[٤٤]- (ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم، فاجتمع له الناس، فقام، فقال: أنصف القاره (^١) من راماها، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولاني مع البصرة الكوفة، وأنا سائر إليها، وقد خلفت عليكم أخي عثمان بن زياد (^٢)، فإياكم والخلاف والإرجاف، فو الله الذي لا إله غيره، لئن بلغني عن رجل منكم خالف أو أرجف لأقتلنه ووليه، ولأخذن الأدنى بالأقصى، والبريء بالسقيم حتى تستقيموا، وقد أعذر من أنذر. ثم نزل، وسار، وخرج معه من أشراف أهل البصرة شريك بن الأعور (^٣) والمنذر بن الجارود، فسار حتى وافى الكوفة، فدخلها، وهو متلثم.
وقد كان الناس بالكوفة يتوقعون الحسين بن علي وقدومه، فكان لا يمر ابن زياد بجماعة إلا ظنوا أنه الحسين فيقومون له، ويدعون ويقولون: مرحبًا بابن رسول الله، قدمت خير مقدم.
فنظر ابن زياد من تباشيرهم بالحسين إلى ما ساءه، وأقبل حتى دخل
_________________
(١) وأصله أن رجلان التقيا أحدهما قاريّ، والآخر أسديّ، فقال القاريّ: إن شئت صارعتك، وإن شئت سابقتك وإن شئت راميتك، فقال: اخترت المرامات: فقال القاريّ: قد أنصفتني، وأنشد: قد أنصف القارة من رماها … أنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها ثم انتزع له سهمًا وشك فؤاده، قال السهيلي: فمعنى المثل إن القارة لا تنفد حجارتها إذا رمي بها، فمن راماها فقد أنصف. الزبيدي: تاج العروس ١٣/ ٤٩٠.
(٢) عثمان بن زياد بن أبيه، ولاه أخوه عبيد الله بن زياد البصرة حينما شخص إلى الكوفة. البلاذري: الأنساب ٢/ ٧٨. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٨.
(٣) شريك بن الأعور الحارثي، شاعر من أهل البصرة، وفد على عمر بن الخطاب -﵁-، وكان من أصحاب علي -﵁-، ووفد على معاوية -﵁-، صحب عبيد الله بن زياد عن دخوله إلى الكوفة في أحداث مسلم بن عقيل، وتوفي بعد خروج مسلم بثلاثة أيام، ابن عساكر: تاريخ دمشق ٧٣/ ١٦٦.
[ ١٤٢ ]
المسجد الأعظم، ونودي في الناس، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل الكوفة، إن أمير المؤمنين قد ولاني مصْرَكم، وقسم فَيْئَكُم فيكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على عاصيكم ومريبكم، وأنا منتهٍ في ذلك إلى أمره، وأنا لمطيعكم كالوالد الشفيق، ولمخالفكم كالسم النقيع، فلا يبقين أحد منكم إلا على نفسه، ثم نزل، فأتى القصر، فنزله، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢) والبلاذري (^٣) مختصرًا، والطبري (^٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية خبر تولية يزيد بن معاوية لعبيد الله على الكوفة، وفيها خطبة عبيد الله في أهل البصرة وتهديدهم، وذلك قبل مسيره إلى الكوفة، وقد ورد هذا الخبر عند الطبري مسندًا من طريق أبي مخنف وقد انفرد به، وهو ضعيف وقد خولف، وذلك فيما ذكره ابن سعد (^٥)، والطبري (^٦) في رواية أخرى عندما أوردوا خبر تولية عبيد الله على الكوفة لم يذكروا أنه خطب أهل البصرة أو هددهم، ولذلك لم يثبت أن أهل البصرة دخلوا في أمر الحسين -﵁-.
ولعل محاولة إقحام أهل البصرة بأمر الحسين -﵁- فيه إيحاء أن أهل العراق كلهم قد كانوا في أمره، ولو كان الأمر كذلك لما بقي لولاة بني أمية أمر في العراق، ولكن المشهور أنه مقتصر على أهل الكوفة وهي مشهورة بالتشيع
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٣٢، ٢٣٣.
(٢) الطبقات ١/ ٤٥٩ (ت د. محمد السلمي).
(٣) الأنساب ٢/ ٧٨.
(٤) التاريخ ٥/ ٣٥٨.
(٥) الطبقات ١/ ٤٥٩ (ت د. محمد السلمي).
(٦) التاريخ ٥/ ٣٤٨، من طريق عمار الدهني.
[ ١٤٣ ]
على خلاف البصرة.
[٤٥]- (وبلغ مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد وانصراف النعمان، وما كان من خطبة ابن زياد ووعيده، فخاف على نفسه.
