ذكر الشهرستاني (^٣): أن المختار بن أبي عبيد الثقفي، كان خارجيًا، ثم صار زبيريًّا، ثم صار شيعيًّا، وما انتظم أمره بالكوفة إلا بأمرين هما:
الأول: انتسابه إلى محمد ابن الحنفية علمًا ودعوة.
والآخر: أنه أخذ على عاتقه الثأر من قتلة الحسين -﵁-.
وقد ادعى المختار النبوة، وقال بعقيدة البداء على الله ﷾.
وقال الشهرستاني: (وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء؛ لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحي يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة؛ فإن وافق كونه قوله، جعله دليلًا على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال: قد بدا لربكم)، وقال: (وكان لا يفرق بين النسخ والبداء؛ قال: إذا جاز النسخ في الأحكام، جاز البداء في الأخبار) (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات، ٥/ ٣١٣. والدولابي في الكنى ٢/ ٤٦٤ من طريق محمد بن علي أبي جعفر.
(٢) البلاذري: الأنساب ٦/ ٣٦٧.
(٣) الملل والنحل ١/ ١٤٧.
(٤) المصدر السابق ١/ ١٤٨. وقال إن من مذهب المختار: أنه يجوز البداء على الله تعالى، والبداء له معانٍ: البداء في العلم وهو أن يظهر له خلاف ما علم؛ ولا أظن عاقلًا يعتقد هذا الاعتقاد، والبداء في الإرادة، وهو أن يظهر له صوابًا على خلاف ما أراد وحكم. والبداء في الأمر: هو أن يأمر بشيء، ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك. ومن لم يُجِزِ النسخ ظن أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة.
[ ٣٤٩ ]
وذكر الإسفراييني السبب الذي جعل المختار يدّعي النبوة فقال: (ثمّ إن المختار خدعته السبابية (^١) الغلاة من الرافضة، فقالوا له: أنت حجّة هذا الزّمان وحملوه على دعوى النّبوّة فادعاها عند خواصه وزعم أن الوحي ينزل عليه) (^٢).
وقد أخرج مسلم في صحيحه حديثًا عن أسماء بنت أبي بكر -﵂- عن الرسول -ﷺ- أنه قال: (إنّ في ثقيفٍ كذّابًا ومبيرًا)، فأمّا الكذّاب فرأيناه، وأمّا المبير فلا إخالك إلّا إيّاه (^٣)، وذلك في حوارها مع الحجاج بن يوسف الثقفي بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير -﵁-.
قال أبو الفضل السبتي: (وقولها: «إن فى ثقيف كذابًا ومبيرًا، أما الكذاب فرأيناه»؛ تعني المختار بن أبي عبيد، «وأما المبير فإخالك هو»؛ تريد لكثرة قتله) (^٤).
وعلق ابن كثير على هذا الحديث فقال: (وكان المختار هو الكذّاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرّفض أوّلًا ويبطن الكفر المحض) (^٥).
_________________
(١) السبابية: أتباع عبد الله بن سبأ، الذي غلا في علي -﵁- وزعم أنه كان نبيًّا، ثمّ غلا فيه حتّى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قومًا من غواة الكوفة، ورفع خبرهم إلى علي -﵁- فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين. الإسفراييني: الفرق بين الفرق ١/ ٢٢٣.
(٢) الفرق بين الفرق ١/ ٣٤.
(٣) الصحيح ٤/ ١٩٧١.
(٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٧/ ٥٨٩.
(٥) البداية والنهاية ٩/ ١٥٣.
[ ٣٥٠ ]
وقال ابن تيمية: (وأمّا الشّيعة فكثيرٌ منهم يعترفون بأنّهم إنّما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام ومعاداة النّبيّ -ﷺ-، كما يعرف ذلك من خطاب الباطنيّة وأمثالهم من الدّاخلين في الشّيعة، فإنّهم يعترفون بأنّهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام، وإنّما يتظاهرون بالتّشيّع لقلّة عقل الشّيعة وجهلهم، ليتوسّلوا بهم إلى أغراضهم، وأوّل هؤلاء - بل خيارهم - هو المختار بن أبي عبيدٍ الكذّاب، فإنّه أمير الشيعة، وقتل عبيد الله بن زياد، وأظهر الانتصار للحسين، وتقرب بذلك لمحمد ابن الحنفية وأهل بيت ..).
(ومن المعلوم أنّ عمر بن سعدٍ أمير السّريّة الّتي قتلت الحسين، مع ظلمه وتقديمه الدّنيا على الدّين، لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيدٍ الّذي أظهر الانتصار للحسين وقتل قاتله، بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبًا من عمر بن سعدٍ، فهذا الشّيعيّ شرٌّ من ذلك النّاصبيّ، بل والحجّاج بن يوسف خيرٌ من المختار بن أبي عبيدٍ، فإنّ الحجّاج كان مبيرًا كما سمّاه النّبيّ -ﷺ- يسفك الدّماء بغير حقٍّ، والمختار كان كذّابًا يدّعي النّبوّة وإتيان جبريل إليه، وهذا الذّنب أعظم من قتل النّفوس، فإنّ هذا كفرٌ، وإن كان لم يتب منه كان مرتدًّا، والفتنة أعظم من القتل) (^١).
