* خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
[٢٣٣]- (فلما تم لخلافة هشام تسع عشرة سنة وسبعة أشهر مرض مرضته التي مات، فأسند الخلافة إلى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك) (^١).
ذكر خليفة بن خياط (^٢) مثله، وزاد في مدة خلافة هشام بن عبد الملك أحد عشر يومًا، وكانت وفاته سنة خمس وعشرين ومائة.
وذكر أبو زرعة (^٣) أن هشام مات سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وأشهر.
* خبر مقتل خالد بن عبد الله القسري:
[٢٣٤]- (فلما استخلف الوليد بن يزيد أمر صاحب شرطته سعيد بن غيلان (^٤) بأخذ خالد بالمال الذي عليه من بقايا خراج العراقين والبسط عليه، وقال: أسمعني صياحه.
فأقبل سعيد بن غيلان إلى خالد وهو في منزله، فأخرجه، فانطلق به إلى السجن، فعذبه يومه ذلك بألوان العذاب، فلم يكلمه خالد بحرف.
وقال الأشعث بن القيني (^٥) فيما نال خالدًا:
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٤٦.
(٢) التاريخ ٣٥٧.
(٣) التاريخ ١٩٦.
(٤) ولعل الصحيح من اسمه (غيلان) ذكره البلاذري: الأنساب ٩/ ١٠٧، الطبري: التاريخ ٧/ ٢٥٩. ولم أقف على ترجمة له.
(٥) الأشعث القيني، لم أقف على ترجمته.
[ ٥٢١ ]
ألا إن خير الناس نفسًا ووالدًا … أسير قريش عندها في السلاسل
لعمري، لقد أعمرتم السجن خالدًا … وأوطأتموه وطأة المتثاقل
فإن تحبسوا القسري لا تحبسوا اسمه … ولا تحبسوا معروفه في القبائل (^١)
وقدم يوسف بن عمر الثقفي بمال العراقين على الوليد، فجلس الوليد للناس، وأذن لهم إذنًا عامًّا. فتكلم زياد بن عبد الرحمن الضمري (^٢)، وكان معاندًا لخالد، فقال: يا أمير المؤمنين، عليَّ محاسبة خالد بخمسة آلاف ألف درهم، فسلمه إليَّ. فأرسل الوليد إلى خالد وهو في السجن أن زياد بن عبد الرحمن قد أعطى بمحاسبتك خمسه آلاف ألف درهم، فإن صححتها لنا، وإلا دفعناك إليه. فأرسل له خالد: إن عهدي بالعرب لأتباع، وبالله لو سألتني أن أضمن لك هذا، ورفع عودًا من الأرض، ما فعلت. فلما رأى الوليد بن يزيد تقاعد خالد بما عليه من المال أمر به، فسلم إلى يوسف بن عمر، وقال: انطلق به إلى العراق، واستدنه جميع ما عليه من المال.
فحمله يوسف بن عمر معه إلى واسط، فكان يخرجه كل يوم ويعذبه، ثم يرده إلى الحبس، فأخرجه ذات يوم، وقال: ما هذا التقاعد يا ابن المائقة؟!
فقال له خالد: ما ذكرك الأمهات، لعنك الله؟ والله لا أكلمك بكلمة أبدًا.
فغضب يوسف بن عمر من ذلك، فوضع على خالد المضرسة، وجعل
_________________
(١) ذكر ابن قتيبه في عيون الأخبار ١/ ١٥١ بيتين منها، وذكر أنها قيلت في حبس خالد بن عبد الله القسري ولم يسمِّ القائل.
(٢) والصحيح من اسمه هو أبان بن عبد الرحمن النميري، سكن العراق وهو دمشقي، ووفد على الوليد بن يزيد مع يوسف بن عمر أمير العراق، وقد اشترك مع يوسف بن عمر في شراء خالد عبد الله. الطبري: التاريخ ٧/ ٢٥٩. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٦/ ١٤٥. ابن خلكان: وفيات الأعيان ٧/ ١١٠.
