* خبر المختار مع عبد الله بن مطيع:
[١٥٥]- (قالوا: وكان على شرطة عبد الله بن مطيع بالكوفة إياس بن نضار العجلي (^١)، وكان طريق إبراهيم بن الأشتر إذا ركب إلى المختار على باب داره، فأرسل إلى إبراهيم: إنه قد كثر اختلافك في هذا الطريق، فأقصر عن ذلك.
فأخبر إبراهيم المختار بما أرسل إليه إياس، فقال له المختار: تجنب ذلك الطريق، وخذ في غيره. ففعل.
وبلغ إياسًا أن إبراهيم بن الأشتر لا يقلع عن إتيان المختار كل يوم، فأرسل إليه: أن أمرك يريبني، فلا أرينك راكبًا، ولا تبرحن منزلك، فأضرب عنقك.
فأخبر إبراهيم المختار بذلك. واستأذنه في قتله، فأذن له، وإن إبراهيم ركب في جماعة من أهل بيته وما يليه، وجعل طريقه على مجلس إياس، فقال له إياس: يا ابن الأشتر، ألم آمرك ألا تبرح من منزلك؟ فقال له إبراهيم: أنت والله ما علمت أحمق، فقال للجلاوزة: نكسوه، فانتضى إبراهيم سيفه، وشد على إياس، فضربه حتى قتله. ثم حمل على الجلاوزة، فانحرفوا عنه، ومضى إبراهيم.
وبلغ عبد الله بن مطيع الخبر، فأمر بطلب إبراهيم، ووجه إلى منزله، وبلغ ذلك المختار، فوجه إلى إبراهيم بمائة فارس، فلما وافوه حمل على أصحاب
_________________
(١) إياس بن (مضارب) بدل (نضار) العجلي، تولى شرطة ابن مطيع، قتله إبراهيم بن الأشتر لما وقف في طريقه وأراد أن يقبض عليه ويرسله إلى ابن مطيع. البلاذري: الأنساب ٦/ ٣٨٣، ٣٨٩.
[ ٣٥٦ ]
ابن مطيع، فانهزموا عنه، فأقبل إبراهيم نحو دار الإمارة، ووافاه المختار في سبعة آلاف فارس، فتحصن ابن مطيع في القصر، وبعث إلى الحرس والجند، فوافاه منهم نحو ثلاثة آلاف (^١) رجل، فنادى يا لثارات الحسين، فوافاه زهاء عشرة آلاف رجل ممن بايعه على الطلب بدم الحسين.
وفي ذلك يقول عبد الله بن همام:
وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى … ويزويه عن رود الشباب شموع
دعا، يالثارات الحسين فأقبلت … كتائب من همدان بعد هزيع
ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك … يقود جموعًا أردفت بجموع
ومن أسد وافى يزيد لنصره … بكل فتى ماضى الجنان منيع (^٢)
وخرج ابن مطيع من القصر، واجتمع إليه الجنود، ونهد إليه المختار في أصحابه، وعلى مقدمته ابن الأشتر، فالتقوا، فاقتتلوا، فقتل من أصحاب ابن مطيع بشر كثير، فانهزموا.
وبادر ابن مطيع إلى القصر، فتحصن فيه في طائفة من أصحابه، وأقبلت همدان حتى تسلقوا القصر بالحبال من ناحية دار عمارة بن عقبة بن أبي معيط (^٣).
فلما رأى ابن مطيع ضعفه عن القوم سأل الأمان على نفسه ومن معه من أصحابه، فأجابه المختار إلى ذلك، فآمنه.
فخرج ابن مطيع، وأظهر المختار إكرامه، وأمر له من بيت المال بمائة
_________________
(١) في البلاذري: الأنساب ٦/ ٣٩١ عدد من كان مع المختار ثلاثة آلاف وثمانمائة.
(٢) جاءت هذه الأبيات عند البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٠٢، والطبري: التاريخ ٦/ ٣٥.
(٣) عمارة بن عقبة بن معيط القرشي والأموي، من مُسْلمة الفتح، عِداده في أهل الكوفة. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٤٨١.
[ ٣٥٧ ]
ألف ألف درهم، وحفظ فيه قرابته من عمر بن الخطاب، وقال له: ارحل إذا شئت) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢) مختصرًا، والبلاذري (^٣) والطبري (^٤) مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية ذكر للمواجهة التي تمت بين عبد الله بن مطيع وبين المختار.
