* عزل خالد بن عبد الله القسري ومحاسبته:
[٢٢٨]- (وقد كان خالد بن عبد الله ولي العراقين عشر سنين، أربعًا في خلافة يزيد بن عبد الملك، وستًّا في خلافة هشام) (^١).
ذكر خليفة بن خياط (^٢) والطبري (^٣) أن خالد بن عبد الله ولي العراق في خلافة هشام بن عبد الملك.
• نقد النص:
وهم صاحب الكتاب في ذكر تولي خالد بن عبد الله العراق ليزيد بن عبد الملك.
[٢٢٩]- (فلما عزله هشام، وولَّى مكانه يوسف بن عمر حاسبه يوسف، فخرج عليه عشرة آلاف درهم، قد كان وهبها للناس، وبذرها وكان من أسخى العرب فحبسه يوسف بن عمر عنده في العراق، وكتب إلى هشام بتقاعد خالد بالمال الذي خرج عليه.
فكتب إليه هشام بالبسط عليه فدعا به يوسف بن عمر وقال: ما هذا التقاعد بمال السلطان يا ابن الكاهن؟ يعني شق بن صعب (^٤) المعروف بالكهانة، وكان خالد بن عبد الله من ولده، فقال له خالد بن عبد الله: أتعيرني بشرفي يا ابن الخمّار؟ وإنما كان أبوك وجدك بالطائف أصحاب حانة، وبلغ
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٤٣.
(٢) التاريخ ٣٣٦.
(٣) التاريخ ٧/ ٢٦.
(٤) شق بن صعب بن يشكر بن رهم القسري، كاهن جاهلي، وقد قال ابن حزم: إن من ولده خالد وأسد القسريان. الأعلام للزركلي ٣/ ١٧٠.
[ ٥١٣ ]
هشامًا أن خالدًا بذر ذلك المال في الناس، فكتب إلى يوسف يأمره بإطلاقه، والكف عنه) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢) والطبري (^٣) مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكرٌ لعزل خالد القسري سنة عشرين ومائة، ثم محاسبته من قبل يوسف بن عمر الوالي الجديد كما جرت به العادة في أواخر عهد بني أمية، وهذا مما زاد في وهن أمر الدولة فكل والٍ يُتْرَك ولا يُتَابع في أمره حتى تنتهي ولايته، ثم يحاسب والأحسن من ذلك أن يتابع ويحاسب في أمره كله من حين ولايته، فهذا أجدر من إهماله؛ لأن هذا أدعى إلى عدم بسط يده وقلة مظالمه، وحال خالد بن عبد الله أشبه بهذا فقد استمر في ولايته ما يقارب خمس عشر سنة (^٤)، لم يُحَاسب إلا بعد عزله.
أما عن السبب الذي دعا يوسف بن عمر إلى محاسبة خالد بن عبد الله، مع تبذير الأموال هو أنه اعتل عليه بانكسار الخراج في عهده (^٥).
* خبر خروج زيد بن علي وقتله:
[٢٣٠]- (فلم يزل خالد مقيمًا بالكوفة حتى خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -﵁- (^٦) بالكوفة، وكان خروجه في صفر سنة
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٤٣، ٣٤٤.
(٢) الأنساب ٩/ ١٠٠.
(٣) التاريخ ٧/ ٢٥٤.
(٤) من سنة خمس ومائة إلى سنة عشرين ومائة. البلاذري: الأنساب ٩/ ١٠٢. الطبري: التاريخ ٧/ ٢٥٤.
(٥) البلاذري: الأنساب ٩/ ١٠٢. الطبري: التاريخ ٧/ ٢٥٤.
(٦) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، كان ذا علمٍ وجلالٍ وصلاحٍ، هفا فخرج فقتل سنة ١٢٢ هـ. الذهبي: السير ٥/ ٣٨٩.
[ ٥١٤ ]
ثماني عشرة ومائة.
