* فتنة عبد الرحمن بن الأشعث:
[١٨٨]- (ثم خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس على الحجاج. وكان سبب خروجه أنه دخل على الحجاج يومًا، فقال له الحجاج: إنك لمنظراني. قال عبد الرحمن: إي والله، ومخبراني. وقام عبد الرحمن، فخرج. فقال الحجاج لمن كان عنده: ما نظرت إلى هذا قط، إلا أشهيت أن أضرب عنقه. وكان عامر الشعبي حاضرًا.
وإن عبد الرحمن لما خرج قعد بالباب حتى خرج الشعبي، فقام عبد الرحمن إليه. فقال له: هل ذكرني الأمير بعد خروجي من عنده بشيء؟ فقال الشعبى: أعطني عهدًا وثيقًا ألا يسمعه منك أحد. فأعطاه ذلك، فأخبره بما كان الحجاج قال فيه. فقال عبد الرحمن: والله لأجهدن في قطع خيط رقبته. ثم إن عبد الرحمن دب في عُبَّاد أهل الكوفة وقرائهم، فقال: أيها الناس، ألا ترون هذا الجبار- يعني الحجاج-وما يصنع بالناس؟ ألا تغضبون لله؟ ألا ترون أن السنة قد أُميتت، والأحكام قد عُطلت، والمنكر قد أعلن، والقتل قد فشا؟ اغضبوا لله، واخرجوا معي، فما يحل لكم السكوت. فلم يزل يدب في الناس بهذا وشبهه حتى استجاب له القراء والعُبَّاد، وواعدهم يومًا يخرجون فيه، فخرجوا على بكرة أبيهم، واتبعهم الناس، فساروا حتى نزلوا الأهواز، ثم كتبوا إلى الحجاج (^١) (^٢):
خلع الملوك وسار تحت لوائه … شجر العرى وعراعر الأقوام (١) (٢)
_________________
(١) شجر العرى: سوقة الناس. وعراعر القوم: سادتهم. ابن منظور: لسان العرب ٤/ ٥٥٩.
(٢) اختلف في من القائل فيذكر أن هذا البيت للمهلهل بن ربيعة أو لشرحبيل بن مالك، وقال البكري: رأيته منسوبًا إلى عمرو بن الأيهم، وكلهم من تغلب. ابن قتيبة: المعاني الكبير ٢/ ٩٦٧. البكري: سمط اللآلي ١/ ٣٤١.
[ ٤٣٨ ]
فأرسل الحجاج كتابه إلى عبد الملك بن مروان.
فكتب عبد الملك في جوابه:
وإني وإياهم كمن نَبَّه القطا … ولو لم ينبه باتت الطير لا تسرى
إخال صروف الدهر للحين منهم … ستحملهم مني على مركب وعر (^١) (^٢)
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٣) مختصرًا، والبلاذري (^٤) والطبري (^٥) مطولًا.
نقد النص:
في هذا الرواية خبر فتنة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وهي من الفتن الكبرى التي عصفت بالمسلمين، ومثلها كما سبق فتنة المختار والخوارج، وقد قُتِل فيها أعداد كبيرة من المسلمين، وهي من الأحداث التي لاقت عناية في المصادر، ولم تذكر هذه الرواية الخبر بما يستوفي حقه، فقد أغفلت سبب إرسال الحجاج لهذا الجيش بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وجعلت هذه الرواية أسباب خروج ابن الأشعث على الحجاج أسبابًا شخصية بحتة، ثم إننا نجد في هذه الرواية إقحامًا لذكر الشعبي، وأنه نَمَّ بين الحجاج وابن الأشعث، وهي لم تأت بطرقٍ (^٦) صحيحة يمكن الاعتماد عليها،
_________________
(١) ذكر أن هذه الأبيات لوعلة بن الحارث الجرمي، وهو شاعر جاهلي من فرسان العرب، يماني الأصل، أحد فرسان قضاعة، وشعرائها. أبو تمام: الوحشيات ١٦٧، الآمدي: المؤتلف والمختلف ٢٥٩، الزركلي: الأعلام ٨/ ١١٦. وذكر ابن قتيبة: الشعر والشعراء أنها لشاعر اسمه الأجرد من ثقيف ٢/ ٧٢٤.
