[٣٢]- (ثم قدم عليه يزيد، فأعاد عليه هذه الوصية، ثم قضى، فأقبل الضحاك بن قيس حتى أتى المسجد الأعظم، فصعد المنبر، ومعه أكفان معاوية، فقال: أيها الناس، إن معاوية بن أبي سفيان كان عبدًا من عباد الله، ملكه على عباده، فعاش بقَدَرٍ ومات بأجل، وهذه أكفانه كما ترون، نحن مُدْرِجُوه فيها ومُدْخِلُوه قبره، ومخلون بينه وبين ربه، فمن أحب منكم أن يشهد جنازته فليحضر بعد صلاه الظهر. ثم نزل.
وتفرق الناس حتى إذا صلوا الظهر اجتمعوا وأصلحوا جهازه، وحملوه حتى واروه.
وانصرف يزيد فدخل الجامع، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه، ثم انصرف إلى منزله) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢) مطولًا، وخليفة بن خياط (^٣) مختصرًا، والبلاذري (^٤)، والطبري (^٥) مطولًا.
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية خبر وفاة معاوية وأنه سنة ستين، وأن يزيد حضر قبل الوفاة.
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٢٦، ٢٢٧.
(٢) الطبقات ١/ ١٥١ (ت د. عبد العزيز السلومي).
(٣) التاريخ ٢٢٦.
(٤) الأنساب ٥/ ١٥٥.
(٥) التاريخ ٥/ ٣٢٨.
[ ١١٧ ]
والمشهور أنه لم يحضر ذلك، وأن الذي صلى عليه هو الضحاك بن قيس -﵁- (^١).
ذكر ذلك ابن كثير وقال: (وعليه الجمهور) (^٢)، ومما يدل على ذلك هذه الخطبة التى ألقاها الضحاك، فلو كان يزيد حاضرًا لتولى الصلاة والخطبة؛ لأنه الخليفة بعد أبيه.
[٣٣]- (ومات معاوية وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى مكة يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية (^٣)، وعلى الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد) (^٤).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٥)، والطبري (^٦)، إلا في ذكر والي مكة، فقد ذكروا أنه عمرو بن سعيد بن العاص.
• نقد النص:
وقد انفرد صاحب الكتاب في ذكر ولاية يحيى بن حكيم على مكة من قبل معاوية -﵁-، والصحيح أن ولايته في عهد يزيد بن معاوية (^٧).
_________________
(١) ذكر ذلك خليفة بن خياط ٢٢٦، ابن سعد في الطبقات ١/ ١٥١ (ت د. عبد العزيز السلومي)، والطبري: التاريخ ٥/ ٣٢٧، والذهبي: تاريخ الإسلام بروايتين عن أبي مسهر ٤/ ٣١٧، وعن الزبير بن بكار ٥/ ١٣٢.
(٢) البداية والنهاية ٨/ ١٥٣.
(٣) يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، ولي مكة ليزيد بن معاوية، ذكر أن عبد الله بن الزبير -﵁- بايعه ليزيد ولكن يزيد رفض تلك البيعة وردها، ثم ذكر الحارث بن خالد ليزيد أن يحيى يداهن ابن الزبير -﵁- فعزله يزيد وولى الحارث. ابن سعد الطبقات ٥/ ٤٧٥، ابن عساكر: تاريخ دمشق ٢٨/ ٢٠٧، الأعلام للزركلي ٨/ ١٤٣.
(٤) الأخبار الطوال ٢٢٧.
(٥) الأنساب ٥/ ٢٩٩.
(٦) التاريخ ٥/ ٣٣٨.
(٧) ابن سعد: الطبقات ٥/ ٤٧٥.
[ ١١٨ ]
* تنفيذ وصية معاوية -﵁- المزعومة وخروج الحسين -﵁- وابن الزبير -﵁- إلى مكة:
[٣٤]- (فلم تكن ليزيد همة إلا بيعة هؤلاء الأربعة نفر، فكتب إلى الوليد بن عتبة (^١) يأمره أن يأخذهم بالبيعة أخذًا شديدًا لا رخصةَ فيه، فلما ورد ذلك على الوليد قطع به وخاف الفتنة، فبعث إلى مروان، وكان الذي بينهما متباعدًا، فأتاه، فأقرأه الوليد الكتاب واستشاره.
