* خبر تولِّي المهلب قتال الخوارج في عهد عبد الله بن الزبير -﵁-:
[١٢٢]- (فقال الأحنف بن قيس للحارث بن عبد الله: أيها الأمير، اكتب إلى أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وسله أن يكتب إلى المهلب بأن يخلف على خراسان رجلًا، ويسير إلى الخوارج، فيتولى محاربتهم. فكتب.
فلما انتهى كتابه إلى عبد الله بن الزبير كتب إلى المهلب:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى المهلب بن أبي صفرة، أما بعد، فإن الحارث بن عبد الله كتب إليّ يخبرني أن الأزارقة المارقة قد سعرت نارها، وتفاقم أمرها، فرأيت أن أوليك قتالهم لما رجوت من قيامك، فتكفي أهل مصرك شرهم، وتؤمن روعتهم، فاخلف بخراسان من يقوم مقامك من أهل بيتك، وسر حتى توافي البصرة، فتستعد منها بأفضل عدتك، وتخرج إليهم، فإني أرجو أن ينصرك الله عليهم، والسلام.
فلما وصل كتابه إلى المهلب خلَّف على خراسان، وأقبل حتى وافى البصرة، فصعد على المنبر، وكان نَزْر الكلام وجيزه، فقال:
أيها الناس، إنه قد غشيكم عدو جاحد، يسفك دماءكم، وينتهب أموالكم، فإن أعطيتموني خصالًا أسألكموها قمت لكم بحربهم، واستعنت بالله عليهم، وإلا كنت كواحد منكم لمن تجتمعون عليه في أمركم.
قالوا: وما الذي تريد؟
قال: أنتخب منكم أوساطكم، لا الغني المثقل، ولا السبروت (^١) المخف، وعليّ أن لي ما غلبت عليه من الأرض، وألا أخالف فيما أدبر من
_________________
(١) السّبروت، والسّبرات: المحتاج المقلّ. وقيل: الّذي لا شيء له. الزبيدي: تاج العروس ٤/ ٥٤٥.
[ ٢٩٢ ]
رأيي في حربهم، وأتركُ ورأييَّ الذي أراه، وتدبيري الذي أدبره.
فناداه الناس: لك ذلك، وقد رضينا به.
فنزل من المنبر، وأتى منزله، وأمر بديوان الجند، فأحضر، فانتخب من أبطال أهل البصرة عشرين ألف رجل (^١)، فيهم من الأزد ثمانية آلاف رجل، وبقيتهم من سائر العرب، وولى ابنه المغيرة مقدمته في ثلاثة آلاف رجل.
وسار حتى أتى الخوارج، وهم بنهر تستر (^٢)، فواقعهم، فهزمهم، حتى بلغوا الأهواز، فقال زياد الأعجم (^٣) في ذلك:
جزى الله خيرًا، والجزاء بكَفِّه … أخا الأزد عنا ما أذب وأحربا
ولما رأينا الأمر قد جدَّ جده … وألا توارى دوننا الشمس كوكبا
دعونا أبا غسان (^٤)، فاستك سمعه … وأحنف طأطأ رأسه، وتهيَّبا
وكان ابن منجوف (^٥) لكل عظيمةٍ … فقصّر عنها حبله وتذبذبا
فلما رأينا القوم قد كلَّ حدهم … لدى حربهم فيها دعونا المُهلَّبا
_________________
(١) وعند البلاذري: الأنساب ٧/ ١٩٥. والطبري: التاريخ ٥/ ٦٢١ أن عددهم اثنا عشر ألفًا.
(٢) تستر: مدينة بين الأهواز وبين عسكر مكرم ثمانية فراسخ، والذي فتحها هو أبو موسى الأشعري -﵁-، وبينها وبين مدينة سابور ثمانية فراسخ. الحميري: الروض المعطار ١٤٠.
