* كُتُبِ استدعاء الحسين -﵁- من قبل أهل الكوفة:
[٣٩]- (قالوا: ولما بلغ أهل الكوفة وفاة معاوية وخروج الحسين بن علي إلى مكة اجتمع جماعة من الشيعة في منزل سليمان بن صرد، واتفقوا على أن يكتبوا إلى الحسين يسألونه القدوم عليهم، ليسلموا الأمر إليه، ويطردوا النعمان بن بشير، فكتبوا إليه بذلك، ثم وجهوا بالكتاب مع عبيد الله بن سبيع الهمدانى (^١) وعبد الله بن وداك السلمى (^٢)، فوافوا الحسين -﵁- بمكة لعشر خلون من شهر رمضان، فأوصلوا الكتاب إليه (^٣).
ثم لم يمس الحسين يومه ذلك حتى وَرَدَ عليه بشر بن مسهر الصيداوى (^٤)، وعبد الرحمن بن عبيد الأرحبى (^٥)، ومعهما خمسون كتابًا من
_________________
(١) عبيد الله بن سبيع الهمذاني ويقال ابن سبع، يروي عن علي -﵁-، ذكر في فيمن كتب إلى الحسين -﵁-. المزي: تهذيب الكمال ١٥/ ٥. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٢.
(٢) عبد الله بن الوداك السلمي، ذكر الطبري ٥/ ٣٥٢، أنه «عبد الله بن والٍ» بدل «وداك»، وهو تيمي من تيم اللات، من تيم بكر بن وائل وليس سُلَميٌّ، كان من رءوس التوابين مع سليمان بن صرد. الطبري: التاريخ ٥/ ٥٥٢. ابن الأثير: الكامل ٣/ ٢٧٣.
(٣) وقد نص كتابهم على (بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من شيعة من المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فحيهلا، فإن الناس، ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل، والسلام). الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٣.
(٤) بشر بن مسهر الصداوي، ولعل الصحيح من اسمه (قيس) بدل (مسهر) فهو قيس بن مسهر بن خليد بن جندب بن منقذ بن جسر بن نكرة بن الصيداء، صحب مسلم بن عقيل إلى الكوفة، ثم أرسله الحسين -﵁- بكتابه إلى أهل الكوفة فأخذه به ابن زياد فطرحه من فوق القصر فتقطع. البلاذري: الأنساب ٢/ ١٥٩، ١١/ ١٦٤.
(٥) عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي ذكر في رسل أهل الكوفة للحسين -﵁- ثم بعثه مع مسلم بن عقيل، وقد قاتل مع الحسين حتى قتل. البلاذري: الأنساب ٣/ ١٩٦. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٢، ٣٥٤.
[ ١٢٩ ]
أشراف أهل الكوفة ورؤسائها كل كتاب منها من الرجلين والثلاثة والأربعة بمثل ذلك.
فلما أصبح وافاه هانئ بن هانئ السبيعي (^١) وسعيد بن عبد الله الخثعمى (^٢)، ومعهما أيضًا نحو من خمسين كتابًا.
فلما أمسى أيضًا ذلك اليوم وَرَدَ عليه سعيد بن عبد الله الثقفي (^٣) ومعه كتاب واحد من شبث بن ربعي (^٤)، وحجار بن أبجر (^٥)، ويزيد بن الحارث (^٦)، وعروة بن قيس (^٧)، وعمرو بن الحجاج (^٨)، ومحمد بن عمير بن عطارد (^٩)
_________________
(١) هانئ بن هانئ المرادي، ذكره البلاذري في الأنساب ٣/ ١٥٨، والطبري في التاريخ ٥/ ٣٥٣ في من أرسل إلى الحسين -﵁- من الكوفيين.
(٢) سعيد بن عبد الله الخثعمي، والصحيح (الحنفي) بدل (الخثعمي) ذكر فيمن اعترض على صلح الحسن بن علي -﵁-، وجاء ذكره في مراسلات أهل الكوفة للحسين -﵁-، ثم أنه شارك في القتال معه وقتل. البلاذري: الأنساب ٣/ ١٤٩، ١٨٥، ١٩٦. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٣، ٤١٩.
(٣) هو الخثعمي الأول.
