/ ١٨٢، والعقد الفريد: ابن عبد ربه ٢/ ٢٤١.
(٦) خليفة بن خياط: التاريخ ٢٥٦. الطبري: التاريخ ٥/ ٣١٤.
(٧) الأخبار الطوال ٢٧٠.
[ ٢٨٢ ]
على الخوارج، فقتل منهم صبرًا جماعة كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، وممن قتل منهم صبرًا عروة بن أدية، أخو أبي بلال مرداس بن أدية) (^١).
• نقد النص:
نجد أن هذه الرواية التي أوردها الطبري لم تذكر أنه قتلهم على التهمة وإنما وصفت القتلى أنهم من الخوارج ولم تحدد العدد، أما قوله بالتهمة والظنة فلم يكن أمر الخوارج خفيًّا حتى يؤخذ بذلك، وإنما القصد من إيراد الكلام أنهم أغاظوه، وإثبات لما زعم أنها هزيمة له، وأما ردة فعل عبيد الله بن زياد في فشل الحملة التي وردت في الرواية السابقة، فالمحفوظ أنه أرسل جيشًا آخر بقيادة عباد بن أخضر (^٢)، فهزمهم وقتلوا جميعًا (^٣).
والمتتبع في ولاية عبيد الله بن زياد يجد أن من حسناته تضييق الخناق على الخوارج، ولا أدل على ذلك من تفاقم أمرهم بعد خروجه إلى الشام.
* الخوارج بعد موت يزيد:
[١١٦]- (ولم يزل يتفاقم أمر الخوارج، ويتحلب إليهم من كان على رأيهم وهواهم من أهل البصرة حتى كثروا بعد موت يزيد، وهرب عبيد الله بن زياد من العراق. وخاف أهل البصرة الخوارج على أنفسهم، ولم يكن يومئذ عليهم سلطان، فاجتمعوا على مسلم بن عبيس القرشي (^٤)، ووجهوا معه خمسة
_________________
(١) التاريخ ٥/ ٣١٢.
(٢) عباد بن أخضر، وأخضر الذي نسب إليه وهو اسم زوج أمه، وأما نسبه فهو عباد بن علقمة بن عباد من بني مازن بن مالك التميمي، وهو قائد اشتهر في العصر الأموي، ثم قتلته الخوارج غيلة. الزركلي: الأعلام ٣/ ٢٥٧. ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ٢١١.
(٣) خليفة بن خياط: التاريخ ٢٥٦. وأما الطبري: التاريخ ٥/ ٤٧١ فذكر اسمه عباد بن الأخضر.
(٤) مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أمره ببة على قتال الخوارج، كان من أهل الفضل والقدر، قتل يوم دولاب سنة خمس وستين. مصعب الزبيري: نسب قريش ١٤٧. والبلاذري: الأنساب ٧/ ١٤٨.
[ ٢٨٣ ]
آلاف فارس من أبطال البصرة، فسار إليهم، فلحقهم بمكان يسمى الدولاب (^١) فالتقوا واقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، وصاروا إلى المكادمة، فقُتِلَ مسلم بن عبيس، وانهزم أصحابه) (^٢).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٣) مختصرًا، والبلاذري (^٤) والطبري (^٥) مطولًا.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب يناقض نفسه، وذلك حينما ذكر أن تفاقم أمر الخوارج في سنة ثمانين كما سبق، ثم يذكر في هذه الرواية أن تفاقم أمرهم بعد موت يزيد، وهو ما ذكرته المصادر الأخرى.
ثم يذكر أن الناس بعد ما توفي يزيد بن معاوية، وخروج عبيد الله إلى الشام اجتمعوا على مسلم بن عبيس وهذا وهم منه، والذي جاءت به المصادر أن الذي اجتمعت عليه الناس بعد عبيد الله بن زياد هو عبد الله بن الحارث بن نوفل (^٦) الملقب ببة، سنة أربع وستين (^٧)، وكتب الناس لعبد الله بن الزبير -﵁-:
_________________
(١) دولاب: مكان بينه وبين الأهواز فرسخان، وفيه كانت الوقعة بين أهل البصرة والخوارج، وقتل فيه نافع بن الأزرق. الحميري: الروض المعطار ٢٤٧.
(٢) الأخبار الطوال ٢٧٠.
(٣) التاريخ ٢٥٦.
(٤) الأنساب ٧/ ١٤٣.
(٥) التاريخ ٥/ ٦١٣.
