[٥٣]- (قالوا ولما فَصَلَ الحسين بن علي من مكة سائرًا، وقد وصل إلى التنعيم (^١) لحق عيرًا مقبلة من اليمن، عليهما ورس (^٢) وحناء، ينطلق به إلى يزيد بن معاوية، فأخذها وما عليها.
وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن يسير معنا إلى العراق أوفيناه كِرَاهه، وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من هاهنا أعطيناه من الكِرَى بقدر ما قطع من الأرض، ففارقه قوم، ومضى معه آخرون) (^٣).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٤)، والطبري (^٥).
• نقد النص:
هذه الرواية جاءت مسندة عند الطبري (^٦)، من طريق أبي مخنف، وهو ضعيف، وهي تزعم أن الحسين -﵁- أخذ عيرًا ليزيد بن معاوية، وفي متنها نكارة، وإلا فكيف يحل الحسين -﵁- لنفسه أخذ مال بغير حقه، والمانع من ذلك فقه وعدالة؛ ولأنه قد جاء في الحديث عن جده رسول الله -ﷺ-: «كلّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمه، وماله، وعرضه» (^٧).
_________________
(١) التنعيم: وادي يحرم منه أهل مكة، وتسمى عمرته عمرة التنعيم، وهو أقرب الحل إلى المسجد الحرام ويبعد عنه ستة أكيال، من جهة الشمال على طريق المدينة، وهو الآن حي من أحياء مكة. البلادي: معالم مكة ٥٠.
(٢) الورس: نبات كالسمسم ليس إلا باليمن. الفيروز آبادي: القاموس المحيط ١/ ٥٧٩.
(٣) الأخبار الطوال ٢٤٥.
(٤) الأنساب ٣/ ١٦٤.
(٥) التاريخ ٥/ ٣٨٥.
(٦) المصدر السابق ٥/ ٣٨٥.
(٧) صحيح مسلم ٤/ ١٩٨٦.
[ ١٦٨ ]
ولو سلمنا بصحة هذا الخبر وأن الحسين -﵁- أخذ مال يزيد، فكيف له أن يطلب الذهاب إلى يزيد حينما فاوضه عمر بن سعد وهو قد أخذ ماله، ومما لا شك فيه أن هذا من كَذِبِ الرواة الذين يدَّعون حب الحسين -﵁- والدفاع عنه، فهم يكذبون عليه بدافع الولاء والمحبة ظاهرًا، والغلو والخبث باطنًا.
* لقاء الفرزدق بالحسين -﵁-:
[٥٤]- (ثم سار حتى إذا انتهى إلى الصفاح (^١) لقيه هناك الفرزدق (^٢) الشاعر مقبلًا من العراق، يريد مكة، فسلم على الحسين.
فقال له الحسين: كيف خَلَفْتَ الناس بالعراق؟
قال: خلفتهم، وقلوبهم معك، وسيوفهم عليك، ثم ودعه) (^٣).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٤) مطولًا، وخليفة بن خياط (^٥)، والطبري (^٦) مختصرًا.
• نقد النص:
ولقاء الفرزدق بالحسين -﵁- لم أقف على من أورده بسند صحيح، وقد أورده ابن سعد بسند من طريق لبطة (^٧) بن الفرزدق عن أبيه، قال عنه المحقق:
_________________
(١) الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة. الحموي: معجم البلدان ٣/ ٤١٢. وذكر خليفة بن خياط: التاريخ ٢٣١ أن الحسين -﵁- لقيه في ذات عرق.
(٢) الفرزدق: هو همام بن غالب الحنظلي التميمي البصري، فكان أشعر أهل زمانه مع جرير والأخطل، مات سنة ١١٠ هـ. الذهبي: السير ٤/ ٥٩٠.
(٣) الأخبار الطوال ٢٤٥.
(٤) الطبقات ١/ ٤٥٢ (تحقيق د. محمد السلمي).
(٥) التاريخ ٢٣١.
(٦) التاريخ ٥/ ٣٨٦. من طريق أبي مخنف.
(٧) لبطة بن الفرزدق بن غالب التميمي، من الرابعة، سكت عنه البخاري، وابن أبي حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات. الفلوجي: المعجم الصغير ٢/ ٧٧٣.
[ ١٦٩ ]
(إسناده ضعيف، وفي متن الخبر ألفاظ منكرة تدل على الوضع) (^١).
* أحداث طريق الحسين -﵁- إلى الكوفة:
[٥٥]- (ومضى الحسين حتى إذا صار ببطن الرمة (^٢) كَتَبَ إلى أهل الكوفة: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين بالكوفة، سلام عليكم، أما بعد، فإن كتاب مسلم بن عقيل ورد عليَّ باجتماعكم لي، وتشوفكم إلى قدومي، وما أنتم عليه منطوون من نصرنا، والطلب بحقنا، فأحسن الله لنا ولكم الصنيع، وأثابكم على ذلك بأفضل الذخر (^٣)، وكتابي إليكم من بطن الرمة (^٤)، وأنا قادم عليكم، وحثيث السير إليكم، والسلام، ثم بعث بالكتاب مع قيس بن مسهر×، فسار حتى وافى القادسية.