(٣) زياد الأعجم هو زياد بن سليم، أبو أمامة مولى عبد قيس، كانت في لسانه عجمة، قد شهد فتح إصطخر مع أبي موسى الأشعري، وكان رجلًا هجَّاءً قليل المدح للملوك والوفادة إليهم. محمد بن سلام: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٦٩٣، الذهبي: تاريخ الإسلام ٧/ ٨٣.
(٤) هو مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب، أبو غسان من بكر بن وائل، ولد في عهد الرسول -ﷺ-، ووفد على معاوية -﵁-، كان سيد زمانه، مقدمًا معروفًا بذلك، حليمًا رئيسًا، توفي سنة أربع وسبعين. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٦/ ٤٩٧.
(٥) سويد بن منجوف السدوسي، أبو المنهال، كان ذا أدب، كان من أشراف الكوفة، رأى علي -﵁- وسمع أبا هريرة -﵁-، ووفد على معاوية -﵁- توفي سنة ٧٢ هـ. ابن عساكر ٧٢/ ٣٨١، الذهبي: تاريخ الإسلام ٢/ ٨١٩.
[ ٢٩٣ ]
وأقام المهلب بالجسر بعد أن هزم الخوارج أربعين يومًا، ثم ارتحل سائرا في آثارهم) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢)، والطبري (^٣) مطولًا، وانفرد صاحب الكتاب في ذكر هذه الأبيات (^٤).
• نقد النصوص:
جاءت هذه الرواية في خبر تولي المهلب بن أبي صفرة حرب الخوارج، وتذكر أن المهلب كان على خراسان، وهو لم يتولاها إلا بعد الانتهاء من حرب الخوارج.
ثم أتى على ذكر تولية المهلب لحرب الخوارج وكيف تم ذلك، والذي يروى في ذلك أن المهلب بن أبي صفرة قدم من عبد الله بن الزبير -﵁- ومعه ولايته على خراسان، فطلب منه أهل البصرة أن يتولى حرب الخوارج، وقد وافق المهلب على ذلك بشرط موافقة عبد الله بن الزبير -﵁-، فبعثوا إليه فوافق على ذلك، فخرج المهلب لحربهم (^٥).
ويروى أنهم كتبوا له كتابًا على لسان عبد الله بن الزبير -﵁-، وأنه شرط عليهم أنه له ما غلب عليه من الأرض، وهذا لم يأتِ بسند صحيح (^٦).
وقد روى البلاذري ما يعطي تصورًا كاملًا عن حال أهل البصرة مع
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٧١، ٢٧٢.
(٢) الأنساب ٧/ ١٥٨.
(٣) التاريخ ٥/ ٦١٥.
(٤) ذكر هذه القصيدة د. يوسف حسين بكار في كتابه شعر زياد الأعجم ص ٤٦، وقد أخذها من كتاب الأخبار.
(٥) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٥٨. الطبري: التاريخ ٥/ ٦٢١.
(٦) الطبري: التاريخ ٥/ ٦١٥ من طريق هشام بن محمد، وهوضعيف.
[ ٢٩٤ ]
الخوارج في تلك الفترة: (وفزع النّاس إلى الأحنف بن قيس فأتى الأحنف القباع، فشكا إليه ما النّاس فيه، فقال: أشيروا عليّ بمن أُولِّي؟ فأشار قوم بمالك بن مسمع الجحدري، وأشار قوم بزياد بن عمرو العتكي، فقال الأحنف: لا أرى لهم غير المهلب، فكلم القباع المهلب وقال له: إن أهل مصرك قد ارتضوك ورجوك وأملوا أن يقمع اللّه هذا العدو بك، فقال المهلب: لا حول ولا قوة إلا بالله إني عند نفسي لدون ..) (^١).
وذكر الطبري: (أن أهل البصرة قد كانوا سألوا الأحنف قبل المهلب
أن يقاتل الأزارقة، وأشار عليهم بالمهلب، وقال: هو أقوى على حربهم مني) (^٢).