[ ٥٢٢ ]
يعذبه بها حتى قتله، فدفنه ليلًا في عباءة كانت عليه) (^١).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٢) مختصرًا، والبلاذري (^٣) والطبري (^٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكر مقتل خالد بن عبد الله القسري، والسبب أن الوليد أراد محاسبة خالد على أموال العراق، وزاد عند غيره، أنه سأله عن ابنه يزيد بن خالد وكان مستخفيًا عن هشام، وألحَّ عليه في ذلك ففهم خالد أنه يريد أن يأخذه، فأغلظ القول له (^٥).
ورويت في سبب معاتبة الوليد لخالد روايات منها:
- أن الوليد أراد أن يبايع لابنيه الحكم وعثمان، فأراد خالدًا في ذلك فأبى، فغضب عليه (^٦).
- عزم قوم من قضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصة، على قتل الوليد، فأراد الحج، فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق، فطلب منه أن يترك الحج هذا العام، فلما سأله عن السبب، رفض أن يخبره السبب، فغضب عليه وحبسه، فلما قدم يوسف بن عمر سلمه له مقابل مبلغ من المال (^٧).
ولعل الأقرب في سبب محاسبة الوليد لخالد هو المال؛ لأنه أسلمه إلى
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٤٧، ٣٤٨.
(٢) التاريخ ٣٦٢.
(٣) الأنساب ٩/ ١٠٩.
(٤) التاريخ ٧/ ٢٥٨.
(٥) البلاذري: الأنساب ٩/ ١٠٦، الطبري: التاريخ ٧/ ٢٥٨.
(٦) الطبري: التاريخ ٧/ ٢٣٢
(٧) المصدر السابق ٧/ ٢٣٣.
[ ٥٢٣ ]
غريمه يوسف بن عمر بعد أن ضمن له المال، وهو مطلب يوسف كما مر بنا في خلافة هشام، ولكن لم يقدر على ذلك إلا بعد موته. وكان ذلك في سنة خمس وعشرين ومائة (^١).
ويَرِدُ هنا تساؤلٌ!، وهو: مَنْ هو خالد؟ ولماذا هذا المصير المؤلم، الذي ناله من بني أمية، مع ما ذُكِرَ من بلائه لهم؟.
كان خالد بن عبد الله من أوفى رجال بني أمية، وله مناقب كثيرة ليس هذا مجال حصرها، وقد ساق شيئًا منها ابن كثير ثم ختم بقوله: (فإنّه كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع - كما قدمنا - من قتله للجعد بن درهم، وغيره من أهل الإلحاد، وقد نسب إليه صاحب العقد أشياء لا تصح؛ لأن صاحب العقد كان فيه تشيّعٌ شنيعٌ ومغالاة في أهل البيت) (^٢).
ومع أن بلاءه مع بني أمية إلا أنه أصابه منهم شر؛ ولذلك نجد أن البلاء الذي أصابه يشبه البلاء الذي أصيب به سعيد بن جبير، عندما أسلمه إلى الحجاج ليقتله، وقد كان الحجاج غريمه - كما سبق لنا من قصته -، فلم يمت حتى لقي نفس المصير، فقد أسلمه الوليد إلى يوسف بن عمر غريمه أيضًا ليقتل فسلط الله عليه، مثلما تسلط على سعيد بن جبير.
* مقتل الخليفة الوليد بن يزيد:
[٢٣٥] (فأنشأ الوليد بن يزيد:
ألم تهتج فتذكر الوصالا … وحبلًا كان متصلًا فزالا
بلى، فالدمع منك له سجال … كماء الغرب ينهمل انهمالا
_________________
(١) خليفة بن خياط: التاريخ ٣٦٢.
(٢) البداية والنهاية ١٠/ ٢٣.