فسار إليه يوسف بن عمر، فالتقوا بالكناسة فانهزم أصحاب زيد، وخذلوه، فأخذه يوسف بن عمر، فضرب عنقه، وبعث برأسه إلى هشام، وصلب جسده بالكناسة) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢)، والبلاذري (^٣) والطبري (^٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية ذكر صاحب الكتاب خبر خروج زيد بن علي، وقد اختصره على غير عادته في ذكر آل البيت وتقفي أثرهم كما فعل بجده الحسين بن علي -﵁-، ويعود السبب في ذلك أن زيد بن علي لم يكن في عداد أئمة الشيعة الإمامية التي يتتبع أخبارهم صاحب الكتاب؛ لأن زيدًا له منهج خاص شَذَّ فيه عن منهج الشيعة ألا وهو تولي الشيخين.
وقد عد المؤرخون أسبابًا لخروجه منها: أنه دخل على هشام بن عبد الملك في دين له فأغلظ عليه (^٥).
وقيل: إن يوسف بن عمر حاسب يزيد بن خالد القسري في مال، فدعا أن أودعه عند زيد بن علي وبعض بني هاشم، فأمره هشام أن يجمع بينهم فحلفوا أنه ما أودعهم شيء (^٦).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٤٤.
(٢) الطبقات ٥/ ٣٢٥.
(٣) الأنساب ٣/ ٢٢٩.
(٤) التاريخ ٧/ ١٦٠.
(٥) ابن سعد: الطبقات ٥/ ٣٢٥. الفسوي: المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٤٨.
(٦) البلاذري/ الأنساب ٣/ ٢٣٥، الطبري: التاريخ ٧/ ١٦٠.
[ ٥١٥ ]
وذكر الذهبي سببا آخر واختصره، وهو أن زيد بن علي وفد على يوسف بن عمر فأحسن جائزته، ثم رجع إلى المدينة فأتاه ناس من الكوفة فقالوا: ارجع فليس يوسف بشيء، فنحن نأخذ لك الكوفة، فرجع وبايعه ناس كثير، وخرجوا معه، ثم تفرقوا عنه بعد أن سألوه عن رأيه في أبي بكر -﵁- وعمر -﵁-، وطلبوا منه التبرؤ منهم حتى يقاتلوا معه، فأخبرهم أنه يتولاهم ويتبرأ ممن تبرأ منهم، ولم يقاتل معه إلا من هو على رأيه (^١)، ولعل هذا السبب أقرب لحاله، والله أعلم.
قال ابن تيمية: (ومن زمن خروج زيد بن عليٍّ افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سُئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قوم، فقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيديًّا، لانتسابهم إليه) (^٢)، (وقد سمي أتباعه بالزيدية وهم لا يشتمون الشيخين ولا عائشة، ولا سائر العشرة؛ ولكنهم يفضلون عليًّا -﵁- ويقدمونه في الخلافة، ثم أبا بكر ثم عمر، ثم يسكتون عن عثمان -﵁-، ويحطون على معاوية غفر الله له) (^٣).
وأما عن زمن خروجه فقد وهم صاحب الكتاب وشذ في أنه سنة مائة وثماني عشرة، والمحفوظ أنه سنة إحدى وعشرين ومائة (^٤)، وقيل: سنة اثنتين وعشرين ومائة (^٥).
_________________
(١) تاريخ الإسلام ٨/ ١٠٦.
(٢) منهاج السنة ١/ ٣٥.
(٣) حافظ الحكمي: معارج القبول ٣/ ١١٨٠.
(٤) ابن قتيبة: المعارف ٣٦٥. الطبري: التاريخ ٧/ ١٦٠.
(٥) الفسوي: المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٤٨. الطبري: التاريخ ٧/ ١٦٠.
[ ٥١٦ ]
* خالد القسري بعد عزله:
[٢٣١]- (وإن خالدًا كتب إلى هشام يستأذنه في الخروج إلى طرسوس (^١) غازيًا متطوعًا، فأذن له هشام في ذلك، فسار حتى وافى طرسوس فأقام بها مرابطًا. وإن رجلًا من أهل العراق كان يتلصص، ويكنى أبا المعرس، قدم من الكوفة نحو أرض الشام، في جماعة من لصوص الكوفة، حتى وافوا مدينة دمشق، فكان إذا جنّه الليل أشعل في ناحية من السوق النار، فإذا تصايح الناس، واشتغلوا بإطفاء الحريق، أقبل في أصحابه إلى ناحية أخرى من السوق، فكسر الأقفال، وأخذ ما قدر عليه، ثم هرب.