وما جاء به البلاذري (^٥) والطبري (^٦) في أمر ابن مطيع مع المختار أن ابن مطيع لما حُصِرَ أشار عليه أصحابه بالخروج، فخرج واستخفى، ثم إن المختار علم بمكانه فبعث له بمال ثم خرج من الكوفة.
وقد ورد أن سبب عفو المختار عن ابن مطيع أنه كان صديقًا له من قبل (^٧).
وأما قول صاحب الكتاب أن المختار حفظ قرابة ابن مطيع بعمر بن الخطاب -﵁- فقد انفرد بهذا القول، ويبدو أنه من تعليقه على الحادثة، وإلا فمنهج المختار وفعله لا يجعله أهلًا لأن يوالي أحدًا من الصحابة، إلا أن يكون ذلك منه تقية، وأما عدم قتله عبد الله بن مطيع وأصحابه فلعله لا يريد تهييج أهل العراق وهو في بداية دعوته، وحتى يزداد بعفوه عنهم محبة أتباعه.
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٩٠، ٢٩١، ٢٩٢.
(٢) الطبقات ٥/ ١٤٧.
(٣) الأنساب ٦/ ٣٨٩.
(٤) التاريخ ٦/ ١٨.
(٥) الأنساب ٦/ ٣٩٤.
(٦) التاريخ ٦/ ٣٣.
(٧) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٣.
[ ٣٥٨ ]
وروى ابن سعد (^١) سببًا آخر شذ فيه عن حرب المختار مع ابن مطيع، وقد تمثل في أن المختار أراد أن يخطئ ابن مطيع ويقلل من سياسته في العراق وأن قيامه عليه ونزع إمارته من الكوفة كان بسبب أن ابن مطيع يوالي بني أمية وقد كتب لعبد الله بن الزبير -﵁- بذلك.
[١٥٦]- (ثم إن المختار غلب على الكوفة ودانت له العراق وسائر البلاد إلا الجزيرة والشام ومصر، فإن عبد الملك قد كان حماها، ووجه عماله في الآفاق.
فاستعمل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني (^٢) على الموصل، ومحمد بن عثمان التميمي (^٣) على أذربيجان (^٤)، وعبد الله بن الحارث (^٥) أخا الأشتر على الماهين وهمذان (^٦)، ويزيد بن معاوية البجلي على أصبهان (^٧) وقم (^٨) وأعمالها، وابن مالك البكراوي (^٩)
_________________
(١) الطبقات ٥/ ١٤٨. من طريق الواقدي.
(٢) عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، الكوفي، من سادات همدان، من الطبقة الثالثة، ولا يوجد له ترجمة. الفلوجي: المعجم الصغير ١/ ٢٨٣.
(٣) وعند الطبري: التاريخ ٦/ ٣٤ أنه محمد بن عمير بن عطارد، وقد سبقت ترجمته.
(٤) أذربيجان: كورة تلي الجبل، من بلاد العراق، وتقع غرب أرمينية. الحميري: الروض المعطار ٢٠.
(٥) عبد الله بن الحارث وهو أخي الأشتر، من أعيان الكوفة، كان من النفر الذين كلموا زياد في أمر حجر حتى أمنه إلى معاوية -﵁-، وأول من عقد له المختار راية وذلك على أرمينية. الطبري: التاريخ ٥/ ٢٦٤، ٦/ ٣٤.
(٦) همذان: مدينة من عراق العجم من كور الجبل، وهي الآن مقاطعة فارسية. الحميري: الروض المعطار ٥٩٦. الحربي: معالم مكة ١٠١.
(٧) أصبهان: مدينة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، وهي من نواحي الجبل، وأصبهان اسم للإقليم بأسره، وكانت مدينتها جيا ثم صارت اليهودية. الحموي: البلدان ١/ ٢٠٦.
(٨) قم: مدينة بأرض الجبال بين ساوة وأصبهان، أهلها شيعة غالية. القزويني: آثار البلاد ٤٤٢.
(٩) عند الطبري: التاريخ ٦/ ٣٤، أن على حلوان سعد بن حذيفة بن اليمان.
[ ٣٥٩ ]
على حلوان (^١) وماسبذان (^٢)، ويزيد بن أبي نجبة الفزاري (^٣) على الري ودستبى، وزحر بن قيس على جوخى (^٤)، وفرق سائر البلدان على خاصته) (^٥).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٦). وقد انفرد صاحب الكتاب بقوله: (ودانت له البلاد إلا ما كان من الشام ومصر).