[ ٥٢٤ ]
فدع عنك ادكارك آل سعدى … فنحن الأكثرون حصًى ومالا
ونحن المالكون الناس قَسْرًا … نسومهم المذلة والنَّكالا
ونوردهم حياض الخسف ذلًا … وما نالوهم إلا خبالا
وطئنا الأشعرين بكلِّ أرضٍ … ولم يك وطؤنا أن يستقالا
وكندة والسكون قد استعاذوا … نسومهم المذلة والخبالا
شددنا مُلكنا ببني نزار … وقوَّمنا بهم من كانَ مالا
وهذا خالد فينا قتيلًا … ألَا مَنعوهُ إن كانوا رجالا
ولو كانت بنو قحطان عُرْبًا … لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبًا أسيرًا … نحمله سلاسلنا الثقالا
ولكن المذلة ضعضعتهم … فلم يجدوا لذلتهم مقالا
فلما سمع من كان بأقطار الشام من اليمانية هذا الشعر أنفوا أنفًا شديدًا، فاجتمعوا من مدن الشام، وساروا نحو الوليد بن يزيد، وبلغ الوليد مسيرهم، فأمر بمحمد بن خالد بن عبد الله فحبس بدمشق.
وأقبلت اليمانية، وخرج إليهم الوليد بمضر مستعدًّا للحرب، فالتقوا، واقتتلوا، وأثخنت اليمانية القتل في مضر، فانهزمت مُضَر، وأخذوا نحو دمشق، ودخل الوليد قصره، فتحصن فيه، وأقبلت اليمانية حتى دخلت دمشق، وأخرجوا محمد بن خالد من محبسه، ورأسوه عليهم، فأرسل محمد بن خالد إلى ابن عم الوليد بن يزيد، وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فجاء به، فبايعوه جميعًا، وأرسل إلى أشراف المضريين، فبايعوه طوعًا وكرهًا، وخلعوا الوليد بن يزيد، فلبث مخلوعًا أيامًا كثيرة، وهو خليع بني أمية، فقام يزيد بن الوليد
[ ٥٢٥ ]
بالخلافة، ووضع للناس العطاء، وفرق في اليمانية الصلات والجوائز.
وأقبل محمد بن خالد إلى قصر الوليد بن يزيد، وأمر بالأوهاق (^١)، فألقيت في شرف القصر، وتسلقوا، فعلوه، ونادوا: يا وليد، يا لوطي، يا شارب الخمر، ثم نزلوا إليه، فقتلوه. واستدف الملك ليزيد بن الوليد) (^٢).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٣) والبلاذري (^٤) والطبري (^٥) مطولًا.
• نقد النص:
قامت الثورة على الوليد بن يزيد من داخل البيت الأموي، والذي قام بها ابن عمه يزيد بن الوليد، وليس كما ذكر صاحب الكتاب أنه محمد بن خالد القسري، ثم إنه ليس السبب في مقتل الوليد هو قتله لخالد بن عبد الله القسري، وغضب اليمانية عليه بعد أن قال القصيدة السابقة، بحيث لا يمكن قصر هذا الفعل على هذه القصيدة؛ لأن نسبة هذه القصيدة للوليد بن يزيد لم يثبت، ولكن قد تكون القصيدة نفسها قيلت للتأليب عليه، ودليل ذلك أنها قيلت على لسانه، وهي تثبت المصير الذي لقيه خالد في خلافة الوليد.
فقد ذكرها الطبري بصيغة التمريض بقوله: (فقال الوليد بن يزيد - فيما زعم الهيثم بن عدي- شعرًا يوبخ به أهل اليمن في تركهم نصرة خالد بن عبد الله) (^٦)، وزيادة على تمريض الطبري لها أنها من طريق الهيثم بن عدي، وهو ضعيف.
_________________
(١) الأوهاق: جمع وهق، وهو حبل تشد به الإبل والخيل. ابن منظور: لسان العرب ١٠/ ٣٨٦.
(٢) الأخبار الطوال ٣٤٨، ٣٤٩.
(٣) التاريخ ٣٦٣.
(٤) الأنساب ٩/ ١٤٥.
(٥) التاريخ ٧/ ٢٣١.
(٦) التاريخ ٧/ ٢٣٤.
[ ٥٢٦ ]
ثم ذكر أن هذا الشعر قاله بعض أهل اليمن على لسان الوليد يحرض عليه اليمانية، ولعل هذا هو الأقرب، وهذا يمكن أن يجعل سببًا من أسباب الثورة عليه (^١).
