* موقف يزيد من معركة الحرة:
[١٠٧]- (ثم شخص بالجيش إلى مكة، وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة، فتمثل يزيد.
ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها … واستحر القتل في عبد الأشل (^١) (^٢)
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٣).
• نقد النص:
نقل عن يزيد أنه تمثل بهذه الأبيات، واختلفت المصادر متى قال ذلك، بعضها ذكرت أنه تمثل بها عند قتل الحسين -﵁- (^٤)، والأخرى عند وصول خبر الحرة إليه (^٥)، وكل ذلك لا يصح عنه.
وفي ذلك يقول ابن تيمية عن يزيد: (والديوان الشعري الذي يعزى إليه
_________________
(١) هذه الأبيات لعبد الله بن الزبعرى في قصيدة قالها يوم أحد وفي مطلعها: يا غراب البين أسمعت فقل .. إنما تنطق شيئًا قد فعل. وبها يفتخر بهزيمة المسلمين يوم أحد، فرد عليه حسان بن ثابت -﵁- بقوله: ذهبت يا ابن الزبعرى وقعة … كان منا الفضل فيها لو عدل ولقد نلتم ونلنا منكم … وكذلك الحرب أحيانًا دول ابن هشام: السيرة النبوية ت: السقا ٢/ ١٣٧.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦٧.
(٣) الأنساب ٥/ ٣٣٣.
(٤) الأصفهاني: مقاتل الطالبيين ١١٩. ابن الجوزي: المنتظم ٥/ ٣٤٣. وابن كثير: البداية والنهاية ٨/ ٢٠٩، وفي سنده محمد بن حميد الرازي قال عنه ابن كثير أنه شيعي.
(٥) البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٢٣، وابن عبد ربه: العقد الفريد ٥/ ١٣٩. وهي غير مسندة.
[ ٢٦٥ ]
عامته كذب، وأعداء الإسلام كاليهود وغيرهم يكتبونه للقدح في الإسلام، يذكرون فيه ما هو كذب ظاهر، كقولهم إنه أنشد:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا الكبش من أقرانهم … وعدلناه ببدرٍ فاعتدل
وأنه تمثل بهذا ليالي الحرّة فهذا كذب.
وهذا الشعر لعبد الله بن الزّبعرى أنشده عام أحدٍ لما قتل المشركون حمزة، وكان كافرًا، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه) (^١).
بل ورد ما ينافي هذا الخبر:
قال ابن كثير: (وروى المدائنيّ أنّ مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباعٍ إلى يزيد ببشارة الحرّة، فلمّا أخبره بما وقع قال: واقوماه، ثمّ دعا الضّحّاك بن قيس الفهري، فقال له: ترى ما لقي أهل المدينة؟ فما الّذي يجبرهم؟ قال: الطّعام والأعطية، فأمر بحمل الطّعام إليهم وأفاض عليهم أعطيته)، وقال: (وهذا خلاف ما ذكره كذبة الرّوافض عنه من أنّه شمت بهم واشتفى بقتلهم، وأنه أنشد ذكرًا وأثرًا شعر ابن الزّبعرى) (^٢).
وقال ابن الوزير: (وقد تركت ما يختص الشيعة بروايته مما لم أعرف له إسنادًا، مثل ما يروى عن يزيد من قوله: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل) (^٣).
* خلاصة وقعة الحرة:
١ - إن خلع أهل المدينة ليزيد كان نتيجة رأي اجتمع عليه رءوسهم من
_________________
(١) جامع المسائل ٥/ ١٤٨.
(٢) البداية والنهاية ٨/ ٢٥٦.
(٣) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ٨/ ١٢٦.
[ ٢٦٦ ]
أمثال عبد الله بن مطيع ومعقل بن سنان، ومحمد بن أبي الجهم، ويزيد بن عبد الله بن زمعة، ولم يثبت أن لعبد الله بن الزبير علاقة في أمرهم إلا أن دعواهم واحدة، وهي المطالبة بالشورى، ولم يصح أن الخلع بسبب فسق يزيد أو شربه للخمر وغيره.
