[٩٥]- (وإن ابن الزبير أمر بطرد عمال يزيد من مكة والمدينة، وارتحل مروان من المدينة بولده وأهل بيته حتى لحق بالشام.
ولما انتهى إلى يزيد بن معاوية مبايعة أهل تهامة والحجاز لعبد الله بن الزبير ندب له الحصين بن نمير السكوني، وحبيش بن دلجة القينى (^١)، وروح ابن زنباع الجذامي (^٢)، وضم إلى كل واحد منهما جيشًا، واستعمل عليهم جميعًا مسلم بن عقبة المري، وجعله أمير الأمراء) (^٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٤).
• نقد النص:
ورد في هذه الرواية أن عبد الله بن الزبير -﵁- أمر بطرد عمال يزيد من المدينة؛ مما يعني أن أهل المدينة خلعوا يزيد بسبب طلب ابن الزبير -﵁- لهم، وذكره البلاذري روايتين عن الواقدي وهو ضعيف، ولا يستبعد أن يكون أهل المدينة تأثروا بموقف عبد الله بن الزبير -﵁- من عدم بيعة يزيد، ولكن هذا ليس من طريق مباشر؛ لأنني لم أقف على من أورده بسند صحيح.
_________________
(١) حبيش بن دلجة القيني، أحد وجوه أهل الشام من أهل الأردن، وشهد صفين مع معاوية، وكان على قضاعة الأردن يومئذ، وولاه يزيد بن معاوية على أهل الأردن يوم وجههم إلى الحرة، وكان أمير الجيش الذي وجهه مروان إلى عبد الله بن الزبير -﵁- فقتل في الربذة. ابن عساكر: ١٢/ ٨٦.
(٢) روح بن زنباع بن سلامة بن روح الجذامي، أبو زرعة، له إدراك، ولا تصح له صحبة، سيد شريف، ولي جند فلسطين ليزيد بن معاوية، وكان بمنزلة الوزير من عبد الملك بن مروان، كان إذا خرج من الحمام أعتق رقبة، توفي سنة أربع وثمانين للهجرة. الذهبي: السير ٤/ ٢٥٠. ابن حجر: الإصابة ٢/ ٤١٩.
(٣) الأخبار الطوال ٢٦٤.
(٤) الأنساب ٥/ ٣١٩، ٥/ ٣٢٧.
[ ٢٣٤ ]
ثم ذكرت أن عبد الله بن الزبير -﵁- حينما رفض بيعة يزيد، دعا إلى بيعته، وطرد عمال يزيد من مكة والمدينة، فأما دعوة عبد الله بن الزبير -﵁- للبيعة فهذا الأمر لم يحصل إلا بعد وفاة يزيد بن معاوية، وأما طرد عمال يزيد فلم يحصل إلا من أهل المدينة، وليس لعبد الله بن الزبير -﵁- علاقة بذلك، ولعل صاحب الكتاب ذكر ذلك وجعله سببًا لإرسال يزيد جيشًا من الشام إلى أهل المدينة وإلى ابن الزبير -﵁- في مكة، وهذا مخالف لما جاء في سبب موقعة الحرة في المصادر الأخرى.
- فقد ذكر خليفة بن خياط (^١) والطبري (^٢) من طريق جويرية بن أسماء، قال: سمعت أشياخًا من أهل المدينة، ثم ذكر السبب في خلع أهل المدينة ليزيد، وهو أنه ممن وفد على يزيد من أهل المدينة عبد الله بن حنظلة (^٣)، ومعه ثمانية من البنين فأكرمهم وأوصلهم، فلما رجع إلى المدينة سبَّه وخلعه، وأما قول جويرية بن أسماء سمعت أشياخًا من أهل المدينة فهذا فيه مجاهيل.
أما متنها فالملاحظ عليها أنها لم تذكر السبب في خلع عبد الله بن مطيع ليزيد، ولا يعقل أن يخلعه بدون سبب، فيصبح الخبر الذي في هذه الرواية ناقصًا يحتاج إلى مزيد بيان، ولعله حُذِف لبشاعته، وقد جاء السبب برواية أخرى عند الطبري (^٤) من طريق أبي مخنف، وقد زاد في عدد الوفد وذكر بينهم عبد الله بن حنظلة، ثم ذكر أن سبب خلع أعضاء الوفد ليزيد، فقال: (فلما قدم أولئك النفر
_________________
(١) التاريخ ٢٣٧.
(٢) التاريخ ٥/ ٤٩٥.
(٣) عبد الله بن حنظلة الغسيل بن أبي عامر الأوسي الأنصاري، من صغار الصحابة، كان أمير الأنصار يوم الحرة وقتل فيها. الذهبي: السير ٣/ ٣٢١.
(٤) التاريخ ٥/ ٤٨٠.
[ ٢٣٥ ]
الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعتبة، وقالوا: إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس) (^١)، ولا يمكن قبول هذه الرواية لضعف سندها؛ لأنها من طريق أبي مخنف، ونكارة متنها، وهو ذكره هذه الأفعال المشينة عن يزيد.