* دخول إبراهيم بن الأشتر في أمر المختار:
[١٥٤]- (فلم يزل كذلك حتى قال له نصحاؤه: عليك بإبراهيم بن الأشتر (^٢)، فاستمله إليك، فإنه متى شايعك على أمر ظفرت به، وقضيت حاجتك.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٢/ ٦٨.
(٢) إبراهيم بن الأشتر بن مالك بن الحارث النخعي، أحد الأبطال الأشراف، كان شيعيًّا فاضلًا، وهو الذي قتل عبيد الله بن زياد في وقعة الخازر، ثم كان من أمراء مصعب بن الزبير، وقتل مع مصعب سنة اثنين وسبعين. الذهبي: السير ٤/ ٣٥.
[ ٣٥١ ]
فأرسل المختار إلى جماعة من أصحابه، فدخلوا عليه، وبيده صحيفة مختومة بالرصاص.
فقال الشعبي (^١): وكنت فيمن دخل عليه، فرأيت الرصاص أبيض يلوح، فظننت أنه إنما ختم من الليل، فقال لنا: انطلقوا بنا حتى نأتي إبراهيم بن الأشتر.
قال: فمضينا معه، وكنت أنا ويزيد بن أنس الأسدي (^٢)، وأحمر بن سليط (^٣)، وعبد الله بن كامل (^٤)، وأبو عمرة كيسان (^٥)، مولى بجيله، الذي يقول الناس: قد جاوره أبو عمرة، وكان من بعد ذلك على شرط المختار.
قال الشعبي: فأتينا إبراهيم بن الأشتر، وهو جالس في صحن داره، فسلمنا عليه، فتناول يد المختار، وأجلسه معه على مقعدة كان عليها.
_________________
(١) عامر بن شراحيل بن عبدٍ، وقيل: ابن عبد ذي قباز، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل، أبو عمرو الشعبي، كوفي من شعب همدان، كان ثقة حافظًا فقيهًا فاضلًا، ولد في خلافة عمر، روى عن كثير من الصحابة، خرج إلى المدائن خوفًا من المختار ثم رجع إلى الكوفة، وجهه عبد الملك في رسالة إلى ملك الروم فأعجب به، مات الشعبي سنة ١٠٥ وقيل: ١٠٦ هـ. الخطيب: تاريخ بغداد ١٢/ ٢٢٢. ابن حجر: التقريب ٢٨٧.
(٢) يزيد بن أنس المالكي الأسدي، قائد من الشجعان، وهو من أصحاب المختار، وقد خرج معه على بني أمية مطالبًا بدم الحسين -﵁- وقد أرسله إلى الموصل، فأرسل له عبيد الله بن زياد جيشًا فهزمه يزيد ومات بعد هذه الحادثة. الزركلي: الأعلام ٨/ ١٧٩.
(٣) والصحيح من اسمه أحمر بن (شميط) بدل (سليط) البجلي، أحد القادة من أصحاب المختار، شهد وقائع مع المختار وبني أمية، ثم التقى بجيش أمام مصعب بن الزبير فقتل وتفرق جيشه. الزركلي: الأعلام ١/ ٢٧٦.
(٤) عبد الله بن كامل الشاكري من همدان، صاحب شرطة المختار، شهد معه وقائعه ثم قتل في حروبه مع المصعب. البلاذري: الأنساب ٦/ ٣٩٥، ٤٣٠.
(٥) كيسان أبو عمرة من الموالي، وهو مولى عرينة، كان على حرس المختار، وهو صاحب الكيسانية بعثه المختار لقتل عمر بن سعد فقتله، وكان رئيس الموالي وإليه يشكون أمرهم، وهو صاحب سر المختار وأمره. البلاذري: الأنساب ٦/ ٣٩٥، ٤٠٦، الطبري: التاريخ ٦/ ٣٣، ٩٦.
[ ٣٥٢ ]
وتكلم المختار وكان مفوها، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي -ﷺ-، ثم قال: إن الله قد أكرمك، وأكرم أباك من قبلك بموالاة بني هاشم ونصرتهم، ومعرفة فضلهم، وما أوجب الله من حقهم، وقد كتب إليك محمد بن علي بن أبي طالب يعني ابن الحنفية هذا الكتاب بحضرة هؤلاء النفر الذين معي.
فقال القوم جميعًا: نشهد أن هذا كتابه، رأيناه حين كتبه.
ثم ناوله، ففتحه وقرأه، فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي إلى إبراهيم الأشتر، أما بعد، فإن المختار بن أبي عبيد على الطلب بدم الحسين، فساعده في ذلك، وآزره يثبك الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.