فخرج من الدار التي كان فيها بعد عتمة حتى أتى دار هانئ بن عروة المذحجي (^١)، وكان من أشراف أهل الكوفة، فدخل داره الخارجة، فأرسل إليه وكان في دار نسائه، يسأله الخروج إليه، فخرج إليه، وقام مسلم، فسلم عليه، وقال: إني أتيتك لتجيرني وتضيفنى، فقال له هانئ: لقد كلفتني شططًا بهذا الأمر، ولولا دخولك منزلي لأحببت أن تنصرف عني، غير أنه قد لَزَمَنِي ذمام (^٢) لذلك، فأدخله دار نسائه، وأفرد له ناحية منها، وجعلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ، وكان هانئ بن عروة مواصلًا لشريك بن الأعور البصري (^٣) الذي قام مع ابن زياد، وكان ذا شرف بالبصرة وخطر (^٤)، فانطلق هانئ إليه حتى أتى به منزله، وأنزله مع مسلم بن عقيل في الحجرة التي كان فيها.
وكان شريك من كبار الشيعة بالبصرة، فكان يحث هانئًا على القيام بأمر مسلم، وجعل مسلم يبايع من أتاه من أهل الكوفة، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق المؤكدة بالوفاء.
ومرض شريك بن الأعور في منزل هانئ بن عروة مرضًا شديدًا، وبلغ
_________________
(١) هانئ بن عروة بن الفضفاض المرادي الغطفي، مخضرم سكن الكوفة، وكان من خواص علي -﵁-، قتله عبيد الله بن زياد مع مسلم بن عقيل. ابن حجر: الإصابة ٦/ ٤٤٥.
(٢) الذّمام: الحرمة، وما يذم الرجل على إضاعته من العهد. الحميري: شمس العلوم ٤/ ٢٢٣١.
(٣) شريك بن الأعور الحارثي، شاعر من أهل البصرة، وفد على عمر بن الخطاب -﵁-، وكان من أصحاب علي -﵁-، ووفد على معاوية -﵁-، صحب عبيد الله بن زياد عن دخوله إلى الكوفة في أحداث مسلم بن عقيل، وتوفي بعد خروج مسلم بثلاثة أيام، ابن عساكر: تاريخ دمشق ٧٣/ ١٦٦.
(٤) خطر: هو ارتفاع المكانة والمنزلة والمال والشرف. الخليل: العين ٤/ ٢١٣.
[ ١٤٤ ]
ذلك عبيد الله بن زياد، فأرسل إليه يعلمه أنه يأتيه عائدًا.
فقال شريك لمسلم بن عقيل: (إنما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك الله منه، هو صائر إليّ ليعودني، فقم، فادخل الخزانة حتى إذا اطمأن عندي، فاخرج إليه، فقاتله، ثم صِرْ إلى قصر الإمارة، فاجلس فيه، فإنه لا ينازعك فيه أحد من الناس، وإن رزقني الله العافية صرت إلى البصرة، فكفيتك أمرها، أبايع لك أهلها).
فقال هانئ بن عروة: (ما أحب أن يقتل في داري ابن زياد).
فقال له شريك: وَلِمَ؟ فو الله إن قتله لقربان إلى الله.
ثم قال شريك لمسلم: لا تقصر في ذلك.
فبينما هم على ذلك إذ قيل لهم: الأمير بالباب.
فدخل مسلم بن عقيل الخزانة، ودخل عبيد الله بن زياد على شريك، فسلم عليه، وقال: ما الذي تجد وتشكو؟.
فلما طال سؤاله إياه استبطأ شريك خروج مسلم، وجعل يقول، ويسمع مسلمًا:
ما تنظرون بسلمى عند فرصتها … فقد وفى ودها، واستوثق الصرم (^١)
وجعل يردد ذلك.
فقال ابن زياد لهانئ: أيهجر؟ يعني يهذي.
قال هانئ: نعم، أصلح الله الأمير، لم يزل هكذا منذ أصبح.
ثم قام عبيد الله وخرج، فخرج مسلم بن عقيل من الخزانة، فقال شريك:
ما الذي منعك منه إلا الجبن والفشل؟.
_________________
(١) ذكر ابن سعد في الطبقات ١/ ٤٦٠ (ت د. محمد السلمي) ما تنظرون بسلمى أن تحيوها، اسقوني ولو كانت فيها نفسي.
[ ١٤٥ ]
قال مسلم: منعني منه خلتان: إحداهما كراهية هانئ لقتله في منزله، والأخرى قول رسول الله -ﷺ-: (إن الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن) (^١).
فقال شريك: أما والله لو قتلته لاستقام لك أمرك، واستوسق (^٢) لك سلطانك.
ولم يعش شريك بعد ذلك إلا أيامًا، حتى توفى، وشيع ابن زياد جنازته، وتقدم فصلى عليه، ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل في ستر ورفق.
وخفي على عبيد الله بن زياد موضع مسلم بن عقيل، فقال لمولى له من أهل الشام يسمى معقلًا، وناوله ثلاثة آلاف درهم في كيس، وقال: خذ هذا المال، وانطلق، فالتمس مسلم بن عقيل، وتأتَّ (^٣) له بغاية التأتي.
