* تتبع المختار لقتلة الحسين -﵁-:
[١٦٣]- (ولما تجرد المختار لطلب قتلة الحسين هرب منه عمر بن سعد ومحمد بن الأشعث، وهما كانا المتوليين للحرب يوم الحسين، وأتى بعبد الرحمن بن أبزي الخزاعي (^١)، وكان ممن حضر قتال الحسين، فقال له: يا عدو الله، أكنت ممن قاتل الحسين؟ قال: لا، بل كنت ممن حضر، ولم يقاتل. قال: كذبت، اضربوا عنقه.
فقال عبد الرحمن: ما يمكنك قتلي اليوم حتى تُعْطَى الظفر على بني أمية، ويصفو لك الشام، وتَهْدِمُ مدينة دمشق حجرًا حجرًا، فتأخذني عند ذلك، فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر، كأني أنظر إليها الساعة.
فالتفت المختار إلى أصحابه وقال: أما إن هذا الرجل عالم بالملاحم. ثم أمر به إلى السجن.
فلما جن عليه الليل بعث إليه من أتاه به، فقال له: يا أخا خزاعة، أظرفًا عند الموت؟.
فقال عبد الرحمن بن أبزي: أنشدك الله أيها الأمير إن الموت هاهنا ضيعة.
قال: فما جاء بك من الشام؟ قال: بأربعة آلاف درهم لي على رجل من أهل الكوفة، أتيته متقاضيًا.
_________________
(١) عبد الرحمن بن أبزي الخزاعي، مولاهم، له إدراك وصحبة، وهو من صغار الصحابة، كان قارئًا لكتاب الله عالمًا بالفرائض، وقد استخلفه نافع بن عبد الحارث في زمن عمر -﵁- على مكة، ثم سكن الكوفة، وقد ولاه علي -﵁- على خراسان، ذكر الذهبي أنه عاش إلى نيف وسبعين. الذهبي: السير ٣/ ٢٠١. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٢٣٨.
[ ٣٧٣ ]
فأمر له المختار بأربعة آلاف درهم، وقال له: إن أصبحت بالكوفة قتلتك.
فخرج من ليلته حتى لحق بالشام) (^١).
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب نسب هذه القصة إلى أحد أصحاب رسول الله -ﷺ- وهو عبد الرحمن بن أبزي -﵁-، وفيها أنه كذب على المختار ليطلقه، ولم أقف على من جاء بذكر هذا الصحابي في خبر قتل الحسين -﵁- أو في موقفه مع المختار.
ثم إنه قد ورد عند ابن سلام بسنده ما يخالفه، وذلك في القول الذي جاء على لسان عبد الرحمن بن أبزي -﵁- للمختار أنه منسوب لسراقة البراقي (^٢)، وهو قوله: (ما يمكنك قتلي اليوم حتى تعطي الظفر على بني أمية، ويصفو لك الشام، وتهدم مدينة دمشق حجرًا حجرًا، فتأخذني عند ذلك، فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر، كأني أنظر إليها الساعة) (^٣). وستأتي قصته مع المختار في الرواية رقم [١٧٠].
[١٦٤]- (ومكث المختار بذلك يطلب قَتَلَة الحسين، وتُجْبَى إليه الأموال من السواد، والجبل، وأصبهان، والري، وأذربيجان، والجزيرة ثمانية
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٩٨، ٢٩٩.
(٢) سراقة بن مردس الأزدي البارقي، من شعراء العراق، كان ظريفًا، أسره المختار ثم أطلقه بعد أن صنع له حديثًا يعجب المختار، وهو قوله: إن الذي أسرني هم الملائكة؛ فسُرَّ بذلك المختار وأطلقه، ثم هجا المختار وهرب إلى دمشق وكان قريب من بشر بن مروان الذي يجتمع إليه الشعراء فيغري بينهم، فحمل سراقة على هجاء جرير فهجاه. محمد بن سلام: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٤٣٩. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٢٠/ ١٥٦.