٢ - حاول يزيد احتواء موقفهم، وأرسل النعمان بن بشير إليهم ليثنيهم عما كانوا عليه ولكنهم أصروا على موقفهم من خلعه، وهذا لا يشفع له؛ لأنه أخطأ خطأ جسيمًا، لم يسامح عليه عندما أرسل شخص من العتاة الجبابرة الذي أسرف في قتل ونهب المدينة.
٣ - لم يكن أهل المدينة جميعهم قد وافقوا على خلع يزيد، بل تمسكت طائفة منهم بالبيعة، منهم آل البيت وعلى رأسهم علي بن الحسين ومن معه في المدينة من آل عبد المطلب، وآل عمر بن الخطاب وعلى رأسهم عبد الله بن عمر، وبعض الصحابة مثل أبي سعيد الخدري -﵁-، وبني أمية وكبيرهم مروان بن الحكم، وهؤلاء لم يمسهم أذى أهل الشام، وهذا يدل دلالة واضحة أن يزيد يستحق البيعة، ولا يصح عنه القيام بأعمال مشينة تستوجب خلعه، فلم يجمع أهل المدينة على خلعه، ولا حتى أهل الحل والعقد منهم، فلا يوجد في المدينة آنذاك أفقه من عبد الله بن عمر -﵁- وأبي سعيد الخدري -﵁-، ومع ذلك لم يخلعوه.
٤ - قتل مسلم بن عقبة من تبقى من رءوس الحرة صبرًا.
٥ - أقصى ما فعله أهل الشام بأهل المدينة أنهم نهبوا المدينة وأسرفوا في قتل أهلها، مع إمكانية هزيمتهم وإخضاعهم دون الحاجة لمزيد من القتل، وهذا كله ليس أمرًا يسيرًا يمكن تجاوزه؛ لأن كل هذا حدث في مدينة الرسول -ﷺ-، وفي الصحابة وأبنائهم، وهذا هو السبب المباشر لتعظيم الحادثة في قلوب
[ ٢٦٧ ]
المسلمين على مر العصور، ولذلك يجب أن يقتصر التصور على هذه الأعمال؛ لأنها في ذلك الجيل عظيمة، ولا يطلق المسلم خياله لتلك الروايات الفاسدة، التي صورت القرن المفضل بتلك الخرافات والأباطيل.
٦ - أهل المدينة أخطئوا في خلع يزيد، وهو أخطأ بمعاقبتهم.
٧ - جاءت بعض الكتب بأخبار مشينة لهذه المعركة وغيرها من أحداث دولة بني أمية، وصورتها لنا بأفظع الصور والمشاهد، فكأننا نقرأ عن غزو المغول للمسلمين، بل أفظع من ذلك، وهذا كله؛ لأن تدوين تاريخ بني أمية جاء متأخرًا بزمن لا يخلو من العبث والدس.
* وفاة مسلم بن عقبة وخبر غزو مكة:
[١٠٨]- (فلما بلغ ابن عقبة هرشى (^١) اعتل، واشتدت علته، ونزل به الموت، فقال: أسندوني. فاسند، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني إن حدث بي في وجهي هذا حدث أن استخلف الحصين بن نمير على الجيش، ولو كان الأمر إليّ ما استخلفته؛ لأن من شأن اليمانية الرقة، غير أني لا أعصي أمير المؤمنين.
ثم قال: يا حصين، إذا وافيت مكة فناجز ابن الزبير الحرب من يومك، ولا ترد أهل الشام عن شيء يريدونه بعدوهم، ولا تجعل أذنك وعاء لقريش فيخدعوك. ثم مات، وكانت به الذبحة) (^٢).