فانطلق الرجل حتى دخل المسجد الأعظم، وجعل لا يدري كيف يتأتى الأمر، ثم إنه نظر إلى رجل يكثر الصلاة إلى سارية من سوارى المسجد، فقال في نفسه: إن هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة، وأحسب هذا منهم.
فجلس الرجل حتى إذا انفتل من صلاته قام، فدنا منه، وجلس، فقال: جعلت فداك، إني رجل من أهل الشام، مولى لذي الكلاع، وقد أنعم الله عليّ بحب أهل بيت رسول الله -ﷺ-، وحب من أحبهم، ومعي هذه الثلاثة آلاف درهم، أحب إيصالها إلى رجل منهم، بلغني أنه قدم هذا المصر داعية للحسين بن علي، فهل تدلني عليه لأوصل هذا المال إليه ليستعين به على
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٤٥، وعبد الرزاق في مصنفه ٥/ ٢٩٨، وابن أبي شيبة في مصنفه ٧/ ٤٦٨، والطبراني في المعجم الأوسط ٦/ ١٨٦، وقد صححه الألباني، انظر صحيح الجامع الصغير وزيادته ١/ ٥٤١.
(٢) استوسق: استوسق لك الأمر: أمكنك. الزبيدي: تاج العروس ٢٦/ ٤٧٣.
(٣) تأت: تأتى له: ترفق وأتاه من وجهه. الزبيدي: تاج العروس ٣٧/ ٣٨.
[ ١٤٦ ]
بعض أموره، ويضعه حيث أحب من شيعته؟.
قال له الرجل: وكيف قصدتني بالسؤال عن ذلك دون غيرى ممن هو في المسجد؟.
قال: لأني رأيت عليك سيما الخير، فرجوت أن تكون ممن يتولى أهل بيت رسول الله -ﷺ-.
قال له الرجل: ويحك، قد وقعت على بغيتك، أنا رجل من إخوانك، واسمي مسلم بن عوسجة (^١)، وقد سررت بك، وساءني ما كان من حسي قبلك، فإني رجل من شيعة أهل هذا البيت، خوفًا من هذا الطاغية ابن زياد، فأعطني ذمة الله وعهده أن تكتم هذا عن جميع الناس، فأعطاه من ذلك ما أراد.
فقال له مسلم بن عوسجة: انصرف يومك هذا، فإن كان غدًا فائتني في منزلي حتى أنطلق معك إلى صاحبنا يعني مسلم بن عقيل فأوصلك إليه.
فمضى الشامي، فبات ليلته، فلما أصبح غدا إلى مسلم بن عوسجة في منزله، فانطلق به حتى أدخله إلى مسلم بن عقيل، فأخبره بأمره، ودفع إليه الشامي ذلك المال، وبايعه.
فكان الشامي يغدو إلى مسلم بن عقيل، فلا يحجب عنه، فيكون نهاره كله عنده، فيتعرف جميع أخبارهم، فإذا أمسى وأظلم عليه الليل دخل على عبيد الله بن زياد، فأخبره بجميع قصصهم، وما قالوا وفعلوا في ذلك، وأعلمه نزول مسلم في دار هانئ بن عروة.
ثم إن محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة (^٢) دخلا على ابن زياد
_________________
(١) مسلم بن عوسجة، من أبطال العرب، شهد يوم أذريبجان، وغيره من أيام الفتوح، قتل مع الحسين -﵁- بكربلاء سنة ٦١ هـ. الزركلي: الأعلام ٧/ ٢٢٢.
(٢) أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري، أبو حسان وقيل: أبو هند، اختلف في صحبته، ذكر ابن عبد البر أنه لا يستبعد ذلك لرواية كبار التابعين عنه، كان شريفًا جوادًا كريمًا، وله أخبار كثيرة، وقد وفد على عبد الملك فأكرمه، وذكر ابن حجر أن مولده قبل البعثة؛ لأنه عاش ثمانين سنة، وقد اختلف في سنة موته فقيل: سنة ستين وقيل: خمس وستين وقيل: سنة ست وستين. الذهبي: السير ٣/ ٥٣٧. ابن حجر: الإصابة ١/ ٣٣٩.
[ ١٤٧ ]
مسلمين، فقال لهما: ما فعل هانئ بن عروة؟ فقالا: أيها الأمير، إنه عليل منذ أيام.
فقال ابن زياد: وكيف؟ وقد بلغني أنه يجلس على باب داره عامة نهاره، فما يمنعه من إتياننا، وما يجب عليه من حق التسليم؟.
قالا: سنعلمه ذلك، ونخبره باستبطائك إياه. فخرجا من عنده، وأقبلا حتى دخلا على هانئ بن عروة، فأخبراه بما قال لهما ابن زياد، وما قالا له، ثم قالا له: أقسمنا عليك إلا قمت معنا إليه الساعة لتسل سخيمة (^١) قلبه.