(٦) عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وأمه هند بنت أبي سفيان، ولد في عهد الرسول -ﷺ-، وشهد مع عمر -﵁- الجابية، ولي البصرة لابن الزبير -﵁-، توفي في عمان سنة أربع وثمانين، ولقب ببة؛ لأن أمه كانت تنقره وتقول: ياببة ياببة .. لأنكحن ببة .. جارية خدبة … تسود أهل الكعبة. الذهبي: السير ١/ ٢٠٠. ابن حجر: الإصابة ٥/ ٨.
(٧) خليفة بن خياط: التاريخ ٢٥٨. الطبري: التاريخ ٥/ ٥١٤.
[ ٢٨٤ ]
أنا قد رضينا به، فأقره على البصرة (^١).
ولما اجتمع أمر أهل البصرة على عبد الله بن الحارث، بعث جيشًا لمقاتلة الخوارج بقيادة مسلم بن عبيس.
أما سبب خروجهم وتفاقم أمرهم:
لمَّا مات يزيد بن معاوية وَثَبَ أهل العراق على عبيد الله بن زياد ورفضوا ولايته، وكسر الخوارج أبواب السجون وأخرجوا من كان فيها من أصحابهم، واستغلوا انشغال أهل البصرة بقتال الأزد، وربيعة وبني تميم وقيس في دم مسعود بن عمرو، فخرج نافع بن الأزرق فتبعوه واجتمعوا إليه (^٢).
وأما قتال مسلم بن عبيس للخوارج، فقد حصل بينه وبينهم وقعة عظيمة، قتل فيها أغلب زعماء الفريقين، فقد قتل فيها نافع بن الأزرق وابن عبيس.
ومما يروى في ذلك ما أخرجه الطبري بسنده عن معاوية بن قرة (^٣)، قال: (خرجنا مع ابن عبيس فلقيناهم، فقتل ابن الأزرق وابنان أو ثلاثة للماحوز، وقتل ابن عبيس) (^٤).
وهذه المعركة المشهور أنها بدولاب (^٥).
[١١٧]- (فقال رجل من الأزد:
قد رمينا العدو إذ عظم الخطب … بذى الجود مسلم بن عبيس
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٥/ ٢٥.
(٢) التاريخ ٥/ ٥٦٧.
(٣) معاوية بن قرة بن إياس المزني، الإمام العالم الثبت، والد القاضي إياس بن معاوية، روى عن أبيه وعن كثير من الصحابة، وثقه ابن معين والعجلي وأبو حاتم وابن سعد والنسائي. مات سنة ١١٣ هـ وعمره ٧٦ سنة. الذهبي: السير ٥/ ١٥٣.
(٤) التاريخ ٥/ ٦١٣.
(٥) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٤٩. الطبري: التاريخ ٥/ ٦١٤.
[ ٢٨٥ ]
فانظروا غير مسلم بن عبيس … فاطلبوه من حيث أين وليس
لو رموا بالمهلب بن أبي صفرة (^١) … كانوا له كأكلة حيس (^٢)
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذه الأبيات.
[١١٨]- (وكان المهلب يومئذ بخراسان على ولايتها) (^٣).
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر.
والذي جاء عند الطبري (^٤) أن ولاية المهلب جاءت في أثناء هذه الأحداث، فقد قدم المهلب من عند عبد الله بن الزبير -﵁- ومعه كتاب ولاية على خراسان، فطلب منه أهل البصرة أن يتولى قتال الخوارج.
• نقد النص:
وهم صاحب الكتاب في خبر أن المهلب كان على خراسان، والصحيح أنه لم يتولها إلا بعد انتهاء حربه مع الخوارج وسيأتي معنا خبره.
[١١٩]- (فخاف أهل البصرة حين قُتِلَ مسلم بن عبيس خوفًا شديدًا من الخوارج، فاختاروا عثمان بن معمر القرشي (^٥)، وانتدب معه زهاء عشرة آلاف رجل من أبطالهم، فسار بهم عثمان في طلب الخوارج، فلحقهم بفارس،
_________________
(١) المهلب بن صفرة العتكي الأزدي، واسم أبي صفرة ظالم بن سراق، ويكنى أبا سعيد، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي البصرة، مات سنة ثلاث وثمانين. ابن سعد: الطبقات ٧/ ١٢٩. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٦١/ ٢٨٠.
(٢) الأخبارالطوال ٢٧٠.