فأخذه حصين بن نمير، وبعث به إلى ابن زياد، فلما أدخل عليه أغلظ لعبيد الله، فأمر به أن يطرح من أعلى سور القصر إلى الرحبة، فطرح، فمات) (^٥).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٦)، والبلاذري (^٧) مختصرًا، والطبري (^٨) مطولًا.
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٥٢ (ت د. محمد السلمي)، وأخرجه من طريق الفرزدق الصنعاني في آثار الصحابة ١٠١، والفاكهي في أخبار مكة ١/ ٣٣٠، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٧٣، والبلاذري في أنساب الأشراف ٣/ ١٦٥، والطبري في التاريخ ٥/ ٣٨٦.
(٢) الرمة: واد معروف بعالية نجد، تنصب إليه أودية. الحموي: البلدان ١/ ٤٤٩.
(٣) الذخر: بالذال ما يكون بالآخرة، وبالدال بالدنيا. الزبيدي: تاج العروس ١١/ ٣٦٣.
(٤) بطن الرمة وذكر أن اسمه الحاجر من بطن الرمة أو الحاجز. البلاذري: الأنساب ٣/ ١٦٦.
(٥) الأخبار الطوال ٢٤٥، ٢٤٦.
(٦) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٦٢ (ت د. محمد السلمي).
(٧) الأنساب ٣/ ١٦٦.
(٨) التاريخ ٥/ ٣٩٤.
[ ١٧٠ ]
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية نص كتاب الحسين -﵁- وهو في بطن الرمة وقد انفرد به مسندًا الطبري من طريق أبي مخنف (^١) وهو ضعيف، والملاحظ عليها زعمهم أن الحسين -﵁- قال لأهل الكوفة (والطلب بحقنا) وهذا فيه نكارة وهو نسج من نسيج الشيعة؛ لأنهم يعتقدون أن الأمر بعد الرسول -ﷺ- محصور في آل بيته وهم علي -﵁- وأولاده، ولو صح هذا لوصى الرسول -ﷺ- بالخلافة من بعده لعلي -﵁-، وكذلك علي -﵁- لابنه الحسن -﵁-.
وما قام به الحسن -﵁- بالتنازل عن الخلافة لمعاوية -﵁- وهو من غير آل البيت، لهو دليل على أن الأمر لم يحصر في آل البيت، ومما يدل على هذا أيضًا ما أخرجه الحاكم بسنده عن علي -﵁-: (قيل لعليّ بن أبي طالبٍ -﵁-: ألا تستخلف علينا؟ قال: «ما استخلف رسول اللّه -ﷺ- فأستخلف، ولكن إن يرد اللّه بالنّاس خيرًا، فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيّهم على خيرهم» (^٢).
قال عنه الحاكم: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه) (^٣)، وقال الهيثمي: (رواه البزّار، ورجاله رجال الصّحيح غير إسماعيل بن أبي الحارث، وهو ثقةٌ) (^٤).
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٩٤.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٨٤، والإمام أحمد في فضائل الصحابة ٢/ ٧٠٩، وفي السنة لابن أبي عاصم ٢/ ٥٥١، والآجري في الشريعة ٤/ ١٧١٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٥٦، وأبو يعلى الموصلي ١/ ٢٨٤ (ت: حسين سليم أسد)، والبزار في مسنده ٢/ ١٨٦.
(٣) المستدرك ٣/ ٨٤.
(٤) مجمع الزوائد ٩/ ٤٧.
[ ١٧١ ]
* لقاء الحسين -﵁- بعبد الله بن مطيع مرة أخرى:
[٥٦]- (وسار الحسين من بطن الرمة، فلقيه عبد الله بن مطيع، وهو منصرف من العراق، فسلم على الحسين، وقال له:
بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، ما أخرجك من حرم الله وحرم جدك؟.
فقال: إن أهل الكوفة كتبوا لي يسألونني أن أقدم عليهم لما رجوا من إحياء معالم الحق، وإماتة البدع.
قال له ابن مطيع: أنشدك الله ألا تأتي الكوفة، فو الله لئن أتيتها لتقتلن.
فقال الحسين: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (^١)، ثم ودعه ومضى) (^٢).
تكرر لقاء عبد الله بن مطيع راجع نقد الرواية رقم [٣٦].
* لقاء الحسين -﵁- بزهير بن القين:
[٥٧]- (ثم سار حتى انتهى إلى زرود (^٣)، فنظر إلى فسطاط (^٤) مضروب، فسأل عنه، فقيل له: هو لزهير بن القين (^٥)، وكان حاجًّا أقبل من مكة يريد الكوفة. فأرسل إليه الحسين، أن ألقني أكلمك، فأبى أن يلقاه.
وكانت مع زهير زوجته، فقالت له: سبحان الله، يبعث إليك ابن رسول الله -ﷺ- فلا تجبه، فقام يمشى إلى الحسين، فلم يلبث أن انصرف، وقد أشرق
_________________
(١) سورة التوبة آية ٥١.
(٢) الأخبار الطوال ٢٤٦.