(٣) ابن سلام: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٤٣٩.
[ ٣٧٤ ]
عشر شهرًا، وقرّب أبناء العجم، وفرض لهم ولأولادهم الأعطيات، وقرّب مجالسهم، وباعد العرب وأقصاهم، وحرمهم. فغضبوا من ذلك.
واجتمع أشرافهم فدخلوا عليه، فعاتبوه، فقال: لا يبعد الله غيركم، أكرمتكم فشمختم بآنافكم، ووليتكم فكسرتم الخراج، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم، وأوفى، وأسرع إلى ما أريد) (^١).
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
وأما الطبري فقد روى عن أبي مخنف عن موسى بن عامر العدوي (^٢) قال: (وعلى حرسه كيسان أبو عمرة مولى عرينة، فقام ذات يوم على رأسه، فرأى الأشراف يحدثونه، ورآه قد أقبل بوجهه وحديثه عليهم، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا! فدعاه المختار فقال له: ما يقول لك أولئك الذين رأيتهم يكلمونك؟ فقال له- وأسرَّ إليه: شق عليهم أصلحك الله صرفَ وجهك عنهم إلى العرب، فقال له: قل لهم: لا يشقن ذلك عليكم، فأنتم مني وأنا منكم ثم سكت طويلًا، ثم قرأ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (^٣) قال: فحدثني أبو الأشعر موسى بن عامر قال: ما هو إلا أن سمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: أبشروا، كأنكم والله به قد قتلهم) (^٤).
• نقد النص:
ورواية الطبري أحسن حالًا من رواية صاحب الكتاب وهي موافقة لحال
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٩٩.
(٢) موسى بن عامر العدوي، أبو الأشعر، من السادسة فما فوق لا يعرف ولا توجد له ترجمة. الفلوجي: المعجم الصغير ٢/ ٥٨٣. قلت: وهو شيخ لأبي مخنف يروي عنه في حوادث المختار.
(٣) سورة السجدة، الآية: ٢٢.
(٤) التاريخ ٦/ ٣٣.
[ ٣٧٥ ]
المختار مع العرب، فقد قربهم وأوكل إليهم كثير من المهام والقيادات، وبذلك يكون صاحب الكتاب خالف غيره وحرف في هذه الرواية؛ حيث ذكر أن العرب هم من عاتبوا المختار؛ لأنه قرب العجم وتركهم، وقد اختتم روايته بزيادة أوصاف واتهامات يريد أن يثبتها على العرب، وهي قوله: (ووليتكم فكسرتم الخراج، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم، وأوفى، وأسرع إلى ما أريد)، ولعل هذا هدفه من قلب الرواية، ويضاف إلى شعوبيته.
* ثورة أهل الكوفة على المختار:
[١٦٥]- (قالوا: فدنت العرب، بعضها إلى بعض، وقالوا: هذا كذاب، يزعم أنه يوالي بني هاشم، وإنما هو طالب دنيا.
فاجتمعت القبائل على محاربته، وصاروا في ثلاثة أمكنة، وولوا أمرهم رفاعة بن سوار (^١)، فاجتمعت كندة، والأزد، وبجيلة، والنخع، وخثعم، وقيس، وتيم الرباب في جبانة مراد (^٢)، واجتمعت ربيعة وتميم، فصاروا في جبانة الحشاشين (^٣).
وأرسل المختار إلى همدان وكانوا خاصته واجتمع إليه أبناء العجم.
فقال لهم: ألا ترون ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: بلى.
قال: فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لتقديمي إياكم، فكونوا أحرارًا كرامًا.
فحرضهم بذلك، وأخرجهم إلى ظهر الكوفة، فأحصاهم، فبلغوا أربعين ألف رجل.
وإن شمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد، ومحمد بن الأشعث، وأخاه
_________________
(١) لم أقف على ترجمة له.
(٢) جبانة مراد: موضع بالكوفة. اليعقوبي: البلدان ١٤٩.
(٣) لم أقف على تعريف لها.