أما عن السبب الحقيقي لهذه الثورة فهو القائم عليها وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وقد وجد مادته في ذلك عن طريق اليمانية وجميع الغاضبين على الوليد بن يزيد، وكان معه رجال ممن ينتسب إلى غيلان (^٢)، وكان السمة العامة لهذه الثورة إنكار المنكر، ولكنها في الحقيقة ثورة القادرية الذين ينسب إليهم يزيد بن الوليد كما سيأتي.
وقد وجد هذا المشئوم الذي أوْدَى بالخلافة الأموية إلى الهاوية بعض الإنذارات المبكرة؛ ولكنه لم يرتدع عن غيه وسفهه في انتهاك حرمة الخلافة وهتك سترها ومن هذه الإنذارات:
أن يزيد بن الوليد أتاه آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية، وكانوا قد اضطغنوا على الوليد فأرادوه على البيعة، فشاور أخاه العباس بن الوليد، فحذره وهدده بالقبض عليه وتسليمه لأمير المؤمنين الوليد، ولكنه لم يرتدع عن ذلك وأخذ الناس بالبيعة له سرًّا، وقد جعل يظهر نصحه لهم وشفقته عليهم، وبدأ بتشويه صورته وذكر مساوئه (^٣).
ومنها: أن مروان بن محمد - وكان على أرمينية - لمّا علم بأمر يزيد ومن
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٧/ ٢٣٤.
(٢) غيلان بن مسلم الدمشقي، كاتب من البلغاء تنسب إليه فرقة الغيلانية من القدرية، وهو ثاني من تكلم بالقدر ودعا إليه، ولم يسبقه سوى معبد الجهني، قال الشهرستاني في الملل والنحل: (كان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد)، تاب من القدر في عهد عمر بن عبد العزيز، ثم رجع بعد ذلك، فأحضر له الأوزاعي فناظره وأفتى بقتله، فقتل وصلب في خلافة هشام. الأعلام: للزركلي ٥/ ١٢٤.
(٣) الطبري: التاريخ ٧/ ٢٣٧.
[ ٥٢٧ ]
معه من أهل بيته، أرسل إلى سعيد بن عبد الملك (^١)، وحذَّره الفتنة والعواقب التي سوف تجري عليهم إذا فعلوا ذلك بخليفتهم، وذكره بنعم الله على أهل بيته، وخوفه من ذهابها على أيدي هؤلاء المشئومين، فبعث سعيد بذلك إلى العباس بن الوليد، فحذر العباس يزيد من ذلك، فحلف له أنه لم يفعل فصدقه (^٢)، وكل ما تخوف منه هؤلاء العقلاء وقع بعد ذلك.
وقد اعترف بذلك ابن لبشر بن الوليد (^٣) فقال: (دخل أبي بشر بن الوليد على عمي العباس، فكلمه في خلع الوليد وبيعة يزيد، فكان العباس ينهاه، وأبي يرده، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترئ أن يكلم عمي ويرد عليه قوله! وكنت أرى أن الصواب فيما يقول أبي، وكان الصواب فيما يقول عمي، فقال العباس: يا بني مروان، إني أظن الله قد أذن في هلاككم، وتمثل قائلًا:
إني أعيذُكُم بالله من فتنٍ … مثل الجبال تسامى ثم تندفع
إن البرية قد ملَّت سياستكم … فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا
_________________
(١) سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي، يعرف بسعيد الخير، كان حسن السيرة، ولي الغزو في خلافة هشام، وولي فلسطين في خلافة الوليد بن يزيد، وبقي إلى أن دعا يزيد الناقص إلى نفسه سنة ١٢٦ هـ، وقيل: إنه بقي إلى أن قتل في يوم نهر أبي فطرس سنة ١٣٢ هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٢١/ ٣١٣.
(٢) الطبري: التاريخ ٧/ ٢٣٩.
(٣) بشر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي، ولاه أبوه الموسم سنة ٩٥ هـ، كان من علماء بني أمية، خرج غازيًا بأهل الشام ومصر حتى بلغ أدرنة ثم قفل، أنكر قتل الوليد بن يزيد، وقال: عجبًا لا ينقضي، عجب قتل الوليد … سما الملك له، زال فأمسى ليزيد أسلمته عبد شمس، في بقايا ثمود … قال يوم الدار، لما مسه حر الحديد اتقوا الله وكفوا، أين عقدي وعهودي … قتلوه ثم قالوا، هلك غير فقيد ابن عساكر: تاريخ دمشق ١٠/ ٢٦٨. قلت: موقفه هذا أنسب لحاله من الأول، أولعله ندم.
