* عبد الله بن الزبير -﵁- وموقفه من ابن عباس -﵁- وابن الحنفية:
[١٧٦]- (قالوا: ولما قُتِلَ المختار، واستتب الأمر لعبد الله بن الزبير، أرسل إلى عبد الله بن عباس ومحمد ابن الحنفية: إما إن تبايعاني أو تخرجا من جواري، فخرجا من مكة، فنزلا الطائف، وأقاما هناك، وتوفي عبد الله بن عباس بالطائف، وصلى عليه محمد ابن الحنفية.
وخرج محمد ابن الحنفية حتى أتى أيلة (^١)، وكتب إلى عبد الملك بن مروان، يستأذنه في القدوم عليه، والنزول في جواره، فكتب إليه: وراءك أوسع لك، ولا حاجة لي فيك، فأقام محمد ابن الحنفية عامه ذلك بأيلة، ثم توفى بها (^٢) (^٣).
ذكر نحوًا منها مطولًا: ابن سعد (^٤) والبلاذري (^٥) والطبري (^٦).
• نقد النص:
ورد في علاقة عبد الله بن الزبير -﵁- مع عبد الله بن عباس -﵁- ومحمد ابن الحنفية أخبارًا كثيرة، وفيها أمور منكرة، لا يمكن قبولها، ولم ترد بسند صحيح ومن ذلك:
_________________
(١) أيلة: هي مدينة العقبة اليوم. حسن شراب: المعالم الأثيرة ٤٠.
(٢) ذكر البلاذري في الأنساب ٣/ ٢٩٣ والمسعودي في التنبيه والإشراف ٢٧٣ أنه توفي في المدينة سنة ٨١ هـ.
(٣) الأخبار الطوال ٣٠٩.
(٤) الطبقات ٥/ ١٠٠.
(٥) الأنساب ٢/ ٢٧٦.
(٦) التاريخ ٦/ ٧٥.
[ ٣٩٥ ]
- روى ابن سعد أخبارًا عمّا جرى بين عبد الله بن الزبير -﵁- وبين عبد الله بن عباس -﵁- ومحمد ابن الحنفية، وأكثر ما رواه في هذا عن الواقدي (^١)، وهو ضعيف، ومن ذلك قوله: (فلمّا جاء نعي يزيد بن معاوية، وبايع ابن الزّبير لنفسه، ودعا النّاس إليه دعا ابن عبّاسٍ ومحمّد ابن الحنفيّة إلى البيعة له فأبيا يبايعان له، وقالا: حتّى يجتمع لك البلاد، ويتّسق لك النّاس، فأقاما على ذلك ما أقاما. فمرّةً يكاشرهما ومرّةً يلين لهما، ومرّةً يباديهما، ثمّ غلظ عليهما، فوقع بينهم كلامٌ وشرٌّ، فلم يزل الأمر يغلظ حتّى خافا منه خوفًا شديدًا ومعهما النّساء والذّرّيّة، فأساء جوارهم، وحصرهم وآذاهم، وقصد لمحمّد ابن الحنفيّة فأظهر شتمه وعيبه، وأمره وبني هاشمٍ أن يلزموا شعبهم بمكّة، وجعل عليهم الرّقباء، وقال لهم فيما يقول: واللّه، لتبايعنّ أو لأحرقنّكم بالنّار) (^٢).
- وأخرج ابن سعد (^٣) بسنده من طريق هوذة بن خليفة (^٤) عن عوف (^٥) خبرًا فيه أن عبد الله بن الزبير منع محمد ابن الحنفية أن يدخل مكة إلا أن يبايعه، فخرج إلى الشام، فمنعه عبد الملك بن مروان أيضًا من دخولها حتى يبايعه، ثم إن عبد الله بن الزبير -﵁- أرسل أخاه عروة يتهدده بالحبس إن لم يبايع.
_________________
(١) وهذه الأخبار التي رواها الواقدي حكم على أسانيدها بالضعف، وبعضها بالضعف ونكارة المتن د. محمد السلمي، في تحقيقه لكتاب الطبقات، الطبقة الخامسة من الصحابة ١/ ١٨٣. وروى الفاكهي ٢/ ٣٦٠ في أخبار مكة نحوًا من هذه الأخبار عن الواقدي أيضًا.
(٢) ابن سعد: الطبقات ٥/ ١٠٠.
(٣) المصدر السابق ٥/ ١٠٥.