• نقد النص:
في هذه الرواية بالغ صاحب الكتاب بالمناطق التي سيطر عليها المختار، وكأنه يريد تعظيم أمره، والإشادة به وبملكه، وقوله: (دانت له البلاد إلا مصر والشام) ليس دقيقًا وهو عار من الصحة، فأين المهلب والمناطق التي حررها من الخوارج وهي تابعة لعبد الله بن الزبير -﵁- مع الحجاز، بل إن البصرة لم يُحْكَم القبضة عليها، ومنها انطلقت الجيوش بقيادة مصعب للقضاء عليه كما سيأتي معنا في حديث القضاء على المختار.
والذي يظهر والله أعلم أنه لم يسيطر إلا على الكوفة والموصل والجزيرة وما حولها ودليل هذا ما رواه البلاذري بسنده: (أن مصعب بن الزّبير لما فرغ من قتال المختار، كان إبراهيم بن الأشتر على الموصل والجزيرة وأذربيجان وأرمينية، فعزله ووجهه لقتال الأزارقة، ووجه المهلب بن أبي صفرة على عمله، ثمّ عزل المهلب ورد إبراهيم بن الأشتر على العمل، ووجه المهلب لقتال الأزارقة) (^٧).
_________________
(١) حلوان: من كور الجبل بين فارس والأهواز. الحميري: الروض المعطار ١٩٥.
(٢) ماسبذان: أحد فروع الكوفة. الحميري: الروض المعطار ٥١٩.
(٣) لم أقف على ترجمة له.
(٤) جوخى: كورة بالعراق وهو ماسقي من نهر جوخى. الحميري: الروض المعطار ١٨١.
(٥) الأخبار الطوال ٢٩١، ٢٩٢.
(٦) التاريخ ٦/ ٣٤ من طريق أبي مخنف.
(٧) الأنساب ٧/ ٨٣.
[ ٣٦٠ ]
[١٥٧]- (وولى الشرطة كيسان أبا عمرة (^١)، وأمره أن يجمع ألف رجل من الفعلة بالمعاول، وتتتبع دور من خرج إلى قتال الحسين بن علي، فيهدمها.
وكان أبو عمرة بذلك عارفًا، فجعل يدور بالكوفة على دورهم، فيهدم الدار في لحظة، فمن خرج إليه منهم قتله، حتى هدم دورًا كثيرة، وقتل أناسًا كثيرين، وجعل يطلب ويستقصي، فمن ظفر به قتله، وجعل ماله وعطاءه لرجل من أبناء العجم الذين كانوا معه) (^٢).
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
والذي جاء في البلاذري (^٣) والطبري (^٤) من فعل كيسان أبا عمرة: أن المختار بعثه لقتل عمر بن سعد فقتله، ثم بعثه لقتل خولي بن يزيد الأصبحي.
* حرب المختار مع أهل الشام:
[١٥٨]- (ثم إن المختار عقد ليزيد بن أنس الأسدي في عشرين ألف رجل وقواهم بالسلاح والعدة، وولاه الجزيرة وما غلب عليه من أرض الشام، فسار يزيد حتى نزل نصيبين (^٥).
وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فخرج بأهل الشام فوافى نصيبين، وقاتل يزيد بن أنس، فهزمه، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وبلغ المختار
_________________
(١) وعند البلاذري: الأنساب ٦/ ٣٩٥ أن عبد الله بن كامل الشاكري ولي شرطة المختار، وأن كيسان أبو عمرة مولى عرينة ولي حرس المختار، وهو صاحب الكيسانية.
(٢) الأخبار الطوال ٢٩٢.
(٣) الأنساب ٦/ ٤٠٦.
(٤) التاريخ ٦/ ٥٩، ٦٠.
(٥) نصيبين: تقع في أقصى الشمال من الجزيرة الفراتية بين حدود تركيا وسوريا، وهي على الطريق بين الموصل وحلب. الحربي: معجم المعالم الجغرافية ٣١٩.
[ ٣٦١ ]
ذلك، فقال لإبراهيم بن الأشتر: أيها الرجل، إنما هو أنا وأنت، فسر إليهم، فوالله لتقتلن الفاسق عبيد الله بن زياد، أو لتقتلن الحصين بن نمير، وليهزمن الله بك ذلك الجيش، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب، وعرف الملاحم.
قال إبراهيم: ما أحسبك أيها الأمير بأحرص على قتال أهل الشام، ولا أحسن بصيرة في ذلك مني، وأنا سائر.