أورد نحوًا منها: ابن سعد (^٣)، وخليفة بن خياط (^٤) مختصرًا، والأزرقي (^٥)
_________________
(١) هرشي: هي ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة، يُرى منها البحر ولها طريقان، فكل من سلك واحدًا منهما أفضى به إلى موضع واحد. الحموي: البلدان ٥/ ٣٩٧.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦٧.
(٣) الطبقات ٢/ ٦٧ (ت د. محمد السلمي).
(٤) التاريخ ٢٥٤.
(٥) أخبار مكة ١/ ٢٠٢.
[ ٢٦٨ ]
والبلاذري (^١) والطبري (^٢) مطولًا.
• نقد النص:
اختلفت المصادر في مكان موته والأشهر أنه في المشلل (^٣).
أما المرض الذي أصابه فقيل إنه الماء الأصفر (^٤)، أو أنه النقرس (^٥)، وقيل: الفالج (^٦)، وقيل: النوطة (^٧)، والله أعلم.
وأما عن وصية مسلم بن عقبة للحصين بن نمير ألا يرد أهل الشام في ما يريدونه بعدوِّهم فلم ترد بسند صحيح، ولعل ورودها هنا امتداد لوصية يزيد بن معاوية المزعومة وتأكيدًا لها.
[١٠٩]- (فتولى أمر الجيش الحصين بن نمير فسار حتى وافى مكة.
وتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع من كان معه، ونصب الحصين المجانيق على جبل أبي قبيس، وكانوا يرمون أهل المسجد) (^٨).
أورد نحوًا منها: ابن سعد (^٩) وخليفة بن خياط (^١٠) والأزرقي (^١١)
_________________
(١) الأنساب ٥/ ٣٣٥.
(٢) التاريخ ٥/ ٤٩٦، بروايتين الأولى عن أبي مخنف، ولم يذكر قوله: لا تردن أهل الشام ما يريدونه بعدوهم، والأخرى من طريق هشام بن محمد، وهو ضعيف وفيها هذه الوصية التي أوردها صاحب الكتاب.
(٣) الطبقات ٢/ ٦٧ (ت د. محمد السلمي)، الزبيري: نسب قريش ١٢٧. البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٣٢. الطبري: التاريخ ٥/ ٤٩٦.
(٤) الأزرقي: أخبار مكة ١/ ٢٠٢.
(٥) البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٣٧ عن المدائني.
(٦) الطبراني: المعجم الكبير ١٤/ ١٨٧.
(٧) ابن سعد: الطبقات ٢/ ٦٤ (ت د. محمد السلمي)، الذهبي: تاريخ الإسلام ٥/ ٢٤.
(٨) الأخبار الطوال ٢٦٧، ٢٦٨.
(٩) الطبقات ٢/ ٦٧ (ت د. محمد السلمي).
(١٠) التاريخ ٢٥٥.
(١١) أخبار مكة ١/ ٢٠٢.
[ ٢٦٩ ]
والبلاذري (^١) مطولًا. والطبري (^٢) بمثله مطولًا، وزاد عندهم حريق الكعبة في هذه الحملة.
* وصول خبر وفاة يزيد لجيش الشام:
[١١٠]- (فبيناهم كذلك إذ ورد على الحصين بن نمير موت يزيد بن معاوية، فأرسل إلى عبد الله بن الزبير: إن الذي وجهنا لمحاربتك قد هلك، فهل لك في الموادعة؟ وتفتح لنا الأبواب، فنطوف بالبيت، ويختلط الناس بعضهم ببعض، فَقَبِلَ ذلك ابن الزبير، وأمر بأبواب المسجد، ففُتِحَتْ، فجعل الحصين وأصحابه يطوفون بالبيت. فبينا الحصين يطوف بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير، فأخذ الحصين بيده، فقال له سرًّا: هل لك في الخروج معي إلى الشام؟ فادعوا الناس إلى بيعتك، فإن أمرهم قد مرج، ولا أرى أحدًا أحق بها اليوم منك، ولست أعصى هناك. فاجتذب عبد الله بن الزبير يده من يده، وقال، وهو يجهر بقوله: دون أن أقتل بكل رجل من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام.
