[٢٣]- (فدخل مالك بن هبيرة -﵁- (^٣) على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، أسأت في قتلك هؤلاء النفر، ولم يكونوا أحدثوا ما استوجبوا به القتل، فقال معاوية: قد كنت هممت بالعفو عنهم إلا أن كتاب زياد وَرَدَ عليَّ يُعْلِمُنِي أنهم رؤساء الفتنة، وأني متى قتلتهم اجتثثت الفتنة من أصلها) (^٤).
انفرد صاحب الكتاب في هذا الموقف لمالك بن هبيرة.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن مالك بن هبيرة -﵁- اعترض على معاوية في قتل هؤلاء النفر، وهذا الموقف لم يثبت عنه.
_________________
(١) صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، أبو الفضل الشيباني، الحافظ، الفقيه، القاضي، سمع أباه وتفقه عليه، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه وهو بأصبهان، وهو صدوق، ثقة، ولد سنة ٢٠٣ هـ، وتوفي سنة ٢٦٥ هـ. الذهبي: السير ١٢/ ٥٢٩.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح ٢/ ٣٢٨.
(٣) مالك بن هبيرة بن خالد السكوني ويقال الكندي، له صحبة، شهد فتح مصر وولي حمص لمعاوية -﵁- مات في زمن مروان بن الحكم. ابن حجر الإصابة ٥/ ٥٦١.
(٤) الأخبار الطوال ٢٢٤.
[ ٩٩ ]
وقد ورد عند البلاذري (^١)، والطبري (^٢) موقفًا آخر لمالك بن هبيرة يخالف ما سبق وهو أنه أراد أن يشفع في أمر حجر بن عدي، فلم يشفعه معاوية -﵁- فيه.
أما ما ورد فيها من أن معاوية -﵁- أقدم على قتل هؤلاء النفر بسبب قول زياد فيهم، فهذا يعني أن معاوية -﵁- لم يأبه بالشهود، وهذا تحريف واضح للرواية لا يستبعد من صاحب الكتاب الذي حصر الشهود في ثلاثة كما في الرواية السابقة، وهم سبعون.
وقد رويت بعض الأحاديث، تذم مقتل حجر بن عدي منها:
ما أخرجه يعقوب بن سفيان (^٣) بسنده فقال: دخل معاوية على عائشة، فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء حجرًا وأصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين، إني رأيت قتلهم إصلاحًا للأمة، وأن بقاءهم فساد، فقالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء)، (قال عنه الألباني: ضعيف) (^٤).
وأخرج يعقوب أيضًا بسند فيه ابن لهيعة (^٥) عن علي -﵁- أنه يقول: (يا أهل العراق، سيُقْتَلُ منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود، قال: يُقْتَل حجر وأصحابه) (^٦). وابن لهيعة هذا قال عنه ابن كثير: (ضعيف) (^٧).
_________________
(١) الأنساب ٥/ ٢٥٧.
(٢) التاريخ ٥/ ٢٧٤.
(٣) المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٢٠.
(٤) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٨/ ١٩٩ برقم ٢٧٢٣.
(٥) ابن لهيعة سبقت ترجمته ص ٦٨.
(٦) الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٣/ ٣٢١.
(٧) البداية والنهاية ٨/ ٦٠.
[ ١٠٠ ]
والخلاصة في ذلك أن معاوية -﵁- أقدم على قتل حجر ومن معه؛ لأنه رأى في تركهم إفسادًا لغيرهم، وفي قتلهم قطع للفتنة.
يقول ابن العربي: (قد علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا: فقائل يقول: قَتَلَهُ ظلمًا، وقائل يقول: قَتَلَهُ حقًّا، فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله. قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل، ولو كان ظلمًا محضًا لما بقي بيت إلا لعن فيه معاوية، وهذه مدينة السلام دار خلافة بني العباس- وبينهم وبين بني أمية ما لا يخفى على الناس- مكتوب على أبواب مساجدها: خير الناس بعد رسول الله ﵌، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم معاوية خال المؤمنين -﵃-؛ ولكن حجرًا - فيما يقال - رأى من زياد أمورًا منكرة فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا) (^١).
[٢٤]- (ولما قتل حجر بن عدي وأصحابه استفظع أهل الكوفة ذلك استفظاعًا شديدًا.
وكان حجر من عظماء أصحاب علي، وقد كان علي أراد أن يوليه رياسة كِندَةَ، ويعزل الأشعث بن قيس (^٢)، وكلاهما من ولد الحارث بن عمرو آكل المرار (^٣)،
_________________
(١) العواصم والقواصم ٢١١.