فانتخب له المختار عشرين ألف رجل، وكان جلهم أبناء الفرس الذين كانوا بالكوفة، ويسمون الحمراء، وسار نحو الجزيرة، ورَدَّ مَنْ كان انهزم من أصحاب يزيد بن أنس، فصار في نحو من ثلاثين ألف رجل.
وبلغ ذلك عبد الملك، فعقد للحصين بن نمير في فرسان أهل الشام، وكانوا نحوًا من أربعين ألفًا، وفيهم عبيد الله بن زياد، وفيهم من قتلة الحسين: عمير بن الحباب (^١)، وفرات بن سالم (^٢)، ويزيد بن الحضين (^٣)، وأناس سوى هؤلاء كثير.
فقال فرات لعمير: قد عرفت سوء ولاية بني مروان، وسوء رأيهم في قومنا من قيس، ولئن خلص الأمر، وصفا لعبد الملك ليستأصلن قيسًا، أو ليقصينهم، ونحن منهم، فانصرف بنا لننظر ما حال إبراهيم بن الأشتر.
فلما جنهما الليل ركبا فرسيهما، وبينهما وبين عسكر إبراهيم أربعة فراسخ، وكانا يمران بمسالح أهل الشام، فيقولون لهما: من أنتما؟ فيقولان:
_________________
(١) عمير بن الحباب بن جعدة السلمي، الشاعر، أحد فرسان العرب المشهورين بالنجدة، له أخبار مع عبد الملك بن مروان، وكان مع عبيد الله بن زياد يوم الخارز ثم انحاز إلى إبراهيم بن الأشتر، قاتل بني تغلب وله معهم وقائع، فقتلوه بعدما أثخن فيهم وقتل ساداتهم، وذلك سنة سبعين من الهجرة. البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٢٤. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٤٦/ ٤٧٢.
(٢) فرات بن سالم، لم أقف على ترجمة له.
(٣) لم أقف على ترجمة له.
[ ٣٦٢ ]
طليعة للأمير الحصين بن نمير.
فأقبلا حتى أتيا عسكر إبراهيم بن الأشتر، وقد أوقد النيران، وهو قائم يعبي أصحابه، وعليه قميص أصفر هروي وملاءة موردة متوشحًا بها، متقلدًا سيفه.
فدنا منه عمير بن الحباب، فصار خلفه، وإبراهيم لا يأبه له، فاحتضنه من ورائه، فما تحلحل إبراهيم عن موضعه، غير أنه أمال رأسه، وقال:
من هذا؟ قال: أنا عمير بن الحباب. فأقبل بوجهه إليه، وقال: اجلس حتى أفرغ لك. فتنحَّى عنه، وقعدا ممسكين بأعنة فرسيهما.
فقال عمير لصاحبه: هل رأيت رجلًا أربط جأشًا، وأشد قلبًا من هذا؟ تراه تحلحل من مكانه، أو اكترث (^١) لي، وأنا محتضنه من خلف، فقال له صاحبه: ما رأيت مثله.
فلما فرغ إبراهيم من تعبئة أصحابه أتاهما، فجلس إليهما، ثم قال لعمير: ما أعملك إليّ يا أبا المغلس؟.
قال عمير: لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك، وذلك أني لم أسمع فيه كلامًا عربيًّا حتى انتهيت إليك، وإنما معك هؤلاء الأعاجم، وقد جاءك صناديد أهل الشام وأبطالهم، وهم زهاء أربعين ألف رجل، فكيف تلقاهم بمن معك؟.
فقال إبراهيم: والله لو لم أجد إلا النمل لقاتلتهم بها، فكيف وما قوم أشد بصيرة في قتال أهل الشام من هؤلاء الناس الذين تراهم معي؟ وإنما هم أولاد الأساورة من أهل فارس، والمرازبة، وأنا ضارب الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند الله.
_________________
(١) أكترث: ما أكترث له أي ما أبالي به. الزبيدي: تاج العروس ٥/ ٣٣٣.
[ ٣٦٣ ]
قال عمير: إن قومي قيسًا، إذا التقى الجبلان غدًا في ميسرة أهل الشام فلا تحفل بنا، فإنا منهزمون لنكسر الجيش بذلك، فإنا لا نحب ظهور بني مروان لسوء صنيعهم إلينا معاشر قيس، وأنا إليك لأميل.
قال إبراهيم: وذاك، ثم انصرفا إلى معسكرهما. ولما أصبح الفريقان زحف بعضهم إلى بعض، فتواقفوا بمكان يدعى خازر (^١) فنادى إبراهيم بن الأشتر حماة عسكره عليكم بالميسرة، وفيها قيس.