ثم نجد أن صاحب الكتاب يذكر أن المهلب سار إلى الخورج فوافاهم بنهر تستر فواقعهم حتى بلغوا الأهواز، ثم أقام بالجسر بعد أن هزم الخوارج، وهنا قد ناقض نفسه وخالف غيره، فأول لقاء بينهم كان بالجسر قرب الكوفة، كما جاءت بذلك المصادر الأخرى (^٣)، وقوله: ثم أقام بالجسر بعد أن هزم الخوارج، فالجسر هنا هو مكان المعركة، وليس نهر تستر.
ثم جاء صاحب الكتاب بهذه الأبيات والتي فيها ثناء على المهلب بن أبي صفرة في جهاده ضد الخوارج، والمآخذ عليها أن فيها إجحاف في ذكر مالك بن مسمع، وسويد بن منجوف، والأحنف بن قيس، وهم من أشراف البصرة وأمراء القبائل فيها، ووصفتهم بالجبن والقعود عن القتال، وقد جاء ذكرهم في الروايات التي ساقها البلاذري والطبري، والتي فيها أن قتال الخوارج لم يعرض
_________________
(١) الأنساب ٧/ ١٥٨.
(٢) التاريخ ٥/ ٦٢١.
(٣) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٥٩، والمبرد: الكامل في اللغة ٣/ ٢٢٥، الطبري: التاريخ ٥/ ٦١٦.
[ ٢٩٥ ]
عليهم أصلًا حتى يتهموا بالجبن، إلا ما كان من طلب أهل الكوفة الأحنف أن يتولى قتال الخوارج فأشار عليهم بالمهلب، والإشارة هنا لا تعني التخلي عن القيام بالحرب والجبن عنه، وإنما حسن الرأي.
وقد علق على ذلك ابن الأثير بقوله: (لما يعلم فيه من الشجاعة والرأي والمعرفة بالحرب) (^١)، وقد أدى هذا الرأي ثماره، فحينما تولَّى المهلب قتالَ الخوارج مزقهم كل ممزق.
وسيرة الأحنف بن قيس في الجهاد تشهد له على الشجاعة وحسن القيادة، فقد سطَّرت لنا كتب التاريخ عن سيرة ما يثبت ذلك وينفي خلافه، ومما جاء في حروبه ومناقبه:
- أذن عمر بن الخطاب -﵁- للمسلمين بالانسياح في بلاد فارس، برأي من الأحنف بن قيس لما عرف عنه فضله وصدقه (^٢).
- افتتح مرو الروذ بعد أن صالح أهلها (^٣).
- حاصر أهل بلخ، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف (^٤).
- جمع أهل خراسان جمعًا كبيرًا بمرو، فالتقاهم الأحنف، فهزمهم، وكان ذلك الجمع لم يسمع بمثله (^٥).
[١٢٣]- (فبلغ ذلك نافع بن الأزرق، فأقام بالأهواز حتى وافاه المهلب، فواقعهم بمكان يسمى نسلى (^٦)، فقاتلهم يومًا إلى الليل، وأصابته
_________________
(١) ابن الأثير: الكامل ٣/ ٢٧٦.
(٢) الطبري: التاريخ ٤/ ٩٤.
(٣) الطبري: التاريخ ٤/ ٣١٠.
(٤) الطبري: التاريخ ٤/ ٣١٣.
(٥) الذهبي: السير ٤/ ٩١.
(٦) نسلى: وهو جبل بمناذر بمناحي الأهواز. الحموي: البلدان ٣/ ٢٣٢. والمشهور أن اسم هذا الموضع (سلى وسلبرى).
[ ٢٩٦ ]
ضربة في وجهه، أغمي عليه منها، فقال الناس قُتِلَ الأمير، فازدادوا لذلك حنقًا وجدًّا، وقتلوا من الخوارج بشرًا كثيرًا، وقتل رئيسهم نافع بن الأزرق، وانهزمت الخوارج نحو فارس) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢)، والطبري (^٣) مطولًا.