- وذكر خليفة بن خياط عن أبي اليقظان (^٢): أنهم دعوا إلى الرضا والشورى (^٣)، ومع أن هذا الخبر لم يأت من طريق صحيح ولكنه وافق دعوة عبد الله بن الزبير -﵁-.
- في سنة ثلاث وستين عَزَلَ يزيد بن معاوية والي المدينة الوليد بن عتبة، وهو الشخص المجرب الذي استطاع أن يمسك بزمام الأمور في المدينة التي تتوسط الأحداث المتوترة بين الشام ومكة، وولَّى عثمان بن محمد بن
أبي سفيان (^٤) (^٥)، وهو كما ذُكِرَ عنه أنه حَدَثٌ لم يجرب الأمور، ولم يكن له رأي، فاستضعفه أهل المدينة وأخرجوه ومن معه من بني أمية بعد أن خلعوا يزيد (^٦).
وقد تبين مما سبق أن سبب موقعة الحرة هو خلع يزيد بن معاوية من قبل أهل المدينة، ولكن لم يرد سببٌ واضحٌ لذلك الخلع، وقد استنبطت بعض
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٥/ ٤٨٠.
(٢) عثمان بن عمير، وقيل عثمان بن أبي حميد البجلي، الكوفي الأعمى ضعيف، واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع من السادسة مات في حدود ١٥٠ هـ. ابن حجر: التقريب ٣٨٦.
(٣) التاريخ ٢٣٧.
(٤) عثمان بن محمد بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي، ولي المدينة ليزيد بن معاوية، وأقام الحج سنة ثلاث وستين، ثم هاجت الفتنة في المدينة فأخرجه أهل المدينة ومن معه من بني أمية. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٤٠/ ٢٤.
(٥) التاريخ ٢٥٤.
(٦) الطبري: التاريخ ٥/ ٤٨٢.
[ ٢٣٦ ]
الأسباب لذلك، منها:
- موقف عبد الله بن الزبير -﵁- من بيعة يزيد بن معاوية، والذي كاد أن يُبَايَع لولا الخلاف الذي حدث بينهما، ومطالبته بعودة الأمر إلى الشورى، مما جعل يزيد يرسل له الرسل لكي يردوه عن رأيه، فلما فشلت تلك الرسل، اضطر لإرسال قوة تنطلق من المدينة لمحاربته (^١)، ففشلت تلك القوة أيضًا، فعَظُمَ أمر عبد الله بن الزبير -﵁-، وأهل المدينة يراقبون تلك الأحداث، ويرون كيف صمد عبد الله بن الزبير -﵁- على موقفه، فلم يكن ذلك صعبًا عندهم أن يفعلوا مثله، وهم يرون رأيه؛ لأن دعواهم واحدة وهي الشورى في الخلافة، فقد روى البلاذري (^٢) عن المدائني أنه قال: (كتب يزيد إلى ابن الزّبير يدعوه إلى بيعته فكتب ابن الزّبير يدعوه إلى الشورى).
- استضعف أهل المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، مما أدى بهم إلى طرده وخلع يزيد.
[٩٦]- (وشيعتهم حتى بلغ ماء، يقال له وبره (^٣)، وهي أقرب مياه الشام إلى الحجاز. فلما ودعهم قال: يا مسلم، لا تردن أهل الشام عن شيء يريدونه بِعَدُوِّهم، واجعل طريقك إلى المدينة، فإن حاربوك فحاربهم، فإن ظفرت بهم، فانهبها ثلاثة أيام، ثم أنشأ يقول (^٤):
أبلغ أبا بكر إذا الخيل انبرى … وسارت الخيل إلى وادي القرى
_________________
(١) راجع نقد الرواية (٩٤).
(٢) الأنساب ٥/ ٣٠٣.
(٣) وبرة: اسم قرية على عين ماء تخرّ من جبل آرة، وهي قرية ذات نخيل من أعراض المدينة. الحموي: معجم البلدان ٥/ ٣٥٩.
(٤) وادي القرى: وهو وادٍ بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى. الحموي: البلدان ٥/ ٣٤١.
[ ٢٣٧ ]
أجمع سكران من الخمر ترى (^١) وذلك أن ابن الزبير كان يسمى يزيد السكران) (^٢).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٣) مختصرًا، وخليفة بن خياط (^٤) مختصرًا، والبلاذري (^٥) والطبري (^٦) مطولًا.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن يزيد وصى مسلم بن عقبة ألا يَرُد أهل الشام عما يريدونه بأهل المدينة، وهذا بمثابة إذن منه له بالفساد والنهب، كما جاء في بعض الروايات التي تذكر أن يزيد أمر مسلم بن عقبة أن ينهب المدينة ثلاثة أيام، وكل هذا لم يرد بشيء صحيح (^٧).
وقال البرزنجي (^٨): (إلا أننا لم نجد رواية تاريخية صحيحة تؤكد أن يزيد بن معاوية أمر باستحلال المدينة لثلاثة أيام، أو أن جيش الشام استحل المدينة لثلاثة أيام، ولعل الجيش استحل المدينة لثلاثة أيام كتصرف فردي من قائد الجيش، ولا نستطيع أن نثبت هذا الاستحلال) (^٩).