فقال عمير بن الحباب لصاحبه: هذا وأبيك الحزم، لم يثق بقولنا وخاف مكرنا. وصاح عمير بن الحباب في قيس، يا لثارات مرج راهط، فنكسوا أعلامهم، وانهزموا، فانكسر أهل الشام. وحمل عليهم إبراهيم بن الأشتر، فأكثر فيهم القتل، وانهزم أهل الشام، فأتبعهم إبراهيم يقتلهم إلى الليل، وقتل أميرهم الحصين بن نمير وكان من قتلة الحسين، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وعظماء أهل الشام.
فلما وضعت الحرب أوزارها قال إبراهيم بن الأشتر: إني قتلت في الوقعة رجلًا من أهل الشام، كان يقاتل في أوائلهم قتالًا شديدًا، وهو يقول: أنا الغلام القرشي، فلما سقط شممت منه ريح المسك، فاطلبوه بين القتلى.
فطلب حتى أصابوه، فإذا هو عبيد الله بن زياد، فأمر به إبراهيم، فحز رأسه، فوجَّه به إلى المختار، فوجه به المختار إلى محمد ابن الحنفية، واحتوى إبراهيم بن الأشتر على عسكر الشام، فغنم ما كان فيه) (^٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٣) والطبري (^٤) مطولًا.
_________________
(١) خازر: نهر بناحية الموصل معروف. الحميري: الروض المعطار ٢١٢.
(٢) الأخبار الطوال ٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٥.
(٣) الأنساب ٦/ ٤٢٣.
(٤) التاريخ ٦/ ٨٦.
[ ٣٦٤ ]
• نقد النص:
جاءت هذه الرواية مسندة من طريق أبي مخنف، وقد زاد فيها عند صاحب الكتاب من قول عمير بن الحباب: (لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك) إلى قوله: (والنصر من عند الله) وكأنه يشير إلى أن المعركة التي فيها الانتقام من أهل الشام الذين قتلوا الحسين -﵁- بزعمه قامت على الفرس الذين مع ابن الأشتر، وهو بذلك يشير إلى عظمة الوجود الفارسي المنتقم للحسين -﵁- ويثبته ويشيد به، وهذا يضاف إلى قومية المؤلف، والرد على ذلك أن هذه الزيادة انفرد بها، ثم إن أهل الشام لم يقتلوا الحسين -﵁- ولم يكن من بينهم إلا عبيد الله بن زياد، وأن الذي قتل الحسين -﵁- كما سبق معنا هم أهل الكوفة.
وهذا قد ورد ما يخالفه وهو ما رواه البلاذري (^١) أن عماد جيش ابن الأشتر هم من همدان وتميم وكندة وربيعة ومذحج وأسد، وربع من أهل المدينة وهم زهاء تسعة آلاف.
وذكر في هذه الرواية خبر هزيمة جيش الشام من قبل المختار بقيادة إبراهيم بن الأشتر، وأن سبب الهزيمة هو انهزام جيش الشام بسبب دخول عمير بن الحباب مع ابن الأشتر وذلك باتفاق مسبق بين القائدين، وقد جاء البلاذري (^٢) من طريق المدائني بمثله، وهذا لم يثبت، فقد ذكر الطبري (^٣) في رواية أخرى أن عمير بن الحباب أتى إلى ابن الأشتر فنصحه بمناجزة القوم وواعده بالانهزام، ولكنه لم يفعل وقاتل كراهية الانسحاب ثم أتى إلى ابن الأشتر بعد المعركة.
_________________
(١) الأنساب ٦/ ٤٢٣.
(٢) المصدر السابق ٦/ ٤٤٩.
(٣) الطبري: التاريخ ٦/ ٨٩.
[ ٣٦٥ ]
ثم أتت الرواية على بعض خرافات المختار، وما فيها من الإخبار بالغيب ومنها قوله: (والله لتقتلن الفاسق عبيد الله بن زياد، أو لتقتلن الحصين بن نمير، وليهزمن الله بك ذلك الجيش، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب، وعرف الملاحم).
[١٥٩]- (فأتته هند ابنة أسماء بن خارجة الفزاري (^١)، امرأة عبيد الله بن زياد، فأخبرته بانتهاب ما كان معها من مالها، فقال لها: كم ذهب لك؟ قالت: قيمة خمسين ألف درهم. فأمر لها بمائة ألف درهم، ووجه معها مائة فارس حتى أتوا بها أباها البصرة) (^٢).