(٢) الأشعث بن قيس بن معدي يكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي، أبو محمد، وفد على الرسول -ﷺ- وأسلم، ثم ارتد، وأسلم مرة أخرى حيث وفد على الصديق -﵁-، ومن عليه وزوجه أخته، توفي بعد صلح الحسن -﵁-. ابن سعد: الطبقات ٦/ ٢٢، ابن حجر: الإصابة ١/ ٢٣٩.
(٣) والصحيح أن آكل المرار هو (حجر) وليس (الحارث) بن عمرو بن معاوية الأكرمين، والد امرئ القيس الشاعر، سمي بذلك لأن ابن الهبولة السليحي أغار عليه وأخذ امرأته هند بنت ظالم، فقال لها: كيف ترين الآن حجر؟ فقالت: (أراه والله حثيث الطلب، شديد الكلب، كأنه بعير آكل المرار) والمرار نبت حار يأكله البعير فتقلص منه شفته، وكان حجر أفوه خارج الأسنان فشبهته به، فسمي آكل المرار. السمعاني: الأنساب ١٢/ ١٧٠.
[ ١٠١ ]
فأبى حجر بن عدي أن يتولى الأمر والأشعث حي) (^١).
انفرد صاحب الكتاب في ذكر هذه الرواية.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية مكانة حجر بن عدي، وقد وهم في نسب الأشعث بن قيس وحجر بن عدي، والصحيح أنهما لا يجتمعان بآكل المرار، وإنما يجتمعان بعدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين (^٢)، وأما الأشعث بن قيس فهو رئيس كِندَةَ من قبل أن تدخل هذه القبيلة في الإسلام، وقصة إسلامه مع قومه مشهورة في كتب التاريخ، وإنما يَذْكُرُ صاحب الكتاب ذلك لبيان أهمية حجر ومكانته حتى يعظم قتله.
* الرجوع إلى موقف معاوية -﵁- من الحسين -﵁-:
[٢٥]- (فخرج نفر من أشراف أهل الكوفة إلى الحسين بن علي، فأخبروه الخبر، فاسترجع وشق عليه.
فأقام أولئك النفر يختلفون إلى الحسين بن علي، وعلى المدينة يومئذ مروان بن الحكم، فترقى الخبر إليه، فكتب إلى معاوية يعلمه أن رجالًا من أهل العراق قدموا على الحسين بن علي -﵄-، وهم مقيمون عنده يختلفون إليه، فاكتب إليَّ بالذي ترى. فكتب إليه معاوية: لا تعرض للحسين في شيء، فقد بَايَعَنَا، وليس بناقض بيعتنا ولا مخفر ذمتنا.
وكتب إلى الحسين: أما بعد، فقد انتهت إليَّ أمور عنك لست بها حريًّا؛
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٢٤.
(٢) راجع ترجمة كل من حجر بن عدي والأشعث بن قيس.
[ ١٠٢ ]
لأن من أعطى صفقة يمينه جدير بالوفاء، فاعلم، رحمك الله، أني متى أنكرك تستنكرني، ومتى تكدني أكدك، فلا يستفزنك السفهاء الذين يحبون الفتنة والسلام، فكتب إليه الحسين -﵁-: ما أريد حربك، ولا الخلاف عليك) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢)، والبلاذري (^٣).
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب هذه الرواية بعد مقتل حجر بن عدي، وقد وردت عن ابن سعد والبلاذري بعد وفاة الحسن -﵁-، ولم ترد عندهم بسند صحيح.
وأما متنها ففيه نكارة، وذلك فيما ذكرته من تهديد معاوية -﵁- للحسين -﵁- أنه هو غدر بيعته، وتذكيرًا له بالوفاء، وهذا لا يكون بين الصحابة، ولكن تَرَوَّى للمزايدة في التنديد بمعاوية -﵁- لتهديده الحسين -﵁-.
[٢٦]- (قالوا: ولم يرَ الحسن ولا الحسين طول حياة معاوية منه سوءًا في أنفسهما ولا مكروهًا، ولا قطع عنهما شيئًا مما كان شرط لهما، ولا تغير لهما عن بر) (^٤).
انفرد صاحب الكتاب في هذه الرواية.
• نقد النص:
وهذا مما لا شك فيه، وقد شهد شاهد من أهلها، والحمد لله جاءت هذه الرواية ردًّا على ما قبلها، ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم، مهما حصل بينهم من خلاف لا يمكن أن يتحول ذلك إلى عداوة أو قطيعة بينهم، فهم خير الناس.
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٢٤، ٢٢٥.
(٢) الطبقات ١/ ٤٣٦ (ت د. محمد السلمي)، بإسناد جمعي ذكر المحقق أن جميع طرقه ضعيفة.
(٣) الأنساب ٣/ ١٥١ ولم يسندها.
(٤) الأخبار الطوال ٢٢٥.
[ ١٠٣ ]