[ ٣٧٦ ]
قيس بن الأشعث قدموا الكوفة عند ما بلغهم خروج الناس على المختار وخلعهم طاعته، وكانوا هرابًا من المختار طول سلطانه؛ لأنهم كانوا الرؤساء في قتال الحسين، فصاروا مع أهل الكوفة، وتولوا أمر الناس.
وتأهب الفريقان للحرب، واجتمع أهل الكوفة جميعًا في جبانة الحشاشين، وزحف المختار نحوهم، فاقتتلوا، فقتل بينهم بشر كثير، فنادى المختار: يا معشر ربيعة، ألم تبايعوني؟ فلِمَ خرجتم عليَّ؟
قالت ربيعة: قد صدق المختار، فقد بايعناه وأعطيناه صفقة أيماننا، فاعتزلوا، وقالوا: لا نكون على واحد من الفريقين. وثبت سائر القبائل، فقاتلوا.
وإن أهل الكوفة انهزموا، وقد قُتِلَ منهم نحو خمس مائة رجل، وأُسِرَ منهم مئتا رجل، فهرب أشراف الكوفة، فلحقوا بالبصرة، وبها مصعب بن الزبير، فانضموا إليه) (^١).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٢) مختصرًا، والبلاذري (^٣) والطبري (^٤) مطولًا، وانفرد صاحب الكتاب بموقف ربيعة.
• نقد النص:
أما موقع المعركة فليس جبانة الحشاشين، وإنما هو جبانة السبيع وكانت المعركة سنة ست وستين (^٥).
وفي هذه الرواية نجد أن صاحب الكتاب يعيد الكَرَّة عن الحديث الذي تم
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠١.
(٢) التاريخ ٢٦٣.
(٣) الأنساب ٦/ ٣٩٨.
(٤) التاريخ ٦/ ٤٣.
(٥) البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٠٢، الطبري: التاريخ ٦/ ٤٣.
[ ٣٧٧ ]
بين المختار وبين العجم الذين معه، كما قلب الرواية السابقة، وكأنه يريد أن يثبت أن العرب قاتلوا المختار دفاعًا عن مكانتهم، وليس لأنه كاذب محتال، ومما لا شك فيه أن هذا من تغيير الحقائق وقلبها، وقد ذكر نحوًا من هذا الخبر الطبري (^١) عن أبي مخنف، وذكر فيه معاتبة أهل الكوفة للمختار أنه قرب الموالي، وجعل لهم الفيء، فرضي المختار أن يجيب لهم كل ما أرادوا واشترط عليهم نصرته على بني أمية ولكنهم أجمعوا على حربه.
وهذه الرواية وُجِدَ ما يعارضها ويناقضها من أبي مخنف نفسه راوي الخبر، فقد ذكر في رواية أخرى المآخذ التي أخذها أهل الكوفة على المختار ومنها قولهم: (إنه تأمَّر علينا بغير رضًا منا، وزعم أن ابن الحنفية بعثه إلينا، وقد علمنا أن ابن الحنفية لم يفعل، وأطعم موالينا فيئنا، وأخذ عبيدنا، فحرَّبَ بهم يتامانا وأراملنا، وأظهر هو وسبئيته البراءة من أسلافنا الصالحين) (^٢).
وبهذه الروية نجد أن أهل الكوفة وجدوا على المختار مجموعة من المآخذ التي حملتهم على قتاله.
وأما قوله فجلُّ أصحاب المختار من همدان، فهذا أيضًا لا يكون على إطلاقه فقد اشتركت همدان ضده مع أهل الكوفة بقيادة عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني (^٣)، بل يروى أنه وبعد معركة جبانة السبيع أسر المختار من الهمدانيين خمسمائة أسير (^٤).
ثم ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية أن ربيعة خذلوا أهل الكوفة وانحازوا إلى المختار، فلم أجد مَنْ تابعه على ذلك، ثم إنه وُجِدَتْ رواية
_________________
(١) التاريخ ٦/ ٤٣.