(٤) سبقت ترجمته
(٥) سبقت ترجمته
[ ٣٩٦ ]
وهذا لم يأت بسند صحيح، قال يحيى بن معين: (هوذة عن عوف ضعيف) (^١).
- وعند ابن سعد من طريق أبي حمزة (^٢)، قال: (كنت مع محمّد بن عليٍّ، فسرنا من الطّائف إلى أيلة بعد موت ابن عبّاسٍ بزيادةٍ على أربعين ليلةً. قال: وكان عبد الملك قد كتب لمحمّدٍ عهدًا على أن يدخل في أرضه هو وأصحابه حتّى يصطلح النّاس على رجلٍ، فإذا اصطلحوا على رجلٍ بعهدٍ من اللّه وميثاقٍ كتبه عبد الملك، فلمّا قدم محمّدٌ الشّام بعث إليه عبد الملك: إمّا أن تبايعني، وإمّا أن تخرج من أرضي … فأحرم بعمرةٍ، وقلّد هديًا، فعمدنا إلى البيت، فلمّا أردنا أن ندخل الحرم تلقّتنا خيل ابن الزّبير، فمنعتنا أن ندخل فأرسل إليه محمّدٌ، لقد خرجت وما أريد أن أقاتلك، ورجعت وما أريد أن أقاتلك، دعنا، فلندخل، ولنقضِ نُسُكَنَا، ثمّ لنخرج عنك، فأبى، ومعنا البُدْن قد قلّدناها، فرجعنا إلى المدينة، فكنّا بها حتّى قدم الحجّاج، فقتل ابن الزّبير، ثمّ سار إلى البصرة والكوفة، فلمّا سار مضينا، فقضينا نسكنا، وقد رأيت القمل يتناثر من محمّد بن عليٍّ، فلمّا قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة، فمكث ثلاثة أشهرٍ ثمّ توفّي) (^٣).
وهذا لم يرد بسند صحيح؛ لأنه من طريق أبي حمزة ولم يوثق.
- وروي أن عبد الله بن الزبير حبس محمد ابن الحنفية ومن معه من أهل
_________________
(١) القزويني: الإرشاد ٢/ ٥٩١.
(٢) عمران بن أبي عطاء، أبو حمزة، الأسدي، الواسطي القصاب، حدَّث عن ابن العباس وابن الحنفية، وقد وثق، قال أبو زرعة: لين، وقال العقيلي: لا يتابع حديثه، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو داود: ليس بذاك وهو ضعيف، وقال ابن حجر: صدوق له أوهام. الذهبي: ميزان الاعتدال ٣/ ٢٣٩. ابن حجر: التقريب ٤٣٠.
(٣) ابن سعد: الطبقات ٥/ ١٠٩.
[ ٣٩٧ ]
بيته بزمزم، وتوعدهم بالقتل والإحراق؛ وذلك لأنهم كرهوا بيعته حتى تجتمع عليه الأمة، وأن المختار أرسل جيشًا لنجدتهم، ولكن محمد ابن الحنفية أبى عليهم أن يقاتلوا في الحرم (^١)، وهذا لايصح منه شيء لأنه من طريق المدائني وأبي مخنف.
ومما سبق من النصوص نجد قَدْحًا ومبالغة واضحة بسياسة عبد الله بن الزبير -﵁-، وعبد الملك بن مروان تجاه محمد ابن الحنفية، والمستفيد من هذا في المقام الأول هم الشيعة، فلا عجب أن تجد مثل هذه الزيادات؛ ولذلك لم يثبت أن عبد الله بن الزبير -﵁- حصر محمد ابن الحنفية ومن معه، وحاول إحراقهم، أو أنه منعه من دخول مكة لأداء العمرة.
وفي الروايات السابقة نجد أن موقف محمد ابن الحنفية يتكرر، وهو أن سبب عدم بيعته هو أنه لا يبايع في فرقة، وهذا منهج ابن عباس -﵁- أيضًا فهو قد حذا حذوه واقتدى به.