(٢) الأخبار الطوال ٣١٦، ٣١٧
(٣) التاريخ ٢٨٠.
(٤) الأنساب ٧/ ٣٠٩.
(٥) التاريخ ٦/ ٣٢٦.
(٦) البلاذري: الأنساب ٧/ ٣٠٩ من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف، والطبري: التاريخ ٦/ ٣٢٧ من طريق أبي مخنف وهو ضعيف، تكرر منه إقحام الشعبي في رواية كذب المختار على محمد ابن الحنفية.
[ ٤٣٩ ]
وقد تكرر من بعضها ذكر الشعبي في فتنة المختار، وكأننا نلمس منها النكاية به، وأنه يدخل في سبب الفتن.
وأما متنها ففيه تناقض وإلا فكيف يعطي الحجاج هذا الجيش لابن الأشعث وهو لم يثق بولائه ويريد التخلص منه.
وقد عرض صاحب الكتاب بمجموعة من الفتن والمنكرات التي يدعي أن ابن الأشعث نقمها على الحجاج، وفيها مبالغة واضحة في حق ذلك القرن وأهله، وقد تكرر منه هذه الصياغة بقوله على لسان الحسين -﵁-: (فإن السنة قد أُميتت)، وكأن سائر زمن بني أمية بهذه الأوصاف ولا شك أن هذا مِنْ تطريزِ الشيعة كما حكى ذلك ابن كثير (^١).
ومما ورد في أسباب هذه الفتنة:
نأتي أولًا على السبب الذي جعل الحجاج يرسل قوة بهذا الحجم إلى سجستان ألا وهو ضياع أمر المسلمين في سجستان وهيمنة الترك على تلك البلاد وجرأتهم على المسلمين وذلك في ولاية عبيد الله بن أبي بكرة (^٢) فقد منعه رتبيل زعيم الترك الإتاوة التي كان يؤديها للمسلمين، فعزم ابن أبي بكرة محاربته بعد أن كتب للحجاج بذلك، فقام بهذا الأمر ومعه قائد كان على أهل الكوفة وهو شريح بن هانئ (^٣)، فحاربوا ملك الترك وأذلوه ثم إن شريح نهى
ابن أبي بكرة من التوغل، فلم ينته فتوغل وكاد أن يهلك، وطلب الصلح مع
_________________
(١) راجع نقد الرواية رقم (٤٣).
(٢) عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، ابن صاحب رسول الله -ﷺ- أبي بكرة -﵁-، أحد الأجواد الكرام، تولى سجستان مرتين من خمسين إلى ثلاث وخمسين زمن معاوية -﵁-، ثم في زمن الحجاج، توفي سنة ٧٩ هـ بسجستان. الذهبي: تاريخ الإسلام ٥/ ٤٧٩.
(٣) شريح بن هانئ الحارثي، فقيه فاضل، له رواية عن بعض الصحابة. الذهبي: السير ٤/ ١٠٩.
[ ٤٤٠ ]
ملك الترك وصالحه، ثم هلك هو ومن معه جوعًا في تلك البلاد، ورفض شريح الصلح وحارب بمن معه ثم قُتِلَ، فأتى الحجاج خبرهم فبعث به إلى عبد الملك، فأمره أن يبعث على سجستان من يراه من المسلمين (^١)، وذلك في سنة ثمانٍ وسبعين (^٢).
وذكر سببًا آخر وهو أن الحجاج بعث هميان بن عدي السدوسي (^٣) إلى كرمان ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى مدد، فعصى هميان ومن معه فوجه الحجاج ابن الأشعث إليه وهزمه (^٤)، وهذا السبب مستبعد وقد ساقه الطبري ممرَّضًا.