(٣) زرود: رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة، والزرد هو البلع، وسميت بذلك لأنها تبتلع مياه الأمطار. الحموي: معجم البلدان ٣/ ١٣٩.
(٤) الفسطاط: بيت من الشعر. الفارابي: تاج اللغة. ٣/ ١١٥٠.
(٥) زهير بن القين البجلي، من الثالثة، من أصحاب الحسين -﵁- قتل معه في كربلاء. الفلوجي: المعجم الصغير ١/ ١٧٥.
[ ١٧٢ ]
وجهه، فأمر بفسطاطه فقلع، وضرب إلى لزق فسطاط الحسين.
ثم قال لامرأته: أنت طالق، فتقدمي مع أخيك حتى تصلي إلى منزلك، فإني قد وطنت نفسي على الموت مع الحسين.
ثم قال لمن كان معه من أصحابه: من أحب منكم الشهادة فليقم، ومن كرهها فليتقدم، فلم يقم معه منهم أحد، وخرجوا مع المرأة وأخيها حتى لحقوا بالكوفة) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢) مختصرًا، والطبري (^٣) مطولًا.
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية خبر دخول زهير بن القين في أمر الحسين -﵁-، وقد جاءت مسندة من طريق أبي مخنف، والملاحظ عليها أن الحسين -﵁- طلب من زهير الانضمام إليه وعزة الحسين -﵁- تتنافي مع أن يطلب من أي شخص أن ينظم إليه، ثم تذكر أن زهير وطَّن نفسه على الموت مع الحسين -﵁- واستعد له، إلى أنه طلق امرأته، وهذا وصف لفرط حماسه، ومجريات الأحداث ليس فيها عزم الحسين -﵁- على القتال في هذا الموضع.
ثم إن هذا الخبر قد ورد ما يخالفه فقد جاء عند البلاذري والطبري (^٤) برواية أخرى أن زهير بن القين خرج حاجًّا فلقي الحسين -﵁- فانضم إليه.
وروى ابن سعد (^٥) أن زهير بن القين قاتل مع الحسين -﵁- ومعه امرأته،
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٤٦، ٢٤٧
(٢) الأنساب ٣/ ١٦٧.
(٣) التاريخ ٥/ ٣٩٦.
(٤) ذكرها البلاذري: الأنساب ٣/ ٢٢٥، والطبري: التاريخ ٥/ ٣٩٢. من طريق حصين بن عبد الرحمن.
(٥) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٨٥ (ت د. محمد السلمي).
[ ١٧٣ ]
فلما قُتِلَ بعثت امرأته كفنًا مع مولاه ليكفنه فيه، فلما جاء وجد الحسين -﵁- فكفنه وترك مولاه زهيرًا، ثم رجع إليها بذلك فشكرته وأعطته كفنًا آخر لمولاه فذهب فكفنه به.
وهذان الخبران أنسب لخبر زهير بن القين مع الحسين -﵁- لخلوهما من المبالغات.
* وصول خبر قتل مسلم إلى الحسين -﵁-:
[٥٨]- (قالوا: ولما رحل الحسين من زرود تلقاه رجل من بني أسد (^١)، فسأله عن الخبر، فقال: لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، ورأيت الصبيان يجرون بأرجلهما، فقال: إنّا للّه، وإنّا إليه راجعون، عند الله نحتسب أنفسنا.
فقال له: أنشدك الله يا ابن رسول الله في نفسك، وأنفس أهل بيتك، هؤلاء الذين نراهم معك، انصرف إلى موضعك، ودع المسير إلى الكوفة، فو الله ما لك بها ناصر.
فقال بنو عقيل وكانوا معه: ما لنا في العيش بعد أخينا مسلم حاجة، ولسنا براجعين حتى نموت، فقال الحسين: فما خير في العيش بعد هؤلاء، وسار) (^٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٣) مختصرًا، والطبري (^٤) مطولًا.
_________________
(١) ومن طريق أبي مخنف عند الطبري ٥/ ٣٩٧ أن الذي جاء بالخبر من الكوفة اسمه بكير بن المثعبة، واللذان أخذا منه الخبر هما أسديان، واسمهما عبد الله بن سليم، والمذري بن المشمعل. وعند البلاذري: الأنساب ٣/ ١٦٨، بكير بن المعنقة.
(٢) الأخبار الطوال ٢٤٧.
(٣) الأنساب ٣/ ١٦٨.
(٤) / ٣٩٧. من طريق أبي مخنف.
[ ١٧٤ ]
• نقد النص:
في هذه الرواية وصل خبر قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة إلى الحسين -﵁-، وفيه وصف لحالة مسلم وهانئ بعد قتلهما، وأنهما قد جرى بأرجلهما في السوق، وهذا الخبر لم يرد بسند صحيح، فقد ذكره الطبري من طريق أبي مخنف.
ثم إنه قد سبق الحديث عن جثة مسلم وأنه وصى بها عمر بن سعد ليدفنها ففعل ذلك.
وأما هانئ فيصعب فعل ذلك به، وهو سيد قومه في ظل هذه الظروف، فقتله كاد يعصف بابن زياد وإمارته فكيف بجره بالسوق.