فقال له مروان: أما عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر فلا تخافن ناحيتهما، فليسا بطالبين شيئًا من هذا الأمر، ولكن عليك بالحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فابعث إليهما الساعة، فإن بايعا وإلا فاضرب أعناقهما قبل أن يعلن الخبر، فيثب كل واحد منهما ناحية، ويظهر الخلاف.
فقال الوليد لعبد الله بن عمرو بن عثمان (^٢)، وكان حاضرًا وهو حينئذ غلام حين راهق: انطلق يا بُنَيَّ إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فادْعُهُما.
فانطلق الغلام حتى أتى المسجد، فإذا هو بهما جالسين، فقال: أجيبا الأمير.
فقالا للغلام: انطلق، فإنا صائران إليه على إثرك. فانطلق الغلام.
_________________
(١) الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، كان ذا حلم وجود وسؤدد، ولي لعمه معاوية -﵁- المدينة، ولما جاء نعي يزيد لم يشدد على الحسين -﵁- وابن الزبير -﵁-، ذكر أن أهل الشام أرادوه على الخلافة بعد معاوية بن يزيد ولكنه طعن فمات قبل ذلك. الذهبي: السير ٣/ ٥٣٤.
(٢) عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي الأموي، كان جوادًا كريمًا، يلقب بالمطرف لجماله، أمه حفصة بن عبد الله بن عمر -﵁- ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، توفي بمصر سنة ست وتسعين ابن سعد: الطبقات ٩٢ (ت: زياد منصور)، المزي: تهذيب الكمال ١٥/ ٣٦٣.
[ ١١٩ ]
فقال ابن الزبير للحسين -﵁-: فيمَ تراه بَعَثَ إلينا في هذه الساعة؟.
فقال الحسين: أحسب معاوية قد مات، فبعث إلينا للبيعة. قال ابن الزبير: ما أظن غيره. وانصرفا إلى منازلهما.
فأما الحسين فجمع نفرًا من مواليه وغلمانه، ثم مشى نحو دار الإمارة، وأمر فتيانه أن يجلسوا بالباب، فإن سمعوا صوته اقتحموا الدار.
ودخل الحسين على الوليد، وعنده مروان، فجلس إلى جانب الوليد، فأقرأه الوليد الكتاب، فقال الحسين: إن مثلي لا يُعطَى بيعته سرًّا، وأنا طوع يديك، فإذا جمعت الناس لذلك حضرت، وكنت واحدًا منهم.
وكان الوليد رجلًا يحب العافية، فقال للحسين: فانصرف إذن حتى تأتينا مع الناس، فانصرف.
فقال مروان للوليد: عصيتني، ووالله لا يمكنك من مثله أبدًا.
قال الوليد: ويحك، أتشير عليَّ بقتل الحسين بن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- وعليهما السلام؟ والله إن الذي يحاسب بدم الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند الله.
وتحرز (^١) ابن الزبير في منزله، وراوغ الوليد حتى إذا جن عليه الليل سار نحو مكة، وتنكب الطريق الأعظم فأخذ على طريق الفرع.
ولما أصبح الوليد بلغه خبره، فوجه في إثره حبيب بن كدين (^٢) في ثلاثين فارسًا، فلم يقعوا له على أثره، وشغلوا يومهم ذلك كله بطلب ابن الزبير.
_________________
(١) الحرز: الموضع الحصين. الزبيدي: تاج العروس ١٥/ ٩٩.
(٢) والصحيح من اسمه أنه حبيب بن كرة، كما جاء ذلك عند البلاذري ٥/ ٣٠٠، والطبري: التاريخ ٥/ ٤٨٢. وهو حبيب بن كرة، قدم على يزيد بن معاوية بكتاب مروان بن الحكم حينما أخرجهم أهل المدينة زمن الحرة، وكانت معه راية مروان يوم المرج. ابن عساكر: تاريخ دمشق ١٢/ ٤٤.
[ ١٢٠ ]
فلما أمسوا، وأظلم الليل مضى الحسين -﵁- أيضًا نحو مكة، ومعه أختاه: أم كلثوم، وزينب وولد أخيه، وإخوته أبو بكر، وجعفر، والعباس، وعامة من كان بالمدينة من أهل بيته إلا أخاه محمد ابن الحنفية، فإنه أقام) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢) مطولًا، وخليفة بن خياط (^٣) مختصرًا، والبلاذري (^٤)، والطبري (^٥) مطولًا.