* حجم الجيش وعتاده:
أولى الحجاج هذا الجيش عناية فائقة وجعله مؤهلًا لملاقاة عدو كبير فأخذ يستعد، فانتخب من الكوفة اثني عشر ألفًا ويقال عشرة آلاف ومن البصرة مثلهم، وسموا ذلك الجيش بالطواويس ويقال: إن الناس سموهم بذلك لتكامل أهبتهم وعدتهم ونبلهم وشجاعتهم (^٥).
وقد روي أن عددهم أربعون ألفًا من البصرة والكوفة، وأن الحجاج بسط العطاء لهم كاملًا، وأخذهم بالخيول الروائع، والسلاح الكامل (^٦).
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٧/ ٤٠٣. الطبري: التاريخ ٦/ ٣٢٢.
(٢) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٢٢.
(٣) هميان بن عدي السدوسي، كان فارسًا شجاعًا، تولى شرطة الحارث بن عبد الله المخزومي، ثم إنه ثار مع ابن الأشعث، فهدم الحجاج داره وسجن امرأته، ثم فر هيمان إلى بلاد الترك فلما مات الحجاج أقبل فمات في طريق البصرة. البلاذري: الأنساب ٥/ ٤٠٥، ٧/ ٣٢٤، ١٣/ ٣٥٦.
(٤) البلاذري: الأنساب ٧/ ٣١٠. الطبري: التاريخ ٦/ ٣٢٩.
(٥) البلاذري: الأنساب ٧/ ٣٠٩.
(٦) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٢٧.
[ ٤٤١ ]
نتائج الحملة وأسباب تمرد ابن الأشعث ومن معه على الحجاج:
١ - لم تكن نتائج الحملة بمعزل عن أسباب الخروج على الحجاج وخلعه، فقد اعتذر رتبيل لابن الأشعث عما أصاب المسلمين من قبل على يدي جنوده وسأله الموادعة، ولكنه رفض وأصرَّ على محاربته، فسار في أرضه وضم إليه ما ترك له رتبيل من الحصون والقلاع وجعل عليها عاملًا من قبله، وحوى كثيرًا من الغنائم، ثم توقف معللًا ذلك بأن المسلمين يجب أن يتعرفوا على الأرض بعد المكوث بها عامًا من الزمن، ثم يعاودوا المسير إليهم ويؤخرون ما قدر لهم، ثم يستمرون على ذلك الأعوام القادمة حتى يقضوا عليهم، وكتب إلى الحجاج بذلك (^١).
فكتب الحجاج لابن الأشعث كتابًا يسَفِّه رأيه ويضعفه في عدم التوغل، وهو يريد الأخذ بثأر المسلمين الذين قتلهم رتبيل من قبل، فأمره بالتقدم لحربهم وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم، وهدده بعزله وتولية أخيه بدلًا منه، فقام ابن الأشعث بالناس خطيبًا وبيَّن خطر التوغل، وأنه اختار هذا الرأي بعد مشورة أصحاب الرأي ممن كان معه، وبين لهم رأي الحجاج في التوغل، وحذرهم من مغبة ذلك لكي لا يصيبهم ما أصاب إخوانهم من قبل، فوافقه الناس على ذلك، ثم خلعوا الحجاج وبايعوا له (^٢).
ونجد في هذا الخبر سببًا واقعيًّا لقيام ابن الأشعث ومن معه بالخروج، وليس كما عرض صاحب الكتاب من ذكر كلام الحجاج عن ابن الأشعث ورأيه فيه، والذي جعله سببًا في انتقام ابن الأشعث.
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٧/ ٣١٠، الطبري: التاريخ ٦/ ٣٢٨.
(٢) البلاذري: ٧/ ٣١٢، الطبري: ٦/ ٣٣٤.