فدخل كلثوم بن عياض القسري (^٢) على هشام، وكان معاديًا لخالد بن عبد الله، وهو ابن عمه، فقال لهشام: يا أمير المؤمنين، إن هذا الحريق لم يكن بدمشق، وقد حدث، وما هو إلا عمل محمد بن خالد بن عبد الله القسرى (^٣) وغلمانه.
فأمر هشام بطلب محمد بن خالد، فأتوه به، وبغلمان له، فأمر بحبسه، وحبس غلمانه. وبلغ ذلك خالدًا، وهو بطرسوس، فسار حتى وافى دمشق، فنزل في داره بها، وغدا عليه الناس مسلمين، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: أيها الناس، خرجت غازيًا بإذن هشام وأمره، فحبس ابني وغلماني، أيها الناس، ما لي
_________________
(١) طرطوس: بلد بالشام مشرفة على البحر قرب المرقب وعكا. الحموي: معجم البلدان ٤/ ٣٠.
(٢) والصحيح من اسمه كلثوم بن عياض القشيري بدل (القسري) ولي دمشق لهشام بن عبد الملك، ثم غزا المغرب فقتل هناك. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٠/ ٢١٧. قلت: وقد ساق له ابن عساكر في تاريخه بعض الخطب ما يدل على علمه وفضله.
(٣) محمد بن خالد بن عبد الله القسري، غلب على الكوفة ودخل في أمر بني العباس، وقد أمره المنصور على المدينة سنة ١٤١ هـ، وأمره بالقبض على محمد بن عبد الله بن حسن، ففشل في القبض عليه، فعزله المنصور وحبسه وحاسبه سنة ١٤٤ هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٢/ ٣٨٤.
[ ٥١٧ ]
ولهشام؟ والله ليكفن عني هشام يسميه في كل مرة باسمه ولا يقول: أمير المؤمنين أو لأدعون إلى عراقي الهوى، شامي الدار، حجازي الأصل، إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (^١)، ألا وإني قد أذنت لكم أن تبلغوا هشامًا.
وبلغ هشامًا ذلك فقال: خرف أبو الهيثم، وأنا حري باحتماله، لقديم حرمته، وعظيم حقه، فأقام خالد بن عبد الله بمدينة دمشق عاتبًا لهشام، مصارمًا له، لا يركب إليه، ولا يعبأ به، وهشام في كل ذلك يحتمله، ويحلم عنه) (^٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٣) والطبري (^٤) من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف.
• نقد النص:
هذه الرواية الضعيفة أعطت تصورًا باطلًا عن معاملة هشام بن عبد الملك وعامله المعزول خالد بن عبد الله القسري، وما يزيد في بطلانها أن خالدًا لما عُزِل ذهب إلى هشام، ومعنى ذلك أنه أَمِنَه ولم يحدث شيئًا حتى يخافه، ولو كان العكس لما أحب قربه، ثم إن خالدًا ظل بحماية هشام ولم يقتل إلا بعده، وهنا وقفة، وهي أن لخالد أعداء، فلذلك كثرت الافتراءات حوله، ولم يتمكنوا منه لمعرفة هشام بولائه.
ونلاحظ أن جملة ما ساقه صاحب الكتاب من أخبار حول هشام تدور على خفته، وعدم تبصُّره بأمور الحكم، وأنه يصدِّق كل ما يقال حوله، وما يُنَمُّ له
_________________
(١) إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، الإمام، كان بالحميمة، عهد إليه أبوه بالأمر، قال ابن سعد: (توفي في السجن، سنة إحدى وثلاثين ومائة). الذهبي: السير ٥/ ٣٧٩.
(٢) الأخبار الطوال ٣٤٤، ٣٤٥.
(٣) الأنساب ٩/ ١٠٢.
(٤) التاريخ ٧/ ٣٥٤.
[ ٥١٨ ]
في أصحابه، فيأخذهم، ثم يتبين له براءتهم وهكذا.
