رأينا فيما سبق أن المختار يتقلب في ولائه، وكأنه يبحث عن شيء ولم يجده، فقد كان يميل إلى معاوية -﵁-، ثم صار مع مسلم بن عقيل، ولما قُتِلَ انحاز إلى عبد الله بن الزبير -﵁-، ولما خرج المختار من عبد الله بن الزبير -﵁- إلى الكوفة، وكان عليها عبد الله بن مطيع، فأظهر مناصحة عبد الله بن الزبير -﵁-، وعابه في السر، ودعا إلى ابن الحنفية، وحرض الناس على ابن مطيع، وقتل صاحب شرطته، واتخذ له شيعة وخيلًا عظيمة، ثم هرب منه ابن مطيع (^٤).
فالمختار يتولى آل البيت وهم يتبرءون منه، ولا يثبت أن أحدًا منهم أثنى عليه، وهذا يدل على أنه لا شيء فوق الدين، فهم عرفوا كذب المختار وسوء
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٧/ ٣٧٦.
(٢) ابن سعد: الطبقات ٥/ ٩٨.
(٣) البلاذري: الأنساب ٦/ ٣٧٩.
(٤) ابن سعد: الطبقات ٥/ ١٤٧.
[ ٣٤٧ ]
عقيدته، ولذلك تبرؤوا منه، ولم ترد آثار صحيحة عن ابن عباس -﵁- (^١)، ولا عن محمد ابن الحنفية، ولا عن علي بن الحسين تذكر أنهم كانوا يتولون المختار، بل ورد عنهم ما يخالف ذلك ومن ذلك:
ما رواه البلاذري بسنده عن هشام بن عروة بن الزبير أنه قال: قيل
لابن عبّاسٍ إنّ المختار يزعم أنّه يوحى إليه، فقال: صدق إنّهما وحيان
وحيٌ اللّه إلى محمّدٍ -ﷺ-، ووحيٌ الشياطين، وقرأ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (^٢) (^٣).
قال فخر الدين الرازي: (المختارية أتباع المختار بن أبي عبيد الثّقفيّ وهم يقولون: إن الإمام بعد الحسين هو محمّد ابن الحنفيّة، ثمّ زعم المختار أنه نائب محمّد ودعا الخلق إلى الضّلالة وأراد محمّد أن يقصد نحوه ويمنعه عن ذلك، فلمّا علم المختار أنه يريد قصده صعد المنبر وقال: يا قوم قد ذُكِرَ أن إمامكم قد قصد نحوكم، ومن أمارات الإمام ألا يؤثر فيه السّيف فإذا أتى فجربوا هذا فلمّا بلغ ذلك محمّدًا، وأنه قد قصد بذلك قتله هرب) (^٤).
أما علي بن الحسين، فقد تبرأ من المختار على رءوس الأشهاد، وذلك
_________________
(١) فقد روى البلاذري في الانساب ٦/ ٤٤٦ عن عبّاس بن هشام عن أبيه عن جدّه عن أبي صالحٍ قال: (كان ابن عبّاسٍ يقول في المختار: طلب بثأرِنا، وقتل قَتَلَتنا، فنهاه محمّد ابن الحنفيّة، وقال: نحن أعلم به فلا تقل فيه من الخير شيئًا)، وهذا الخبر روي عن عباس بن هشام الكلبي عن أبيه هشام عن جده محمد، وكلهم ضعاف. وروى ابن سعد، في الطبقات ٥/ ٧٣ عن الواقدي وهو ضعيف نحوًا مما سبق من كلام ابن عباس عن المختار.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢١.
(٣) الأنساب ٦/ ٤٤٦. وقد روي هذا الأثر أيضًا عن ابن عمر -﵁- فقد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٩، والطبراني في المعجم الأوسط ١/ ٢٨٣، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٣٣٣ أن رجاله رجال الصحيح.
(٤) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ١/ ٦٢.
[ ٣٤٨ ]
لما سأل أبا جعفر عن المختار قال: (إنّ عليّ بن حسينٍ قام على باب الكعبة، فلعن المختار، فقال له رجلٌ: جعلني اللّه فداك، تلعنه وإنّما ذبح فيكم؟ فقال: إنّه كان كذّابًا، يكذب على اللّه وعلى رسوله) (^١).
وقد ابتدأ المختار دعوته في الكوفة سنة أربع وستين، وكانت متزامنة مع حركة التوابين التي يقودها سليمان بن صرد فانحازت طائفة من الشيعة إليه، وكان سليمان أثقل شيء عليه (^٢).