وقد جاء عند الطبري رواية أخرى تخالف ما سبق وهي: (فأقبل الحسين بن علي بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتّى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، لقيه الحر بن يزيد التميمي، فقال له: أين تريد؟.
قال: أريد هذا المصر، قال له: ارجع فإني لم أدع لك خلفي خيرًا أرجوه، فَهَمَّ أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم بن عقيل، فقالوا: والله لا نرجع حتّى نصيب بثأرنا أو نقتل، فقال: لا خير في الحياة بعدكم!) (^١). وهذه الرواية تخلو من الزيادات التي جاء بها صاحب الكتاب.
[٥٩]- (فلما وافى زبالة (^٢) وافاه بها رسول محمد بن الأشعث، وعمر بن سعد بما كان سأله مسلم أن يكتب به إليه من أمره، وخذلان أهل الكوفة إياه، بعد أن بايعوه، وقد كان مسلم سأل محمد بن الأشعث ذلك.
فلما قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر، وأفظعه قتل مسلم بن عقيل،
_________________
(١) التاريخ ٥/ ٣٨٩. من طريق عمار الدهني عن أبي جعفر.
(٢) ذكر الطبري: التاريخ ٥/ ٣٩٧. أنها زرود، وأن الذي جاء إليه بخبر مسلم رجلان من بني أسد.
[ ١٧٥ ]
وهانئ بن عروة. ثم أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر (^١) رسوله الذي وجهه من بطن الرمة.
وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق، فلما سمعوا خبر مسلم، وقد كانوا ظنوا أنه يقدم على أنصار وعضد تفرقوا عنه، ولم يبق معه إلا خاصته) (^٢).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٣)، والبلاذري (^٤)، والطبري (^٥) مطولًا.
وقد اختلفت المصادر فيمن أرسل بخبر قتل مسلم إلى الحسين -﵁-، فقيل محمد بن الأشعث (^٦)، وقيل: عمر بن سعد (^٧) ولعل الأخير هو الأقرب؛ لأن ذلك يعتبر من وصية مسلم له قبل قتله.
[٦٠]- (فسار حتى انتهى إلى بطن العقيق (^٨)، فلقيه رجل من بني عكرمة (^٩)، فسلم عليه، وأخبره بتوطيد (^١٠) ابن زياد الخيل ما بين القادسية إلى العذيب (^١١) رصدًا له.
ثم قال له: انصرف بنفسي أنت، فو الله ما تسير إلا إلى الأسنة والسيوف،
_________________
(١) أما قيس بن مسهر فقد أخذه الحصين بن تميم وهو في القادسية وسلمه لابن زياد فقتله. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٩٥. وقد ورد قتله عند الطبري بعد خبر كتاب الحسين -﵁- لأهل الكوفة مباشرة.
(٢) الأخبار الطوال ٢٤٧، ٢٤٨.
(٣) الطبقات ١/ ٤٦٠، ٤٦٢ (ت د. محمد السلمي).
(٤) الأنساب ٣/ ١٦٨.
(٥) التاريخ ٥/ ٣٩٧. بروايتين الأولى بزرود، والأخرى بزبالة ولم يسمِّ المرسل.
(٦) البلاذري: الأنساب ٢/ ٨٥.
(٧) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٦٢ (ت د. محمد السلمي).
(٨) بطن العقيق وعند الطبري ٥/ ٣٩٩ بطن العقبة.
(٩) اسمه لوذان أحد بني عكرمة، وقد روى هذا الخبر عن أحد عمومته. الطبري: التاريخ ٥/ ٣٩٩.
(١٠) وطد: وطدت الشيء أطده وطدًا، أي أثبته وثقلته، والتوطيد مثله. الفارابي: تاج اللغة ٢/ ٥٥١.
(١١) العذيب: ماء بين القادسية والمغيثة، وقيل: هو وادي لبني تميم، وهو من منازل حاج الكوفة. الحموي: البلدان ٤/ ٩٢.
[ ١٧٦ ]
ولا تَتَّكِلَنَّ على الذين كتبوا لك، فإن أولئك أول الناس مبادرة إلى حربك.
فقال له الحسين: قد ناصحت وبالغت، فجزيت خيرًا ثم سلم عليه) (^١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٢).
نلاحظ حجم التحذيرات التي واجهها الحسين -﵁- قبل أن يصل الكوفة، وكل من حذره من أهل الكوفة ألمح إلى الغدر والخذلان وكل هذه الروايات شاهدة على مر العصور أن الغادر الأول هم أهل الكوفة وهم من يدعي حب الحسين -﵁-.
* لقاء الحسين -﵁- بالحر بن يزيد:
[٦١]- (ومضى حتى نزل بشراه (^٣) بات بها، ثم ارتحل وسار، فلما انتصف النهار، واشتد الحر، وكان ذلك في القيظ، تراءت لهم الخيل.
فقال الحسين لزهير بن القين: أما هاهنا مكان يلجأ إليه، أو شرف، نجعله خلف ظهورنا، ونستقبل القوم من وجه واحد؟.