(٤) شبث بن ربعي بن حصين التميمي، أحد الأشراف، شيخ مضر بالكوفة، كان ممن أعان على عثمان -﵁- وممن خرج على علي -﵁-، ثم تاب، ثم شارك في قتل الحسين -﵁-، وقد خرج مع المختار ثم انقلب عليه وأبلى بلاء حسنًا في قتاله. الذهبي: السير ٤/ ١٥٠، الأعلام: الزركلي ٣/ ١٥٤.
(٥) حجار بن أبجر بن جابر بن بجير من عجل، كان شريفًا، يروي عن علي. ابن سعد: الطبقات الكبرى ٦/ ٣٢١.
(٦) يزيد بن الحارث الشيباني، له إدراك، وقد شهد اليمامة، وقد نزل البصرة. ابن حجر: الإصابة ٦/ ٥٤٨.
(٧) عروة بن قيس والصحيح (عرزة) بدل (عروة) وهو ممن كتب إلى الحسين -﵁- وأعان على قتله حيث كان على خيل ابن زياد في كربلاء. الطبري: التاريخ ٥/ ٤١٠.
(٨) عمرو بن الحجاج الزبيدي، اشترك في قتل الحسين -﵁- وكان على ميمنة عمرو بن سعد، ثم إنه هرب من المختار فمات بواقصة عطشًا. البلاذري: الأنساب ٣/ ١٩٠، ٦/ ٤٠٩، ابن حجر: الإصابة ٥/ ١١١.
(٩) محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي، ليس له صحبة ولا رؤية، كان سيد أهل الكوفة وأجود مضر، وصاحب ربع تميم وهمذان، شهد مع علي صفين، ووفد على عبد الملك، ثم على عبد العزيز بن مروان بمصر وأقام بالشام كراهية ولاية الحجاج. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٥/ ٣٨. ابن حجر: الإصابة ٦/ ٢٧٢.
[ ١٣٠ ]
وكان هؤلاء الرؤساء من أهل الكوفة، فتتابعت عليه في أيام رُسُلُ أَهْلِ الكوفة ومن الكتب ما ملأ منه خرجين.
فكتب الحسين إليهم جميعا كتابًا واحدًا، ودفعه إلى هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد الله، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى من بلغه كتابي هذا، من أوليائه وشيعته بالكوفة، سلام عليكم، أما بعد، فقد أتتني كتبكم، وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم، وإني باعث إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهلى مسلم بن عقيل (^١) ليعلم لي كِنْهُ (^٢) أمركم، ويكتب إليَّ بما يتبين له من اجتماعكم، فإنْ كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، وأخبرتني به رسلكم أسرعتُ القدوم عليكم إن شاء الله، والسلام) (^٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٤)، والطبري (^٥).
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية كُتُبَ أهل الكوفة للحسين -﵁- يدعونه إلى المسير إليهم؛ ليبايعوه ويطردوا أميرهم النعمان بن بشير -﵁-، ومما ورد من كتب أهل الكوفة إلى الحسين -﵁- (أما بعد، فالحمد لله الّذي قصم عدوك الجبار العنيد
_________________
(١) مسلم بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، كنيته أبو داود، وكان أشبه ولد عبد المطلب بالنبي -ﷺ-، أدرك جماعة من الصحابة. ابن حبان: الثقات ٥/ ٣٩١.
(٢) كنه: كنه كلّ شيء: غايته. الفراهيدي: العين ٣/ ٣٨٠.
(٣) الأخبار الطوال ٢٢٩، ٢٣٠.
(٤) الأنساب ٣/ ١٥٧.
(٥) التاريخ ٥/ ٣٥١.
[ ١٣١ ]
الّذي انتزى على هذه الأمة، فابتزّها أمرها وغصبها فيْأَها، وتأمر عليها بغير رضا منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال اللّه دُولَةً بين أغنيائها، فبعدًا له كما بعدت ثمود، وليس علينا إمام فأقدم علينا لعل اللّه يجمعنا بك على الحق، واعلم أن النعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجمع معه جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه فألحقناه بالشام والسلام) (^١).
ومنها أيضا «بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من شيعةٍ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فحيهلا، فإن الناس، ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام) (^٢).
فبذلك نجد أن هذه الكتب أعطت للحسين -﵁- تصورًا يستحق المسير، فأمير الكوفة لا يجتمع إليه الناس ولا يُصلُّون خلفه، وأهلها مستعدون لطرده بشرط موافقة الحسين -﵁- ومسيره إليهم، وهذا ما جعل الحسين -﵁- يعزم على الخروج إليهم.