[ ٤٤٢ ]
[١٨٩]- (قالوا: وأهديت لعبد الملك في ذلك اليوم جارية إفريقية، أهداها إليه موسى بن نصير (^١)، عامله على أرض المغرب، وكانت من أجمل نساء دهرها، فباتت عنده تلك الليلة، فلم ينل منها شيئًا أكثر من أن غمز كفها، وقال لها: إن دونك أمنية المتمني، قالت: فما يمنعك؟ قال: يمنعني بيت مُدِحنا به، وهو:
قوم إذا حاربوا شدُّوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت بأطهار (^٢)
فزعموا أنه مكث سبعة أشهر لا يقرب امرأة حتى أتاه قتل عبد الرحمن ابن محمد) (^٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٤) مختصرًا، والمبرد (^٥) مطولًا، والجارية من عامله في اليمن.
• نقد النص:
هذه الرواية لم ترد بسند يمكن الاعتماد عليه وفي آخرها استخدم صاحب الكتاب أسلوبا قل ما ستخدمه في كتابه وذلك في تمريضه بقوله "فزعموا" ولا أدري لماذا؟ هل يعتقد أن كل ما يكتبه صحيح؟
_________________
(١) موسى بن نصير أبو عبد الرحمن اللخمي، كان ذا رأي وحزم ولي غزو البحر لمعاوية -﵁-، وهو من أرسل مولاه طارق ابن زياد لفتح الأندلس، ثم أتمها هو سنة ٩٢ هـ، وقد قيل: إنه لم تهزم له راية أبدًا ولم يبدد له جمع، وكان ينوي فتح القسطنطينية، حج ومات بالمدينة. الذهبي: السير، ٤/ ٤٩٦.
(٢) هذا البيت للأخطل، المبرد: الكامل في اللغة ١/ ٢١٨.
(٣) الأخبار الطوال ٣١٨.
(٤) الأنساب ٣/ ١١٧.
(٥) الكامل ١/ ٢١٧.
[ ٤٤٣ ]
[١٩٠]- (ثم إن الحجاج بعث أيوب ابن القرية (^١) إلى عبد الرحمن
ابن محمد، وقال: انطلق، فادفعه إلى الطاعة، وله الأمان على ما سلف من
ذنبه. فانطلق إليه ابن القرية، فدعاه، فأبلغ في الدعاء، فقال له عبد الرحمن: ويحك يا ابن القرية، أيحل لك طاعته مع ارتكابه العظائم، واستحلاله المحارم؟! اتق الله يا ابن القرية، ووال عباد الله في البرية. ولم يزل عبد الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما أرسل فيه، وأقام مع عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: إني أريد أن أكتب إلى الحجاج كتابًا مسجعًا، أُعَرِّفه فيه سوء فعاله، وأبصره قبح سريرته، فَأمْلِه عليّ، فقال أيوب: إن الحجاج يعرف ألفاظي، قال: وما عليك، إني لأرجو أن نقتله عن قريب، فَأَمْلَى عليه، فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد، إلى الحجاج بن يوسف، سلام على أهل طاعة الله، الذين يحكمون بما أنزل الله، ولا يسفكون دمًا حرامًا، ولا يعطلون لله أحكامًا، فإني أحمد الله الذي بعثني لمنازلتك، وقواني على محاربتك حين تهتكت ستورك، وتحيرت أمورك، فأصبحت حيران تائهًا، لهفان لا تعرف حقًّا، ولا تلائم صدقًا، ولا ترتق فتقًا (^٢)، ولا تفتق رتقًا، وطالما تطاولت فيما تناولت، فصرت في الغي مذبذبًا، وعلى الشرارة مركبًا، فَتَدَبَّرْ أمرك، وقِسْ شبرك بفترك (^٣)، فإنك مراق عراق، ومعك عصابة فساق، جعلوك مثالهم، كحذوهم نعالهم، فاستعد للأبطال بالسيوف والعوال، فستذوق وبال أمرك، ويرجع عليك غيك، والسلام.
_________________
(١) أيوب ابن القرية والقرية أمه، واسم أبيه يزيد بن قيس بن زرارة النمري الهلالي، كان أعرابيًّا أميًّا، صحب الحجاج، وفد على عبد الملك، كان يضرب به المثل في الفصاحة والبيان، دخل في فتنة ابن الأشعث فقتله الحجاج سنة أربع وثمانين. الذهبي: تاريخ الإسلام ٦/ ٤٤.