قال له زهير: بلى، هذا جبل ذي جشم (^٤)، يسرة عنك، فمل بنا إليه، فإن سبقت إليه فهو كما تحب، فسار حتى سبق إليه، وجعل ذلك الجبل وراء ظهره.
- وأقبلت الخيل، وكانوا ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي (^٥)، ثم
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٤٨.
(٢) التاريخ ٥/ ٣٩٩ من طريق أبي مخنف.
(٣) شراة: جبل شامخ مرتفع من دون عسفان، لبني ليث. الحموي: البلدان ٣/ ٣٣١. وذكر الطبري أنها (شراف) ٥/ ٤٠٠.
(٤) ذي جشم، وعند الطبري ٥/ ٤٠٠ أنه ذو (حسم) وهو وادٍ بنجد، وقيل: موضع بالبادية. البكري: معجم ما استعجم ٢/ ٤٤٦.
(٥) الحر بن يزيد التميمي اليربوعي، قائد من أشراف تميم. الأعلام: الزركلي ٢/ ١٧٢.
[ ١٧٧ ]
اليربوعي، حتى إذا دنوا أَمَرَ الحسين فتيانه أن يستقبلوهم بالماء، فشربوا، وتغمرت خيلهم، ثم جلسوا جميعًا في ظل خيولهم، وأعنتها في أيديهم حتى إذا حضرت الظهر قال الحسين للحر: أتصلي معنا، أم تصلي بأصحابك وأصلي بأصحابي؟ قال الحر: بل نصلي جميعًا بصلاتك. فتقدم الحسين، فصلى بهم جميعًا. فلما انفتل (^١) من صلاته حوَّل وجهه إلى القوم، ثم قال: أيها الناس، معذرة إلى الله، ثم إليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمتْ عليّ رسلكم، فإن أعطيتموني ما اطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم دَخَلْنَا معكم مصركم، وإن تكن الأخرى انصرفت من حيث جئت.
فأسكتَ القوم، ولم يردوا عليه، حتى إذا جاء وقت العصر نادى مؤذن الحسين، ثم أقام، وتقدم الحسين، فصلى بالفريقين، ثم انفتل إليهم، فأعاد مثل القول الأول.
فقال الحر بن يزيد: والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر.
فقال الحسين: ائتني بالخرجين اللذين فيهما كتبهم.
فأتى بخرجين مملوءين كتبًا، فنثرت بين يدي الحر وأصحابه، فقال له الحر: يا هذا، لسنا ممن كتب إليك شيئًا من هذه الكتب، وقد أمرنا ألا نفارقك إذا لقيناك أو نقدم بك الكوفة على الأمير عبيد الله بن زياد. فقال الحسين: الموت دون ذلك.
ثم أمر بأثقاله، فحُمِلَتْ، وأمر أصحابه، فركبوا، ثم ولى وجهه منصرفًا نحو الحجاز، فحال القوم بينه وبين ذلك، فقال الحسين للحر: ما الذي تريد؟، قال: أريد والله أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد، قال الحسين: إذن والله أنابذك الحرب.
_________________
(١) انفتل: انصرف من صلاته. ابن منظور: لسان العرب ١١/ ٥١٤.
[ ١٧٨ ]
فلما كثر الجدال بينهما قال الحر: إني لم أؤمر بقتالك، وإنما أمرت ألا أفارقك، وقد رأيت رأيًا فيه السلامة من حربك، وهو أن تجعل بيني وبينك طريقًا، لا تدخلك الكوفة، ولا تردك إلى الحجاز، تكون نصفًا بيني وبينك حتى يأتينا رأي الأمير.
قال الحسين: فخذ هاهنا، فأخذ متياسرًا من طريق العذيب، ومن ذلك المكان إلى العذيب ثمانية وثلاثون ميلًا، فسارا جميعًا حتى انتهوا إلى عذيب الحمامات (^١)، فنزلوا جميعًا، وكل فريق منهما على غلوه (^٢) من الآخر) (^٣).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٤) مختصرًا، والبلاذري (^٥)، والطبري (^٦) مطولًا.
* لقاء الحسين -﵁- بعبيد الله بن الحر الجعفي:
[٦٢]- (ثم ارتحل الحسين من موضعه ذلك متيامنًا عن طريق الكوفة حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل (^٧)، فنزلوا جميعًا هناك، فنظر الحسين إلى فسطاط مضروب، فسأل عنه، فأخبر أنه لعبيد الله بن الحر الجعفي (^٨)، وكان
_________________
(١) عذيب الحمامات وعند البلاذري: الأنساب ٣/ ١٧١ عذيب الهجانات، والطبري ٥/ ٤٠٣ العذيب، والعذيب: مكان قرب الكوفة في العراق. محمد شراب: المعالم الأثيرة ١٨٧.
(٢) الغلوة: قدر رمية بسهمٍ. ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٣٨٣.
(٣) الأخبار الطوال ٢٤٨، ٢٤٩، ٢٥٠.
(٤) الطبقات ١/ ٤٦٣ (ت د. محمد السلمي).
(٥) الأنساب ٣/ ١٦٩.
(٦) التاريخ ٥/ ٤٠٠.