وهذه المبالغة من أهل الكوفة جعلت سليمان بن صُرَد -﵁- يشك في أمرهم؛ ولذلك اشترط عليهم النصرة للحسين -﵁- قبل مكاتبته من قبلهم ومن قوله لهم: (إن معاوية قد هلك، وإن حسينًا قد تقبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه، قال: فاكتبوا إليه) (^٣).
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٣/ ١٥٨. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٢.
(٢) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٣.
(٣) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٢.
[ ١٣٢ ]
ثم جاء هذا الخبر بجملة أسماء الذين كتبوا إلى الحسين بن علي -﵁-، وعند البحث عن هذه الأسماء في روايات مسندة لم نجدها ترد إلا عند الطبري من طريق أبي مخنف وهو غير موثوق، وسوف أبحث في حقيقة من هم الرجال الذين كتبوا ثم شاركوا في قتل الحسين -﵁- من أشراف الكوفة، حتى لا نتهم أحدًا من غير جرم.
أما سليمان بن صرد -﵁- فقد ورد اسمه في مكاتبة الحسين -﵁- ولم يرد في قتاله، وخرج في حركة التوابين (^١)؛ لأنه ندم ومن معه من الصادقين على خذله، وأما شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث، فقد كتبوا إلى الحسين -﵁- وشاركوا في قتاله.
فقد روي عن الحسين -﵁- أنه عاتبهم بقوله: (يا شبث بن ربعي،
ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث (^٢)، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم على جند لك مجند، فأقبل! قالوا له: لم نفعل، فقال: سبحان الله!! بلى والله، لقد فعلتم) (^٣).
عمرو بن الحجاج قد كتب إلى الحسين -﵁- وشارك في قتاله، حيث كان
_________________
(١) حركة التوابين: في سنة خمس وستين تحركت الشيعة للمطالبة بدم الحسين -﵁-؛ لأنهم ندموا على خذلانه فسموا بالتوابين وعلى رأسهم سليمان بن صرد، فقابلهم جند الشام في معركة عين الورد وهزموهم، وقتل سليمان بن صرد، وكان ممن كتب إلى الحسين -﵁-. ابن سعد: الطبقات ٦/ ٢٥. الطبري: التاريخ ٥/ ٥٥١.
(٢) قيس بن الأشعث بن قيس، كان على ربع ربيعة وكندة في القتال ضد الحسين -﵁- وقد كتب إلى الحسين -﵁-، ثم شارك في قتاله وطلب منه النزول على حكم عبيد الله بن زياد فأبى، ويذكر أنه هو من أخذ قطيفة الحسين -﵁-. البلاذري: الأنساب ٣/ ١٨٨، ٢٠٤. الطبري: التاريخ ٥/ ٤٢٥، ٤٥٣.
(٣) الطبري: التاريخ ٥/ ٤٢٥. البلاذري: الأنساب ٣/ ١٨٨.
[ ١٣٣ ]
على ميمنة عمر بن سعد قائد المعركة ضد الحسين -﵁- (^١).
محمد بن عمير بن عطارد ذكر في مكاتبة الحسين -﵁- ولم يذكر في قتاله (^٢)، ولم يخرج مع التوابين.
ولذلك أشك في مكاتبته للحسين -﵁-؛ لأني لم أقف على من أورد ذكره غير أبي مخنف.
* إرسال الحسين -﵁- ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة:
[٤٠]- (وقد كان مسلم بن عقيل خرج معه من المدينة إلى مكة، فقال له الحسين: يا ابن عم، قد رأيت أن تسير إلى الكوفة، فتنظر ما اجتمع عليه رأي أهلها، فإن كانوا على ما أتتني به كتبهم، فعَجِّلْ عليَّ بكتابك؛ لأُسرع القدوم عليك، وإن تكن الأخرى، فعجل الانصراف.
فخرج مسلم على طريق المدينة ليلم بأهله، ثم استأجر دليلين من قيس (^٣)، وسار، فضَلَّا ذات ليلة، فأصبحا، وقد تاها، واشتد عليهما العطش والحر، فانقطعا، فلم يستطيعا المشي، فقالا لمسلم: عليك بهذا السمت (^٤)، فالزمه لعلك أن تنجو، فتركهما مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة (^٥) الأنفس حتى أفضوا إلى طريق فلزموه، حتى وردوا الماء، فأقام مسلم بذلك الماء.