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٢٢.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦٤، ٢٦٥.
(٣) الطبقات ٢/ ٦٤ (تحقيق د. محمد السلمي).
(٤) التاريخ ٢٣٧.
(٥) الأنساب ٥/ ٣٢١.
(٦) التاريخ ٥/ ٤٨٢.
(٧) ابن سعد: الطبقات ٢/ ٦٤ (ت د. محمد السلمي). بإسناد جمعي قال عنه المحقق ضعيف. وذكرها الطبري ٥/ ٤٨٤، من طريق أبي مخنف، وابن عساكر ٢٤/ ٤٣٤، وابن كثير في البداية والنهاية ٧/ ٣٢٩، من طريق المدائني ولم يذكر بقية السند.
(٨) لم أقف على ترجمة له.
(٩) صحيح وضعيف تاريخ الطبري ٤/ ٨٦.
[ ٢٣٨ ]
وأما تمثل يزيد في هذه الأبيات والتي تتضمن ردًّا منه على أبي بكر وهو عبد الله بن الزبير -﵁- الذي تقول هذه الرواية أنه اتهمه بشرب الخمر، وهذه الأبيات لم ترد بسند صحيح (^١)، ولو ثبت أن يزيد قال ذلك لثبتت تهمته بشرب الخمر.
ثم إنه ورد ما يخالف ذلك وهي أبيات من الشعر ليزيد خالية من ذكر الخمر، وذلك في ما رواه البلاذري أن يزيد لَمَّا عرض جنده كتب إلى عبد الله بن الزبير -﵁- رقعة لطيفة أفرد بها رسولًا، ويقال: إنه لم يكتب ولكنه قال قولًا ظاهرًا:
أجمع رجال الأبطحين فإنني … أدعو إليك رجال عكّ وأشعر
ورجال كلب والسكون ولخمها … وجذام تقدمها كتائب حمير
كيف النجاء أبا خبيبٍ منهم … فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر (^٢)
وهناك أمر يجب أن نتطرق له، وهو ما ردة فعل يزيد حينما خلعه أهل
_________________
(١) خليفة بن خياط: التاريخ ٢٣٧، عن وهب بن جرير عن أبيه ولم يذكر بقية السند، والطبري: التاريخ ٥/ ٤٨٤، جاءت عنده مسندة من طريق أبي مخنف. ابن عسكر: تاريخ دمشق ٢٤/ ٤٧٩ عن المدائني ولم يذكر بقية السند، وعنده أيضًا ٢٧/ ١٨ من طريق ابن عفير عن ابن فليح يحيى بن فليح بن سليمان، قال ابن حزم: مجهول. وقال مرة: ليس بالقوي. ابن حجر: لسان الميزان ٨/ ٤٧١ ..
(٢) أوردها البلاذري ٥/ ٣٢٢، وكان البيت الأول منها: استعد ربك في السماء فإنني … أدعو إليك رجال عك واشعر وحتى هذا الأبيات لم تسلم من إلصاق التهم، ففي البيت السابق مخالفة عقدية لا تصح عن يزيد، لأن معناه أنت يا أبا خبيب استعد بربك وأنا استعد برجال، وقد ذكر البلاذري رواية أخرى في البيت الأول عن الشاميين وذلك من قول يزيد (أجمع)، وهو المذكور في مطلع القصيدة السابقة، وهو ما اخترته ليكون في مطلعها، لعدم المخالفة؛ ولأنهم أقرب للحدث من غيرهم.
[ ٢٣٩ ]
المدينة وطردوا عامله؟ وهل قرر معاقبتهم دونما تعقل، أم حاول احتواء الموقف؟.
الجواب: بعد ما وصل إلى يزيد بن معاوية خلع أهل المدينة لبيعته، حاول رد أهل المدينة لبيعته بالطرق السلمية ومن ذلك:
- بعث إليهم النعمان بن بشير -﵁-، فقد ذكر البلاذري: (وبعث يزيد إلى النعمان بن بشير فقال له: إن عدد الناس بالمدينة الأنصار وهم قومك، فأتهم فأفثأهم (^١) عما يريدون، فصار النعمان إلى قومه فاستنهاهم من أنفسهم، وحذرهم جنود أهل الشام، ورغبهم في بيعة يزيد) (^٢).
- قبل شفاعة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -﵁- فيهم، فقد روى ابن سعد بسنده فقال: (ولما بلغ يزيد بن معاوية وثوب أهل المدينة وإخراجهم عامله وأهل بيته عنها، وجه إليهم مسلم بن عقبة المري، وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة، كانت به النوطة (^٣)، فوجهه في جيش كثيف، فكلمه عبد الله بن جعفر في أهل المدينة، وقال: إنما تقتل بهم نفسك، فقال: أجل أقتل بهم نفسي، وأشفي نفسي، ولك عندي واحدة، أمر مسلم بن عقبة أن يتخذ المدينة طريقًا، فإن هم تركوه، ولم يعرضوا له، ولم ينصبوا الحرب تركهم، ومضى إلى ابن الزبير فقاتله، وإن هم منعوه أن يدخلها ونصبوا له الحرب، بدأ بهم، فناجزهم القتال، فإن ظفر بهم قتل من أشرف له) (^٤).