فدعا ببغلته، فركبها، ومضى معهما، حتى إذا دنا من قصر الإمارة خبثت نفسه.
فقال لهما: إن قلبي قد أوجس من هذا الرجل خيفة.
قالا: وَلِمَ تحدثْ نفسك بالخوف وأنت بريء الساحة؟.
فمضى معهما حتى دخلوا على ابن زياد، فأنشأ ابن زياد يقول متمثلًا:
أريد حياته ويريد قتلي … عذيرك من خليلك من مراد (^٢)
قال هانئ: وما ذاك أيها الأمير؟.
_________________
(١) السّخمة بالضّمّ: الحقد والضّغينة، والموجدة في النّفس. الزبيدي: تاج العروس ٢٢/ ٣٥٥.
(٢) هذا البيت لعمرو بن معدي يكرب الزبيدي، ومعناه من القائم بعذره عندي في مكافأتي على الخير بالشر، وله رواية أخرى: أريد حباءه ويريد قتلي … عذيرك من خليلي من مراد الخطابي: غريب الحديث ٢/ ٣٥٩.
[ ١٤٨ ]
قال ابن زياد: وما يكون أعظم من مجيئك بمسلم بن عقيل، وإدخالك إياه منزلك، وجمعك له الرجال ليبايعوه؟.
فقال هانئ: ما فعلت، وما أعرف مِنْ هذا شيئًا.
فدعا ابن زياد بالشامي، وقال: يا غلام، ادعُ لي معقلًا.
فدخل عليهم.
فقال ابن زياد لهانئ بن عروة: أتعرف هذا؟.
فلما رآه علم أنه إنما كان عينًا عليهم.
فقال هانئ: أصدقك والله أيها الأمير، إني والله ما دعوت مسلم بن عقيل، وما شعرت به. ثم قص عليه قصته على وجهها.
ثم قال: فأما الآن فأنا مخرجه من داري لينطلق حيث يشاء، وأعطيك عهدًا وثيقًا أن أرجع إليك.
قال ابن زياد: لا والله، لا تفارقني حتى تأتيني به.
فقال هانئ: أو يجمل بي أن أسلم ضيفي وجارى للقتل؟ والله لا أفعل ذلك أبدًا.
فاعترضه ابن زياد بالخيزرانة، فضرب وجهه، وهشم أنفه، وكسر حاجبه، وأمر به، فادخل بيتًا.
وبلغ مذحجًا أن ابن زياد قد قتل هانئًا، فاجتمعوا بباب القصر، وصاحوا.
فقال ابن زياد لشريح القاضى (^١) وكان عنده: ادخل إلى صاحبهم، فانظر
_________________
(١) شريح بن الحارث الكندي، ويقال: شريح بن شراحيل أو ابن شرحبيل، أبو أمية، قاضي الكوفة، ويقال: إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، لا تصح له صحبة، أسلم في حياة النبي -ﷺ-، وانتقل من اليمن زمن الصديق -﵁-، ولي القضاء في زمن عمر -﵁-، ومات سنة ٧٨، وقيل ٨٠. الذهبي: السير ٤/ ١٠٠.
[ ١٤٩ ]
إليه، ثم اخرج إليهم، فأعلمهم أنه حي. ففعل.
فقال لهم سيدهم عمرو بن الحجاج: أما إذ كان صاحبكم حيًّا فما يعجلكم الفتنة؟ انصرفوا، فانصرفوا (^١).
فلما علم ابن زياد أنهم قد انصرفوا أمر بهانئ، فأتى به السوق، فضربت عنقه هناك.
ولَمَّا بلغ مسلم بن عقيل قتل هانئ بن عروة نادى فيمن كان بايعه، فاجتمعوا، فعقد لعبد الرحمن بن كريز الكندي (^٢) على كندة وربيعة، وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج وأسد، وعقد لأبي ثمامة الصيداوي (^٣) على تميم وهمدان، وعقد للعباس بن جعدة بن هبيرة (^٤) على قريش والأنصار، فتقدموا جميعًا حتى أحاطوا بالقصر، واتبعهم هو في بقية الناس.
وتحصن عبيد الله بن زياد في القصر مع من حضر مجلسه في ذلك اليوم من أشراف أهل الكوفة والأعوان والشرط، وكانوا مقدار مائتي رجل، فقاموا على سور القصر يرمون القوم بالمدر (^٥) والنشاب (^٦)، ويمنعونهم من الدنو من القصر، فلم يزالوا بذلك حتى أمسوا.
_________________
(١) ذكر موقفًا آخر لعمرو بن الحجاج وهو أنه عندما علم بما حصل لهانئ بن عروة على يد عبيد الله بن زياد قدم في قومه مذحج وأحاط بقصر الإمارة وأعلن أنه لم يخلع طاعة، ولم يفارق الجماعة وإنما جاء ليطمئن على هانئ فأمر عبيد الله شرح القاضي أن ينظر إلى هانئ ويخبرهم بحاله، فنظر إليه وأخبرهم فانصرفوا. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٦٧.