• نقد النص:
جاءت هذه الرواية متناسقة ومكملة للرواية رقم [٣١] والتي فيها وصية معاوية -﵁- لابنه يزيد أن يحذر من الحسين بن علي -﵁- وعبد الله بن الزبير -﵁-، وقد بينا أنها لم تأتِ بطرق صحيحة، فلو صحت لكان هذا زمن تنفيذها.
أما هذه الرواية فسوف أذكر الطرق التي جاءت بها مسندة:
- أوردها ابن سعد بثلاثة طرق، قال المحقق: كلها ضعيفة (^٦).
- وأما خليفة بن خياط (^٧)، والبلاذري (^٨) فقد وردت عندهم من طريق رزيق مولى معاوية -﵁- (^٩)، وفيها أن يزيد بعثه إلى الوليد بن عتبة أمير
المدينة يأمره بأخذ البيعة من هؤلاء الرهط، وفي سندها محمد بن الزبير
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٢٧، ٢٢٨.
(٢) الطبقات ١/ ٤٣٨ (ت د. محمد السلمي).
(٣) التاريخ ٢٣٢.
(٤) الأنساب ٥/ ٢٩٩.
(٥) التاريخ ٥/ ٣٣٨.
(٦) الطبقات ١/ ٤٣٨ (ت د. محمد السلمي).
(٧) التاريخ ٢٣٢.
(٨) البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٠٩.
(٩) رزيق خصي يزيد بن معاوية، بعثه يزيد بعد وفاة معاوية -﵁- سنة ستين بخبر الوفاة ولأخذ البيعة من أهل المدينة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ١٩/ ١٧.
[ ١٢١ ]
الحنظلي (^١) وهو ضعيف.
- وجاءت عند البلاذري (^٢) وعند الطبري (^٣) من طريق أبي مخنف، وهو ضعيف، وفيها أن يزيد بعث إلى الوليد بن عتبة يخبره بوفاة معاوية -﵁-، ويأمره بأخذ البيعة من هؤلاء الرهط.
- وذكر البلاذري (^٤)، رواية أخرى في سندها ابن جعدبة (^٥)، وهو متهم بالكذب، وفيها أن يزيد أمر الوليد بأخذ البيعة من الحسين -﵁-، وعبد الله بن الزبير -﵁-.
تبين مما سبق أن هذه الرواية لم تأتِ بطرق صحيحة، وقد نصت على أن يزيد هو الذي أمر بأخذ البيعة من هؤلاء الرهط.
- وهناك رواية أخرى ذكرها خليفة بن خياط (^٦)، من طريق جويرية بن أسماء (^٧)، عن أشياخه من أهل المدينة، وقوله عن أشياخه يفيد أن فيها مجاهيل، وهي تذكر أن من أمر بأخذ البيعة من عبد الله بن الزبير -﵁- والحسين -﵁-، هو الوليد بن عتبة، والذي أشار عليه هو مروان بن الحكم.
- وكل ما سبق من الروايات لم يثبت بطرق صحيحة، وأما متنها ففيه من المآخذ التي لا يمكن قبولها عن الحسين -﵁- وعن عبدالله بن الزبير -﵁-، أما
_________________
(١) محمد بن الزبير الحنظلي، متروك من السادسة. ابن حجر: التقريب ١/ ٤٧٨.
(٢) الأنساب ٥/ ٢٩٩.
(٣) التاريخ ٥/ ٣٣٨.
(٤) الأنساب ٥/ ٣١٠.
(٥) يزيد بن عياض بن جعدبة الليثي، كذبه مالك وغيره، من السادسة. ابن حجر: التقريب ١/ ٦٠٤.
(٦) التاريخ ٢٣٢.
(٧) جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي، صدوق، من السابعة، مات سنة ١٧٣ هـ. ابن حجر: التقريب ١/ ١٤٣.