_________________
(١) فثأ: يدل على تسكين شيء يغلي ويفور، يقال فثات القدر: سكنت من غليانها. القزويني: مقاييس اللغة ٤/ ٤٧٥.
(٢) الأنساب ٥/ ٣٢١. ونحوًا منه الطبري: التاريخ ٥/ ٤٨١.
(٣) النوطة: وهي الحوصلة وورم في الصدر أو النحر أو غدة في البطن مهلكة. الزبيدي: تاج العروس ٢٠/ ١٥٨.
(٤) الطبقات ٢/ ٦٤ (ت د. محمد السلمي).
[ ٢٤٠ ]
[٩٧]- (ولما بلغ أهل المدينة وصول الجيش تأهبوا للحرب، فوَلَّتْ قريش عليها عبد الله بن مطيع العدوى، ووَلَّتِ الأنصار عليها عبد الله بن حنظلة الراهب وهو غسيل الملائكة، ثم خرجوا إلى الحرة، فعسكروا بها) (^١).
وذكر خليفة بن خياط (^٢) والبلاذري (^٣) والطبري (^٤) أن على قريش عبد الله بن مطيع العدوي، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة وعلى المهاجرين معقل بن سنان (^٥).
وعند ابن سعد (^٦) أن أميرهم كان عبد الله بن حنظلة.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن أمير الأنصار عبد الله بن حنظلة، ثم وصف أباه حنظلة (^٧) -﵁- (بالراهب)، وهذا وهم وغلط منه، فلم يكن له لقب إلا الغسيل؛ لأن الملائكة غسلته يوم أحد، وأما لقب الراهب فيطلق على أبيه واسم أبيه أبي عامر، عمرو بن صيفي (^٨).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٢٦٥.
(٢) التاريخ ٢٣٧.
(٣) الأنساب ٥/ ٣٢٤.
(٤) التاريخ ٥/ ٤٨٧.
(٥) معقل بن سنان الأشجعي، له صحبة ورواية، وهو حامل لواء أشجع يوم الفتح، كان من كبار أهل الحرة فأسر وقتل. الذهبي: السير ٢/ ٥٧٦.
(٦) الطبقات ٥/ ٦٦. البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٢٠. الطبري: التاريخ ٥/ ٤٨٧.
(٧) حنظلة بن أبي عامر الأوسي الأنصاري، المعروف بغسيل الملائكة، قتل يوم أحد، وأخبر النبي -ﷺ- أن الملائكة تغسله؛ لأنه خرج جُنبًا. ابن حجر: الإصابة ٢/ ١١٩.
(٨) وقيل: اسمه عبد عمرو بن صيفي، الأنصاري الأوسي، كان أبا عامر يعرف بالجاهلية بالراهب، ولما جاء الرسول -ﷺ- إلى المدينة خرج إلى مكة وقاتل مع قريش وسماه الرسول -ﷺ- الفاسق. ابن الأثير: أسد الغابة ٢/ ٨٥.
[ ٢٤١ ]
[٩٨]- (ففي ذلك يقول شاعرهم:
إن في الخندق المكلل بالمجد … لضربًا يفور بالسنوات (^١)
لست منا، وليس خالك منا … يا مضيع الصلاة للشهوات (^٢) (^٣)
ذكر نحوًا منها: ابن قتيبة (^٤)، والبلاذري (^٥).
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب هذه الأبيات وقال: إن شاعرهم يقصد أهل المدينة، ويعني بها يزيد بن معاوية، وفيها اتهام ليزيد بترك الصلاة وتتبع الشهوات، ولم أقف على خبر صحيح يفيد أن هذه الأبيات قيلت في يزيد بن معاوية، والطرق التي ذكرت أنها قيلت فيه، إما ضعيفة أو منقطعة (^٦)، أو أنها غير مسندة أصلًا، وهي واحدة من التهم التي ألصقت به، ولا تصح عنه.
وبعد ذلك نريد أن نعرف: هل يستحق يزيد الخلع من قبل أهل المدينة أم لا؟ وهل ما ينسب إليه من المنكرات صحيح؟.
_________________
(١) ذكره نحوه البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٢٤.
(٢) اختلف في من قال هذه البيت، فذكر ابن قتيبة في المعارف ٢٤٦، والبلاذري في الأنساب ١٠/ ٤٧٣ أنها لمحمد بن عبد الله بن سعيد من ولد سعيد بن زيد -﵁-، وذكر البلاذري في الأنساب ٢/ ٥٦ أنه لموسى شهوات، وأما الذهبي في تاريخ الإسلام ٥/ ٢٧٢ فذكر أنه لعبد الرحمن بن سعيد بن زيد.
(٣) الأخبار الطوال ٢٦٥.
(٤) المعارف ٢٤٦.