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية خبر هند بنت أسماء، وأنها شكت إلى إبراهيم بن الأشتر ما أصابه الجند من مالها وأنه رد ذلك عليها، وهذا الخبر لم يرد بسند يمكن الاعتماد عليه، وما ذكره غيره يخالفه تمامًا.
فأما الطبري (^٣) فذكر من خبرها في هذه المعركة أن عيينة بن أسماء (^٤) حمل أخته هند لما قتل عبيد الله بن زياد.
وأما ابن عساكر فذكر من خبرها بسنده: (كانت هند بنت أسماء بن
_________________
(١) هند بنت أسماء بن خارجة الفزارية، يذكر أنه لم يكن في زمانها مثلها في عقلها وأدبها، وجمالها كانت زوجة عبيد الله بن زياد، وهي لا تفارقه لا في حضر ولا في سفر، وقد حضرت معه يوم الخازر، فلما مات حزنت عليه أشد الحزن، ثم خلف عليها بشر بن مروان، ثم بعده الحجاج. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٧٠/ ١٦٥. الزركلي: الأعلام ٨/ ٩٦.
(٢) الأخبار الطوال ٢٩٦.
(٣) التاريخ ٦/ ٩٠.
(٤) عيينة بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري الكوفي، الشريف، الشاعر، كان مع ابن الأشعث، ولما كان يوم دير الجماجم خرج إلى الحجاج وفارق ابن الأشعث. البلاذري: الأنساب ٧/ ٣٠٣. المرزباني: معجم الشعراء ٢٧٦.
[ ٣٦٦ ]
خارجة عند عبيد الله بن زياد بن أبيه وهو ابتكرها وكانا لا يفترقان في سفر ولا حضر، فقتل يوم الخازر وهو من الزاب، وهي معه، فقالت: لا يستمكن هؤلاء مني، ثم شدت عليها قباءة وعمامته ومنطقته وركبت فرسه الكامل، ثم خرجت حتى دخلت الكوفة في بقية يومها وليلتها، ليس معها أنيس) (^١).
[١٦٠]- (ودخل عبيد الله بن عمرو الساعدي (^٢)، وكان شاعرًا على إبراهيم بن الأشتر، فأنشده:
الله أعطاك المهابة والتقى … وأحل بيتك في العديد الأكثر
وأقر عينك يوم وقعة خازر … والخيل تعثر بالقنا المتكسر
من ظالمين كفتهم آثامهم … تركوا لعافية وطير حسر
ما كان أجرأهم، جزاهم ربهم … شر الجزاء على ارتكاب المنكر
إني أتيتك إذ تناءى منزلي … وذممت إخوان الغنى من معشري
وعلمت أنك لا تضيع مدحتي … ومتى أكن بسبيل خير أشكر
فهلم نحوي، من يمينك نفحة … إن الزمان ألح يا ابن الأشتر
فأعطاه عشرة آلاف درهم) (^٣).
انفرد صاحب الكتاب بهذه الأبيات.
• نقد النص:
وقد أورد هذه الأبيات تأكيدًا منه على ما ذكره في الرواية السابقة أن سبب قتال أهل الشام لأنهم قتلة الحسين -﵁-، وهو بذلك يريد أن ينفي التهمة عن
_________________
(١) تاريخ دمشق ٧٠/ ١٦٥.
(٢) لم أقف على ترجمة له.
(٣) الأخبار الطوال ٢٩٦.
[ ٣٦٧ ]
أهل الكوفة ويحولها إلى أهل الشام.
[١٦١]- (وإن إبراهيم بن الأشتر أقام بالموصل، ووجه عماله إلى مدن الجزيرة، فاستعمل إسماعيل بن زفر (^١) على قرقيسيا، وحاتم بن النعمان الباهلي (^٢) على حران والرها وسميساط (^٣)، وعمير بن الحباب السلمي على كفرتوثا (^٤)، والسفاح ابن كردوس (^٥) على سنجار (^٦)، وعبد الله بن مسلم (^٧) على ميافارقين (^٨)، ومسلم بن ربيعة العقيلي (^٩) على آمد (^١٠)، وسار هو إلى نصيبين، فأقام بها) (^١١).
_________________
(١) ولعل الصحيح من اسمه زفر بن الحارث كما جاء عند البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٢٧ من طريق الهيثم بن عدي، وهو زفر بن الحارث بن عبد عمرو الكلابي، من أمراء العرب، سكن البصرة ثم الشام، هرب بعد مرج راهط وتحصن بقرقيسيا، توفي بخلافة عبد الملك. الذهبي: تاريخ الإسلام ٥/ ٤٠٣.