[٢٣٢]- (وإن رجلًا يسمى عبد الرحمن بن ثويب الكلبي (^١) دخل على خالد بن عبد الله، فسلم عليه، وعنده نفر من أشراف أهل الشام، فقال له: يا أبا الهيثم، إني أحبك لعشر خصال فيك يحبها الله منك: كرمك، وعفوك، ودينك، وعدلك، ورأفتك، ووقارك في مجلسك، ونجدتك، ووفاؤك، وصلتك ذوي رحمك، وأدبك. فأثنى عليه خالد، وقال له خيرًا.
وبلغ هشامًا ذلك فقال: أَبَلَغَ من أمر الفاسق عبد الرحمن بن ثويب أن يصف خالدًا بمحاسن لم تجتمع في أحد من الخلفاء المؤتمنين على عباد الله وبلاده؟ ثم أمر به، فأحسن أدبه، ونفي عن دمشق.
وبلغ ذلك خالدًا، وعنده أناس من وجوه أهل الشام، فقال لهم: ألا تعجبون من صنيع هشام برجل ذكر مني خصالًا؟ زعم أنه يحبني لها، فضربه وطرده، وإن أعظم مما قال في عبد الرحمن بن ثويب قول عبد الله بن صيفي (^٢) حين قال له: يا أمير المؤمنين، أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك أم رسولك؟. قال هشام: بل خليفتي في أهلي، قال: فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه، ومحمد رسول الله -ﷺ- إليهم، فأنت أكرم على الله منه، فلم ينكر هذه المقالة من عبد الله بن صيفي، وهي تضارع الكفر، ويغضب على عبد الرحمن بن ثويب، وينكر عليه ما وصفني به من خصال، يحبها الله، فأحبنى لها، فلم يحفل هشام حين بلغه ذلك من قول خالد، ولم يؤاخذه بشيء
_________________
(١) في الطبري ٧/ ٢٥٧، إنه عبد الرحمن بن ثويب (الضني) بدل الكلبي من ضنة سعد أخو عذرة بن سعد. لم أقف على ترجمة له.
(٢) عبد الله بن صيفي، وقد ذكر البلاذري ٩/ ١٠٦ أنه ابن شفي الحميري، والطبري ٧/ ٢٥٨، أنه ابن شقي الحميري، ولم أقف على ترجمته.
[ ٥١٩ ]
من مقالته) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢)، والطبري (^٣).
• نقد النص:
وردت هذه الرواية مسندة عند البلاذري من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف. وعند الطبري بسند فيه أحمد بن معاوية (^٤) وهو متهم بالأباطيل.
وأما عن متنها ففيه منكر عظيم لا يصح عن أمير المؤمنين هشام،
وفي ألفاظ النص أيضًا غرابة، وإلا فكيف يخيره بين خليفته ورسوله وهو الخليفة. ثم إن هذا الأثر روي عن الحجاج وهو الأقرب لتناسق الألفاظ، فقد أخرج أبو داود بسنده عن المغيرة (^٥)، عن الربيع بن خالد الضّبّيّ (^٦)، قال: (سمعت الحجّاج يخطب، فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله عليّ ألا أصلّي خلفك صلاة أبدًا، وإن وجدت قومًا يجاهدونك لأجاهدنّك معهم) (^٧).
حكم الألباني: بأنه ضعيف الإسناد مقطوع (^٨).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٤٦.
(٢) الأنساب ٩/ ١٠٥.
(٣) التاريخ ٧/ ٢٥٨.
(٤) أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، حدث عن الثقات بالبواطيل وكان يسرق الحديث. ابن عدي: الكامل ١/ ٢٨٣.
(٥) المغيرة بن مقسم الضبي، أبو هاشم، الكوفي، الأعمى، ثقة، لكنه مدلس، من السادسة. ابن حجر: التقريب ٥٤٣.
(٦) الربيع بن خالد الضبي، ثقة من الرابعة، قتل يوم الجماجم. ابن حجر التقريب ٢٠٦.
(٧) السنن ٧/ ٤٠.
(٨) صحيح وضعيف سنن أبي داود ١/ ٢ برقم ٤٦٤٢ رابط الكتاب: http:// waqfeya.com/ book.php؟ bid=٥٩٤٤
[ ٥٢٠ ]