وكتب إلى الحسين مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء، يخبره خبره، وخبر الدليلين، وما ناله من الجهد، ويعلمه أنه قد تطير من الوجه الذي توجه
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٣/ ١٥٨، ١٨٧. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٣، ٤٢٢.
(٢) البلاذري: الأنساب ٣/ ١٥٨، الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٣.
(٣) ذكر الطبري ٥/ ٣٥٤: أن الذين أرسلهم الحسين -﵁- مع مسلم بن عقيل، قيس بن مسهر، وعمارة بن عبيد السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي.
(٤) السمت: الطريق، ومنه السير على الطريق بالظن. الفيروز آبادي: القاموس المحيط ١٥٤.
(٥) الحشاشة: بقية النفس. الزبيدي: تاج العروس ١٧/ ١٥١.
[ ١٣٤ ]
له، ويسأله أن يعفيه ويوجه غيره، ويخبره أنه مقيم بمنزله ذلك من بطن الحربث (^١).
فسار الرسول حتى وافى مكة، وأوصل الكتاب إلى الحسين، فقرأه وكتب في جوابه: أما بعد، فقد ظننت أن الجبن قد قصر بك عما وجهتك به، فامضِ لما أمرتك فإني غير معفيك، والسلام) (^٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٣) مختصرًا، والطبري (^٤) بمثلها.
* وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة:
[٤١]- (فسار مسلم حتى وافى الكوفة، ونزل في الدار التي تعرف بدار المختار بن أبي عبيد (^٥)، ثم عرفت اليوم بدار المسيب.
فكانت الشيعة تختلف إليه، فيقرأ عليهم كتاب الحسين) (^٦).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد، وجاء فيها أن الحسين -﵁- أمره أن ينزل عند هانئ بن عروة.
وفيها: (وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم، وكتب إلى الحسين بن علي: إني قدمت الكوفة فبايعني منهم إلى أن كتبت إليك ثمانية عشر ألفًا، فعَجِّلِ القدوم فإنه ليس دونها مانع، فلما أتاه كتاب مسلم أغذ السير حتى انتهى إلى زبالة،
_________________
(١) بطن الحربث: مكان بين اليمن وعمان. الحموي: البلدان ٢/ ٢٣٦. وذكر الطبري ٥/ ٣٤٥ اسمًا غير هذا، وهو (الخبيت)، وهو ماء بالعالية يشترك فيه أشجع وعبس. الحموي: البلدان ٢/ ٣٤٥. ولعله المراد هنا.
(٢) الأخبار الطوال ٢٣٠.
(٣) الأنساب ٣/ ١٥٩.
(٤) التاريخ ٥/ ٣٥٤.
(٥) المختار بن أبي عبيد الثقفي، خرج بالكوفة وتتبع قتلة الحسين -﵁- يقتلهم، كذب على الله وادعى أنه نبي وأن الوحي يأتيه، قتل في سنة سبع وستين. الذهبي: تاريخ الإسلام ٥/ ٢٢٦.
(٦) الأخبار الطوال ٢٣٠.
[ ١٣٥ ]
فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف) (^١).
والطبري بمثلها وزاد: (وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين، فأخذوا يبكون، فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري (^٢)، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعد، فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرك منهم، واللّه لأحدثنك عما أنا موطن نفسي عليه، واللّه لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتّى ألقى اللّه، لا أريد بذلك إلا ما عند الله.
فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي (^٣)، فقال: رحمك اللّه! قد قضيت ما في نفسك، بواجز مِنْ قولك، ثمّ قال: وأنا واللّه الّذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه.
ثمّ قال الحنفي مثل ذلك فقال الحجاج بن علي (^٤): فقلت لمحمّد بن بشير (^٥): فهل كان منك أنت قول؟ فقال: إن كنت لأحب أن يعز اللّه أصحابي بالظفر، وما كنت لأحب أن أقتل، وكرهت أن أكذب) (^٦).
_________________
(١) الطبقات ١/ ٤٥٨ (ت د. محمد السلمي).