(٢) حاتم بن النعمان بن عمر الباهلي، كان سيد بني باهلة، افتتح مرو سنة ٣١ هـ وشهد مع معاوية -﵁- صفين وكان أميرًا على بعض العسكر. ابن عساكر: تاريخ دمشق ١١/ ٣٧٩.
(٣) سميساط: مدينة على شاطي الفرات في طرف الروم. الحموي: البلدان ٣/ ٢٥٨.
(٤) كفر توثا: قرية كبيرة من أعمال الجزيرة. القطيعي: مراصد الاطلاع ٣/ ١١٩٦.
(٥) لم أقف على ترجمة له.
(٦) سنجار: مدينة مشهورة في نواحي الجزيرة، بينها وبين الموصل ثلاثة أيام. الحموي: البلدان ٣/ ٢٦٢.
(٧) عبد الله بن مسلم لم أقف على ترجمة له.
(٨) ميفارقين: من أشهر المدن بديار بكر في الجزيرة. الحموي: البلدان ٥/ ٣٣٥.
(٩) مسلم بن ربيعة بن عاصم العقيلي، لم أقف على ترجمة له ولم أقف على من جاء بذكره في هذا الموضع، وابنه إسحاق بن مسلم كان من قواد مروان بن محمد وله ترجمة عند ابن عساكر: تاريخ دمشق ٨/ ٢٨٠.
(١٠) آمد: مدينة من أعمال الموصل والجزيرة، ما بين دجلة والموصل، قريبة من ميفارقين. الحميري: الروض المعطار ٣.
(١١) الأخبار الطوال ٢٩٦، ٢٩٧.
[ ٣٦٨ ]
ذكر الطبري: (ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عماله عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سنجار ودارا، وما والاها من أرض الجزيرة) (^١).
وذكر البلاذري نحوًا من رواية الطبري، وزاد عن الهيثم بن عدي أنه قال: (ولَّى ابن الأشتر زفر بن الحارث قرقيسيا، وحاتم بن النعمان الباهلي حران والرها، وسميساط وناحيتها، وعمير بن الحباب كفرتوثا وطور عبدين) وقال البلاذري: (وليس ذلك بثبت عند الكلبي) (^٢).
• نقد النص:
هنا نجد البلاذري شكك في رواية الهيثم بن عدي، التي اعتمدها صاحب الكتاب في دخول أمراء الشام، وهم زفر بن الحارث في أمر المختار وتوليته قرقيسيا، وفي تولية حاتم بن النعمان الباهلي، فلم أجد من تابعه على ذلك حتى في أمر عمير بن الحباب، ولو ثبت دخوله في أمر المختار لثبت تواطؤه مع ابن الأشتر في يوم الخازر، كما ذكرت الرواية رقم [١٥٨]، والتي فيها أن عميرًا من قتلة الحسين -﵁-، ثم يُعطَى ولاية بعد المعركة وهذا كله من التناقض.
وما اختاره صاحب الكتاب من رواية الهيثم في أمراء الشام، ودخولهم بأمر المختار يوحي أن جملة أمراء الشام دخلوا في أمر المختار، وهذا منه ومن الهيثم تعظيمًا لشأن المختار وتثبيتًا لسلطانه.
* عبيد الله بن الحر والمختار:
[١٦٢]- (وإن المختار كتب إلى عبيد الله بن الحر الجعفى، وكان
_________________
(١) التاريخ ٦/ ٩٣.
(٢) الأنساب ٦/ ٤٢٧.
[ ٣٦٩ ]
بناحية الجبل يتطرف (^١) ويغير: إنما خرجت غضبًا للحسين، ونحن أيضًا ممن غضب له، وقد تجردنا لنطلب بثأره، فأعنا على ذلك، فلم يجبه عبيد الله إلى ذلك.
فركب المختار إلى داره بالكوفة فهدمها، وأمر بامرأته أم سلمة، ابنة عمر الجعفي (^٢)، فحُبِسَتْ في السجن، وانتهب جميع ما كان في منزله، وكان الذي تولى ذلك عمرو بن سعيد بن قيس الهمداني (^٣)، وبلغ ذلك عبيد الله بن الحر، فقصد إلى ضيعة لعمرو بن سعيد بالماهين (^٤)، فأغار عليها، واستاق مواشيها، وأحرق زرعها، وقال:
وما ترك الكذاب من جُلِّ مالنا … ولا المرء من همدان غير شريد
أفي الحق أن يجتاح مالي كله … وتأمن عندي ضيعة ابن سعيد؟ (^٥)
ثم اختار من أبطال أصحابه مائة فارس، فيهم محشر التميمي (^٦)، ودلهم بن زياد المرادي (^٧)، وأحمر طيّئ (^٨)، وخلف بقية أصحابه بالماهين،
_________________
(١) التطرف: هو التباعد. الزبيدي: تاج العروس ٢٤/ ٨٧.