(٢) الطبري: التاريخ ٦/ ٤٤.
(٣) الطبري: التاريخ ٦/ ٤٥.
(٤) البلاذري: التاريخ ٦/ ٤٠١.
[ ٣٧٨ ]
مخالفة لما ذكر، فقد رُوِيَ أنهم اشتركوا في الحرب ضده وأن عليهم يزيد بن الحارث، وأنه لما هزمت اليمن ومضر تفرقت ربيعة (^١).
* تتبع المختار لقتلة الحسين -﵁-:
مقتل عمر بن سعد:
[١٦٦]- (وبلغ المختار أن شبث بن ربعي، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن الأشعث مع عمر بن سعد قد أخذوا طريق البصرة في أناس معهم من أشراف أهل الكوفة، فأرسل في طلبهم رجلًا من خاصته يسمى أبا القلوص الشبامي (^٢) في جريدة خيل، فلحقهم بناحية المذار، فواقعوه، وقاتلوه ساعة، ثم انهزموا، ووقع في يده عمر بن سعد ونجا الباقون.
فأتى به المختار، فقال: الحمد لله الذي أمكن منك، والله لأشفين قلوب آل محمد بسفك دمك، يا كيسان، اضرب عنقه، فضرب عنقه، وأخذ رأسه، فبعث به إلى المدينة، إلى محمد ابن الحنفية) (^٣).
انفرد صاحب الكتاب في هذه الرواية التي تذكر مقتل عمر بن سعد في موقعة جبانة السبيع، وقد أشار إلى ذلك خليفة بن خياط (^٤)، وذكر أن مقتله وابنه حفص في جبانة السبع سنة ست وستين، ثم ذكر في رواية أخرى أنه قُتِلَ سنة سبع وستين.
• نقد النص:
وأما المصادر الأخرى (^٥) فقد جاءت برواية أشهر من ما سبق، وهي تذكر
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٦/ ٣٩٨، ٣٩٩.
(٢) لم أقف على ترجمته.
(٣) الأخبار الطوال ٣٠١.
(٤) التاريخ ٢٦٣.
(٥) البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٠٥، الطبري: التاريخ ٦/ ٦٠.
[ ٣٧٩ ]
أن المختار أول ما أتى الكوفة أحسنَ بالناس السيرة وتألف قلوبهم، فطلب عمر بن سعد أمانًا من المختار فأمنه وكتب له بذلك كتابًا، ثم بعث إليه من يقتله، فقتله وألحق به ابنه حفص.
أما بعث رأس عمر بن سعد إلى محمد ابن الحنفية من قبل المختار فلم يأتِ بسند صحيح (^١).
[١٦٧]- (وقال أعشى همدان، وكان من أهل الكوفة:
ولم أنس همدانا غداة تجوسنا … بأسيافها، لا أسقيت صوب هاضب
فقتل من أشرافنا في محالهم … عصائب منهم أردفت بعصائب
فكم من كمي قد أبارت سيوفهم … إلى الله أشكو رزء تلك المصائب
يقتلنا المختار في كل غائط … فيا لك دهر مرصد بالعجائب) (^٢)
أورد البلاذري (^٣) نحوًا منها، عن أعشى همدان، وفيها خبر هزيمة أهل الكوفة في جبانة السبيع وزاد فذكر هذه الأبيات:
جزى اللّه إبراهيم عن أهل مصره … جزاء امرئ عن وجهه الحق ناكب
سما بالقنا من أرض ساباط مرقلا … إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
فصب على الأحياء من صوب ودقة … شآبيب موت عقبت بالحرائب
فأضحى ابن ربعي قتيلا مجدلًا … كأن لم يقاتل مرة ويحارب
يقصد به شبث بن ربعي، وقد نفى البلاذري أن يكون قتل في هذه المعركة وأن من قال ذلك احتج بهذه القصيدة، ومن نفى احتج بهذا الشطر (فأضحى ابن
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٦/ ٦٢ من طريق أبي مخنف.
(٢) الأخبار الطوال ٣٠١.