ولم يكن ابن عباس -﵁- مبايعًا لابن الزبير -﵁-، ولم يكن مخالفًا أيضًا، فقد كان ابن الزبير -﵁- يستشير ابن عباس -﵁- في المسائل الفقهية (^٢)، ثم إنه أثنى عليه ومدحه، فقد أخرج البخاري بسنده: قال ابن أبي مليكة: وكان بينهما شيءٌ، فغدوت على ابن عبّاسٍ، فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزّبير، فتحلّ حرم اللّه؟ فقال: «معاذ اللّه، إنّ اللّه كتب ابن الزّبير وبني أميّة محلّين، وإنّي واللّه لا أحلّه أبدًا»، قال: قال النّاس: بايع لابن الزّبير فقلت: «وأين بهذا الأمر عنه، أمّا أبوه: فحواريّ النّبيّ -ﷺ- يريد الزّبير - وأمّا جدّه: فصاحب الغار - يريد
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٢/ ٢٧٦، ولم يسند الخبر، والطبري: التاريخ ٦/ ٧٥، في خبر طويل رواه عن أبي مخنف والمدائني.
(٢) الطحاوي: شرح مشكل الآثار ٩/ ٣٧٩.
[ ٣٩٨ ]
أبا بكرٍ - وأمّه: فذات النّطاق - يريد أسماء - وأمّا خالته: فأمّ المؤمنين - يريد عائشة - وأمّا عمّته: فزوج النّبيّ -ﷺ- يريد خديجة - وأمّا عمّة النّبيّ -ﷺ-: فجدّته - يريد صفيّة - ثمّ عفيفٌ في الإسلام، قارئٌ للقرآن …) (^١).
وقوله: (وأين بهذا الأمر عنه) أي إنه أجدر الناس بالخلافة وليست بعيدة عنه لما له من المكارم والمزايا (^٢).
وهذا الأثر الصحيح يعطي دلالة واضحة أن الخلاف بينهما لم يصل إلى درجة التقاتل والتقاطع بينهما، فابن عباس -﵁- أقر بأحقيته للخلافة، ولم يخالفه ولم يرضَ بقتاله.
ثم إنه روي عن ابن عباس -﵁- أنه قد سأل عن أهل المدينة زمن الحرة وهو في الطائف (^٣)، وقد توفي فيه كما هو مشهور، وهذا يدل على أنه أقام فيه آخر حياته.
وقضية سجن محمد ابن الحنفية التي وردت في النصوص وهي إحدى الشُّبَهِ المثارة في علاقة عبد الله بن الزبير -﵁- بمحمد ابن الحنفية، فلم أقف على مَنْ أوردها بسند صحيح، والذي ورد في ذلك أن عبد الله بن الزبير -﵁- سجن الحسن بن محمد ابن الحنفية (^٤).
فقد روى الفاكهي فقال: حدّثنا محمّد بن أبي عمر (^٥)، قال: ثنا سفيان (^٦)،
_________________
(١) البخاري: الصحيح ٦/ ٦٦.
(٢) المصدر السابق ٦/ ٦٦ نفسه من تعليق مصطفى البغا.
(٣) خليفة بن خياط ٢٣٧.
(٤) الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، الهاشمي المدني، ثقة فقيه، يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء. ابن حجر: التقريب ١٦٤.
(٥) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نزيل مكة، صدوق صنف المسند، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة. ابن حجر: التقريب ٥١٣.
(٦) سفيان بن عيينة، ثقة سبق ترجمته.
[ ٣٩٩ ]
عن عمرو بن دينارٍ (^١)، قال: أخبرني الحسن بن محمّدٍ، قال: (أخذني ابن الزّبير -﵄- فحبسني في دار النّدوة في سجن عارمٍ، فانفلتُّ منه في قيودي، فلم أزل أتخطّى الجبال، حتّى سقطتُّ على أبي بمنى) (^٢).
وسبب ذلك أن الحسن بن محمد قام مع ناس من الخشبية في نصيبين بعد قتل المختار، فعارضوا أمير الموصل التابع لعبد الله بن الزبير -﵁-، فهزمهم وأسر الحسن وأرسله إلى ابن الزبير -﵁- في مكة. (^٣) * دخول إبراهيم بن الأشتر في أمر مصعب:
[١٧٧]- (وقتل المختار، وإبراهيم بن الأشتر عامله على كورة الجزيرة، فكتب إلى مصعب يسأله الأمان، وكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فقدم وبايعه، وفوض مصعب إليه جميع أمره، وأظهر بره وألطافه) (^٤).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٥) مختصرًا، والطبري (^٦) مطولًا.