(٧) قصر بني مقاتل: يقع أسفل وادي تبل الذي يبعد أميالًا يسيرة عن الكوفة، وينسب إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة. الحموي: البلدان ٢/ ١٤. البلاذري: الأنساب ١٢/ ٣٦٩.
(٨) عبيد الله بن الحر الجعفي، له إدراك، وقد شهد القادسية، وكان شجاعًا شاعرًا قدم على معاوية -﵁- وشهد معه صفين، وقد تمارض حتى لا يشهد قتل الحسين -﵁- وهرب من ابن زياد، وقد ندم على عدم نصرته للحسين -﵁-. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٣٧/ ٤١٧. ابن حجر: الإصابة ٥/ ٨٨.
[ ١٧٩ ]
من أشراف أهل الكوفة، وفرسانهم.
فأرسل الحسين إليه بعض مواليه يأمره بالمصير إليه، فأتاه الرسول، فقال: هذا الحسين بن علي يسألك أن تصير إليه.
فقال عبيد الله: والله ما خرجت من الكوفة إلا لكثرة من رأيته خرج لمحاربته وخذلان شيعته، فعلمت أنه مقتول ولا أقدر على نصرة، فلست أحب أن يراني ولا أراه.
فانتعل الحسين حتى مشى، ودخل عليه قبته، ودعاه إلى نصرته.
فقال عبيد الله: والله إني لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى أن أغني عنك، ولم أخلف لك بالكوفة ناصرًا، فأنشدك الله أن تحملني على هذه الخطة، فإن نفسي لم تسمح بعد بالموت، ولكن فرسي هذه الملحقة، والله ما طلبت عليها شيئًا قط إلا لحقته، ولا طلبني وأنا عليها أحد قط إلا سبقته، فخذها، فهي لك.
قال الحسين: أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا إلى فرسك) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢)، والبلاذري (^٣)، والطبري (^٤).
• نقد النص:
وخبر استنجاد الحسين -﵁- بعبيد الله بن الحر لم أقف على من أورده بسند يمكن الاعتماد عليه، وقد تكرر هذا الموقف مع من يلتقي بهم الحسين -﵁- ويدعوهم إلى طاعته والخروج معه، ونلاحظ أن هذه المواقف تحصر؛
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٥٠، ٢٥١.
(٢) الطبقات ١/ ٥١٣ (ت د. محمد السلمي).
(٣) الأنساب ٣/ ١٧٤، وفي ٧/ ٣٠ من طريق أبي مخنف.
(٤) التاريخ ٥/ ٤٠٧، من طريق أبي مخنف.
[ ١٨٠ ]
ولعل الهدف منه تضخيم حجم الخذلان الذي يواجهه الحسين -﵁- ممن يلقاه في طريق، وبينما نجد أن الخذلان الذي قد وقع له ممن دعاه وهم أهل الكوفة.
وهذه الرواية وغيرها التي جاءت بخبر عبيد الله بن الحر مع الحسين -﵁- فيها تناقض، والظاهر أنه لم يلقَ الحسين -﵁- أصلًا حتى يعرض عليه نصرته، والغالب على الظن أنه لو صح أن الحسين -﵁- دعاه لنصرته لنصره، وسيأتي ذلك موضحًا في أبيات قالها سوف ترد معنا في آخر مقتل الحسين -﵁-.
ومن أمثلة تناقض الروايات التي جاءت بخبره:
ذكر في الرواية السابقة أن ابن الحر قال: (والله ما خرجت من الكوفة إلا لكثرة من رأيته خرج لمحاربته) إلى قوله: (ولست أحب أن أراه أو يراني).
وقوله حينما دعاه الحسين -﵁-: (إنّا للّه وإنّا إليه راجعون! واللّه ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها، واللّه ما أريد أن أراه ولا يراني) (^١).
فإذا كان هذه حاله فلماذا يخرج إلى مكان يتوقع فيه رؤية الحسين -﵁- فلماذا لم يسلك طريقًا آخر لا يحتمل فيه لُقْيا الحسين -﵁-؟
* قصة منع الحسين -﵁- من الماء:
[٦٣]- (وسار الحسين من قصر بني مقاتل، ومعه الحر بن يزيد،
كلما أراد أن يميل نحو البادية منعه، حتى انتهى إلى المكان الذي يسمى كربلاء (^٢) فمال قليلًا متيامنًا حتى انتهى إلى نينوى (^٣)، فإذا هو براكب على
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٥/ ٤٠٧.
(٢) كربلاء: موضع في طرف الكوفة من ناحية البرية، وهو المكان الذي قتل فيه الحسين -﵁-. الحموي: البلدان ٤/ ٤٤٥.
(٣) نينوى: موضع بناحية سواد الكوفة، منها كربلاء. الحموي: البلدان ٥/ ٢٣٩،
[ ١٨١ ]
نجيب (^١)، مقبل من القوم، فوقفوا جميعًا ينتظرونه.
فلما انتهى إليهم سلم على الحر، ولم يسلم على الحسين.