• نقد النص:
قد انفرد صاحب الكتاب بذكر أن نافع بن الأزرق قُتل في هذه المعركة، وهو قد قُتل في دولاب، كما مر بنا، وفي ذكره لإصابة المهلب.
وقد تحدثت المصادر (^٤) الأخرى أنها قد حدثت معركة عظيمة بمكان يسمى سلى وسلبرى (^٥)، بين المهلب والخوارج وكاد المهلب ومن معه أن يُهزموا، ولكنهم عاودوا الكرة وهزموا الأزارقة وقتلوا الكثير منهم، ومن بينهم زعيم الخوارج عبيد الله بن الماحوز، ولم تذكر أن المهلب أصيب فيها.
وكان ذلك في شوال سنة ست وستين، وبعد عبيد الله بن الماحوز قام بأمر الخوارج الزبير بن الماحوز (^٦).
[١٢٤]- (وبلغ أهل البصرة أن المهلب قُتِلَ، فَرَجَّ المصر بأهله، وهمَّ أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أن يهرب، فكتب إليه رجل من
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٧٣.
(٢) الأنساب ٧/ ١٥٩.
(٣) التاريخ ٥/ ٦١٦.
(٤) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٥٩. الطبري: التاريخ ٥/ ٦١٦.
(٥) سلى وسلبرى: وهنا مجموع اللفظين موضع واحد من نواحي خوزستان جند يسابور. الحموي: البلدان ٣/ ٢٣٢.
(٦) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٦٠. وعنده أن اسمه عبيد الله بن بشير بن الماحوز.
[ ٢٩٧ ]
بني يشكر:
أيا حار، يا ابن السادة الصيد، هب لنا … مقامك، لا ترحل ولم يأتك الخبر
فإن كان أودى بالمهلب يومه … فقد كسفت في أرضنا الشمس والقمر
وما لك من بعد المهلب عرجه … وما لك بالمصرين سمع ولا بصر
فدونك، فالحق بالحجاز، ولا تقم … ببلدتنا، ان المقام بها خطر
وان كان حيا كنت بالمصر آمنا … وكان بقاء المرء فينا هو الظفر
وقال رجل من بني سعد:
ألا كل ما يأتي من الأمر هين … علينا يسير عند فقد المهلب
فإن يك قد أودى فما نحن بعده … بأمنع من شاء عجاف لاذؤب
نعوذ بمن أرسى ثبيرًا مكانه … ومرسى حراء والقديد وكبكب
من الخبر الملقى على الحور حذرها … ويشجى به ما بين بصرى ويثرب
فأقبل البشير إلى أهل البصرة بسلامة المهلب، فاستبشروا بذلك، واطمأنوا، وأقام أميرها بعد أن هم بالهرب.
فقال رجل من بني ضبة:
إن ربا انجى المهلب ذا … الطول لأهل أن تحمدوه كثيرا
لا يزال المهلب بن أبي صفرة … ما عاش بالعراق أميرا
فإذا مات فالرجال نساء … ما يساوي من بعده قطميرا
قد أمنا بك العدو على المصر … ووقرت منبرا وسريرا) (^١)
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٧٣، ٢٧٤.
[ ٢٩٨ ]
انفرد صاحب الكتاب في هذا الخبر وهذه الأبيات.