(٢) الرتق: الرتق إلحام الفتق وإصلاحه. الفراهيدي: العين ٥/ ١٢٦.
(٣) الفتر: ما بين السبابة والإبهام بعد فتحهما. الزبيدي: تاج العروس ١٣/ ٢٩٥.
[ ٤٤٤ ]
فلما قرأ الحجاج الكتاب عرف ألفاظ ابن القرية، وعلم أنه من إملائه، فكتب إلى عبد الرحمن في جوابه.
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث، سلام على أهل التورع لا التبدع، فإني أحمد الله الذي حيرك بعد البصيرة، فمرقت عن الطاعة، وخرجت عن الجماعة، فعسكرت في الكفر، وذهلت عن الشكر، فلا تحمد الله في سراء، ولا تصبر لأمره في ضراء، قد أتاني كتابك بلفظات فاجر، فاسق غادر، وسيمكن الله منه، ويهتك سُتُورَه، أما بعد فهلم إلى فعل وفعال، ومعانقة الأبطال بالبيض والعوال، فإن ذلك أحرى بك من قيل وقال، والسّلام على من اتّبع الهدى، وخشي الله، واتقى) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن منظور (^٢) مختصرًا.
* حرب ابن الأشعث مع الحجاج:
[١٩١]- (وإن عبد الملك وجه إلى الحجاج عشرة آلاف رجل من فرسان أهل الشام لمحاربة عبد الرحمن بن محمد.
فلما قدموا عليه تجهز، وسار نحو عبد الرحمن، فالتقوا بالأهواز، فاقتتلوا، فانهزم عبد الرحمن، ومضى على وجهه، فمر على رجل من أصحابه مسلوب حافٍ، يمشى ويعثر. فأنشأ عبد الرحمن يقول:
منخرق الخفين يشكو الوجى (^٣) … تنكئه (^٤) أطراف مرو حداد
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣١٨، ٣١٩.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٥/ ١٣٢. وهي ساقطة من تاريخ ابن عساكر.
(٣) الوجى: الحفا وأن يرق القدم أو الحافر أو الفرسن وينسحج. الزبيدي: تاج العروس ٤٠/ ١٦٦.
(٤) تنكئه: في مادة (نكى) نكى العدو ونكى فيه، ينكي نكاية، بالكسر إذا أصاب منه قتل أو جرح. الزبيدي: تاج العروس ٤٠/ ١٣٠.
[ ٤٤٥ ]
أخرجه الخذلان عن أرضه … كذلك من يكره حر الجلاد
إن كان في الموت له راحة … فالموت حتم في رقاب العباد (^١)
فقال الرجل: فهلا ثبت، فنقاتل معك. فقال له عبد الرحمن: أو بمثلك تسد الثغور؟!) (^٢).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٣)، والبلاذري (^٤) والطبري (^٥) مطولًا.
استمرت الحرب بين ابن الأشعث والحجاج طويلًا، وكان من وقائعهم يوم تستر هزم فيه الحجاج، سنة إحدى وثمانين (^٦).
ومن أيامهم أيضًا يوم الزاوية بالبصرة سنة اثنتين وثمانين (^٧)، وقيل: سنة ثلاث وثمانين (^٨).
ثم التقوا بدير الجماجم، وقد انضم إلى ابن الأشعث كثيرًا من القراء والصالحين لبغضهم الحجاج وسياسته، وبلغ عدد جنده مائة ألف، واجتمع رءوس أهل الشام أن يصلحوا ما فسد من أمر العراق، فطلبوا من عبد الملك أن يعزل الحجاج طلبًا لرضا أهل العراق وحقن دمائهم، وأن يعطي ابن الأشعث ولاية يتولاها ما دام حيًّا، فوافق على ذلك وبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك (^٩)
_________________
(١) ذكر نحوًا منها: البلاذري: الأنساب ٣/ ١١٠، الطبري: التاريخ ٦/ ٣٩٢.
(٢) الأخبار الطوال ٣١٩، ٣٣٠.