* الشبهات المثارة حول مصعب بن الزبير:
* مصير أصحاب المختار:
[١٧٨]- (ولم تزل الستة الآلاف الذين دخلوا القصر متحصنين فيه شهرين، حتى نفد جميع ما كان المختار أعده فيه من الطعام، فسألوا الأمان، فأبى مصعب أن يعطيهم الأمان إلا على حكمه، فأرسلوا إليه: إنا ننزل على
_________________
(١) ثقة ثبت سبقت ترجمته.
(٢) أخبار مكة ٣/ ٣٠٢.
(٣) الذهبي: تاريخ الإسلام ٦/ ٣٣٤.
(٤) الأخبار الطوال ٣٠٩.
(٥) الأنساب ٧/ ٨٩.
(٦) التاريخ ٦/ ١١١.
[ ٤٠٠ ]
حكمك، فنزلوا عند ما بلغ إليهم الجوع، فضرب أعناقهم كلها، وكانوا ستة آلاف: ألفين من العرب، وأربعة آلاف من العجم) (^١).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢) والبلاذري (^٣) والطبري (^٤) مطولًا.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية قتل من تبقى من جند المختار على يد مصعب، وهذه من الشبه المثارة عليه، ولم أقف على خبر صحيح يثبت وقوع الحادثة بهذا العدد.
وقد اختلفت الروايات في عدد المحاصرين من جند المختار، الذين قتلهم مصعب بن الزبير، ويستبعد أن يكون العدد كما ذكره صاحب الكتاب ستة آلاف أو خمسة آلاف كما ذكر غيره (^٥)؛ لأن هذا العدد لو كان مع المختار لم يضطر إلى اللجوء إلى القصر فبإمكانه أن يعيد ترتيبهم ويقاتل بهم؛ ولكن الذي ورد عنه أنه نزل من القصر، وقاتل قتال الذي يئس من النصر، وقصده بذلك عدم النزول على حكم مصعب ومن معه؛ لأنه يعرف أن مصيره القتل.
قال الإسفراييني: (ثمّ وقعت الهزيمة على المختار وأصحابه، فانهزموا إلى دار الإمامة بالكوفة، وتحصن فيها مع أربعمائة من أتباعه، وحاصرهم مصعب فيها ثلاثة أيام حتّى فني طعامهم، ثمّ خرجوا إليه في اليوم الرّابع
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٠٩.
(٢) الطبقات ٢/ ٨٤ (ت د. محمد السلمي) بإسناد جمعي وقال: (فيه ضعفاء ومن لا يعرف).
(٣) الأنساب ٦/ ٤٤٢.
(٤) التاريخ ٦/ ١١٦ من طريق أبي مخنف.
(٥) ذكر البلاذري في الأنساب ٦/ ٤٤٢، والطبري ٦/ ١١٦ أنهم ستة آلاف، وبرواية أخرى أنهم ثمانية آلاف.
[ ٤٠١ ]
مستقتلين فقُتِلُوا وقُتِلَ المختار معهم) (^١).
وهنا وقفة وتساؤل: أين معظم الجند الذين كانوا مع المختار؟.
والجواب على ذلك: أنها جرت أحداث قبل وأثناء حرب المختار ساهمت بالتقليل من جنده، ومن ذلك:
- أمر مصعب عبد الرحمن بن مخنف أن يأتي الكوفة مستخفيًا ويخرج من استطاع من أهلها ويبايع له سرًّا، ويخذل أصحاب المختار عنه (^٢).
- حصلت هزائم متتالية، قُتِلَ فيها الكثير من جند المختار قبل لجوئه إلى القصر وحصاره (^٣).
- يروى أن المختار وجنوده بلغوا حالة من الضعف والهوان حتى إن أهل البيوت في الكوفة يرمونه بالحجارة ويصبون عليهم الماء القذر (^٤)، وهذا يدل على قلة عددهم.
ومما يروى عن مصير أصحاب المختار ولم يثبت:
روي أنهم نزلوا على حكم مصعب وكاد أن يعفو عنهم، فاعترض عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث وبعض أشراف الكوفة، فقالوا اخترنا أو اخترهم، وذكروا له دماءهم، فعدل عن ذلك وقتلهم (^٥).
وذكر ابن سعد بسنده أن القتل حدث لهم بعد أن أعطاهم الأمان (^٦)، وكل
_________________
(١) الفرق بين الفرق ١/ ٣٧.
(٢) البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٢٩، الطبري: التاريخ ٦/ ٩٥.
(٣) البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٣٨، الطبري: التاريخ ٦/ ١٠٠.