(٥) الأنساب ٥/ ٣٢٥ من طريق المدائني ولم يذكر بقية السند، أنه سمع من يذكر أن أهل المدينة كتبوا بهذه الأبيات إلى يزيد، وهي عنده أربعة أبيات.
(٦) ذكرها البلاذري في الأنساب ٢/ ٥٦ من طريق هشام الكلبي وهو ضعيف، أن هذه الأبيات لموسى وقد قالها في يزيد. وفي ١٠/ ٤٧٣، من طريق أبو اليقظان عثمان بن عمير الكوفي، وهو ضعيف، والذهبي: تاريخ الإسلام ٥/ ٢٧٣ من طريق الزبير بن بكار عن مصعب بن عبد الله عن أبيه، ومحمد بن الضحاك، ولم يذكر بقية السند.
[ ٢٤٢ ]
والجواب على ذلك أقول: إن خير شاهد على عدم تصويب أهل المدينة في خلعهم ليزيد هو ما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر -﵁- الذي دافع عن بيعة يزيد وحذر من خلعه ومن ذلك:
ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيعٍ حين كان من أمر الحرّة ما كان، زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرّحمن وسادةً، فقال: إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثًا سمعت رسول الله -ﷺ- يقوله: «من خلع يدًا من طاعةٍ، لقي الله يوم القيامة لا حجّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ، مات ميتةً جاهليّةً» (^١).
وما أخرجه البخاري عن نافع أيضًا أنه قال: (لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر، حشمه وولده، فقال: إنّي سمعت النّبيّ -ﷺ- يقول: «ينصب لكلّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة» وإنّا قد بايعنا هذا الرّجل على بيع اللّه ورسوله، وإنّي لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع اللّه ورسوله ثمّ ينصب له القتال، وإنّي لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر، إلّا كانت الفيصل بيني وبينه) (^٢).
رأينا في هذين الخبرين الصحيحين كيف أن عبد الله بن عمر -﵁- وقف وقفة حازمة للدفاع عن بيعة يزيد، وأنه نهى من حوله عن ذلك، وذكَّرَهم بالوعيد المترتب على خلع البيعة دونما سبب يذكر ولو كان هنا سبب لجادله به عبد الله بن مطيع -﵁- ولكن لا شيء يذكر أنها الفتنة.
أما ما ينسب إلى يزيد بن معاوية من المنكرات والتي جعلت سببًا لخلعه، فقد قمت بحصر ما استطعت من النصوص لأعرف أصول الخبر
_________________
(١) الصحيح ٣/ ١٤٧٨.
(٢) الصحيح ٩/ ٥٧.
[ ٢٤٣ ]
وطرقه، فمن هذه النصوص التي أوردت هذا الخبر ما يلي:
- روى الأزرقي بسنده عن ابن جريجٍ (^١)، قال: سمعت غير واحدٍ من
أهل العلم ممّن حضر ابن الزّبير حين هدم الكعبة وبناها قالوا: لمّا أبطأ عبد الله بن الزّبير عن بيعة يزيد بن معاوية، وتخلّف وخشي منهم، لحق بمكّة ليمتنع بالحرم، وجمع مواليه، وجعل يظهر عيب يزيد بن معاوية ويشتمه، ويذكر شربه الخمر وغير ذلك، ويثبّط النّاس عنه، ويجتمع النّاس إليه، فيقوم فيهم بين الأيّام فيذكر مساوئ بني أميّة، فيطنب في ذلك، فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فأقسم ألَّا يؤتى به إلّا مغلولًا) (^٢)، وفي قوله عن غير واحد من أهل العلم: فيه مجاهيل.
- عن الهيثم بن عدي (^٣)، عن ابن عياش (^٤) وعوانة (^٥)، وعن هشام بن الكلبي، عن أبيه (^٦) وأبي مخنف وغيرهما، قالوا: (كان يزيد بن معاوية أول من أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد واتخاذ القيان والغلمان والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعاقرة بالكلاب والديكة ثم جرى على يده قتل الحسين وقتل أهل الحرة ورمي البيت وإحراقه، وكان مع هذا صحيح
_________________
(١) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، من السادسة، مات سنة ١٥٠ هـ أو بعدها وقد جاز السبعين وقيل: جاز المائة، ولم يثبت. ابن حجر: التقريب ٣٦٣.
(٢) أخبار مكة ١/ ٢٠١.
(٣) ضعيف سبقت ترجمته.
(٤) عبد الله بن عياش الهمداني، كان راوية للأخبار والأدب، ويقع في أخباره المناكير، ابن حجر: لسان الميزان، ت: أبو غدة ٤/ ٥٣٧.
(٥) ضعيف سبقت ترجمته.
(٦) وهما ضعيفان سبقت ترجمتهما.
[ ٢٤٤ ]
العقدة فيما يرى، ماضي العزيمة لا يهم بشيء إلا ركبه) (^١)، وبهذا السند الجمعي لا يصح هذا الخبر؛ لأن كل ما فيه من الرجال ضعاف.
- عن ابن عياش قال: (خرج يزيد يتصيد بحوارين وهو سكران) (^٢)، وابن عياش يقع في أخباره المناكير.