• نقد النص:
جاء في هذا الخبر أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهو أمير البصرة من قبل ابن الزبير -﵁- همَّ بالهروب عند ما جاء نبأ وفاة المهلب، وقد ذكرنا في نقد الرواية السابقة أن ذلك لم يحصل، وأن الانتصار كان حليف المهلب ومن معه، ومما روي في ذلك: ما رواه البلاذري (^١) أن المهلب بعث إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بخبر الانتصار، وبرأس عبيد الله بن الماحوز زعيمهم، وكذلك روى الطبري (^٢) أن المهلب بن أبي صفرة بعث كتابًا إلى الأمير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة يخبره بالنصر. ومما قيل في ذلك من الشعر:
قل للأزارقة الذين تمزقوا … بسلى وسلبرى لقيت نحوسا
قتل المهلب جمعكم وأخذتم … من رسله بعد المساء رؤوسا
[١٢٥]- (وقال رجل من الخوارج في قتل نافع بن الأزرق:
شمت المهلب، والحوادث جمة … والشامتون بنافع بن الأزرق
إن مات غير مداهن في دينه … ومتى يمر بذكر نار يصعق
والموت أمر لا محالة واقع … من لا يصبحه نهارًا يطرق
فلئن مُنينا بالمهلب إنه … لأخو الحروب وليث أهل المشرق
ولعله يشجى بنا ولعلنا … نشجى به في كل ما قد نلتقي
بالسمر نختطف النفوس ذوابلا … وبكل أبيض صارم ذي رونق
_________________
(١) الأنساب ٧/ ١٦١.
(٢) التاريخ ٥/ ٦١٩.
[ ٢٩٩ ]
فيذيقنا في حربنا، ونذيقه … كل مقالته لصاحبه ذق) (^١)
ذكر بعض منها البلاذري (^٢)، والمبرد (^٣).
نقد الأبيات:
ذكر صاحب الكتاب هذه الأبيات وهي رثاء في زعيم الأزارقة نافع بن الأزرق، والمفترض أن يوردها بعد مقتله في معركة دولاب كما فعل البلاذري، ولكنه وَهِم في زمن مقتله، وجعله في معركة سلى وسلبري، وقد خالف غيره في ذكر المهلب فيها، وزيادة الأبيات الثلاثة الأخيرة، حيث إن هذه القصيدة وردت موجّهة للحارثة بن بدر، ومطلعها قوله:
شمت ابن بدر والحوادث جمّة … والجائرون بنافع بن الأزرق (^٤)
* عزل الحارث بن أبي ربيعة عن البصرة وتولية مصعب بن الزبير:
[١٢٦]- (وبلغ عبد الله بن الزبير ما كان من عزم عامله بالبصرة على الهرب، فعزله، وولى أخاه مصعبًا (^٥)، فسار مصعب حتى قدمها، وتولى أمر جميع العراقين وفارس والأهواز) (^٦).
انفرد صاحب الكتاب في سبب عزل الحارث بن أبي ربيعة عن البصرة
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٧٤.
(٢) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٥٠.
(٣) الكامل في اللغة ٣/ ٢١٦.
(٤) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٥٠، الكامل في اللغة ٣/ ٢١٦.
(٥) مصعب بن الزبير بن العوام القرشي، كان فارسًا شجاعًا كريمًا، ولي لأخيه عبد الله العراقين خمس سنين، قتل فيها المختار بن عبيد الثقفي، ثم سار لحرب عبد الملك بن مروان فالتقى بجند الشام في دير الجثاليق، وقتل هناك بعد أن خذله جنده من أهل العراق، سنة ٧٢ هـ وعمره ٤٠ سنة. الذهبي: السير ٤/ ١٤٠.
(٦) الأخبار الطوال ٢٧٤.
[ ٣٠٠ ]
من قبل عبدالله بن الزبير -﵁-.
وقد ذكر ابن سعد (^١)، والبلاذري (^٢)، والطبري (^٣) أن ابن الزبير -﵁-
عزل الحارث بن عبد الله أبي ربيعة وولى أخاه مصعب بن الزبير ولم يذكروا السبب.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في الرواية رقم ١٢٤ أن الحارث بن عبد الله قد عزم على الهرب عند وصوله خبر هزيمة المهلب، وهو أمر لم يقع، وهنا يذكر أن عبد الله بن الزبير -﵁- عزله لذلك السبب.