(٢) عابس بن أبي شبيب اليشكري، بعثه مسلم في كتابه إلى الحسين -﵁- الرائد لا يكذب أهله، وذكر أنه اشترك مع الحسين وقتل معه. البلاذري: الأنساب ٣/ ١٩٧. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٨، ٤٤٤.
(٣) حبيب بن مظاهر الفقعسي، اشترك مع الحسين في معركة كربلاء وقتل فيها وحمل رأسه إلى عبيد الله ابن زياد. الطبري: التاريخ ٥/ ٤٣٩.
(٤) حجاج بن علي، روى عن علي -﵁-، وروي عنه أبي مخنف وهو شيخ مجهول. ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٣/ ١٦٤.
(٥) محمد بن بشير الهمذاني، لعله شيخ لأبي مخنف. فقد ذكر ابن عساكر ١٤/ ٢٠٤ رواية عنه، وسبقت ترجمته.
(٦) التاريخ ٥/ ٣٥٥. من طريق أبي مخنف.
[ ١٣٦ ]
نلاحظ هنا حجم الحماس الذي كان يكنه الشيعة لمناصرة الحسين -﵁-، والذي سرعان ما ذهب مع أدراج الرياح، ويبدو أن لسان حالهم كحال محمد بن بشير، فهم يريدون الحكم للحسين -﵁- ولم يوطنوا أنفسهم على الموت أصلًا في سبيل نصرته، وما أرادوا إلا الفتنة والإرجاف.
* موقف النعمان بن بشير -﵁- من مسلم بن عقيل وسبب عزله:
[٤٢]- (ففشا أمره بالكوفة حتى بلغ ذلك النعمان بن بشير أميرها، فقال: لا أقاتل إلا من قاتلني، ولا أثب إلا على من وثب عليّ، ولا آخذ بالقرفة (^١) والظنة، فمَنْ أبدى صفْحَتَه ونكث بيعته ضربتُه بسيفي ما ثبت قائِمُه في يدي، ولو لم أكن إلا وحدي. وكان يحب العافية ويغتنم السلامة.
فكتب مسلم بن سعيد الحضرمى (^٢) وعمارة بن عقبة (^٣)، وكانا عيني يزيد بن معاوية إلى يزيد يعلمانه قدوم مسلم بن عقيل الكوفة داعيًا للحسين بن علي، وأنه قد أفسد قلوب أهلها عليه، فإن يكن لك في سلطانك حاجة فبادر إليه من يقوم بأمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان رجل ضعيف أو متضاعف، والسلام.
فلما ورد الكتاب على يزيد أمر بعهد، فكتب لعبيد الله بن زياد على الكوفة، وأمره أن يبادر إلى الكوفة، فيطلب مسلم بن عقيل طلب الحرزة (^٤)
_________________
(١) القرفة: جاء معناها في باب القاف والراء والفاء والقرف من الذنب، وفلان يقرف بالسوء أي يرمى به ويظن به، واقترف ذنبًا أي أتاه وفعله. الفرهيدي: كتاب العين: ٥/ ١٤٦.
(٢) مسلم بن سعيد الحضرمي، والصحيح أن اسمه (عبد الله بن مسلم) الطبري ٥/ ٣٥٦، وهو حليف الأمويين كوفي من الثالثة، المعجم الصغير لرواة الإمام الطبري ١/ ٣٢٨.
(٣) عمارة بن عقبة بن أبي معيط، الأموي القرشي، وهو ممن أسلم عام الفتح، وقد نزل الكوفة وله بها ولد، ومن أولاده مدركه. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٤٨١، البلاذري: الأنساب ٩/ ٣٤٨.
(٤) الحرزة: في مادة (ح ر ز) كل شيء ضممته وحفظته فقد أحرزته إحرازًا. ابن دريد الأزدي: جمهرة اللغة ١/ ٥١٠.
[ ١٣٧ ]
حتى يظفر به، فيقتله، أو ينفيه عنهما (^١)، ودفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي (^٢) أبي قتيبة بن مسلم، وأمره بإغذاذ (^٣) السير، فسار مسلم حتى وافى البصرة، وأوصل الكتاب إلى عبيد الله بن زياد) (^٤).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٥) مختصرًا، والطبري (^٦) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية ذِكْرٌ لموقف النعمان بن بشير -﵁- حينما سمع بوجود مسلم وباختلاف الشيعة إليه، ولم يتأكد من ذلك، فلم يسمح لنفسه الخوض في دماء المسلمين دون بينة تذكر، ولذلك رد على عبد الله بن مسلم حينما اتهمه بالضعف بقوله: (أن أكون من المستضعفين في طاعة اللّه أحب إليّ من أن أكون من الأعزين في معصية اللّه) (^٧).