(٢) عند الطبري ٥/ ٣٦٩، أنه عبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي. لم أقف على ترجمتة له.
(٣) لم أقف على ترجمة له. وعند الطبري: التاريخ ٥/ ٣٦٩، «الصائدي» بدل «الصيداوي».
(٤) لم أقف على ترجمة له، وعند الطبري: التاريخ ٥/ ٣٦٩، أنه العباس بن جعدة الجدلي.
(٥) المدر: قطع طين يابس. الخليل: العين ٨/ ٣٨.
(٦) النشاب: النبل وحده نشابة والجمع نشاشيب. الزبيدي: تاج العروس ٤/ ٢٧٦.
[ ١٥٠ ]
* خذلان أهل الكوفة لمسلم بن عقيل:
وقال عبيد الله بن زياد لمن كان عنده من أشراف أهل الكوفة: لِيُشْرِفْ كل رجل منكم في ناحية من السور، فخوِّفوا القوم.
فأشرف كثير بن شهاب (^١)، ومحمد بن الأشعث، والقعقاع بن شور (^٢)، وشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن (^٣)، فتنادوا: يا أهل الكوفه، اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الأمة، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم، وجربتم شوكتهم، فلما سمع أصحاب مسلم مقالتهم فَتَرُوا بعض الفتور.
وكان الرجل من أهل الكوفة يأتي ابنه، وأخاه، وابن عمه فيقول: انصرف، فإن الناس يكفونك، وتجيء المرأة إلى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلق به حتى يرجع.
فصلى مسلم العشاء في المسجد، وما معه إلا زهاء ثلاثين رجلًا، فلما رأى ذلك مضى منصرفًا ماشيًا، ومشوا معه، فأخذ نحو كِندة، فلما مضى قليلًا التفت فلم يرَ منهم أحدًا، ولم يصب إنسانًا يدله على الطريق، فمضى هائمًا على وجهه في ظلمة الليل حتى دخل على كِندة، فإذا امرأة (^٤) قائمة على باب
_________________
(١) كثير بن شهاب بن الحصين، سيد مذحج في الكوفة، ولي لمعاوية -﵁- الري، اختلف في صحبة ورجحها ابن حجر. ابن حجر: الإصابة ٥/ ٤٢٧.
(٢) القعقاع بن شور السدوسي الذهلي، وهو تابعي من سادات ربيعة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٤٩/ ٣٥٢.
(٣) شمر بن ذي الجوشن (واسم ذي الجوشن شرحبيل) العامري الضبابي، يكنى أبا السابغة، وهو الذي أشار على عبيد الله بن زياد ألَّا يقبل من الحسين -﵁- إلا أن ينزل على حكمه، وأحد قتلة الحسين -﵁- ويقال: إنه هو مَنْ باشر قتله، ثم إنه قدم على يزيد في أهل الحسين -﵁-، بيته أصحاب المختار فقتلوه. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٣٢/ ١٨٦.
(٤) اسمها طوعة. ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٦١ (ت د. محمد السلمي).
[ ١٥١ ]
دارها تنتظر ابنها وكانت ممن خف مع مسلم فآوته وأدخلته بيتها، وجاء ابنها، فقال: من هذا في الدار؟
فأعلمته، وأمرته بالكتمان.
ثم إن ابن زياد لما فقد الأصوات ظن أن القوم دخلوا المسجد، فقال: انظروا، هل ترون في المسجد أحدًا؟ وكان المسجد مع القصر.
فنظروا فلم يروا أحدًا، وجعلوا يشعلون أطناب (^١) القصب، ثم يقذفون بها في رحبة المسجد ليضيء لهم، فتبينوا، فلم يروا أحدًا.
فقال ابن زياد: إن القوم قد خذلوا، وأسلموا مسلمًا، وانصرفوا.
* ملاحقة مسلم وقتله:
فخرج فِي مَنْ كان معه، وجلس في المسجد، ووضعت الشموع والقناديل، وأمر مناديًا فنادى بالكوفة ألا برئت الذمة من رجل من العرفاء (^٢) والشرطة والحرس لم يحضر المسجد.
فاجتمع الناس، ثم قال: يا حصين بن نمير (^٣) وكان على الشرطة ثكلتك أمك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة، فإذا أصبحت فاستقر الدور، دارًا، دارًا، حتى تقع عليه. وصلى ابن زياد العشاء في المسجد، ثم دخل القصر.
_________________
(١) أطنان: الطّنّ: حزمة القصب والحطب. الزبيدي: تاج العروس ٣٥/ ٣٥٨.
(٢) العرفاء: جمع عريف، وهو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس. ابن منظور: لسان العرب ٩/ ٢٣٨.