[١٢٧]- (ولما قتل نافع بن الأزرق اجتمعت الخوارج، فولوا على أنفسهم عبد الله بن ماحور (^٤)، وكان من نُسَّاكهم) (^٥).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٦)، والبلاذري (^٧)، وكان ذلك في معركة دولاب وعلى أهل البصرة مسلم بن عبيس.
• نقد النص:
قد وهم صاحب الكتاب في ذكره مقتل نافع بن الأزرق في فترة قتال المهلب للخوارج.
_________________
(١) الطبقات ٥/ ٢٩.
(٢) الأنساب ٧/ ١٤.
(٣) التاريخ ٦/ ٩٣.
(٤) الصحيح من اسمه عبدالله بن (الماحوز) بدل (ماحور).
(٥) الأخبار الطوال ٢٧٥.
(٦) التاريخ ٥/ ٦١٤.
(٧) الأنساب ٧/ ١٥٣.
[ ٣٠١ ]
[١٢٨]- (وبلغ ذلك المهلب، فسار من الأهواز في طلبهم حتى وافاهم بمدينة سابور (^١) من أرض فارس، فالتقوا، فاقتتلوا، وانهزمت الخوارج في آخر النهار حتى انتهوا إلى مكان يدعى كركان (^٢) واتبعهم المهلب، فوافاهم، فالتقوا به في يوم شديد المطر، فقاتلهم، فهزمهم، فأخذوا نحو كرمان (^٣)،
فلم يزل المهلب يسير في طلبهم من بلد إلى بلد، ويواقعهم وقعه بعد وقعة طول ما ملك عبد الله بن الزبير إلى مقتله، وخلوص الأمر لعبد الملك بن مروان) (^٤).
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
* حرب الخوارج في عهد عبد الملك:
[١٢٩]- (فلما استدف (^٥) الأمر لعبد الملك، وولى الحجاج العراقين استبطأ المهلب في استئصال الخوارج، وظن أنه يهوى مطاولتهم، فبعث إليه عبد الأعلى بن عبد الله العامري (^٦)، وعبد الرحمن بن سبرة (^٧)، وقال لهما
_________________
(١) سابور: مدينة من مدن فارس، بناها سابور أحد ملوك الفرس، وسميت باسمه. الحميري: الروض المعطار ٢٩٩.
(٢) كركان: قرية بالقرب من قرميسين ٤/ ٤٥٢.
(٣) كرمان: ولاية مشهورة، ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخرسان. القطيعي: مراصد الاطلاع ٣/ ١١٦٠، الحموي: البلدان ٤/ ٤٥٤.
(٤) الأخبار الطوال ٢٧٥.
(٥) استدف: استتب واستقام. الزبيدي: تاج العروس ٢٣/ ٣٠٥.
(٦) عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشي، أبو عبد الرحمن، في الطبقة الرابعة من تابعي البصرة، كان شجاعًا سخيًّا فصيحًا، شهد مع الحجاج يوم الزاوية، وفد على هشام بن عبد الملك، وكان هشام يتعجب من فصاحته. خليفة بن خياط: الطبقات ٣٦٣، البلاذري: الأنساب ٨/ ٤٠٨، ٩/ ٣٦٢.
(٧) عبد الرحمن بن سبرة، وقيل ابن أبي سبرة، واسم أبي سبرة يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفي، له ولأبيه صحبة، وفي اسم أبيه وصحبة اختلاف، ورجَّح ابن حجر أن اسم أبيه أبي سبرة وأن له صحبة. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٢٦٠، ٢٦١، ٥/ ١٧٧.
