الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد:
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).
فلقد أعز الله هذه الأمة؛ حيث بعث لها خير رسله محمد -ﷺ-، وجعل صحبه خير صحب وقرنه خير قرن، فقامت على يده دولة الإسلام واجتمع الناس على خير هدى وخير دين، ثم تعاقب بعده الخلفاء، وانطلق المسلمون في أنحاء المعمورة فاتحين، وقضى الله بهم على عروش الكفر ومللها، وانتشر الإسلام وعم الخير والعدل.
وهذا كله سبب في وجود العداء الذي يهدف للنيل من هذه الأمة، واختلف نوع العداء بحسب العدو، فإن قدر على حمل السلاح حمله وقاتل به، ولكن هذا لم يفلح صاحبه في زمن قوة المسلمين وعزتهم، وبقي نوع آخر وهو الذي استخدمه العدو ووجد فيه نجاحًا، ويتمثل هذا في الأخبار والروايات الكاذبة والمضللة والتي يقصد منها النيل من تاريخ هذا الصرح العظيم ولم يكن إلا عن طريق تشويه رجاله الذين هم عدته وقوامه، فَسُطِّرَ حول العظماء أباطيل
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.
[ ٧ ]
وأباطيل فلا تكاد تسمع عن عظيم من عظماء المسلمين إلا وحوله شيء يذهب فعله وجميل صنعه.
ومن أمثلة ذلك حقبة تاريخ بني أمية، التي لم تُعْطَ حقها من التاريخ، بل قد تعرضت لهجمات من جهات عدة؛ تمثلت ببعض من أعقبهم من بني العباس، ثم من الشيعة والشعوبيين (^١)؛ وكل ذلك جاء لأن كتابة تاريخها تأخر إلى ما بعد سقوطها فأصبح مدعاةً للنيل منها.
وهي في حقيقتها دولة مباركة قامت في القرن المفضل وقد أعقبت دولة الخلافة الراشدة التي هي خير الدول، فكثير من الصحابة رضوان الله عليهم أدركوها وقد بدأت بمعاوية -﵁- وهو صحابي جليل، فلذلك انعدم وجود دولة بعدها تأخذ مميزاتها.
ويكفي من ذلك دخول بني أمية وحكمهم في قول الرسول -ﷺ-: «خيركم قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم» (^٢).
ثم اقرأ قول ابن كثير ﵀ عنهم: (فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية، ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبًا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في
_________________
(١) الشعوبية: وهم الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عود المُلْك إلى العجم. الإسفراييني: الفرق بين الفرق ص ٢٨٥. وعرفت بأنها مجموعة الأشخاص والمواقف والآراء المعادية للعرب، التي ذهبت في ذمهم كل مذهب، وعملت على تشويه حضارتهم وهدم كيانهم، وفضلت غيرهم من الشعوب عليهم متظاهرة بالإسلام حينًا وبالولاء القبلي والحزبي أحيانًا، ورفعت شعار المساواة تسترًا وتغطية من أجل تمرير مؤامراتها وتحقيق أهدافها. عبد الله السامرائي الشعوبية ص ١٢٢.
(٢) البخاري: الصحيح ٣/ ١٧١.
[ ٨ ]
عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه) (^١).
فانطلاقًا من قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ (^٢).
وقع اختياري على كتاب الأخبار الطوال، ليكون محط بحثي وتنقيبي عن حقيقة ما أورده صاحب الكتاب حتى لا نسيء الظن بمن سبقنا.
فهو كتاب تاريخي قديم، يشتمل على معظم تاريخ الشعوب القديمة والعهد الإسلامي.
ومن هذا الكتاب خصصت جزئية معينة لتكون موضوع بحثي، وهي المتعلقة بأخبار الدولة الأموية، وقد وضعت لها عنوانًا وهو «الخلافة الأموية من كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري - دراسة نقدية مقارنة».
وهذا الكتاب كغيره من الكتب التي تحتاج إلى تنقيح وعناية؛ كي يتبين غثها من سمينها، فهو مليء بالفتن والشرور إلى حد أنه صور حقبة الأمويين كلها بالفتن والشرور، ولم يأتِ على الخير إلا يسيرًا.
وكثيرٌ من الكتب التاريخية تحمل بين طيَّاتها مثل هذا الكتاب، والحاجة إلى نقدها تكمن في كثرة ما تحمل من أخبار عن الأحداث والأعلام لا تمت لها بصلة، ويتم تداولها على أنها حقائق مُسَلَّمَة تجرى على ألسنة الرواة والوعاظ وغيرهم مما يوقع الشك في نزاهة تلك الأجيال.
ومن أهم المصادر التي اعتمدت عليها في هذا البحث:
كتب الحديث ومنها صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، وكتب التاريخ
_________________
(١) البداية والنهاية ٩/ ١٠٤.
(٢) سورة الحجرات، الآية: ٦.
[ ٩ ]
ومنها تاريخ خليفة بن خياط، وتاريخ الطبري، ومن كتب الأنساب كتاب أنساب الأشراف للبلاذري لاحتوائه على كثير من الأخبار، ومن كتب الطبقات والتراجم كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، وسير أعلام النبلاء للذهبي والإصابة وتقريب التهذيب لابن حجر.