(٣) المصدر السابق ٢٧٠
(٤) الطبري: التاريخ ٥/ ٦١٥.
(٥) عثمان بن معمر التيمي القرشي، قائد من الشجعان من أهل الحجاز، نعته المهلب بالمعجل المفرط؛ لأنه استعجل في مناجزة الخوارج فور وصوله، فقتل عثمان وانهزم أصحابه. الأعلام: الزركلي ٤/ ٢٠٩.
[ ٢٨٦ ]
فاقتتلوا، فقتل عثمان، وانهزم أصحابه) (^١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٢)، والبلاذري (^٣).
كان ذلك في ذي القعدة في سنة خمس وستين (^٤).
[١٢٠]- (فكتب أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير يعلمونه أنه لا إمام لهم، ويسألونه أن يوجه إليهم رجلًا من قبله يتولى الأمر، فوجه إليهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقدم البصرة، وتولى الأمر بها.
فدعا وجوه أهل البصرة، فاستشارهم في رجل يوليه حرب الخوارج، فكلهم قالوا: عليك بالمهلب بن أبي صفرة) (^٥).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٦)، والطبري (^٧).
• نقد النص:
هذا الخبر جاء في المصادر مع خبر اعتزال عبد الله بن الحارث الملقب ببة عن إمارة البصرة، والذي سبق ذكر اجتماع الناس عليه، وليس كما ذكر صاحب الكتاب أنه بعد وفاة عثمان بن معمر.
ومما يروى في سبب اعتزال ببة عن الإمارة:
- أن الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث الهاشمي فوَلِيَ أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز، فشكى إليه الناس سوء حالهم
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٧٠.
(٢) الطبري: التاريخ ٥/ ٦١٣.
(٣) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٥٥.
(٤) المصدر السابق ٧/ ١٥٦.
(٥) الأخبار الطوال ٢٧٠، ٢٧١.
(٦) الأنساب ٥/ ٤٠٧
(٧) التاريخ ٥/ ٥٢٨.
[ ٢٨٧ ]
وانعدام الأمن، وطلبوا منه أن يضع السيف ويشد على الناس، فأبى عليهم وقال: (ما كنت لأصلحهم بفساد نفسي، يا غلام، ناولني نعلي، فانتعل ثمّ لحق بأهله) (^١).
- (كان مسعود يدعو إلى بني أمية وقد بايعه قوم، وكانت الخوارج قد ظهرت بالبصرة وكانت تطلبه، فقتله قوم منهم وقد انصرف من المسجد، فلما انصرفت الأزد وجدته في بني منقر وقد مُثِّلَ به، فرميت به بنو تميم، فاقتتلوا ثمّ اصطلحوا، واجتمع أهل البصرة على عبد الله بن الحارث ببة فبايعوه، ثمّ إنه كثر الشر والقتال فاعتزلهم) (^٢)، ثم أمر الناس عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي (^٣)، وكل ذلك لما فسد الأمر وقامت الفتنة في البصرة بسبب مقتل مسعود بن عمرو، وخروج عبيد الله بن زياد إلى الشام.
وقد اجتمع أهل البصرة على عبد الملك بن عبد الله بن عامر (^٤)،
ثم عبد الله بن الحارث الملقب ببة، ثم قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر من قبل ابن الزبير -﵁-، ثم قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهو القباع (^٥).
وهذا يدل على أن كتابة أهل البصرة لابن الزبير -﵁- كان بعد اعتزال ببة، وأن الذي جاء بعده هو عمر بن عبيد الله بن معمر، ثم الحارث بن عبد الله
_________________
(١) المصدر السابق ٥/ ٥٢٨.
(٢) البلاذري: الأنساب ٥/ ٤٢٤.
(٣) الطبري: التاريخ ٥/ ٥٢٨.
(٤) عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز، يقال له: قفيز، ولي البصرة في أيام عبد الله بن الزبير -﵁-، ثم ولَّاه القباع فارس. البلاذري: الأنساب ٩/ ٣٦٣.
(٥) الطبري: ٥/ ٥٢٧. وذكر ابن الأثير في الكامل ٣/ ٢٣٥ ذلك دون ذكر عبد الملك بن عامر؛ لأن المشهور أن أول من اجتمع عليه أمر أهل البصرة بعد عبيد الله هو عبد الله بن الحارث.
[ ٢٨٨ ]
المخزومي.
أما عن خبر تولية المهلب على حرب الخوارج فسيأتي معنا في الرواية رقم [١٢٢].