فقال الحصين: لقد كذب من زعم أنك من دهاة العرب، أكلمك سرًّا، وتكلمني علانية، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب) (^٣).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٤)، والبلاذري (^٥)، والطبري (^٦).
_________________
(١) الأنساب ٥/ ٣٣٨.
(٢) التاريخ ٥/ ٤٩٧.
(٣) الأخبار الطوال ٢٦٨.
(٤) الطبقات ٢/ ٦٧ (ت د. محمد السلمي)، وقال المحقق: بإسناد جميعي ضعيف.
(٥) الأنساب ٥/ ٣٤٨ من طريق الواقدي، وهو ضعيف.
(٦) الطبري: التاريخ ٥/ ٥٠٢ من طريق هشام بن محمد الكلبي، وهو ضعيف.
[ ٢٧٠ ]
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية أنه لما ورد خبر موت يزيد بن معاوية، التقى الحصين بن نمير بعبد الله بن الزبير -﵁- ثم خيره بالذهاب معه إلى الشام؛ ليأخذ له البيعة هناك، ولكن عبد الله بن الزبير -﵁- رفض ذلك بشدة ورفع صوته، فسفهه الحصين لذلك وعاب عليه فعله، وهي تحكي غفلة عبد الله بن الزبير -﵁-، وعدم تفهمه لأسلوب المحادثة، وأنه أوهن الأمر الذي عرضه عليه الحصين بن نمير، وهذا الأمر لا يصح عنه، فهو داهية وما ساد ودانت له الرقاب وبايعته الأمصار إلا وهو كذلك، ومن نقل عنه ذلك إلا ليشينه ويوهن أمره.
وأصح ما جاء في هذه المحادثة ما رواه البلاذري، فقال: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي (^١) حدّثنا وهب بن جرير بن حازم (^٢) عن جويرية بن أسماء (^٣)، قال: حدّثني بردٌ مولى آل الزّبير (^٤): أنّ حصينًا بعث إلى ابن الزّبير إنّي أحبّ لقاءك، قال: فموعدك بعد العتمة بأعلى مكّة، فخرج ابن الزّبير بعد أن صلّى بالنّاس إلى المكان الّذي وعده فيه وليس عليه سلاحٌ، وأقبل ابن نميرٍ وعليه الدّرع والسّيف وقد لبس ممطرًا، فلمّا أراد الجلوس بدت نعل السّيف، فقال له ابن الزبير: أغدرًا يا ابن نميرٍ؟ قال: لا ولكنّي خفت أصحابك، ثمّ قال له: أبايعك غدًا بين الرّكن والمقام أنا وجميع أصحابي على أن تنتقل إلى الشّام فتسكنها ونقاتل عنك النّاس ما بقيت أرواحنا، فقال: إنّ لي أمراء لست أقطع أمرًا دونهم، فأناظرهم ثمّ يأتيك رأيي، فرجع فأخبر ابن صفوان وذويه، فقالوا: أتخرج من بلدٍ نصرك اللّه به وتفارق حرم اللّه وأمنه وتستعين بقومٍ رموا بيت
_________________
(١) أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة ٢٤٦ هـ. ابن حجر: التقريب ٧٧.
(٢) ثقة سبقت ترجمته.
(٣) جويرية بن أسماء صدوق، سبقت ترجمته.
(٤) برد مولى آل الزبير بن العوام، يروي عن ابن الزبير. ابن حبان: الثقات ٤/ ٨١.
[ ٢٧١ ]
اللّه لا خلاق لهم؟! فأرسل إلى الحصين: إنّ أصحابي قد أبوا أن يتحوّلوا إلى الشّام، قال: فهل أنت مؤمّنّي وأصحابي حتّى نطوف بالبيت ثمّ ننصرف عنك؟ فأمّنَهم فطافوا ثمّ انصرفوا) (^١).