(٣) الأنساب ٦/ ٤٠٢.
[ ٣٨٠ ]
صبهان قتيلًا مجدلًا)، ثم قال: (وذلك الثبت والأول غلط وإنما مات حتف أنفه) (^١).
* مقتل شمر بن ذي الجوشن:
[١٦٨]- (وبلغ المختار أن شمر بن ذي الجوشن مقيم بدستميسان (^٢) في أناس من بني عامر بن صعصعة، يكرهون دخول البصرة لشماتة أهل البصرة بهم، فأرسل المختار إليهم زربيًّا، مولى بجيلة، في مائة فارس على الخيل العتاق، فسار بهم بالحث الشديد، فقطع أصحابه عنه إلا عشرة فوارس، فلحقهم وقد استعدوا له، فطعنه شمر، فقتله، وانهزم أصحابه العشرة حتى لحق بهم الباقون، فطلبوا شمرًا وأصحابه، فلم يلحقوهم، ومضى شمر حتى نزل قريبًا من البصرة بمكان يدعى سادماه (^٣) فأقام به) (^٤).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٥) مختصرًا، والطبري (^٦) مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذا الخبر شمر بن ذي الجوشن ولم يأت على قتله، ويبدو أنه اختصر الخبر ولم يتمه.
_________________
(١) الأنساب ٦/ ٤٠٢.
(٢) بدستميسان: كورة جلية بين واسط والبصرة والأهواز، وهي أقرب إلى الأهواز. الحموي: البلدان ٢/ ٤٥٥.
(٣) ولعله الصحيح من اسمه ساتيدما كما جاء عند الطبري ٦/ ٥٢ ومعناه الجبل المحيط بالأرض، ومنه جبل بارما وهو معروف بين حمرين وما يتصل به قرب الموصل والجزيرة. الحموي: البلدان ٣/ ١٦٩.
(٤) الأخبار الطوال ٣٠١، ٣٠٢.
(٥) الأنساب ٦/ ٤٠٧.
(٦) التاريخ ٦/ ٥٢.
[ ٣٨١ ]
وتمام الخبر ما رواه البلاذري (^١) والطبري (^٢) أن أهل الكوفة لما هُزِمُوا في يوم الجبانة خرج شمر بن ذي الجوشن على فرسه، فأرسل المختار إليه غلام له يدعى زربي مع جند له، فلحقه زربي فعطف عليه شمر فقتله، ثم خرج إلى قرية وكتب إلى مصعب كتابًا فأرسل مع رجل، فأمسك أصحاب المختار بهذا الرجل وسألوه عن صاحب الكتاب فأخبرهم مكانه، فانتهى خبره إلى المختار فبعث إليه جيشًا فلم يشعر إلا وقد أحاطوا به، فقاتلهم ثم قتلوه.
فيصبح ما سبق أشهر مما ذكره صاحب الكتاب الذي جاء بقصة مقتل شمر بن ذي الجوشن في خبر مسير أحمر بن سليط، الذي أرسله المختار لملاقاة المصعب، مما يعني أنه في آخر زمن المختار كما سوف يأتي معنا في الرواية رقم [١٧٤].
[١٦٩]- (وإن قيس بن الأشعث أنف من أن يأتي البصرة فيشمت به أهلها، فانصرف إلى الكوفة مستجيرًا بعبدالله بن كامل، وكان من أخص الناس عند المختار.
فأقبل عبد الله إلى المختار، فقال: أيها الأمير، إن قيس بن الأشعث قد استجار بي وأجرته، فانفذ جواري إياه.
فسكت عنه المختار مليًّا، وشغله بالحديث، ثم قال: أرني خاتمك، فناوله إياه، فجعله في أصبعه طويلًا.
ثم دعا أبا عمرة، فدفع إليه الخاتم، وقال له سرًّا: انطلق إلى امرأة عبد الله بن كامل، فقل لها: هذا خاتم بعلك علامة، لتدخليني إلى قيس بن
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٠٧.