(٤) الطبري: التاريخ ٦/ ١٠٥.
(٥) البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٤٢. الطبري: التاريخ ٦/ ١١٦ من طريق أبي مخنف.
(٦) الطبقات ٢/ ٧٩ (ت د. محمد السلمي) بإسناد جمعي وقال عنه: (إسناده جمعي فيه الضعفاء ومن لا يعرف).
[ ٤٠٢ ]
هذا لم يصح منه شيء.
وما أخرج ابن أبي شيبة (^١) من طريق محمد بن كناسة (^٢)، والبلاذري (^٣) من طريق عباس ابن هشام الكلبي (^٤)، والطبري (^٥) من طريق أبي مخنف: أن عبد الله بن عمر أنكر على مصعب بن الزبير قتل أصحاب المختار.
وهذا لم يثبت عن ابن عمر -﵁-، وهو في رواية الكوفيين الذين يكثر
فيهم التشيع وفيهم تعاطف مع المختار، وهذا الحدث يعد من المآخذ على مصعب وهو ما جعله يوصف بأنه سفَّاكًا للدماء (^٦)، ويروى أنه سمى نفسه الجزار (^٧).
وكل هذه الأوصاف لا يصح منها شيء، وهي تمهيد وتثبيت لهذه الرواية والتي تليها.
* مصعب وامرأة المختار:
[١٧٩]- (ودعا مصعب بامرأتي المختار، أم ثابت ابنة سمرة بن
_________________
(١) المصنف ٦/ ٢٠٤ برقم ٣٠٦٨٦.
(٢) محمد بن عبد الله بن كناسة الكوفي الأسدي، قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: (كان صاحب أدب يكتب حديثه ولا يحتج به). ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٧/ ٣٠٠، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين ٣/ ٩٥، والذهبي في الضعفاء ٢/ ٥٩٦، واحتجوا بقول أبي حاتم فيه.
(٣) الأنساب ٦/ ٤٥٢.
(٤) ضعيف سبقت ترجمته
(٥) الطبري: التاريخ ٦/ ١١٢.
(٦) ذكره الذهبي في السير ٤/ ١٤١، ولم يسند قوله ولعله أطلق عليه ذلك لما اشتهر عنه هذا الخبر المكذوب.
(٧) ذكره البلاذري: الأنساب ٧/ ١٨ والطبري: التاريخ ٦/ ٩٣ من طريق المدائني، وهو ليس بالقوي وقل ماله من الروايات المسندة.
[ ٤٠٣ ]
جندب (^١)، وعمرة بنت النعمان بن بشير (^٢)، فدعاهما إلى البراءة من المختار، فأما أم ثابت فإنها تبرأت منه، وأبتْ عمرة أن تتبرأ منه، فأمر بها مصعب، فأخرجت إلى الجبانة، فضُرِبَ عنقها، فقال بعض الشعراء (^٣) في ذلك:
إن من أعجب العجائب عندي … قتل بيضاء حرة عطبول
قتلوها بغير ذنب سفاها … إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا … وعلى المحصنات جر الذيول
وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت (^٤) في ذلك:
ألم تعجب الأقوام من قتل حرة … من المخلصات الدين محمودة الأدب؟
من الغافلات المؤمنات بريئة … من الزور والبهتان والشك والريب (^٥)
علينا كتاب الله في القتل واجب … وهن الضعاف في الحجال وفي الحجب
_________________
(١) أم ثابت بنت سمرة بن جندب لم أقف على ترجمة لها.
(٢) عمرة بنت النعمان بن بشير، امرأة شاعرة سكنت دمشق، ذكر أن الحارث بن خالد بن العاص خطبها حين قدم دمشق فقالت: كهول دمشق وشبانها .. أحب إلينا من الجالية، لهم زفر كصنان التيوس … أعيا على المسك والغالية، فقال يجيبها: ساكنات العقيق أشهى إلى النفس … من الساكنات دور دمشق، يتضوعن إن تطيبن بالمسك … صنانًا كأنه ريح مرق، ثم ذكر ابن عساكر أن هذه الأبيات لأختها حميدة، وأن المختار تزوجها وقتلها مصعب بعد أن شهدت للمختار عند المصعب بأنه عبد صالح، وذكر ذلك بإسناده عن صالح بن وجيه وعن أبي مخنف الذي ذكره الطبري، الزبيري: في نسب قريش ٣١٣، والفاكهي: في أخبار مكة ٤/ ١٩٣، وابن عساكر: في تاريخ دمشق ٦٩/ ٢٩٤.