- قال عوانة: (كان مسور بن مخرمة وفد إلى يزيد قبل ولاية عثمان بن محمد، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر، فكتب إلى يزيد بذلك، فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسورًا الحدّ) (^٣).
- روى الهيثم بن عدي عن عوانة قال: أتى محمد بن أبي الجهم (^٤)، فقال له: أبايعك على كتاب اللّه وسنة نبيه، فأمر فضربت عنقه، وقال: حباك أمير المؤمنين وأعطاك ثم تشهد عليه بشرب الخمر؟! واللّه لا تشهد بعدها بشهادة زور أبدًا …) (^٥)، وسند هذا الخبر ضعيف.
- روى الطبري (^٦) عن أبي مخنف، وفيه حديث وفد المدينة عند عودتهم من يزيد، حيث قالوا: (إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس).
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٥/ ٢٨٦.
(٢) المصدر السابق ٥/ ٢٨٧.
(٣) المصدر السابق ٥/ ٣٢٠.
(٤) محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، أمه خولة بنت القعقاع التميمية، ولد في عهد النبي -ﷺ-، ذكره ابن سعد من الطبقة الأولى من أهل المدينة، وهو أحد الرءوس يوم الحرة، قتله مسلم بن عقبة فيها سنة ثلاث وستين. ابن سعد ٥/ ١٧١، ابن حجر: الإصابة ٦/ ١٩٥.
(٥) البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٢٩، وأخرجه ابن عساكر ٥٤/ ١٨٠ من نفس الطريق وزاد عن عوانة وعكرمة بن خالد، وعكرمة بن خالد بن سلمة المخزومي، ضعيف. ابن حجر: التقريب ٣٩٦.
(٦) التاريخ ٥/ ٤٧٩.
[ ٢٤٥ ]
وما ذكره أبي مخنف أيضًا عن المنذر بن الزبير أنه قال عن يزيد: (إن يزيد واللّه لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إليَّ أن أخبركم خبره، وأصدقكم عنه، واللّه إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتّى يدع الصّلاة، وعابه بمثل ما عابه به أصحابه الّذين كانوا معه وأشد، فكان سعيد بن عمرو يحدث بالكوفة أن يزيد بن معاوية بلغه قوله فيه فقال: اللّهمّ إني آثرته وأكرمته، ففعل ما قد رأيت، فاذكره بالكذب والقطيعة) (^١)، وأبي مخنف ضعيف.
- وأخرج البيهقي (^٢) بسنده عن ابن فليحٍ: (أنّ أبا عمرو بن حفص بن المغيرة (^٣) وفد على يزيد فأكرمه وأحسن جائزته، فلمّا قدم المدينة قام إلى جنب المنبر- وكان مُرْضيًّا صالحًا- فقال: ألم أحبّ أن أكرم، والله لرأيت يزيد بن معاوية يترك الصّلاة سكرًا فأجمع النّاس على خلعانه بالمدينة فخلعوه)، وابن فليح قال عنه ابن حجر: ليس بالقوي، وقال مرة: مجهول (^٤).
وذكر الطبري (^٥) رواية نحوًا منها عن أبي مخنف، أن أمير المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، بعث وفدًا إلى يزيد فيهم عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة (^٦)، فلما رجعوا إلى المدينة، سبُّوه، وذكروا شربه للخمر.
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٢٠، الطبري: التاريخ ٥/ ٤٨٠.
(٢) دلائل النبوة ٦/ ٤٧٤. وابن عساكر: تاريخ دمشق ٢٧/ ١٨، من طريق يعقوب بن سفيان الفسوي.
(٣) أبا عمرو بن حفص بن المغيرة، قيل: إن اسمه أحمد، وقيل عبد الحميد خرج مع علي -﵁- إلى اليمن حينما أمره الرسول -ﷺ- عليها فمات هناك، وقيل: عاش إلى خلافة عمر. ابن حجر: الإصابة ١٢/ ٤٦٤.
(٤) يحيى بن فليح بن سليمان. ابن حجر: لسان الميزان ٨/ ٤٧١.
(٥) التاريخ ٥/ ٤٨٠.
(٦) عبد الله بن أحمد بن حفص بن المغيرة المخزومي، خرج مع أبيه بصحبة عمر -﵁- إلى الشام، وذكره خليفة بن خياط فيمن خلع يزيد، ثم ذكره في قتلى الحرة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٢٧/ ١٧.
[ ٢٤٦ ]
- ذكر خليفة بن خياط (^١) عن أبي اليقظان (^٢) وهو ضعيف، خبر وفادة عبدالله بن أبي عمرو على يزيد بن معاوية ومعه محمد بن عمرو بن حزم (^٣)، وأنهم لما رجعوا خلعوا يزيد وأظهروا شتمه والبراءة منه، ولم يأتي فيه ذكر للخمر، ولعله حذف لبشاعته.