[ ٥٢٨ ]
لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم … إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا
لا تبقرن بأيديكم بطونكم … فثم لا حسرة تغني ولا جزع) (^١)
* محاصرة الوليد ومقتله:
حينما أتم الثوار أمرهم وحاصروا الوليد في قصره، رفض المواجهة وفضل الموت على المصحف كحال عثمان -﵁- يوم الدار، وآخر ما دار بينهم وبينه أنه قال: (أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه! فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي (^٢): كلمني، قال له: من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم! ألم أرفع المؤن عنكم! ألم أعط فقراءكم! ألم أخدم زمناكم! (^٣) فقال: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله، قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل لي لسعة عما ذكرت، ورجع إلى الدار، فجلس وأخذ مصحفًا، وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ، فعلوا الحائط، فكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة السكسكي، فنزل إليه وسيف الوليد إلى جنبه، فقال له يزيد: نحِّ سيفك، فقال له الوليد: لو أردت السيف لكانت لي ولك حاله فيهم غير هذه) (^٤)، فقتله رجل لقب بوجه الفلس (^٥) واسمه عبد الرحمن (^٦).
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٧/ ٢٣٩.
(٢) لم أقف على ترجمته.
(٣) الزمن: المبتلى بَيِّن الزَّمانة، وهي العاهة. ابن منظور: لسان العرب ١٣/ ١٩٩.
(٤) الطبري: التاريخ ٧/ ٢٤٦. وبمثله البلاذري: ٩/ ١٧٨.
(٥) البلاذري: الأنساب ٩/ ١٨٤.
(٦) عبد الرحمن بن ميمون أحد الفرسان، وهو الذي احتز رأس الوليد بن يزيد. ابن حجر: نزهة الألقاب ٢/ ٢٢٨.
[ ٥٢٩ ]
قال البلاذري: (كانت ولايته سنة وشهرين وأيامًا، ويقال: سنة وثمانية أشهر والأول أثبت، وقتل في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة) (^١).
وليس لنا أن ننفي كل ما قيل عنه، ولا أن نثبته دون سند صحيح، ولكن يسعنا أن نحكم عليه بما نقل لنا من الأحداث من بعده، فنجد أن السب والتوبيخ يَطَاله ويسلم من بعده ويمدح وهو يزيد بن الوليد أو ما يسمى بيزيد الناقص (^٢)، ومثل ذلك ما ذكره صاحب الكتاب أنه هو من وضع العطاء للناس، وما ذكرنا سابقًا عن الوليد يثبت عكس ذلك، فالذي وضع العطاء وزاد الناس الوليد بن يزيد، والذي سمي بالناقص وأنقص عطاء الناس هو يزيد بن الوليد، ولعل المراد من ذلك إثبات صلاح الأخير، وفسق الأول ليتسنى البسط
فيه.
هذا خبر قتل الوليد بن يزيد على يد ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك.
والحديث عن الخليفة الوليد بن يزيد وعن أسباب مقتله يطول، ولا يسعني هنا إلا أن أذكر من هو هذا الخليفة، وهل يصح ما نُسب إليه، حتى يتسنى لنا الحكم عليه، لاسيما أن قتله أورث الشرور على من بقي من بني أمية ولم تقم له قائمة بعدها، وخبر مقتله من الأخبار الشائكة في التاريخ الأموي.
وهذه وقفات مع أخباره وسيرته وبعض ما نسب إليه:
- حج بالناس سنة ست عشرة ومائة في خلافة هشام (^٣).
وقد ذكر أن سبب تولية هشام له الحج في هذه السنة أنه أراد أن يصرفه عن ندماء اتخذهم لشرب الخمر، وأنه حمل معه كلاب وخمر ليشربه على ظهر الكعبة.
_________________
(١) الأنساب ٩/ ١٨٥.