(٢) ولعل الصحيح من اسمها: أم سلمة بنت عبدة بن الحليق الجعفية. البلاذري: الأنساب ٧/ ٣٢.
(٣) والصحيح من اسمه أنه (عبد الرحمن) بدل (عمرو) بن سعيد بن قيس، شجاع من أشراف اليمنيين، من شبام، كان سيد قومه، تولى الموصل للمختار، ثم قام مع أهل الكوفة في أمر المختار وقتل في أحد حروبه ضده. البلاذري: الأنساب ٦/ ٣٩٥، ٣٩٨، الأعلام: الزركلي ٣/ ٣٠٧. وعند البلاذري: الأنساب ٧/ ٣٢، في نفس الموضع أن الذي فعل ذلك هو عبد الله بن كامل.
(٤) . الماهين: لم أقف على تعريف لها.
(٥) ذكر نحوها الطبري: التاريخ ٦/ ١٣٠ وعدد أبياتها تسعة.
(٦) لم أقف على ترجمة له.
(٧) يعرف بدلهم المرادي وهو أحد أصحاب ابن الحر وأحد الفرسان. البلاذري: الأنساب ٧/ ٣٢. الطبري: التاريخ ٦/ ١٣٣، ولم يذكر عندهم في هذا الموضع.
(٨) لم أقف على ترجمة له.
[ ٣٧٠ ]
وسار نحو الكوفة حتى انتهى إلى جسرها ليلًا، فأمر بقُوَّام الجسر، فكُتِّفُوا، ووَكَّل بهم رجلًا من أصحابه، ثم عبر، ودخل الكوفة، فلقيه أبو عمرة كيسان، وهو يعس بالكوفة، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن أصحاب عبد الله بن كامل، أقبلنا إلى الأمير المختار، قال: امضوا في حفظ الله.
فمضوا حتى انتهوا إلى السجن، فكسروه، فخرج كل من فيه، وحمل أم سلمة على فرس، وَوَكَّل بها أربعين رجلًا، وقدمها، ثم مضى، وبلغ الخبر المختار، فأرسل راشدًا مولى بجيلة في ثلاثة آلاف رجل، وعطف عليهم أبو عمرة من ناحية بجيلة في ألف رجل.
وخرج عليهم عبد الله بن كامل من ناحية النخع في ألف رجل، فأحاطوا بهم، فلم يزل عبيد الله يكشفهم، ويسير والحجارة تأخذه هو وأصحابه من سطوح الكوفة حتى عبر الجسر، وقد قُتِلَ من أصحاب المختار مائة رجل، ولم يقتل من أصحابه إلا أربعة نفر.
وسار عبيد الله حتى انتهى إلى بانقيا (^١) فنزلوا، وداووا جروحهم، وعلفوا دوابهم، وسقوها، ثم ركبوا، فلم يحلوا عقدها حتى انتهوا إلى سورا فأراحوا بها، ثم ساروا حتى أتوا المدائن، ثم لحق بأصحابه بالماهين) (^٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٣) والطبري (^٤) مختصرًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية أن المختار انتقم من عبيد الله بن
_________________
(١) بانقيا: أرض بالنجف دون الكوفة. الحميري: الروض المعطار ٧٦.
(٢) الأخبار الطوال ٢٩٧، ٢٩٨.
(٣) الأنساب ٧/ ٣٢.
(٤) التاريخ ٦/ ١٢٩.
[ ٣٧١ ]
الحر؛ وذلك لأنه رفض أن يُعِينَهُ على قَتَلَة الحسين -﵁-، وقد انفرد بهذا السبب، وقد ورد عند غيره ما يخالفه فعند الطبري والبلاذري (^١) أن السبب الذي جعل المختار ينتقم من عبيد الله بن الحر هو أن عبيد الله بدأ يُغِيرُ على مناطق تابعة للمختار.
* * *
_________________
(١) الأنساب ٧/ ٣٢، التاريخ ٦/ ١٢٩.
[ ٣٧٢ ]