(٣) التاريخ ٨١.
(٤) الأنساب ٧/ ٣٢٢.
(٥) التاريخ ٦/ ٣٣٩.
(٦) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٤٠.
(٧) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٤٣.
(٨) المصدر السابق ٦/ ٣٦٨.
(٩) عبد الله بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو عمر الأموي، من الطبقة الرابعة من تابعي الشام،، ولي الغزو في خلافة أبيه وغزا الروم وفتح فيها بعض الحصون وبنى المصيصة، وولي مصر، توفي سنة مائة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٢٩/ ٣٤٣، الذهبي: تاريخ الإسلام ٦/ ٤٠٢.
[ ٤٤٦ ]
وأخاه محمد بن مروان (^١) إلى العراق فعرضا على ابن الأشعث ومن معه الأمر، فكاد ابن الأشعث أن يوافق على ذلك فخطبهم وطمعهم بالأمر، ولكنهم أعجبوا بكثرتهم ورفضوا الطلب، فخلعوه ثانية وكانت أكثر من الأولى، فرد الأمر إلى الحجاج، فبدأ بقتالهم وكان للقراء كتيبة لها وقع عظيم في الحجاج ومن معه (^٢).
وكان للعلماء في جيش ابن الأشعث أثر عظيم في دفع الناس وتشجيعهم ومن هؤلاء الشعبي وعبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه (^٣)، وأبو البختري الطائي (^٤)، وكان لأصحاب ابن الأشعث ضروبًا من الشجاعة والصبر، ولكنهم هزموا في هذه المعركة سنة ثلاث وثمانين (^٥).
وآخر هذه الوقائع وقعة مسكن، والتي انهزم فيه ابن الأشعث وخرج بمن
_________________
(١) محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، في الطبقة الثانية من التابعين، وهو والد آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد، من خيرة الأمراء، وقد كان قويًّا شديد البأس، ولَّاه أخوه عبد الملك إمارة الجزيرة، وقاتل الخوارج فيها وفي جبال أرمينية والخزر، توفي سنة مائة. ابن سعد: الطبقات ٥/ ٢٣٧، ابن حجر: لسان الميزان ٧/ ٤٩٧.
(٢) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٥٧.
(٣) عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، تابعي فقيه من الحفاظ، ولد في خلافة الصديق أو قبل ذلك وقيل: في خلافة عمر -﵁-، وروى عن عثمان، وصحب عليًّا -﵁-، ووفد على معاوية -﵁-، كان من كبار الخارجين مع ابن الأشعث، ومات بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين. الخطيب: تاريخ بغداد ١٠/ ١٩٧. الذهبي: السير ٤/ ٢٦٢.
(٤) سعيد بن فيروز بن أبي عمران، أبو البختري، الطائي، مولاهم الكوفي، أحد العباد الفقهاء، حدث عن بعض الصحابة، قام مع ابن الأشعث وقتل في دير الجماجم سنة ثلاث وثمانين. المزي: تهذيب الكمال ١١/ ٣٢، الذهبي: السير ٥/ ١٦٠.
(٥) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٥٧.
[ ٤٤٧ ]
بقي معه إلى رتبيل فأمنه وأكرمه (^١).
* نهاية ابن الأشعث:
[١٩٢]- (ومضى عبد الرحمن حتى استجار بملك الأتراك، فأقام عنده.
فكتب عبد الملك إلى ملك الأتراك، يخبره بشقاق عبد الرحمن، وخلعه الطاعة، وخروجه عليه، ويسأله أن يرده عليه. فقال ملك الأتراك لطراخنته (^٢): إن ابن الأشعث هذا رجل مخالف للملوك، فلا ينبغي لي أن آويه، بل أبعث به إلى ملكه، فيتولى من أمره ما أحب.