(٢) وإنما سمي بالناقص لنقصه الناس الزيادة التي زادها الوليد لهم. الطبري: التاريخ ٧/ ٢٦١.
(٣) الطبري: التاريخ ٧/ ٩٨.
[ ٥٣٠ ]
وهذا الخبر رواه الطبري (^١) عن المدائني بإسناد منقطع، ثم كيف لهشام وما عرف به من حسن السيرة وصحبة العلماء أن يولي الحج رجلًا بلغ من أمره ما سبق.
ثم ساق الطبري الخبر مطولًا، وفيه أن هشامًا أراد عزله لما تمادى في الشراب والمجون وحصل بينهما بعض المشاحنة، وأن الوليد خرج وأقام في البرية حتى توفي هشام، وهذا من الشواهد والآثار التي رويت وعملت على تشويه هذا الخليفة.
ونجد أن هذا الخبر خلط بين أن هشام أراد خلعه لمجونه وفسقه، وأنه يريد تولية ابنه بدلًا منه، وقد حصل بينهما قطيعة، حتى مات هشام، وهذا الخبر لا يتسنى لنا نفيه بالجملة؛ لأن ما جاء بعده من انتقام الوليد من أبناء هشام دليل على القطيعة التي قد حصلت بينهما. حتى قال الوليد بن يزيد في قطيعة هشام له شعرًا، ومنه قوله:
رأيتك تبني جاهدًا في قطيعتي … فلو كنت ذا إرب لهدمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينة … فويل لهم إن مت من شر ما تجنى!
كأني بهم والليت أفضل قولهم … ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني
كفرت يدًا من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن (^٢)
وقال أيضًا:
أليس عظيمًا أن أرى كل واردٍ … حياضك يومًا صادرًا بالنوافل
وأرجع مجذوذ الرجاء مصرّدًا (^٣) … بتخليةٍ عن ورد تلك المناهل
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٧/ ٢٠٩.
(٢) الطبري: التاريخ ٧/ ٢١٥. والبيتين الأخيرين منها ذكرهما البلاذري في الأنساب ٩/ ١٣٨.
(٣) مصرد: أي مصيب. ابن منظور: لسان العرب ٣/ ٢٤٩.
[ ٥٣١ ]
فأويست ممّا كنت آمل فيكم … وليس يلاقي ما رجا كل آمل
كذي قبضةٍ يومًا على عرض هبوةٍ … يشد عليها كفه بالأنامل (^١)
تبين هذه الأبيات حجم القطيعة التي كانت بينه وبين هشام.
- تولى الوليد بن يزيد الخلافة بعد هشام، فاستعمل العمال، وأتته بيعة الآفاق (^٢).
وهذا يدل على اجتماع الأمة عليه بعد هشام، فأين العلماء والمصلحون لماذا لم يعترضوا على بيعة هذا الفاسق كما يروى عنه؟!.
- أمر الوليد بن يزيد أن يأخذ أموال هشام وولده، إلا مسلمة بن هشام (^٣) أمر بالكف عنه؛ لأنه كان يكثر على أبيه أن يرفق بالوليد (^٤)، وهذا يثبت تعرضه للأذى من هشام وبقية ولده إلا مسلمة.
- كتب إليه مروان بن محمد كتابًا بليغًا، يبارك له بالخلافة، ويعظم حقه فيها، ويلوم هشام على ظلمه له ويخطئه (^٥).
وقد قام بأعمال جلية لم يسبق عليها منها ما ذكره الطبري: (فلما ولي الوليد أجرى على زَمْنى أهل الشام وعُميانهم وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة، وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعًا في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشام بعد زيادة العشرات عشرة عشرة، لأهل الشام خاصة، وزاد مَنْ وفد إليه من أهل بيته
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٩/ ١٨٣.
(٢) الطبري: التاريخ ٧/ ٢١٦.
(٣) مسلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو شاكر الأموي، تولى الموسم في أيام أبيه، وغزا الصائفة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٨/ ٦٥.
(٤) الطبري: التاريخ ٧/ ٢١٦.
(٥) البلاذري: الأنساب ٩/ ١٤٧، الطبري: التاريخ ٧/ ٢١٦.