[ ١٢٢ ]
الحسين -﵁- فمن ذلك وَعْدُه للوليد حينما قال: إن مثلي لا يبايع سرًّا، فإذا اجتمع الناس بايعت، وهذا وعد منه بالبيعة ليزيد علانية، وأنه لم يرفض البيعة إلا أن كونها سرًّا، ثم يخرج إلى مكة ولا يبايع، فيعتبر أنه أخلف الوعد، فنبرأ إلى الله أن يوصف ابن بنت رسول الله -ﷺ- بهذه الصفة والمانع من ذلك عدالته.
- وأما عبد الله بن الزبير -﵁-، فتذكر الروايات أنه راوغ الوليد بن عتبة، ووعده أنه سوف يحضر إليه، ثم خرج إلى مكة، وبعضها تذكر أنه هو مَنْ قال: لا أبايع سرًّا فإذا اجتمع الناس وبايعوا بايعت، وكل ذلك من الوعود التي قطعها عبد الله بن الزبير -﵁- على نفسه ثم لم يتمها، وهذا لا يمكن قبوله على عبد الله بن الزبير -﵁- والمانع من ذلك عدالته.
وفيها اتهام لمروان بن الحكم أنه أشار على الوليد أن يدعو الحسين -﵁- وعبد الله بن الزبير -﵁- للبيعة فإن رفضا فاقتلهما، وهذا يخالف ما ورد عن مروان بن الحكم أنه أرسل إلى عبيد الله بن زياد حينما خرج الحسين -﵁- إلى العراق فقال: (أما بعد: فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة وفاطمة بنت رسول الله -ﷺ-. وبالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين. فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء ولا تنساه العامة ولا تدع ذكره. والسلام) (^١).
- وخلاصة القول أن جميع ما ذكرته الرواية رقم (٣١) التي جاءت بوصية معاوية -﵁- لابنه يزيد حدث بالتفصيل فيما جاء به هذه الرواية التي تحدثت عن ما بعد وفاة معاوية -﵁-، وكأنها حكت الواقع الذي وصفته الوصية، ومن ذلك عدم معارضة عبد الله بن عمر -﵁-، ومراوغة عبد الله بن الزبير -﵁-، وما سوف يأتي من خبر دعوة أهل العراق للحسين -﵁-، وخروجه
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٥٢ (ت د. محمد السلمي).
[ ١٢٣ ]
إليهم ومقتله، وبهذا يتضح أن هذه الروايات صِيغَتْ بعد الأحداث، وأنها من نسج الوضاعين من أهل التاريخ.
ولعل الأمر لا يعدو أن الحسين -﵁- وعبد الله بن الزبير -﵁- عندما سمعا بموت يزيد خافا من البيعة له، وهما لا يريدان ذلك، ولهذا خرجا إلى مكة.
ومما يدل على ذلك ما ذكره ابن سعد: (فبعث الوليد بن عتبة من ساعته - نصف الليل- إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية ودعاهما إلى البيعة ليزيد. فقالا: نصبح وننظر ما يصنع الناس ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وهو يقول: هو يزيد الذي نعرف، والله ما حدث
له حزم ولا مروءة) (^١)، وما رواه الطبري بسنده أن الحسين -﵁- قال للوليد
ابن عتبة عندما طلب منه البيعة ليزيد: (أخِّرني وارفق، فأخَّره، فخرج إلى مكة) (^٢).
[٣٥]- (وأما عبد الله بن عباس فقد كان خرج قبل ذلك بأيام إلى مكة) (^٣).
انفرد بذكر هذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
ولعله أراد بذلك أن ابن عباس -﵁- لم يبايع يزيد.
وقد ذكر البلاذري بسنده عن عامر بن مسعود الجمحي (^٤) أنه قال: إنا
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٤٢ (ت د. محمد السلمي).
(٢) التاريخ ٥/ ٣٤٧.
(٣) الأخبار الطوال ٢٢٨.
(٤) عامر بن مسعود بن أمية بن خلف، مختلفٌ في صحبته، اتفق عليه أهل الكوفة بعد موت يزيد فاقره ابن الزبير -﵁-، ثم عزله. ابن حجر: الإصابة ٣/ ٤٨٨. وذكره في التقريب ٢٨٨، ولم يذكر له جرحًا أو تعديلًا.