[ ٣٠٢ ]
احملاه على مناجزة القوم وترك مطاولتهم، فقدما عليه، فأخبراه بما بعثا له، فقال لهما: أقيما حتى تعاينا ما نحن فيه، فإن الحجاج أتاه السماع فقَبِله، وأتاه العيان فردَّه، وقد حملني على خلاف الرأي، وزعم أنه الشاهد وأنا
الغائب) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢) وفيها أن الحجاج اتهم المهلب بأنه يهاب قتال الخوارج، وهدده العزل إن لم يناجز القوم، وفي رواية أخرى من طريق المدائني: أن الحجاج اتهم المهلب بانشغاله عن الحرب بالجباية.
والطبري (^٣)، وفيها: أن الحجاج اتهم المهلب بمطاولة الخوارج ليأكل من الأرض ثم استحثه على مناجزة القوم.
• نقد النص:
في هذا الخبر كتاب الحجاج للمهلب يتهمه بمطاولة الخوارج وهذا لم يثبت، ثم إنه هل يمكن للحجاج أن يتهم المهلب بهذا الأمر العظيم وهو البقاء على الخوارج لكي يجني بمطاولتهم الخراج، وهو أحد الأمراء الموثوق بهم عند الخلفاء، وهو المعروف بنصحه وبعظيم الأمر الذي يقوم به؟!! وهل يسوغ للمهلب قبول هذه التهمة من الحجاج ثم يستمر بعمله!!
[١٣٠]- (ثم سار نحو الخوارج فلحقهم بأداني أرض كرمان، فواقعهم، وأمامه ابنه المفضل (^٤)، فقتل رئيس الخوارج عبد الله بن ماحور (^٥)، وانهزموا
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٧٥.
(٢) الأنساب ٧/ ٤٢٤ من طريق الهيثم بن عدي، وهوضعيف.
(٣) التاريخ ٦/ ٣٠١ من طريق هشام عن أبي مخنف، وهما ضعيفان.
(٤) المفضل بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي البصري، أبو غسان، تولى خرسان من قبل الحجاج سنة خمس وثمانين، فأقام بها سبعة أشهر فغزا باذغيس، ثم ولاه سليمان بن عبد الملك جند فلسطين، وقتل سنة اثنتين ومائة. ابن حجر: التهذيب ١٠/ ٢٧٥.
(٥) الصحيح من اسمه الماحوز سبقت ترجمته.
[ ٣٠٣ ]
حتى توسطوا أرض كرمان، وولوا على أنفسهم رجلًا من نساكهم، يسمى قطري بن الفجاءة (^١) (^٢).
انفرد صاحب الكتاب بهذ الخبر.
ذكر الطبري (^٣) أن قتل عبد الله بن الماحوز كان في معركة دولاب، التي قُتِلَ فيها نافع بن الأزرق، ثم تولى أمرهم عبيد الله بن الماحوز.
ولما قُتِلَ عبيد الله بن الماحوز، في المعركة التي وقعت بسلى وسلبرى (^٤)، تولى بعده الزبير بن الماحوز (^٥) ولما قُتِلَ تولى بعده قطري بن الفجاءة (^٦)
[١٣١]- (ثم إن المهلب انصرف إلى بلد سابور، فوافاهم يوم النحر، فخرج بالناس إلى المصلى.
فبينا هو يخطب الناس على المنبر، وقد صلى بهم إذ أقبلت الخوارج، فقال: سبحان الله، أفي مثل هذا اليوم يأتوننا؟ ما أبغض إليّ المحاربة فيه، ولكن الله تعالى يقول: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا
_________________
(١) قطري بن الفجاءة واسمه جعونة بن مازن، أبو نعامة المازني التميمي، رأس الخوارج، بطل مشهور، كان خطيبًا بليغًا، وله شعر فصيح، خرج زمن عبد الله بن الزبير -﵁-، واستفحل أمره، وسير له الحجاج الجيوش فكسرهم وغلب على فارس، سار إليه سفيان بن الأبرد فانتصر عليه وقتله، ويقال: إنه عثر به فرسه فانكسرت فخذه بطبرستان، فظفروا به وحمل رأسه إلى الحجاج سنة ٧٩ هـ. الذهبي: السير ٤/ ١٥١.