وكان سبب عزله كما سبق.
وقد ذكر ابن سعد (^٨) سببًا شذ فيه، وهو أن يزيد خاف أن النعمان بن
_________________
(١) في النسخة الأخرى (عنها). الأخبار الطوال: ت د. عصام علي الحاج.
(٢) مسلم بن عمرو بن حصين بن أسيد الباهلي، كان عظيم القدر عند يزيد بن معاوية، وجهه يزيد بتولية عبيد الله بن زياد الكوفة، ثم اشترك مع إبراهيم بن الأشتر في حربه ضد عبد الملك أيام مصعب، فلما قتل مصعب طلب الأمان فأمنه عبد الملك ثم مات من لحظته وكان قد ارتث. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٨/ ١١٤.
(٣) الإغذاذ: الإسراع في السير. الفرهيدي: كتاب العين ٤/ ٣٤٤.
(٤) الأخبار الطوال ٢٣١.
(٥) الأنساب ٢/ ٧٧.
(٦) التاريخ ٥/ ٣٥٥. بروايتين الأولى وفي سندها خالد بن يزيد بن أسد ذكر ابن عدي في الكامل ٣/ ٤٢٧ أن أحاديثه كلها لا يتابع عليها لاسندًا ولا متنًا، والأخرى من طريق أبي مخنف.
(٧) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٦.
(٨) الطبقات ١/ ٤٥٩ (ت د. محمد السلمي).
[ ١٣٨ ]
بشير -﵁- لا يقدم على الحسين -﵁-.
وقد كان لموقف النعمان بن بشير -﵁- ردة فعل من بعض الموالين ليزيد، فقد كتبوا إليه يخبرونه عن الخطر الذي قد أحدق بالكوفة، وهذا ما جعل يزيد بن معاوية يعزله ويولي بدلًا منه عبيد الله بن زياد وجمع له بين البصرة والكوفة (^١).
وجملة هذه الرواية لم ترد بسند يمكن القطع بصحته؛ ولذلك يستأنس بما ورد من خبر النعمان بن بشير -﵁-، وأما أمر يزيد فيُفْهَمُ منه أن سبب قتل مسلم هو ذلك الأمر، ولم يكن كذلك إذ إنَّ الأحداث التي حتمت المواجهة بين مسلم بن عقيل وبين أعوان عبيد الله كانت السبب المباشر لقتله، والتي تمثلت في أن شيعة الكوفة قد بايعوا مسلمًا وخرجوا معه لقتال جند عبيد الله، ثم خذلوه وأسلموه لعدوه فقتله، وسوف يأتي خبره مفصلًا.
* كتاب الحسين -﵁- لأهل البصرة:
[٤٣]- (وقد كان الحسين بن علي -﵁- كتب كتابًا إلى شيعته من أهل البصرة مع مولى له يسمى سلمان (^٢) نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مالك بن مسمع (^٣)،
_________________
(١) بعد وصول خبر مسلم بن عقيل إلى يزيد بن معاوية وموقف النعمان بن بشير -﵁- منه، استشار يزيد سرجون فيمن يولي الكوفة فأشار عليه بعبيد الله بن زيد فجمع له البصرة والكوفة، وهذا لم يثبت لأنه من طريق هشام بن محمد، وعوانة بن الحكم. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٦.
(٢) وذكر اسمه سليمان، قتل مع الحسين -﵁- في كربلاء قتله سليمان بن عوف الحضرمي. الطبري: التاريخ ٥/ ٤٦٩.
(٣) مالك بن مسمع بن شيبان، أسلم في زمن الرسول -ﷺ-، وهو سيد ربيعة في زمانه، قد وفد على معاوية -﵁- فأكرمه، توفي في سنة ثلاث وسبعين وقيل: أربع وسبعين للهجرة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٦/ ٤٩٧
[ ١٣٩ ]
والأحنف بن قيس (^١)، والمنذر بن الجارود (^٢)، ومسعود بن عمرو (^٣)، وقيس ابن الهيثم (^٤)، سلام عليكم، أما بعد، فإنى أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع، فإن تجيبوا تهتدوا سبل الرشاد، والسلام.