ثم ناول الحر كتابًا من عبيد الله بن زياد، فقرأه، فإذا فيه:
أما بعد، فجعجع (^٢) بالحسين بن علي وأصحابه بالمكان الذي يوافيك كتابي، ولا تحله إلا بالعراء على غير خمر (^٣) ولا ماء، وقد أمرتُ حامل كتابي هذا أن يخبرني بما كان منك في ذلك، والسلام.
فقرأ الحر الكتاب ثم ناوله الحسين، وقال: لا بد من إنفاذ أمر الأمير عبيد الله بن زياد، فانْزِلْ بهذا المكان، ولا تجعل للأمير عليّ علة.
فقال الحسين تقدم بنا قليلًا إلى هذه القرية التي هي منا على غلوه، وهي الغاضرية (^٤) أو هذه الأخرى التي تسمى السقبة (^٥) فنزل في إحداهما.
قال الحر: إن الأمير كتب إليّ أن أحلك على غير ماء، ولا بد من الانتهاء إلى أمره.
فقال زهير بن القين للحسين: بأبي وأمي يا ابن رسول الله، والله لو لم يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كفاية، فكيف بمن سيأتينا من غيرهم؟ فهلم بنا نناجز هؤلاء، فإن قتال هؤلاء أيسر علينا من قتال من يأتينا من غيرهم.
قال الحسين: فإنى أكره أن أبدأهم بقتال حتى يبدءوا) (^٦).
_________________
(١) النجيب: الفاضل من كل حيوان. الزبيدي: تاج العروس ٤/ ٢٣٧.
(٢) الجعجعة: هي الحبس والتضييق ويقصد احبسه وضيق عليه، والجعجعة صوت الرحى ومنها المثل: (أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا). ابن منظور: لسان العرب ٨/ ٥١.
(٣) الخمر: ما واراك من شيء مثل الجبال والأشجار وغيرها. الفارابي: تاج اللغة ٢/ ٦٥٠.
(٤) الغاضرية: هي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء، تنسب إلى الغاضرة من بني أسد. الحموي: البلدان ٤/ ١٨٣.
(٥) السقبة: لم أقف على تعريف لها. وعن الطبري: التاريخ ٥/ ٤٠٩، أنها (شفية).
(٦) الأخبار الطوال ٢٥١، ٢٥٢.
[ ١٨٢ ]
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^١)، والطبري (^٢).
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن عبيد الله أمر الحر بن يزيد بمنع الماء من الحسين -﵁-، وقد جاءت هذه الرواية مسندة من طريق أبي مخنف وهو ضعيف، ثم إنه أي قوة يمتلكها الحسين -﵁- حتى يمنع عنه الماء، وهذا مما لا شك فيه من مبالغات الرواة.
وقد أورد ابن كثير (^٣) هذه القصة ولم يذكر منع الماء وإنما ذكر أن عبيدالله أمر الحر أن يعدل بالحسين -﵁- في السير إلى العراق في غير قرية ولا حصن، وما ذكره ابن كثير أقرب إلى واقع حال عبيد الله بن زياد مع الحسين -﵁-؛ لأنه خاف أن يتحصن في حربه.
وقد علق الشيخ ابن باز على قصة منع الماء عن الحسين -﵁- فقال: (وأما قصة منع الماء وأنه مات عطشانًا وغير ذلك من الزيادات إنما تُذكر لدغدغة المشاعر، فلا يثبت منها شيء، وما ثبت يغني) (^٤).
[٦٤]- (فقال له زهير: فها هنا قرية بالقرب منا على شط الفرات، وهي في عاقول (^٥) حصينة، الفرات يحدق بها إلا من وجه واحد، قال الحسين: وما اسم تلك القرية؟ قال: العقر (^٦)، قال الحسين: نعوذ بالله من العقر، فقال
_________________
(١) الأنساب ٣/ ١٧٦.
(٢) التاريخ ٥/ ٤٠٨.
(٣) البداية والنهاية ٨/ ١٨٨.
(٤) مقتل الحسين -﵁- للشيخ عبد العزيز بن باز على الشبكة الوطنية الكويتية على الرابط: http:// www.nationalkuwait.com
(٥) العاقول: الأرض التي لا يهدى لها لكثرة معاطفها. الزبيدي: تاج العروس ٣٠/ ٣٠.
(٦) العقر: موضع يسمى عقر بابل قرب كربلاء. الحموي: البلدان ٤/ ١٣٦.
[ ١٨٣ ]
الحسين للحر: سر بنا قليلًا، ثم ننزل) (^١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٢) والحموي (^٣).
• نقد النص:
وردت هذه الرواية عند الطبري من طريق أبي مخنف، وفيها نكارة فهي تصف الحسين -﵁- بالتطير (^٤) والمانع من ذلك فقهه؛ لأنه لا يخفى على مثله نَهْيُ الرسول -ﷺ- عن التطير حيث قال: (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد) (^٥).
* نزول الحسين -﵁- في كربلاء:
[٦٥]- (فسار معه حتى أتوا كربلاء، فوقف الحر وأصحابه أمام الحسين ومنعوهم من المسير، وقال: انزل بهذا المكان، فالفرات منك قريب.
قال الحسين: وما اسم هذا المكان؟
قالوا له: كربلاء.