(٣) الصحيح من اسمه أنه الحصين بن (تميم) بدل (نمير) صاحب شرطة ابن زياد، وهو الذي أخذ قيس بن مسهر وعبد الله بن القطر أخو الحسين -﵁- من الرضاعة وكانا رسولا الحسين -﵁- إلى مسلم وبعث بهما إلى ابن زياد فقتلهما، وأحد قادة جيش عمر بن سعد الذي خرج لقتال الحسين -﵁-. البلاذري: الأنساب ٣/ ١٦٧، ١٦٨، ١٧٠، الطبري: التاريخ ٥/ ٣٧٢، ٣٤٩، ٣٩٥، ٣٩٨، ٤٣٧.
[ ١٥٢ ]
فلما أصبح جلس للناس، فدخلوا عليه، ودخل في أوائلهم محمد بن الأشعث، فأقعده معه على سريره، وأقبل ابن تلك المرأة التي مسلم في بيتها إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وهو حينئذ غلام حين راهق فأخبره بمكان مسلم عنده.
فأقبل عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث، وهو جالس مع ابن زياد، فأسر إليه الخبرَ.
فقال ابن زياد: ما سار به ابنك؟.
قال: أخبرني أن مسلم بن عقيل في بعض دورنا.
فقال: انطلق، فأتني به الساعة.
وقال لعبيد بن حريث (^١): ابعث مائة رجل من قريش وكره أن يبعث إليه غير قريش خوفًا من العصبية أن تقع.
فأقبلوا حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل، ففتحوها، فقاتلهم، فرمي، فكسر فوه، وأخذ، فأتى ببغلة فركبها، وصاروا به إلى ابن زياد.
فلما أُدْخِلَ عليه، وقد اكتنفه الجلاوزة قالوا له: سلم على الأمير.
قال: إن كان الأمير يريد قتلي، فما انتفع بسلام عليه، وإن كان لم يرد فسيكثر عليه سلامي.
قال ابن زياد: كأنك ترجو البقاء.
فقال له مسلم: فإن كنت مزمعًا على قتلي، فدعني أوصي إلى بعض مَنْ ها هنا من قومي.
_________________
(١) ولعل الصحيح من اسمه (عمرو) بدل (عبيد) بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي القرشي، له ولأبيه صحبه، ولد في أيام بدر، وقيل: قبل الهجرة بسنتين، ولي إمرة الكوفة لزياد وابنه عبيد الله، مات سنة ٨٥ هـ. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٥١٠.
[ ١٥٣ ]
قال له: أوصِ بما شئت.
فنظر إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص (^١)، فقال له: اخْلُ معي في طرف هذا البيت حتى أوصي إليك، فليس في القوم أقرب إليّ ولا أولى بي منك.
فتنحى معه ناحية، فقال له: أتقبل وصيتي؟.
قال: نعم.
قال مسلم: إن عليَّ ها هنا دينًا، مقدار ألف درهم، فاقضِ عني، وإذا أنا قُتلتُ فاستوهب من ابن زياد جثتي لئلا يُمَثِّل بها، وابعث إلى الحسين بن علي رسولًا قاصدًا من قبلك، يعلمه حالي، وما صرت إليه من غدر هؤلاء الذين يزعمون أنهم شيعته، وأخبره بما كان من نكثهم بعد أن بايعني منهم ثمانية عشر ألف رجل، لينصرف إلى حرم الله، فيقيم به، ولا يغتر بأهل الكوفة.
وقد كان مسلم كتب إلى الحسين أن يقدم ولا يلبث.
فقال له عمر بن سعد: لك عليَّ ذلك كله، وأنا به زعيم.
فانصرف إلى ابن زياد، فأخبره بكل ما أوصى به إليه مسلم.
فقال له ابن زياد: قد أسأت في إفشائك ما أسره إليك، وقد قيل: إنه لا يخونك إلا الأمين، وربما ائتمنك الخائن.
وأمر ابن زياد بمسلم فرقي به إلى ظهر القصر، فأشرف به على الناس، وهم على باب القصر مما يلي الرحبة، حتى إذا رأوه ضربت عنقه هناك، فسقط رأسه إلى الرحبة، ثم اتبع الرأس بالجسد.
وكان الذي تولى ضرب عنقه أحمر بن بكير (^٢).
_________________
(١) عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أمير السرية التي قتلت الحسين -﵁-، قتله وولده المختار صبرًا. الذهبي: السير ٤/ ٣٥٠.
(٢) أحمر بن بكير، ولعل الصحيح من اسمه أنه بكير بن حمران الأحمري، ذكره الطبري: التاريخ ٥/ ٣٧٨، والبلاذري ٢/ ٨٣.
[ ١٥٤ ]
وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الزبير الأسدي (^١):
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري … على هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف أنفه … وآخر، يهوى من طمار، قتيل
أصابهما ريب الزمان، فأصبحا … أحاديث من يسعى بكل سبيل
ترى جسدًا قد غير الموت لونه … ونضح دم قد سال كل مسيل (^٢) (^٣)
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٤) مختصرًا، والبلاذري (^٥) مطولًا، والطبري (^٦) بمثله مطولًا.