فلما أتاهم هذا الكتاب كتموه جميعًا إلا المنذر بن الجارود، فإنه أفشاه، لتزويجه ابنته هند من عبيد الله بن زياد، فأقبل حتى دخل عليه، فأخبره بالكتاب، وحكى له ما فيه، فأمر عبيد الله بن زياد بطلب الرسول، فطلبوه، فأتوه به، فضربت عنقه) (^٥).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٦)، والطبري (^٧) مطولًا، وجاء عندهم أن سبب إفشاء المنذر بن الجارود لكتاب الحسين -﵁- هو أن المنذر خاف أن يكون دسيسة من قبل عبيد الله بن زياد.
_________________
(١) واسمه الضحاك وقيل صخر بن قيس بن معاوية التميمي، ويكنى أبا بحر، سمي الأحنف لحنف في رجله: وهو العوج والميل، يضرب بحلمه وسؤدده المثل، أسلم في حياة النبي -ﷺ- ولم يره، وقد دعاء له النبي -ﷺ-. ابن سعد: الطبقات ٧/ ٩٣، الذهبي: السير ٤/ ٨٨.
(٢) المنذر بن الجارود بن عمرو بن حنش، ينتهي نسبه إلى أسد بن ربيعة، من وجوه أهل البصرة، كان مع علي -﵁- وولي اصطخر من قبله، وقد وفد على معاوية -﵁-، وولاه يزيد بن معاوية ثغر الهند ومات هناك سنة ٦١ هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٦٠/ ٢٨١.
(٣) مسعود بن عمرو العتكي، زعيم من بني عتيك، من الأزد اليمانيين، كان رئيس الأزد وربيعة في البصرة. الزركلي: الأعلام ٧/ ٢١٩. وقصة مقتله سوف تأتي مبسوطة في هذا الكتاب.
(٤) قيس بن الهيثم السلمي، وقيل: السامي، ذكر البخاري وابن أبي حاتم أن له صحبة، ولي خرسان من قبل عبد الله بن عامر زمن عثمان -﵁-، كان من أنصار بني أمية، ثم كان مع مصعب بن الزبير ولما انتهى زمنه، وفد على عبد الملك فعفى عنه، توفي بالبصرة. الطبري: التاريخ ٥/ ١٧٢، ابن حجر: الإصابة ٥/ ٣٨٤. الأعلام للزركلي ٥/ ٢٠٩.
(٥) الأخبار الطوال ٢٣١، ٢٣٢.
(٦) الأنساب ٢/ ٧٨.
(٧) التاريخ ٥/ ٣٥٧.
[ ١٤٠ ]
وقد انفرد صاحب الكتاب في ذكر سبب إفشاء المنذر بن الجارود لعبيد الله أنه بسبب النسب.
• نقد النص:
لم أقف على من أورد كتاب الحسين -﵁- إلى أهل البصرة مسندًا إلا الطبري من طريق أبي مخنف (^١) وهو ضعيف، ثم إن أهل البصرة لم يُذْكَرْ عنهم المشاركة في أمر الحسين -﵁-، وقد خَصَّتِ المصادر أهل الكوفة بذلك، وهم من دعوا الحسين -﵁- إليهم، ولو كان هو من دعاهم لبيعته لجاز أن يدعو أهل البصرة مثلهم.
ثم إن كتاب الحسين -﵁- المزعوم جاء فيه قول الحسين -﵁-: (وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ-، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أُحْيَت) (^٢).
فهو يشير إلى ظهور البدع وترك العمل بالكتاب والسنة، وهذا الأمر لا يمكن تصوره عن ذلك العصر، وهم بالقرن الأول من القرون المفضلة وكثير من الصحابة لا يزالون أحياء.
وقد أورد ابن كثير هذا الخبر وعلق عليه بقوله: (وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أن هذا مطرز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة) (^٣).
قلت: وإن ذلك منهم لكي يوجدوا العذر لإخوانهم الذين كتبوا للحسين -﵁-.
* * *
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٥٧.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٥٧.
(٣) البداية والنهاية ٨/ ١٧٠.
[ ١٤١ ]