- روى ابن سعد من طريق محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف: (كان معقل بن سنانٍ قد صحب النّبيّ -ﷺ-، وحمل لواء قومه يوم الفتح، وكان شابًّا ظريفًا، وبقي بعد ذلك، فبعثه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان على المدينة ببيعة يزيد بن معاوية، فقدم الشّام في وفدٍ من أهل المدينة، فاجتمع معقل بن سنانٍ ومسلم بن عقبة الّذي يعرف بمسرفٍ، قال: فقال معقل بن سنانٍ لمسرفٍ وقد كان آنسه وحادثه إلى أن ذكر معقل بن سنانٍ يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فقال: إنّي خرجت كرهًا ببيعة هذا الرّجل، وقد كان من القضاء والقدر خروجي إليه، رجلٌ يشرب الخمر وينكح الحرم، ثمّ نال منه، فلم يترك) (^٤).
- وروى الواقديّ بسنده: لمّا وثب أهل الحرّة، وأخرجوا بني أميّة عن المدينة، واجتمعوا على عبد الله بن حنظلة، وبايعهم على الموت قال: يا قوم اتّقوا الله، فو الله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرْمَى بالحجارة من السّماء،
_________________
(١) التاريخ ٢٣٦.
(٢) سبقت ترجمته.
(٣) محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ولد في السنة العاشرة من الهجرة، في نجران وكان أبوه عاملًا عليها، ليس له صحبة ولا رواية، كان على الخزرج يوم الحرة وقتل فيها. ابن حجر: الإصابة ٦/ ٢٠٠.
(٤) الطبقات ٤/ ٢٨٣، وجاءت هذه الرواية من طريق الواقدي عند أبي العرب في المحن ١٨٢، والحاكم في المستدرك ٣/ ٥٩٩، والذهبي في تاريخ الإسلام. تدمري ٥/ ٢٥٢، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٩٣/ ٣٦٣.
[ ٢٤٧ ]
إنّه رجلٌ ينكح أمّهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخلّ ويدع الصّلاة) (^١)، والواقدي ضعيف.
- وروى ابن عساكر بسند فيه محمد بن زكريا الغلابي (^٢) (كان يزيد بن معاوية في حداثته صاحب شراب يأخذ مآخذ الأحداث، فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه في رفق فقال: يا بني، ما أقدرك على أن تصير إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك، ثم قال يا بني، إني منشدك أبياتًا فتأدب بها واحفظها فأنشده:
انصب نهارًا في طلاب العلا … واصبر على هجر الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى بالدجى … واكتحلت بالغمض عين الرقيب
فباشر الليل بما تشتهي) (^٣).
ذكره ابن الجوزي (^٤) في الموضوعات وقال: (ذكر معاوية في هذا الحديث إنّما هو من قصده بالشّين وذلك من الغلابيّ فإنّه كان غاليًا في التّشيّع).
- وروى ابن عساكر بسنده عن عمر بن شبة (^٥) قال: (لما حج الناس في خلافة معاوية جلس يزيد بالمدينة على شراب فاستأذن عليه ابن عباس والحسين بن علي فأمر بشرابه فرُفِع) (^٦).
_________________
(١) الذهبي: تاريخ الإسلام ٥/ ٢٧.
(٢) محمد بن زكريا الغلابي، البصري الأخباري، ضعيف. ابن حجر: لسان الميزان ٧/ ١٣٩. الذهبي: المغني في الضعفاء ٢/ ٨٥١.
(٣) ابن عساكر: تاريخ دمشق ٦٥/ ٤٠٣، ابن الجوزي: الموضوعات ٣/ ٢٧٨. ابن كثير: البداية والنهاية ٨/ ٢٥٠.
(٤) الموضوعات ٣/ ٢٧٨.
(٥) عمر بن شبة صدوق، سبقت ترجمته.
(٦) ابن عساكر: تاريخ مشق ٦٥/ ٣٠٦.
[ ٢٤٨ ]
وهذه الرواية علق عليها ابن عساكر فقال: (هذه الحكاية منقطعة عمر بن شبة بينه وبين يزيد زمان) (^١).
- أما المدائني فقد روى أخبارًا عن اتهام يزيد بشرب الخمر، وهو ليس بالقوي وقل ما له من الروايات المسندة (^٢).
ومن رواياته:
- ذكر ابن الجوزي رواية عن المدائني (^٣) عن أشياخه، وفيها أن عبد الله بن عمرو بن حفص خلع يزيد بن معاوية مع أهل المدينة وقال: (قد خلعتُ يزيد كما خلعت عمامتي- ونزعها عن رأسه- وإني لا أقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكن عدو الله سِكِّير) (^٤).
وقوله عن أشياخه: فيه مجاهيل.
وما رواه خليفة بن خياط (^٥)، عن المدائني عن بقية بن عبد الرحمن عن أبيه (^٦)، أن يزيد بعث إلى عبد الله بن الزبير -﵁- ليبايعه (فقال ابن الزبير: أتأمراني ببيعة رجل يشرب الخمر ويدع الصّلاة ويتبع الصّيد).
- وعن المدائنيّ قال: كان يزيد ينادم على الشراب سرجون مولى معاوية (^٧).
_________________
(١) ابن عساكر: تاريخ دمشق ٦٥/ ٣٠٦.