(٢) الطبري: التاريخ ٦/ ٥٢.
[ ٣٨٢ ]
الأشعث، فإني أريد مناظرته في بعض الأمور التي فيها خلاصه من المختار، فأدخلته إليه. فانتضى سيفه، فضرب عنقه، وأخذ رأسه، فأتى به المختار، فألقاه بين يديه.
فقال المختار: هذا بقطيفة الحسين، وذلك أن قيس بن الأشعث أخذ قطيفة كانت للحسين حين قتل، فكان يسمى قيس قطيفة.
فاسترجع عبد الله بن كامل، وقال للمختار: قتلت جاري وضيفي وصديقي في الدهر؟
قال له المختار: لله أبوك، اسكت، أتستحل أن تجير قتله ابن بنت نبيك؟) (^١).
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذا الخبر عن قيس بن الأشعث.
• نقد النص:
لم أقف على خبر يفيد بزمن وفاة قيس بن الأشعث، وانقطع خبره في المصادر بعد قتل الحسين -﵁-.
* سراقة البارقي والمختار:
[١٧٠]- (ثم إن المختار دعا بالأسرى الذين أسرهم من أهل الكوفة في الوقعة التي كانت بينه وبين أهل الكوفة، فجعل يضرب أعناقهم حتى انتهى إلى سراقة البارقي، وكان فيهم، فقام بين يديه، وأنشأ يقول (^٢):
ألا من مبلغ المختار أنا … نزونا نزوة كانت علينا
خرجنا لا نرى الإشراك دينا … وكان خروجنا بطرًا وحينا (٢)
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٠٢.
(٢) أوردها الطبري: التاريخ ٦/ ٥٤ كاملة.
[ ٣٨٣ ]
ثم قال للمختار: أيها الأمير، لو أنكم أنتم الذين قاتلتمونا لم تطمعوا فينا.
فقال له المختار: فمن قاتلكم؟.
قال سراقة: قاتلنا قوم بيض الوجوه على خيل شهب.
قال له المختار: تلك الملائكة، ويلك، أما إذ رأيتهم فقد وهبتك لهم.
ثم خلى سبيله، فهرب، فلحق بالبصرة، وأنشأ يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق أني … رأيت الشهب (^١) كمتا (^٢) مصمتات (^٣)
أرى عيني ما لم ترياه … كلانا عالم بالترهات (^٤)
كفرت بدينكم وبرئت منكم … ومن قتلاكم حتى الممات (^٥) (^٦)
ذكر نحوًا منها: ابن سلام (^٧) والبلاذري (^٨) مختصرًا، والطبري (^٩) مطولًا.
[١٧١]- (وهرب أسماء بن خارجة الفزاري، وكان شيخ أهل الكوفة وسيدهم من المختار خوفًا على نفسه، فنزل على ماء لبني أسد يسمى
_________________
(١) الشهب: الشهبة في الخيل أن تشق معظم شعره أو شعيرات بيض. ابن منظور: لسان العرب ١/ ٥٠٨.
(٢) الكمت: لون بين السواد والحمرة. ابن منظور: لسان العرب ٥/ ٦٨.
(٣) المصمتات: وهي الخيل التي لا يخالط لونها لون آخر. ابن منظور: لسان العرب ٢/ ٥٦.
(٤) الترهات: الأباطيل واحدتها ترهة. ابن منظور: لسان العرب ١٣/ ٣٨٠.
(٥) كذا نحوًا منها البلاذري: الأنساب ٦/ ٤١٠، أما الطبري ٦/ ٥٥، فزاد عنده هذا البيت: إذا قالوا أقول لهم كذبتم … وإن خرجوا لبست لهم أداتي
(٦) الأخبار الطوال ٣٠٣.
(٧) ابن سلام: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٤٣٩.
(٨) الأنساب ٦/ ٤١٠.
(٩) التاريخ ٦/ ٥٤.