[ ٥٣٢ ]
في جوائزهم الضعف، وكان وهو ولي عهد يطعم مَنْ وَفَد إليه من أهل الصائفة قافلًا، ويطعم من صدر عن الحج بمنزل يقال له: زيزاء ثلاثة أيام، ويعلف دوابهم، ولم يقل في شيء يسأله: لا فقيل له: إن في قولك: انظر، عدة ما يقيم عليها الطالب، فقال: لا أعود لساني شيئًا لم اعتده، وقال:
ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق … بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معا وزيادة … وأعطيه مني عليكم تبرع
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم … به يكتب الكتاب شهرًا وتطبع (^١)
وقد زاد في أعطيات الناس، وأنقصها يزيد بن الوليد بعد ذلك فسمي بالناقص (^٢).
ولقد أكثرت بعض الكتب الذم في هذا الخليفة، فلا تجد ذكرًا له إلا قبيحًا وممزوجًا بأنواع القبائح، وخصوصًا كتب الأدب وهي التي يقل فيها التثبت، ولم نقف على أشياء صحيحة في ما يذكر عنه، فكلها أحاديث وأقاويل تناقلته الرواة مع الزمن، ويبدو أن الدور الإعلامي الذي قام به الثائرون عليه أثبت كل هذا، ثم سارت به الركبان.
ثم إن تسلط هذا الخليفة على أبناء هشام وخالد بن عبد الله جعل منه عرضة للانتقام بمحورين: الأول: من بعض المتعاطفين معهم من البيت الأموي، والثاني: من اليمانية التي ينتسب إليهم خالد بن عبد الله، والمتمعن بما صح من شعره وأعماله الطيبة التي بذلها للناس في حكمه يجد هناك تعارضًا مع ما يروى من قبيح سيرة، وأن هذه الأعمال يستحيل أن تجتمع في شخص واحد.
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٢١٧، ٢١٨.
(٢) البلاذري: الأنساب ٩/ ١٤٦.
[ ٥٣٣ ]
وهو بحق خليفة مظلوم بغي عليه، ومن أدلة ذلك:
- يروى أن أيوب السختياني (^١) لما بلغه مقتل الوليد قال: (ليتهم تركوا لنا خليفتنا ولم يقتلوه) (^٢).
- ذكر ابن الأثير الوليد بن يزيد فقال: (وقد نزّه قومٌ الوليد ممّا قيل فيه، وأنكروه ونفوه عنه وقالوا: إنّه قيل عنه وألصق به وليس بصحيحٍ) (^٣).
ثم ساق أخبارًا في ذلك ومنها:
دخل ابن للغمر بن يزيد على الرشيد فسأله ممن أنت قال من قريش قال من أيها؟ فأمسك، فقال: قل وأنت آمن، ولو أنك مروان. فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد فقال: رحم الله عمك الوليد ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مجمعًا عليه، أرفع حوائجك، فرفعها فقضاها.
وجاء ذكر الوليد بن يزيد عند الخليفة العباسي المهدي، فقال المهدي إنه زنديق، فقام أبو علاثة (^٤) الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقًا، فأقر المهدي قوله وشكره (^٥).
ويقول العسيري (^٦) عن الوليد بن يزيد: (وقد أشيع عنه انحرافات ومنكرات تبدو كالأساطير، حتى إن البعض تصوره زنديقًا، محتقرًا للقرآن، مهاجمًا تعاليم الإسلام، ولو صح ذلك لكانت فرصة لعمه هشام لعزله، ولكن
_________________
(١) أيوب بن أبي نَيمية كيسان العنزي، أبو بكر، وهو الإمام الحافظ سيد العلماء، كان ثقة ثبت، يعد من صغار التابعين، ومن سادات أهل البصرة، توفي سنة ١٣١ هـ وعمره ٦٣ سنة. الذهبي: السير ٦/ ١٥.
(٢) البلاذري: الأنساب ٩/ ١٨٤.
(٣) الكامل ٤/ ٣٠٨.
(٤) لم أقف على ترجمته.
(٥) ابن الأثير: الكامل ٤/ ٣٠٨.