• نقد النص:
جاءت في هذه الرواية مسندة عند الطبري (^٧) بطرق لا يمكن الاعتماد عليها.
وفيها محاولة اغتيال عبيد الله حينما جاء عائدًا لشريك بن الأعور،
_________________
(١) لعل الصحيح من اسمه (عبد الله) بدل (عبد الرحمن) بن الزبير الأسدي، وهو شاعر معروف من أهل الكوفة، من شعراء بني أسد ونبلائهم، يكنى أبا سعد، وله أخبار مع عبد الله بن الزبير بن العوام، ثم ذكر قصيدته في مسلم بن عقيل. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٢٨/ ٢٥٨.
(٢) اختلف في من قال هذه الأبيات قيل: إنها للفرزدق، ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات ١/ ٤٦١ (ت د. محمد السلمي)، والطبري: التاريخ ٥/ ٣٧٩، من طريق أبي مخنف، وقيل: للأخطل ذكرها الكلبي في نسب معد واليمن ١/ ٣٢٩.
(٣) الأخبار الطوال من صفحة ٢٣٣، إلى صفحة ٢٤٢.
(٤) الطبقات ١/ ٤٥٨ (ت د. محمد السلمي).
(٥) الأنساب ٢/ ٧٧.
(٦) التاريخ ٥/ ٣٤٧. من طريق أبي مخنف.
(٧) التاريخ بروايتين الأولى ٥/ ٣٦٣ من طريق أبي مخنف، والأخرى من طريق عيسى بن يزيد وهو لا يعرف، وليس له رواية. الفلوجي: المعجم الصغير ١/ ٤٤٤.
[ ١٥٥ ]
والسبب أنه يستبعد أن يخرج في هذه الظروف بدون حرس (^١).
وبعد قتل هانئ تحرك مسلم بن عقيل بصدق لنصرته والأخذ بثأره، فرتب مسلم أنصاره ووزع ألويته وخرج لملاقاة ابن زياد ظنًّا منه أن من معه ومن يسمون أنفسهم شيعة صادقين بوعدهم لنصرته، وأصبح موقف ابن زياد خطيرًا وكاد أن يقع، لولا أنه استخدم بعض الأساليب التي تنم عن دهائه، فمنها أنه حبس أشراف الكوفة عنده وأمرهم بأن يكلموا من تحتهم ويخوفونهم بجند الشام، وبقطع العطاء والصلات، ويتمثل ذلك فيما رواه الطبري (فبعث عبيد اللّه إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثمّ قال: أشرفوا على الناس فمَنُّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم فصول الجنود من الشام إليهم) (^٢).
ومنهم كثير بن شهاب حيث قال: (أيّها النّاس، ألحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى اللّه الأمير عهدًا: لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتّى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها) .. (وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا، فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون) (^٣).
ولم يذكر صاحب الكتاب أن ابن زياد هددهم بالعطاء؛ ولذلك أوردت ما سبق.
_________________
(١) الشيباني: مواقف المعارضة ٣١٨.
(٢) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٧٠.
(٣) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٧٠.
[ ١٥٦ ]
وفعلا نجحت هذه الحيل وبدأ الجند بالانسحاب عن مسلم حتى بقي وحده، فعلم أنهم غدروا به وأسلموه لعدوه، فأصبح لا يفكر إلا بالحسين -﵁- وكيف يبلغه ومن معه بهذا الخذلان حتى يرجعوا ولا يقدموا؛ لأنهم لا ناصر لهم.
وقد أدرك ابن زياد وَهَنَ هذه الجماعة فأخذ يبحث عن مسلم ولما وقع في يده قتله.
* رأس مسلم وكتاب يزيد إلى عبيد الله:
[٤٦]- (ثم بعث عبيد الله برءوسهما إلى يزيد، وكتب إليه بالنبأ فيهما.
فكتب إليه يزيد: لم نعد الظن بك، وقد فعلت فعل الحازم الجليد، وقد سألت رسوليك عن الأمر، ففرشاه لي، وهما كما ذكرت في النصح، وفضل الرأي، فاستوص بهما.
وقد بلغني أن الحسين بن علي قد فَصَلَ من مكة متوجهًا إلى ما قبلك، فأدرك العيون عليه، وضع الأرصاد على الطرق، وقم أفضل القيام، غير ألا تقاتل إلا من قاتلك، واكتب إليّ بالخبر في كل يوم) (^١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٢) مطولًا.
• نقد النص:
لم تأتِ هذه الرواية بسند يمكن الاعتماد عليه، وفيها كتاب عبيد الله إلى يزيد يخبره بما جرى بينه وبين مسلم بن عقيل، ويلاحظ عليها المبالغة في الإشادة بقتل مسلم بن عقيل، وفيها شرط يزيد لعبيد الله ألا يقاتل إلا من قاتله، وهو أمر واضح أن يزيد لم يأمر بقتال الحسين -﵁-، ولكن عبيد الله زاد على أمره فقتل الحسين -﵁-، وهذا الخبر يعتبر حجة على من رواه، حيث أن الشيعة
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٤٢.