(٢) راجع ترجمته، وقد اتهمه الجاحظ في كتابه البغال ص ٢٨ بوضع الأخبار والتشيع، قلت: والمتتبع لرواياته يجد ذلك بوضوح.
(٣) لم يوثق سبق ترجمته.
(٤) المنتظم ٦/ ١٢.
(٥) التاريخ ٢٥٢.
(٦) لم أقف على ترجمة لبقية بن عبد الرحمن ولا لأبيه وهذا السند انفرد به المدائني.
(٧) البلاذري: أنساب ٥/ ٢٨٨.
[ ٢٤٩ ]
- وقد ذكر الذهبي حديث نافع عن ابن عمر -﵁- الذي أخرجه مسلم (^١) كما سبق، والذي فيه نهيُّ ابن عمر -﵁- عن خلع يزيد، وقال: (وزاد فيه المدائنيّ، عن صخرٍ، عن نافعٍ: فمشى عبد الله بن مطيعٍ وأصحابه إلى محمّد ابن الحنفيّة، فأرادوه على خلع يزيد، فأبى، وقال ابن مطيعٍ: إنّ يزيد يشرب الخمر، ويترك الصّلاة، ويتعدّى حكم الكتاب، قال: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد أقمت عنده، فرأيته مواظبًا للصّلاة، متحريًّا للخير، يسأل عن الفقه، قال: كان ذلك منه تصنّعًا لك ورياءً) (^٢).
نلاحظ مما سبق قول الذهبي: (وزاد فيه المدائني) وهذه الزيادة التي جاء بها المدائني قد انفرد بها وهو غير موثوق ولم أقف على رواية للمدائني عن صخر إلا هذه، ولم أجد هذه الزيادة في جميع المصادر المتقدمة التي وقفت عليها، فيُحْتَملُ أنها أضيفت إلى كتب المدائني؛ لأنها تعارض روايات المدائني السابقة التي جاءت باتهام يزيد بن معاوية بشرب الخمر.
- بعد عرض النصوص السابقة التي ورد فيها مجموعة من التهم الموجهة إلى يزيد بن معاوية، والتي منها تركه للصلاة، وشربه للخمر، تبين أنها لم ترد بسند صحيح، فهي باطلة، ولم يصح عن يزيد شيء منها، ولم تكن هذه التهم سببًا لخلع أهل المدينة ليزيد، ولا سببًا لعدم بيعة عبد الله بن الزبير -﵁- له، وإنما جاءت متأخرة من فعل الرواة.
وهنا أمر يجب التنبه له، وهو أن معظم الروايات الواردة عن رجالات الحرة تُذْكَرُ أنهم زاروا الشام ثم رجعوا يشهدون على يزيد بشرب الخمر وترك الصلاة، وكأنهم شاهدوا شيئًا لا يعجبهم في يزيد، ثم رجعوا يشهدون بذلك
_________________
(١) الصحيح ٣/ ١٤٧٨.
(٢) تاريخ الإسلام ٥/ ٢٧٤، وابن كثير: البداية والنهاية ٨/ ٢٥٥.
[ ٢٥٠ ]
عليه، وهي روايات ضعيفة ذكرت أسماء معينة، نجد أنها اجتمعت في رءوس الحرة، وكأنهم لم يخلعوا يزيد إلا لأشياء شاهدوها أثناء زياراتهم للشام، فهم الوحيدون الذين رأوا ذلك وحكوه لغيرهم من أهل المدينة.
وهذا يجعلني أشكُ في وضع هذه الروايات بعد الحرة بزمن بعيد، وذلك بعد أن حُصِرتْ أسماء القائمين على أمر الحرة، ثم نُسِبَتْ إليهم زيارة الشام والرجوع بهذا الخبر المشين بيزيد لأهل المدينة.
وأضيف على ذلك أن في الشام رجالًا ثقات عدول من الصحابة، مقيمين حول يزيد من أمثال النعمان بن بشير -﵁- وعبد الله بن جعفر -﵁- وغيرهم، هل خفي عليهم أمر يزيد وظهر لغيرهم ممن زار الشام ورجع؟
وقد رد هذه التهمة ابن العربي فقال: (فإن قيل: كان يزيد خمارًا، قلنا: لا يحل إلا بشاهدين) (^١).
ولا يَحْسَبُ مَنْ يطلع على ما سبق أن هذا دفاعًا عن يزيد لوحده، وإنما هو دفاع قبل ذلك عمن بايعه من الصحابة رضوان الله عليهم وعن معاوية -﵁- الذي ولاه عليهم وعن مقام الخلافة في ذلك القرن المفضل، فالقادح في دين يزيد يقدح بما سبق كله، وكل ما وصل إلينا عنه وعن غيره من أعلام الأمة في القرون المفضلة كان سببه الرواة الكذابين، الذين جعلوا همهم تشويه رموز هذه الأمة، وهذه التهمة غيض من فيض وقطرة من بحر مما أصاب تاريخ الأمويين بعد زوال ملكهم.
* * *
_________________
(١) ابن العربي: العواصم من القواصم ص ٢٢٧.
[ ٢٥١ ]