(٦) لم أقف على ترجمته.
[ ٥٣٤ ]
ذلك لم يحصل كما أن أشياعه الذين دافعوا عنه قبل مقتله كانوا كثيرين، والثورات التي طالبت بالثأر له لم تهدأ حتى انتصر أتباعه بقيادة مروان بن محمد) (^١).
* آثار مقتله:
- إن يزيد بن الوليد الذي قام بالثورة على ابن عمه والذي أقر
بخطبته (^٢) التي ألقاها عند توليه الخلافة أنه لم يقم إلا لإنكار المنكر الذي ظهر على الوليد بن يزيد، وهو بنفسه لم يسلم من المنكرات العقائدية التي وصفه بها العلماء.
- ذكر أنه كان قدريًّا، حيث روي عن الشافعي أنه قال: (ولي يزيد بن الوليد الذي يقال له: الناقص، دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه وقرب غيلان) (^٣)، قال ابن عساكر: (ولعله قرب أصحاب غيلان؛ لأن غيلان قتله هشام بن عبد الملك) (^٤).
وروى الطبري بسنده: (أن يزيد بن الوليد مرض في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، فقيل له: بايع لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده، قال: فلم تزل القدرية يحثونه على البيعة، ويقولون له: إنه لا يحل لك أن تهمل أمر الأمة فبايع لأخيك، حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده) (^٥).
_________________
(١) موجز التاريخ الإسلامي ١٧٠.
(٢) ذكر خطبته خليفة بن خياط: ٣٦٥.
(٣) ابن عساكر: تاريخ دمشق ٧٤/ ١٢٤.
(٤) ابن عساكر: تاريخ دمشق ٧٤/ ١٢٤.
(٥) التاريخ ٧/ ٢٩٥.
[ ٥٣٥ ]
- أخرج أبو زرعة بسنده: (كان القاضي سليمان بن حبيب المحاربي (^١) قاضي الخلفاء إلى أن جاء قتل الوليد بن يزيد) (^٢)، وهذا دليل على أن الشر وقع بعد مقتله.
وروي عنه أيضًا أنه كان صديقًا ليزيد بن الوليد، فلما ولي الخلافة قال: اللهم أنسه ذكري (^٣).
- ذكر ابن جرير الطبري فقال: (وفي هذه السنة اضطرب حبل بني مروان، وهاجت الفتنة) (^٤).
ثم ذكر جملة من الفتن منها، خروج سليمان بن هشام بعمان غاضبًا على يزيد بن الوليد، ووثوب أهل حمص مطالبين بدم الوليد بن يزيد (^٥)، وخلاف أهل الأردن وفلسطين (^٦)، وامتنع نصر بن سيار من تسليم عمله لعامل منصور بن جمهور، وهو ولي العراق من قبل يزيد بن الوليد (^٧)، وأظهر الخلاف مروان بن محمد، وكتب إلى الغمر بن يزيد يطالبه بالقيام بدم أخيه (^٨)، ووقوع الفتنة بين اليمانية والنزارية بخراسان، وهي بين الكرماني ونصر بن سيار (^٩).
_________________
(١) سليمان بن حبيب المحاربي، أبو أيوب، ويقال: أبو ثابت، الدمشقي الداراني، القاضي، وهو قاضي الخلفاء قضى بدمشق فيه عهد عمر بن عبد العزيز، وليزيد، وهشام، والوليد بن يزيد، وقد قضى لهم ثلاثين سنة، وثقه يحيى بن معين، توفي سنة ست وعشرين ومائة. المزي: تهذيب الكمال ١١/ ٣٨٢.
(٢) التاريخ ٧٠١.
(٣) الذهبي: السير ٦/ ٢٢.
(٤) التاريخ ٧/ ٢٦٢. يعني سنة ست وعشرين ومائة.
(٥) الطبري: التاريخ ٧/ ٢٦٢
(٦) المصدر السابق ٧/ ٢٦٦.
(٧) المصدر السابق ٧/ ٢٧٧.
(٨) الطبري التاريخ ٧/ ٢٨١.
(٩) المصدر السابق ٧/ ٢٨٥.
[ ٥٣٦ ]