[ ١٢٤ ]
لبمكة؛ إذ مَرَّ بنا بريدٌ يَنْعَى معاوية، فنهضنا إلى ابن عباس وهو بمكة وعنده جماعة وقد وضعت المائدة ولم يؤتَ بالطعام فقلنا له: يا أبا العباس، جاء البريد بموت معاوية فوجم (^١) طويلًا ثم قال: اللّهم أوسع لمعاوية، أما واللّه ما كان مثل من قبله ولا يأتي بعده مثله وإن ابنه يزيد لمن صالحي أهله، فالزموا مجالسكم وأعطوا طاعتكم وبيعتكم، هات طعامك يا غلام، قال: فبينا نحن كذلك إذ جاء رسول خالد بن العاص (^٢) وهو على مكّة يدعوه للبيعة فقال: قل له اقضِ حاجتك فيما بينك وبين من حضرك فإذا أمسينا جئتك، فرجع الرسول فقال: لا بدّ من حضورك فمضى فبايع) (^٣).
وهنا نجد أن ابن عباس -﵁- أثنى على يزيد وبايع له، ولم أقف على رواية تذكر عدم بيعة ابن عباس -﵁- ليزيد أو أنه عارضه.
قال ابن كثير: (فلمّا مات معاوية سنة ستّين وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عبّاسٍ، وصمّم على المخالفةِ الحسينُ وابنُ الزّبير، وخرجا من المدينة فارّين إلى مكّة فأقاما بها) (^٤).
[٣٦]- (وجعل الحسين -﵁- يطوي المنازل، فاستقبله عبد الله بن مطيع (^٥)، وهو منصرف من مكة يريد المدينة، فقال له: أين تريد؟.
_________________
(١) وجم: الوجوم والأجوم: السكوت على غيض وهم. الخليل بن أحمد: العين ٦/ ١٩٥.
(٢) خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخرومي، أسلم عام الفتح، وأقام بمكة، ولي مكة لعمر بن الخطاب -﵁- ولعثمان بن عفان -﵁-، وردت آثار أنه تأخر إلى خلافة معاوية. ابن حجر: الإصابة ٢/ ٢٠٥. ونجد أن في هذه الرواية وهم ظاهر في ولاية خالد بن العاص لمكة في هذه الفترة، وقد ورد في ما سبق أن الوالي عليها هو عمرو بن سعيد الأشدق، ولكن يستأنس بها في ذكر بيعة ابن عباس -﵁- ليزيد، لأنه لم يرد خلافًا لها.
(٣) الأنساب ٥/ ٢٨٩.
(٤) البداية والنهاية ٨/ ١٦٢.
(٥) عبد الله بن مطيع بن الأسود بن حارثة العدوي القرشي، ذكره ابن حبان وابن قانع وغيرهما في الصحابة، كان على قريش في وقعة الحرة، قتل مع ابن الزبير في حصار مكة من قبل الحجاج. ابن حجر: الإصابة ٥/ ٢١.
[ ١٢٥ ]
قال الحسين: أما الآن فمكة.
قال خار (^١) الله لك، غير أني أحب أن أشير عليك برأي.
قال الحسين وما هو؟.
قال: إذا أتيت مكة فأردت الخروج منها إلى بلد من البلدان، فإياك والكوفة، فإنها بلدة مشئومة، بها قُتِلَ أبوك، وبها خُذِلَ أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، بل الزم الحرم، فإن أهل الحجاز لا يعدلون بك أحدًا، ثم ادع إليك شيعتك من كل أرض، فسيأتونك جميعًا.
قال له الحسين: يقضي الله ما أحب) (^٢).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٣) والبلاذري (^٤)، والطبري (^٥).
• نقد النص:
في هذا الخبر لقاء عبد الله بن مطيع للحسين -﵁- وقد ذكر صاحب الكتاب ومثله الطبري من طريق أبي مخنف أن الحسين التقى بعبد الله بن مطيع مرتين، الأولى (^٦) وهو في طريقه إلى مكة والأخرى (^٧) عند خروجه من مكة، وهذا لا يمكن؛ لأن الطريق مختلف.
ولعل الأقرب والله أعلم أنه التقى به بعد مراسلة أهل الكوفة له وعزمه
_________________
(١) خار الله لك: أي أعطاك ما هو خير لك. ابن منظور: لسان العرب ٤/ ٢٦٧.