فلما قرأ إبراهيم بن الأشتر الكتاب قال للمختار: سمعًا وطاعة لمحمد بن علي، فقل ما بدا لك، وادعُ إلى ما شئت، فقال المختار: أتأتينا، أو نأتيك في أمرنا؟ فقال إبراهيم: بل أنا آتيك كل يوم إلى منزلك.
قال الشعبي: فكان إبراهيم بن الأشتر يركب إلى المختار في كل يوم في نفر من مواليه وخدمه.
قال الشعبي: ودخلتني وحشة من شهادة النفر الذين كانوا معي، على أنهم رأوا محمد ابن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب إلى إبراهيم بن الأشتر، فأتيتهم في منزلهم رجلًا رجلًا، فقلت: هل رأيت محمد ابن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب؟ فكل يقول: نعم، وما أنكرت من ذلك؟.
فقلت في نفسي: إن لم أستعلمها من العجمي، يعني أبا عمرة، لم أطمع فيها من غيره.
فأتيته في منزله، فقلت: ما أخوفني من عاقبه أمرنا هذا أن ينصب الناس جميعًا لنا، فهل شهدت محمد ابن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب؟.
[ ٣٥٣ ]
فقال: والله ما شهدته حين كتبه، غير أن أبا إسحاق يعني المختار عندنا ثقة، وقد أتانا بعلامات من ابن الحنفية، فصدقناه.
قال الشعبي: فعرفت عند ذلك كذب المختار، وتمويهه، فخرجت من الكوفة حتى لحقت بالحجاز، فلم أشهد من تلك المشاهد شيئًا) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢) دون ذكر للشعبي، وأما البلاذري (^٣) فذكر أن الشعبي حضر مع المختار لضم ابن الأشتر ولم يذكر أنه شهد بشيء، والخبر غير مسند، والطبري (^٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية بدأ المختار يستميل كبار القادة والأشراف وذلك بادعائه أنه مرسل من عند محمد ابن الحنفية، ومن هؤلاء القادة إبراهيم بن الأشتر، والذي استماله بطريقة دنيئة وهي عن طريق كتاب وضعه على لسان محمد ابن الحنفية، وأن الشعبي حضر معهم ولم يشهد، ثم أخذ يسأل الذين شهدوا على صدق المختار فأخبروه أن شهادتهم للمختار كانت لصدقه، ولكن هذا الخبر ناقص، وتمامه ما رواه الطبري (^٥) من طريق أبي مخنف، وفيها أن الشعبي حضر هو وأبوه مع المختار حينما أراد تقديم الكتاب المزعوم من قبل المختار على لسان محمد ابن الحنفية، ولم يشهد هو وأبوه مع النفر؛ ولكنه أقر بصدقهم عندما سأله ابن الأشتر، وهذه الرواية لم تأتِ من طريق صحيح عن الشعبي، وأما متنها فمنكر فكيف يسع الشعبي أن يحضر مع المختار هو وأبوه ولا
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٨٨، ٢٨٩.
(٢) الطبقات ٥/ ٩٨.
(٣) الأنساب ٦/ ٣٨٥.
(٤) التاريخ ٦/ ١٥.
(٥) التاريخ ٦/ ١٥.
[ ٣٥٤ ]
يشهدوا بشهادة الحضور.
ومما سبق نقول: إنه لا يوجد خبر صحيح يمكن الاعتماد عليه، يثبت علاقة الشعبي بالمختار، بل قد رُوِيَ أن الشعبي خرج من الكوفة زمن فتنة المختار إلى البصرة ومن ذلك: أن له أخبارًا مع الأحنف بن قيس، وهو متزامن مع خروج المختار فقد قال الشعبي: (فاخرتُ أهل البصرة فغلبتهم بأهل الكوفة والأحنف ساكتٌ لا يتكلّم، فلمّا رآني غلبتهم أرسل غلامًا له فجاء بكتابٍ، فقال: هاك اقرأ. فقرأته فإذا فيه من المختار إليه يذكر أنّه نبيٌّ. قال فيقول الأحنف: أنّى فينا مثل هذا) (^١)، ثم إنه خرج إلى المدينة فقد رواه ابن سعد بسنده عن الشعبي أنه قال: (أقمت بالمدينة مع عبد الله بن عمر ثمانية أشهرٍ أو عشرة أشهرٍ) (^٢)، قال محمّد بن سعدٍ: (وكان سبب مقامه بالمدينة أنّه خاف من المختار فهرب منه إلى المدينة فأقام بها) (^٣)، وذكر أبو عبد الله الحاكم أن الشعبي أقام بالمدينة ثمانية أشهر هاربًا من المختار (^٤). وهذا يثبت أن الشعبي لم يكن يخفى عليه فساد المختار، فخافه وخرج من العراق إلى المدينة.
_________________
(١) الفسوي: المعرفة والتاريخ ٢/ ٣٢.
(٢) الطبقات. ٦/ ٢٤٨.
(٣) المصدر السابق ٦/ ٢٤٨.
(٤) الذهبي: السير ٤/ ٢٩٧.
[ ٣٥٥ ]