نستخلص من هذه الرواية أنه لما مات يزيد التقى عبد الله بن الزبير -﵁- بالحصين بن نمير، الذي دعاه إلى أن يبايعه هو ومن معه، على شرط أن يذهب معه إلى الشام، ولكن عبد الله بن الزبير -﵁- رفض ذلك بعد مشاورة أصحابه؛ ولذلك لم تتم البيعة له من قبل الحصين بن نمير ومن معه؛ لأن الشرط الذي بينهما لم يتم وهو الذهاب معه إلى الشام، وليس كما جاء عند صاحب الكتاب وغيره.
ونلاحظ كيف تعامل الحصين بن نمير مع عبد الله بن الزبير -﵁- وأنزله مكانته، فهو رضي أن يبايعه، وأن يحمل من معه على بيعته؛ لأنه يعرف قدره وفضله، وليس الأمر كما صورته لنا تلك الروايات الضعيفة التي ضيعت هيبته ومكانته وأوهنت أمره.
[١١١]- (ثم انصرف في أصحابه إلى الشام، ومر بالمدينة، فبلغه أنهم على محاربته ثانيًا، فجمع إليه أهلها، وقال: ما هذا الذي بلغني عنكم؟ فاعتذروا إليه، وقالوا: ما هممنا بذلك) (^٢).
أورد نحوًا منها: البلاذري (^٣).
• نقد النص:
تحكي هذه الرواية أن الحصين بن نمير بلغه أن أهل المدينة مقيمين على
_________________
(١) الأنساب ٥/ ٣٥٠.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦٨.
(٣) الأنساب ٥/ ٣٤٨.
[ ٢٧٢ ]
حربه ثانية، فجمعهم وسألهم عن ذلك فاعتذروا إليه، وهذا لم يثبت، وقد ورد ما يخالفه حيث ذكر الطبري رواية تحكي حال هذا الجيش بعد خروجه من مكة: (فأقبل بأصحابه ومن معه نحو المدينة، فاستقبله عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبٍ ومعه قتٌّ وشعيرٌ، وهو على راحلةٍ له، فسلّم على الحصين، فلم يكد يلتفت إليه، ومع الحصين بن نميرٍ فرسٌ له عتيقٌ، وقد فني قتّه وشعيره، فهو غرضٌ، وهو يسبّ غلامه ويقول: من أين نجد هنا لدابّتنا علفًا! فقال له عليّ بن الحسين: هذا علفٌ عندنا، فاعلف منه دابّتك، فأقبل على عليٍّ عند ذلك بوجهه، فأمر له بما كان عنده من علفٍ، واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشّام فذلّوا حتّى كان لا ينفرد منهم رجلٌ إلا أخذ بلجام دابّته ثمّ نكس عنها، فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون) (^١).
ومع أن هذه الرواية لم تأتِ من طريق صحيح، وفيها مبالغة في نقص المئونة التي أصابت جيش الشام، ولكن يُسْتأنس بها لمعرفة حال ذلك الجيش بعد عودته إلى الشام، وهذا لا يستبعد؛ لأن أمر بني أمية بعد يزيد ركد بعض الوقت وفشا أمر عبد الله بن الزبير -﵁-، ولم يستقر أمرهم إلا بعد قتله في ولاية عبد الملك بن مروان.
* خبر أبي سعيد الخدري -﵁- يوم الحرة:
[١١٢]- (وذكر أبو هارون العبدي (^٢)، قال: رأيت أبا سعيد الخدري، ولحيته بيضاء، وقد خف جانباها، وبقي وسطها، فقلت: يا أبا سعيد، ما حال لحيتك؟ فقال: هذا فعل ظلمة أهل الشام يوم الحرة، دخلوا عليّ بيتي، فانتهبوا
_________________
(١) التاريخ ٥/ ٥٠٢ من طريق هشام بن محمد الكلبي، وهو ضعيف.