[١٢١]- (وقام رجل من أهل البصرة يعرف بابن عرادة (^١)، فأنشده:
مضى ابن عبيس مسلم لسبيله … فقام لها الشيخ الحجازي عثمان
فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر … وابرق، والبرق الحجازي خوان
ولم يكن عثمان جناح بعوضة … واضحى عدو الدين مثل الذي كانوا
وليس لها إلا المهلب إنه … مليء بأمر الحرب، شيخ له شان
إذا قيل من يحمى العراقين أومأت … إليه معد بالأكف، وقحطان
فذاك امرؤ إن يلقهم يطف نارهم … وليس لها إلا المهلب إنسان) (^٢)
ذكر نحوًا من هذه الأبيات البلاذري (^٣).
• نقد النص:
انفرد صاحب الكتاب بأن هذه القصيدة قيلت في المهلب وقد وَهِم في ذلك، لأنه لم يتولَّ حرب الخوارج إلا بعد هذه الأحداث وزاد عنده هذين البيتين:
وليس لها إلا المهلب إنه … مليء بأمر الحرب، شيخ له شان
_________________
(١) اسمه حنظلة بن عرادة، التميمي، من بني ربيع بن مقاعس، الشاعر، له أخبار مع سلم بن زياد، ومن أخباره معه أنه لما ولي سَلْم خرسان من قبل يزيد بن معاوية اختار من فرسان وأشراف البصرة، فاختار منهم حنظلة بن عرادة، فتخاصم سلم وعبيد الله ابنا زياد عليه، فجعل له الاختيار فاختار زياد على عبيد الله. البلاذري: الأنساب ١٢/ ٢٥٩. الطبري: ٥/ ٤٧٢.
(٢) الأخبار الطوال ٢٧١.
(٣) الأنساب ٧/ ١٥٦
[ ٢٨٩ ]
فذاك امرؤ إن يلقهم يطف نارهم … وليس لها إلا المهلب إنسان
والذي جاء عند البلاذري (^١) أن هذه القصيدة قيلت في الحارثة بن بدر (^٢)، وأن من قالها هو رجل من بني تميم.
والأبيات التي فيها ذكر للحارثة بن بدر هي:
فلولا ابن بدر لعراقين لم يقم … بما قام فيه للعراقين إنسان
إذا قيل من حام الحقيقة أومأت … إليه معد بالأكف وقحطان (^٣)
وأما المهلب بن أبي صفرة أمير معروف يستحق مثل هذه القصيدة وأكثر ولكن ليس له في هذه القصيدة ذكر، ولا ندري ما سبب تحريف هذه القصيدة، وإدراج المهلب فيها.
ونلاحظ أن الشاعر في هذه الأبيات ذكر حارثة ومدحه، ولكنه أجحف في حق عثمان بن عبيد الله ولم يذكر بلاءه.
وقد ذكر البلاذري (^٤) أبياتًا قبلها فيها مدح لعثمان بن عبيد الله بعد قتله بدولاب:
ونال الشهادة منهم فتى … بدولاب كالقمر الأزهر
طويل النجاد رفيع العماد … كهمك من فارس مسعر
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٥٦.
(٢) حارثة بن بدر حصين الغداني التميمي، أدرك الرسول -ﷺ-، وله أخبار في الفتوح، وقصة مع عمر -﵁- ومع علي -﵁-، وقصص مع زياد، ركب سفينة ومعه ناس من قومه، فاستنجد به رجلًا فلما قرب لينقذه أعمل الرجل سلاحه في السفينة فغرقت به وبمن معه سنة أربع وستين. ابن حجر: الإصابة ٢/ ١٣٨.
(٣) أورد هذين البيتين المبرد في الكامل ٣/ ٢٢٢ وابن عبد ربه في العقد الفريد ٨/ ٥٥، وذلك في ذكر الحارثة بن بدر وحربه مع الأزارقة.
(٤) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٥٦.
[ ٢٩٠ ]
أطاع الكتاب رجاء الثواب … وقاتل عن دبر المدبر
ليعذره اللّه والمسلمون … ومعذرة اللّه للمعذر
ثم ذكر مناسبة ذلك أن عثمان بن عبيد الله اختلف مع الحارثة في هذا المعركة مع الخوارج، فاعتزل الحارثة فلما ناجزهم عثمان وقتل، قاتل حارثة الخوارج ومنعهم من تتبع الناس.
* * *
[ ٢٩١ ]