(٢) التاريخ ٥/ ٣٨٠، من طريق أبي مخنف وهو ضعيف.
[ ١٥٧ ]
تتهم يزيد بقتل الحسين -﵁- وهم يروون مثل هذا الخبر.
* مصير رأس مسلم:
[٤٧]- (وكان أنفذ الرأسين إليه مع هانئ بن أبي حية الهمداني (^١)، والزبير بن الأروج التميمي (^٢) (^٣).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٤) والطبري (^٥) والذهبي (^٦).
• نقد النص:
هذا الخبر لم أقف على من أورده بسند يمكن الاعتماد عليه، أما عن رأس مسلم فقد سبق وصيته لعمر بن سعد، التي أوردها صاحب الكتاب في الرواية (٤٥) وهي أن يقضي دينه وأن يستوهب جثته من ابن زياد بعد قتله.
وقد روى ابن سعد (^٧) أن عمر بن سعد فعل ذلك بعد قتله، ولم يذكر أنه استثنى رأسه.
وهذا يدل على أن الرأس دفن مع الجسد ولم يحمل إلى يزيد.
[٤٨]- (وكان قتل مسلم بن عقيل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي
_________________
(١) هانئ بن أبي حية الوادعي الهمداني، لم أقف على ترجمة له.
(٢) ولعل الصحيح أنه الزبير ابن (الأروح) بدل (الأروج) التميمي، عراقي من التابعين، روى ابن عساكر بسنده عن أبي مخنف أن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة بعث الزبير بن الأروح وهانئ بن أبي حية برءوسهما إلى يزيد ثم ذكر كتاب عبيد الله وكتاب يزيد إليه بهذه الحادثة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ١٨/ ٣٠٦.
(٣) الأخبار الطوال ٢٤٢.
(٤) الطبقات ١/ ٤٦٢ (ت د. محمد السلمي) بأسانيد ذكر المحقق أنها ضعيفة.
(٥) التاريخ ٥/ ٣٨٠. من طريق أبي مخنف.
(٦) تاريخ الإسلام ١٧١، عن المدائني والواقدي وقال (بإسنادهم)، وهنا لم نتمكن من معرفة باقي السند، ولعل قول الذهبي بإسنادهم دليل على تضعيفه لهذه الرواية.
(٧) الطبقات ١/ ٤٦٢ (ت د. محمد السلمي).
[ ١٥٨ ]
الحجة سنة ستين، وهي السنة التي مات فيها معاوية، وخرج الحسين بن علي من مكة في ذلك اليوم) (^١).
ذكر الطبري (^٢) أن خروج مسلم يوم الثلاثاء لثماني ليالٍ مضين من ذي الحجة وقيل: يوم الأربعاء يوم عرفة، وكان خروج الحسين -﵁- يوم الثلاثاء أيضًا، أي قبل مقتل مسلم بيوم واحد.
والجمع بين ما ذكره صاحب الكتاب وبين ما ذكره الطبري أن خروج مسلم وقتله كان في عشر ذي الحجة من سنة ستين للهجرة.
[٤٩]- (ثم إن ابن زياد وجه بالحصين بن نمير وكان على شرطه في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة، وأمره أن يقيم بالقادسية (^٣) إلى القطقطانة (^٤)، فيمنع من أراد النفوذ من ناحية الكوفة إلى الحجاز إلا من كان حاجًّا أو معتمرًا ومن لا يتهم بممالأة الحسين) (^٥).
ذكر ابن سعد (^٦) أنه أمره أن يأخذ كل من أنكره، أما الطبري (^٧) فذكر أن عبيد الله فعل ذلك لما علم بقدوم الحسين -﵁- إلى الكوفة، وقد انفرد صاحب الكتاب بأمر عبيد الله بن زياد للحصين بن تميم: (إلا من كان حاجًّا أو معتمرًا ومن لا يتهم بممالأة الحسين).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٤٢، ٢٤٣.
(٢) التاريخ ٥/ ٣٨١.
(٣) القادسية: موضع يبعد عن الكوفة خمسة عشر فرسخًا، وبها كانت معركة القادسية بين المسلمين والفرس بقيادة سعد بن أبي وقاص، وانتصر المسلمون عام ١٦ من الهجرة. الحموي: البلدان ٤/ ٢٩١.
(٤) القطقطانة: موضع قرب الكوفة من جهة البرية، وكانت موضع سجن النعمان بن المنذر. ٤/ ٣٧٤.
(٥) الأخبار الطوال ٢٤٢.
(٦) الطبقات ١/ ٤٦٣ (ت د. محمد السلمي).
(٧) التاريخ ٥/ ٣٩٤.
[ ١٥٩ ]