(٢) الأخبار الطوال ٢٧٥.
(٣) التاريخ ٥/ ٦١٤.
(٤) الطبري: التاريخ ٥/ ٦١٩.
(٥) البلاذري الأنساب ٧/ ١٦٠.
(٦) البلاذري: الأنساب ٧/ ٤٠٧، الطبري: التاريخ ٦/ ١٢٦.
[ ٣٠٤ ]
عَلَيْهِ﴾ (^١) ثم نزل عن المنبر، ونادى في أصحابه، فركبوا واستلاموا، واستقبلوا الخوارج، فحملت عليهم الخوارج، وأمامهم عظيم منهم يسمى عمرو القنا (^٢) وكان من فرسانهم، وهو يرتجز:
نحن صبحناكم غداه النحر … بالخيل أمثال الوشيج تسرى
يقدمها عمرو القنا في الفجر … إلى أناس لهجوا بالكفر
اليوم أقْضِي في العدو نَذْري
ثم اقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، وكثرت بينهم القتلى، فلم يزل كل فريق منهما على مكانه حتى حال بينهم الليل) (^٣).
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر.
[١٣٢]- (وانحازت الخوارج إلى كازرون (^٤)، وسار إليهم المهلب فواقعهم بكازرون، فأسرع المهلب في الخوارج، فتفرقوا في تلك الوقعة، وصاروا سيارة، وخرجوا إلى تخوم إصطخر، واتبعهم المهلب.
فتواقف الفريقان، وحمل بعضهم على بعض، وأمام الخوارج رجل يرتجز:
حتى متى يتبعنا المهلب … ليس لنا في الأرض منه مهرب
ولا السماء، أين أين المذهب؟
فلما سمع قطري ذلك بكى، ووطَّن نفسه على الموت، وباشر الحرب
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٤.
(٢) عمرو بن عميرة، من بني سعد من تميم، شاعر فحل، كان من رؤساء الأزارقة وفرسانهم، يعرف بعمرو القنا، توفي سنة ٧٧ هـ. المرزباني: معجم الشعراء ١/ ٢٢٩. الأعلام للزركلي ٥/ ٨٢.
(٣) الأخبار الطوال ٢٧٥، ٢٧٦.
(٤) كازرون: مدينة بفارس بين البحر وشيراز. الحموي: البلدان ٤/ ٤٢٩.
[ ٣٠٥ ]
بنفسه، وهو يرتجز:
حتى متى تخطئني الشهادة … والموت في أعناقنا قلادة
ليس الفرار في الوغي بعادة … يا رب زدني في التقى عبادة
وفي الحياه بعدها زهادة
فاقتتلوا يومهم حتى حال بينهم الليل) (^١).
ذكر الطبري (^٢)، والبلاذري (^٣) أن المهلب جاء إلى كازرون، ثم أقبل عليه عبد الرحمن بن مخنف (^٤) في جند من أهل الكوفة، فخندق المهلب ومن معه ورفض عبد الرحمن بن مخنف أن يخندق، فجاء الخوارج إلى المهلب ووجدوه قد تخندق، وذهبوا إلى عبد الرحمن بن مخنف ومن معه فهزموه وقتلوه. أما عن زمن هذه الوقعة فهو في رمضان سنة خمس وسبعين (^٥).
* * *
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٧٦، ٢٧٧.
(٢) التاريخ ٦/ ٢١١.
(٣) الأنساب ٧/ ٤٢٤.
(٤) عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، قائد من الشجعان، كان مع المهلب في قتال الخوارج فقتل في كازرون. الزركلي: الأعلام ٣/ ٣٣٦.
(٥) البلاذري: ٧/ ٤٢٥، والطبري: التاريخ ٦/ ٢١١.
[ ٣٠٦ ]