(٣) عند البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٤٣، والمبرد: الكامل في اللغة ٣/ ١٨٠، والطبري ٦/ ٤٤٣ أنه عمر بن أبي ربيعة القرشي، وسمى البلاذري والطبري أيضًا رجلًا آخر وهو عبد الله بن الزبير الأسدي.
(٤) سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري، شاعر ابن شاعر ابن شاعر، ذكره يحيى بن معين في تابعي أهل المدينة ومحدثيهم. الصفدي في الوفيات ١٥/ ١٤٦.
(٥) ذكر البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٤٤ هذين البيتين في سياقه للقصة، وقال: إنها للأحوص أو غيره.
[ ٤٠٤ ]
فقلت ولم أظلم، أعمرو بن مالك … يقتل ظلمًا، لم يخالف ولم يرب
ويسبقنا آل الزبير بوترنا … ونحن حماة الناس في البارق الأشب
فإن تعقب الأيام منهم نجازهم … على حنق بالقتل والأسر والحنب (^١)
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢)، والطبري (^٣).
• نقد النص:
هذا الحدث والذي قبله جاء بعد قتل المختار بن أبي عبيد الثقفي، وصاحب الكتاب كعادته في انتقاء الأخبار التي فيها قدح وإساءة لأعلام المسلمين، وفيه أن مصعب بن الزبير قتل امرأة المختار بعد أن سألها عنه فأخبرته أنه رجل صالح وهناك روايات أخرى تذكر أنها تزعم أنه نبي.
وخبر قتل مصعب لامرأة المختار لم يرد بسند صحيح، فقد رواه الطبري (^٤) عن أبي مخنف وهو ضعيف، وقد ذكر فيه أن مصعبًا كتب إلى أخيه عبد الله بن الزبير -﵁- في أمرها، وأنها تزعم أن المختار نبي، فكتب له أن أخرجها واقتلها.
وأخرجه ابن عساكر (^٥) بسند فيه الحسن بن فهم (^٦)، ولم يوثق.
ومن طريق آخر بسنده عن صالح بن وجيه (^٧) وهو لم يدرك الحدث.
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٠٩، ٣١٠.
(٢) الأنساب ٦/ ٤٤٣.
(٣) التاريخ ٦/ ١١٢.
(٤) التاريخ ٦/ ١١٢.
(٥) تاريخ دمشق ٦٩/ ٢٩٥.
(٦) الحسين بن محمد بن عبدالرحمن بن فهم، صاحب محمد بن سعد (صاحب الطبقات)، قال الحاكم: ليس بالقوي، ومثله الدارقطني. ابن حجر: لسان الميزان ٣/ ٢٠٢.
(٧) صالح بن وجيه لم أقف على ترجمة له، وقد أخرج له الفاكهي ٢/ ٩٩ خبرًا يذكر فيه المهدي الخليفة العباسي بمعنى أنه عاصره.
[ ٤٠٥ ]
وروايته نحوًا مما ذكر الطبري عن أبي مخنف، وفي متنه نكارة، فمتى كان المسلمون يفتشون عن النساء ليحاسبونهن على أقوالهن ثم يقتلونهن.
ومثل عبد الله بن الزبير -﵁- وأخيه مصعب لا يخفى عليهما نهي الرسول -ﷺ- عن قتل النساء والصبيان، ثم إنه لو صح الخبر بردتها عن الإسلام أين الاستتابة قبل القتل، لكن الواضع لهذه الرواية جهل حكم الردة، ولم يتتبعِ العلماءُ هذه القضية التي حدث فيها القتل قبل الاستتابة ولم يستشهدوا بها لعلمهم بضعف ناقلها.
وكلتا الروايتين السابقتين من خزايا أبي مخنف ودسائسه.
أفبعد أن انتصر مصعب بن الزبير على المختار وقتله، وخلص الناس من شره، يأتي من يحاول أن ينال من هذا القائد العظيم الذي لو لم يكن له إلا قتل المختار والقضاء على فتنته لكفاه أن يُشْكَرُ؟!! لكن لا بد للأقلام العابثة أن يأتي دورها في أغلب مواطن العزة والشرف للمسلمين، فبدأت التهم تدور حول مصعب كما دارت حول أخيه عبد الله بن الزبير -﵁-.
* * *
[ ٤٠٦ ]