(٢) عمارة بن جوين العبدي، أبو هارون، تابعي ضعيف قال حماد بن زيد كذاب. الذهبي: المغني في الضعفاء ٢/ ٤٦٠.
[ ٢٧٣ ]
ما فيه حتى أخذوا قدحي الذي كنت أشرب فيه الماء، ثم خرجوا، ودخل عليّ بعدهم عشرة نفر، وأنا قائم أصلي، فطلبوا البيت، فلم يجدوا فيه شيئًا، فأسفوا لذلك، فاحتملوني من مصلاي، وضربوا بي الأرض، وأقبل كل رجل منهم على ما يليه من لحيتي، فنتفه، فما ترى منها خفيفًا فهو موضع النتف، وما تراه عافيًا فهو ما وقع في التراب، فلم يصلوا إليها، وسأدعها كما ترى حتى أوافي بها ربي) (^١).
أورد نحوًا منها: أبو العرب (^٢)، والطبراني (^٣).
• نقد النص:
خبر أبي سعيد الخدري -﵁- يأتي بالتسلسل التاريخي مع أحداث الحرة.
وهو خبر لم أقف على من أورده بسند صحيح، وفي متنه نكارة وهو ما نسبه من أفعال مشينة قام بها جيش الشام تجاه أبي سعيد -﵁-، ثم إنه قد ورد خبر أصح منه وأشهر يخالفه ويرده، وهو ما أخرجه خليفة بن خياط، حيث قال: حدّثنا وهب بن جرير (^٤)، قال: حدثنا أبو عقيل الدّورقي (^٥)، قال: سمعت أبا نضرة (^٦) يحدث، قال: دخل أبو سعيد الخدريّ يوم الحرّة غارًا فدخل عليه رجل ثمّ خرج، فقال لرجل من أهل الشّام: أدلك على رجل تقتله، فلمّا انتهى
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٦٨، ٢٦٩.
(٢) المحن ٣٠٥، بروايتين الأولى من طريق المبارك بن المفضل وهو صدوق، يدلس ويسوي من الثالثة. ابن جحر: التقريب ٥١٩، والثانية ٣٠٦ في سندها الواقدي. ومثلها عند ابن عساكر: تاريخ دمشق ٢٠/ ٣٩٥.
(٣) المعجم الكبير ٦/ ٣٤ من طريق أبي هارون العبدي، وهو ضعيف.
(٤) ثقة وقد سبقت ترجمته.
(٥) أبو عقيل الدورقي، هو بشير بن عقبة، ثقة من السابعة. ابن حجر: التقريب ١٢٥.
(٦) المنذر بن مالك بن قطعة، العبدي، العوقي، البصري، أبو نضرة، مشهور بكنية، ثقة من الثالثة، مات سنة ١٠٨ هـ. ابن حجر: التقريب ٥٤٦.
[ ٢٧٤ ]
الشّامي إلى باب الغار، وقال لأبي سعيد وفي عنق أبي سعيد السّيف اخرج إليّ، قال: لا وإن تدخل عليّ أقتلك؛ فدخل الشّامي، فوضع أبو سعيد السّيف، وقال: بوء بإثمي وإثمك وكن من أصحاب النّار وذلك جزاء الظّالمين، فقال: أبو سعيد الخدريّ: أنت؟ قال: نعم، قال: فاستغفر لي قال: غفر الله لك) (^١).
تبين لنا بهذا الخبر أن أبا سعيد الخدري -﵁- اعتزل أهل المدينة ولم يكن معهم في خلعهم ليزيد، وأنه لم يصب بأي مكروه.
* * *
_________________
(١) التاريخ ٢٣٩، وأخرجه البلاذري في الأنساب ٥/ ٣٣٥، والطبري في تاريخه ٥/ ٤٩١، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٠/ ٣٩٥، والذهبي في تاريخ الإسلام ٥/ ٥٥٣، وابن حجر في الإصابة ٣/ ٦٦.
[ ٢٧٥ ]