قال: ذات كرب وبلاء، ولقد مر أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفين، وأنا معه، فوقف، فسأل عنه، فأخبر باسمه، فقال: [ها هنا محط ركابهم، وها هنا مهراق دمائهم]، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: ثقل لآل بيت محمد، ينزلون هاهنا) (^٦).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٥٢.
(٢) التاريخ ٥/ ٤٠٩.
(٣) البلدان ٤/ ١٣٦.
(٤) التطير: هو التشاؤم بالطيور والأسماء والبقاع وغيرها. السعدي: القول السديد في شرح كتاب التوحيد، ت: المرتضى الزين أحمد ١٠٥.
(٥) البخاري: الصحيح ٧/ ١٢٦، برقم ٥٧٠٧.
(٦) الأخبار الطوال ٢٥٢، ٢٥٣.
[ ١٨٤ ]
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^١)، والطبري (^٢).
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية تطيُّر الحسين -﵁- كما في الرواية السابقة وهذا لا يصح أيضًا، وقد جاء هذا الخبر عند ابن سعد مسندًا، وفيه أن علي بن أبي طالب -﵁- لما رجع من صفّين ونزل في موضع قال: (ما يسمى هذا الموضع؟ قال: قلنا: كربلاء. قال: كربٌ وبلاءٌ.
قال: ثم قعد على رابية وقال: يقتل ها هنا قوم أفضل شهداء على وجه الأرض (^٣)، قال المحقق: (إسناده ضعيف) (^٤).
ولا يصح أيضًا أن علي بن أبي طالب -﵁- أو ابنه الحسين -﵁- يقولان ذلك علمًا منهما بما سوف يحدث؛ لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه
إلا الله.
وقد قال شيخ الإسلام عن علي -﵁-: والكتب المنسوبة إلى عليٍّ، أو غيره من أهل البيت، في الإخبار بالمستقبلات كلّها كذبٌ، مثل كتاب «الجفر» و«البطاقة» وغير ذلك.
وكذلك ما يضاف إليه من أنّه كان عنده علمٌ من النّبيّ -ﷺ- خصّه به دون غيره من الصّحابة.
وفي صحيح البخاريّ عن أبي حذيفة (^٥) قال: قلت لعليٍّ: هل عندكم شيءٌ
_________________
(١) الطبقات ١/ ٤٣١ (ت د. محمد السلمي).
(٢) التاريخ ٥/ ٤٠٩
(٣) الطبقات ١/ ٤٣١ (ت د، محمد السلمي). وأخرجه من الطريق نفسه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٢٢١.
(٤) ابن سعد: الطبقات ١/ ٤٣١ (ت د. محمد السلمي).
(٥) والصحيح من اسمه أنه (أبي جحيفة -﵁- كما ذكره البخاري، وهو وهب بن عبد الله السوائي الكوفي، يسمى وهب الخير، صحب النبي -ﷺ- وحدث عنه، وقد صحب عليًّا -﵁- وكان صاحب شرطة، توفي سنة أربع وسبعين. الذهبي: السير ٣/ ٢٠٣.
[ ١٨٥ ]
من الوحي ممّا ليس في القرآن؟ فقال: لا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، إلّا فهمًا يعطيه اللّه رجلًا في القرآن، وما في هذه الصّحيفة. قلت: وما في هذه الصّحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألَّا يقتل مسلمٌ بكافرٍ (^١) (^٢).
ورُوِيَ أن الحسين -﵁- قال ذلك مخبرًا بصدق النبي -ﷺ- فقد روى ابن أبي عاصم عن المطلب بن عبد الله (^٣) أنه قال: (لما أحيط بالحسين -﵁- قال: ما اسم هذه الأرض؟ فقيل: كربلاء فقال: صدق رسول الله -ﷺ-: هي أرض كربٍ وبلاء) (^٤)، وفي سندها يعقوب بن حميد بن كاسب (^٥)، قال عنه الهيثمي (ضعيف وقد وثق) (^٦).
* * *
_________________
(١) البخاري: الصحيح ٤/ ٦٩ برقم ٣٠٤٧.
(٢) ابن تيمية: منهاج السنة ٨/ ١٣٦.
(٣) المطلب بن عبد الله بن المطلب المخزومي، من الرابعة، صدوق كثير التدليس والإرسال. ابن حجر: التقريب ٥٣٤.
(٤) وأخرجه من طريق المطلب بن أبي عاصم: الآحاد والمثاني ١/ ٣٠٧، برقم ٤٢٤، الشريعة للآجري ٥/ ٢١٥٧ برقم ١٦٦٦، معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢/ ٦٧١ برقم ١٨٠٥، المعجم الكبير للطبراني ٣/ ١٠٦ برقم ٢٨١٢.
(٥) يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، قال عنه يحيى بن معين والنسائي: ليس بشيء، وقال الأزدي: ضعيف الحديث، وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم، من العاشرة. الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ٣/ ٢١٥. ابن حجر: التقريب ٦٠٧.
(٦) مجمع الزوائد ٩/ ١٩٢ برقم ١٥١٣٣.
[ ١٨٦ ]