فوجَّه به مع مائة رجل من ثقاته، فأنزلوه في طريقه قصرًا في قرية، فرقى إلى ظهر القصر، ورمى بنفسه من السور، فمات) (^٣).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٤) مختصرًا، والبلاذري (^٥) والطبري (^٦) مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب: "أن ابن الأشعث عندما بعثه رتبيل إلى الحجاج قذف نفسه من أعلى قصر فمات، وهذا الخبر مشهور لكن لم أقف على من أورده بسند صحيح (^٧)، وهو خبر منكر، فابن الأشعث لم يكن سيئ العقيدة
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٦٦.
(٢) الطراخنة: جمع ومفردها طرخان، وهو اسم للشريف والرئيس، في اللغة الخراسانية الفارسية. الزبيدي: تاج العروس ٧/ ٣٠٢.
(٣) الأخبار الطوال ٣٢٠.
(٤) التاريخ ٢٨٨.
(٥) الأنساب ٧/ ٣٥٢.
(٦) التاريخ ٦/ ٣٨٩.
(٧) ذكرها البلاذري: الأنساب ٧/ ٣٥٣ من طريق الهيثم بن عدي ومن طريق المدائني، والطبري: التاريخ ٦/ ٣٨٩. من طريق هشام بن محمد عن أبي مخنف ورواية أخرى من طريق معمر بن المثنى وكلهم ضعاف.
[ ٤٤٨ ]
متجردًا من دينه حتى يقتل نفسه بهذه الطريقة المخزية. وقد اختُلِف في سبب موته ومن ذلك:
- أنه في سنة خمس وثمانين طلب الحجاج من رتبيل أن يبعث إليه بعبد الرحمن بن الأشعث، فقيده ومن معه من أهل بيته وبعث به إلى الحجاج فمات في الطريق (^١).
- أن السُّل أصابه فمات، فبعث رتبيل إليه فحَزَّ رأسه وبعث به إلى الحجاج (^٢).
- أنه مات حتف أنفه، ويقال: دُسَّ له شَربة سم فمات منها (^٣).
* آثار فتنة ابن الأشعث ونتائجها:
لم تكن هذه الفتنة كأي فتنة سبقتها بل كانت عظيمة، اشترك فيها أكثر أطياف المجتمع المسلم في ذلك العصر، فعظم فيها الخطب وسفكت فيها كثير من الدماء المعصومة، وأصبح الناس إما الحجاج وإما ابن الأشعث، فلما هزم ابن الأشعث تبجَّح الحجاج في أخذ المشاركين معه ونكَّل بهم.
ويشترك مع الحجاج في سفك هذه الدماء عبد الملك بن مروان لتسليطه الحجاج على الناس وهو يعلم قسوته، ثم إن ابن الأشعث ليس بمعزل عن ذلك فهو القائد المؤتمن على من تحت يديه من الجند، فقد غَرَّر بهم وحثهم على الخروج فسفكت دماؤهم بسببه.
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٨٩.
(٢) الطبري: التاريخ ٦/ ٣٩٠.
(٣) البلاذري: الأنساب ٧/ ٣٥٣.
[ ٤٤٩ ]
فلو عمل ابن الأشعث على نقل مظالم الحجاج لأهل العراق بطرق سلمية؛ لكان ذلك أجدر من حمل السلاح ومقارعة الحكام بالقوة؛ لأن عبد الملك لم يكن ليفرط بالعراق بسبب الحجاج، ودليل ذلك ما هم به من عزله لما رأى جد أهل العراق في ذلك، لكنه تأخر كثيرًا حتى سفكت الدماء وهاجت الفتنة بينهم.
وقد كان الحسن البصري يَنْهَى عن قتال الحجاج، وكان رأيه في ذلك لما سأله نفر ممن يريد قتال الحجاج فقال الحسن: «أرى ألا تقاتلوه؛ فإنّها إن تكن عقوبةً من اللّه فما أنتم برادّي عقوبة اللّه بأسيافكم، وإن يكن بلاءً فاصبروا حتّى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين» قال: فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج؟ قال: وهم قومٌ عربٌ، قال: وخرجوا مع ابن الأشعث قال: «فقتلوا جميعًا» (^١).
* * *
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٧/ ١٦٣.
[ ٤٥٠ ]