[ ٣٨٤ ]
ذروه (^١) في نفر من مواليه وأهل بيته فأقام به) (^٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٣)، وذكر أن سبب هروبه أن المختار سجع سَجْعًا ذكر فيه أنه سيحرق دار أسماء فخرج هاربًا منه.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب ذكر أسماء بن خارجة في سياق تتبع المختار لقتلة الحسين، وكأنه منهم، وفي حقيقة الأمر لم نجد له ذكرًا في مراسلة أهل الكوفة للحسين -﵁-، ولا فيمن خرج لقتاله وهو من الأشراف فلو خرج لما خفي مكانه.
والذي رُوِيَ عنه في أمر مسلم بن عقيل أنه حينما قدم الكوفة ونزل عند هانئ بن عروة، أرسل عبيد الله بن زياد محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة ليأتوا بهانئ إليه، وأسماء لا يعلم من أمر هانئ شيئًا، فذهبا إليه وجعلوا له أمانًا على أن يأتي إلى ابن زياد، فلما جاءه هشم وجهه وأخبر أنه سيقتله، فاعترض عليه أسماء بن خارجة، ولكن ابن زياد لم يأبه به ونفذ ما يريد (^٤).
ولم أقف على خبر يؤكد ضلوع أسماء بن خارجة في أمر الحسين -﵁- أو في قتله، وهذا يدل على أن سبب استخفائه من المختار أنه لا يريد الدخول في أمره، ولذلك بلغ خبره المختار فصرح بأنه يريد حرق بيته فهرب منه، ومثله الشعبي كما مر بنا.
_________________
(١) ذرة: قيل: ماء لبني مرة بن عوف، وقيل: مكان حجازي بأرض غطفان. الحموي: البلدان ٣/ ٥. وذكر البلاذري ٦/ ٤١٠ أنه نزل في بني عبس ومرة في غيرهم حتى قتل المختار.
(٢) الأخبار الطوال ٣٠٣.
(٣) الأنساب ٦/ ٤١٠، ثم ذكر رواية أخرى عن المدائني ٦/ ٤٥٠ أن أسماء بن خارجة هرب إلى البادية ولم يذكر السبب.
(٤) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٦٠.
[ ٣٨٥ ]
[١٧٢]- (وهرب عمرو بن الحجاج، وكان من رؤساء قتلة الحسين، يريد البصرة، فخاف الشماتة فعدل إلى سراف (^١).
فقال له أهل الماء: ارحل عنا، فإنا لا نأمن المختار، فارتحل عنهم، فتلاوموا، وقالوا: قد أسأنا.
فركبت جماعة منهم في طلبه ليردوه، فلما رآهم من بعيد ظن أنهم من أصحاب المختار، فسلك الرمل في مكان يدعى البيضة (^٢)، وذلك في حمارة القيظ، وهي فيما بين بلاد كلب وبلاد طيّئ، فقال فيها، فقتله ومن معه العطش) (^٣).
ذكر نحوًا منها مختصرًا: البلاذري (^٤) وذكر أنه هرب إلى واقصة (^٥) فمات بها عطشًا.
والطبري (^٦) ذكر أنه سلك طريق سراف وواقصة فلم ير حتى الساعة.
[١٧٣]- (ولم يزل أسماء مقيمًا بذروة إلى أن قتل المختار، ودخل مصعب بن الزبير الكوفة، فانصرف أسماء إلى منزله بالكوفة) (^٧).
راجع نقد الرواية رقم [١٧١].
* * *
_________________
(١) سراف: لم أقف على تعريفه.
(٢) البيضة: وهي من العذيب، وقد سبق التعريف به. القطيعي: مراصد الاطلاع ١/ ١٩٨.
(٣) الأخبار الطوال ٣٠٣، ٣٠٤.
(٤) الأنساب ٦/ ٤٠٩.
(٥) شراف وواقصة: وهما قريبتان من الإحساء. الحموي: البلدان ٣/ ٣٣١.
(٦) التاريخ ٦/ ٥٢.
(٧) الأخبار الطوال ٣٠٤.
[ ٣٨٦ ]