(٢) الأخبار الطوال ٢٢٨، ٢٢٩.
(٣) الطبقات ١/ ٤٤٣.
(٤) الأنساب ٣/ ١٥٥ (ت د. محمد السلمي).
(٥) التاريخ ٥/ ٣٥١.
(٦) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥١.
(٧) المصدر السابق ٥/ ٣٩٥.
[ ١٢٦ ]
على المسير؛ لأنه حذره من أهل الكوفة وهو:
- إما في مكة (^١).
- أو في طريقه إلى الكوفة وهو ما ذكرته إحدى الروايات السابقة؛ لأنه حذره من أهل الكوفة.
[٣٧]- (ثم أطلق عنانه، ومضى حتى وافى مكة، فنزل شِعْبَ علي (^٢)، واختلف الناس إليه، فكانوا يجتمعون عنده حِلقًا حِلقًا، وتركوا عبد الله بن الزبير، وكانوا قبل ذلك يتحفلون (^٣) إليه، فساء ذلك ابن الزبير، وعلم أن الناس لا يحفلون به (^٤) والحسين مقيم بالبلد، فكان يختلف إلى الحسين -﵁- صباحًا ومساءً) (^٥).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٦)، والبلاذري (^٧)، والطبري (^٨). وكلها أشارت إلى موقف عبد الله بن الزبير -﵁- من الحسين -﵁- حينما قدم إلى مكة.
• نقد النص:
في هذه الرواية تلميح إلى أن عبد الله بن الزبير -﵁- كان متضايق من وجود الحسين -﵁- في مكة، وكلها جاءت من طرق غير صحيحة، وسيأتي بيان
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٤٣ (ت د. محمد السلمي).
(٢) شعب علي، وهو في الأصل شعب أبي يوسف، وهو الشعب الذي لجأ إليه بنو هاشم حينما تحالفت قريش ضدهم، فيعرف بشعب أبي طالب وشعب بني هاشم، وشعب علي. البلادي: معالم مكة التاريخية والأثرية ١٤٥.
(٣) يتحفلون: من تحفيت به تحفيًا، وهو المبالغة في إكرامه. ابن منظور: لسان العرب ١٤/ ١٨٧.
(٤) يحفلون: أي يجتمعون. الخليل: العين ٣/ ٢٣٥.
(٥) الأخبار الطوال ٢٢٩.
(٦) الطبقات ١/ ٤٤٣ (ت د. محمد السلمي) بأسانيد ذكر المحقق أنها ضعيفة.
(٧) الأنساب ٥/ ٣٠١. من طريق أبي مخنف.
(٨) التاريخ ٥/ ٣٥١. من طريق أبي مخنف.
[ ١٢٧ ]
حقيقة موقف عبد الله بن الزبير -﵁- من الحسين -﵁- في الحديث عن موقف الصحابة من خروج الحسين -﵁-.
[٣٨]- (ثم إن يزيد عزل يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية) (^١).
ذكر خليفة بن خياط (^٢) والطبري (^٣) في سنة ستين أن يزيد عزل الوليد بن عتبة عن مكة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص وحج بالناس في هذه السنة، وذكر البلاذري (^٤) أن يزيد ولى عمرو بن سعيد المدينة وولى يحيى بن الحكم مكة، وفي رواية أن عمرو بن سعيد ولى يحيى بن حكيم مكة وصار إلى المدينة.
• نقد النص:
ما ذكره البلاذري في تولية يزيد يحيى بن حكيم على مكة يدل على أنه تولى في خلافته، وليس كما ذكر صاحب الكتاب سابقًا في الرواية رقم [٣٣] من أن معاوية -﵁- توفي وهو على مكة.
والجمع بين الروايات السابقة أن يحيى بن حكيم لم يتولَّ إلا في عهد يزيد، وأنه نائب على مكة من قبل عمرو بن سعيد، كما جاء عند البلاذري ولم يذكر متى عزله.
* * *
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٢٩.
(٢) التاريخ ٢٣٣.
(٣) التاريخ ٥/ ٣٩٩.
(٤) الأنساب ٥/ ٣٠٧، بروايتين الأولى عن الواقدي وفيها اسم أبيه (الحكم)، والثانية عن هشام الكلبي أنه (حكيم).
[ ١٢٨ ]