* خبر وفاة زياد:
[٢٧]- (قالوا: ومكث زياد على المصْرَيْن (^١) أربع سنين (^٢)، فحضرته الوفاة عند ما مضى من خلافه معاوية ثلاث عشرة سنة، وذلك سنة ثلاث وخمسين.
فكتب إلى معاوية: أما بعد، فإني كتبتُ إليك وأنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وقد وليت الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد (^٣)، ووليت البصرة سمرة بن جندب الفزاري (^٤)، والسلام) (^٥).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٦)، والبلاذري (^٧)، والطبري (^٨) مختصرًا
_________________
(١) المصرين: تثنية المصر، إذ أطلق هذا اللفظ يراد به البصرة والكوفة. الحموي: البلدان ٥/ ١٣٧.
(٢) وقيل خمس سنين فقد روي عن فيل مولى زياد قال: (ملك زياد العراق خمس سنين ثم مات سنة ثلاث وخمسين) البخاري: التاريخ الكبير ٧/ ١٤٠، الطبري: التاريخ ٥/ ٢٨٨.
(٣) عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، قال ابن منده: في صحبته وروايته نظر، ولي فارس لزياد في خلافة معاوية -﵁-، واستخلفه زياد على البصرة لما مات فأقره معاوية -﵁-، وهو الذي صلى على زياد. ابن الأثير: أسد الغابة ٣/ ٢٢٢. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٦٣.
(٤) سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة الفزاري -﵁-، له صحبة، وهو حليف الأنصار، كان زياد يستعمله على البصرة ستة أشهر وعلى الكوفة ستة أشهر، وكان شديدًا على الحرورية، فيقتل كل من أتي به منهم ولايقله، ويقول: (هم شر قتلى تحت أديم السماء يكفرون المسلمين ويسفكون الدماء)، فالحرورية ومن قاربهم يطعنون فيه وينالون منه توفي في آخر خلافة معاوية -﵁-. ابن سعد: الطبقات ٦/ ٣٤، المزي: تهذيب الكمال ١٢/ ١٣٠.
(٥) الأخبار الطوال ٢٢٥.
(٦) التاريخ ٢١٩.
(٧) الأنساب ٥/ ٢٤٠.
(٨) التاريخ ٥/ ٢٩١.
[ ١٠٤ ]
وذلك من فيما يتعلق بتولية عبد الله بن خالد بن أسيد على الكوفة، وتولية سمرة بن جندب -﵁- على البصرة.
وقد انفرد صاحب الكتاب في محتوى الرسالة.
[٢٨]- (فقيل له: لِمَ تُوَلِّ ابنك عبيد الله أحد الْمصْرَيْن؟ وليس بدون واحد من هذين، فقال: إن يكُ فيه خير فسيسبق إلى ذلك عمه معاوية) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢) وفيها أن عبيد الله بن زياد وَفَدَ على معاوية -﵁- وسأله أن يوليه، فقال له معاوية -﵁- لو كان فيك خير لولاك أخي.
أما الطبري فقد روى أن عبيد الله بن زياد (^٣) وفد على معاوية -﵁- فسأله من وَلَّى أخي على عمله فذكر له الولاة الذين استخلفهم زياد على عمله فقال له معاوية -﵁-: (لو استعملك أبوك استعملتُك) (^٤).
• نقد النص:
يلاحظ على هذه الروايات، ذكر القرابة بين زياد ومعاوية -﵁- والسؤال كما جاء عن البلاذري أنه موجه من معاوية -﵁-، وهو إقرار منه بالأخوة بينه وبين زياد، ولو ثبت إقرار معاوية -﵁- بذلك لثبت النسب، ولا يخفى أن مثل هذه الروايات تُرْوَى لتثبيت النسب، وقد بينت فيما سبق من هذا الفصل بطلان
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٢٥.
(٢) الأنساب ٥/ ٢٨٣، ولم يسند الخبر.
(٣) عبيد الله بن زياد بن أبيه، أبو حفص، أمير العراق، أمه مرجانة من بنات ملوك الفرس، ولاه معاوية -﵁- البصرة سنة خمس وخمسين، ثم ولي خراسان فكان أول عربي قطع نهر جيحون وافتتح بيكند، وقد أبغضه المسلمون بسبب قتله للحسين -﵁-، ولما جاء نعي يزيد هرب إلى الشام، قتل يوم الخازر من قبل جيش ابن الأشتر سنة سبع وستين. الذهبي: السير ٣/ ٥٤٥.
(٤) التاريخ ٥/ ٢٩٥ من طريق عمر بن شبة عن المدائني، عن مسلمة بن محارب ومسلمة هذا مجهول الحال. المصنعي: مصباح الأريب ٣/ ٢٨٥، وعن محمد بن أبان القرشي ضعفه أبو داود وابن معين. الذهبي: المغني في الضعفاء ٢/ ٥٤٧.
[ ١٠٥ ]
هذا النسب وعدم ثبوته، وأمر آخر أن هذه الروايات لم ترد بسند صحيح، ثم إنه ورد ما يخالفها وهو أن معاوية -﵁- وَلَّى عبيد الله بن زياد خراسان سنة أربع وخمسين (^١).
[٢٩]- (ثم مات (^٢)، وصلى عليه ابنه عبيد الله بن زياد، ودفن في مقابر قريش (^٣).
ذكر البلاذري (^٤) أن من صلى عليه هو عبد الله بن خالد بن أسيد، وأنه دُفِنَ في منقطع البيوت بالكوفة. أما الطبري (^٥) فقد ذكر مكان الدفن أنه بالثوية إلى جانب الكوفة.
• نقد النص:
ذَكَرَت هذه الرواية أن مَنْ صلى على زياد هو ابنه عبيد الله، وقد وَهَمَ صاحب الكتاب في هذا؛ لأن الذي صلى عليه هو عبد الله بن خالد -أي كما ذكر البلاذري- وليس ابنه عبيد الله؛ وهذا يوافق ما جرت العادة أن من يلي الصلاة هو الوالي وقد ولّاه زياد قبل وفاته.
* ولاية البصرة والكوفة بعد زياد:
[٣٠]- (فتولى عبد الله بن خالد بن أسيد الكوفة ثمانية أشهر، وكتب معاوية إلى عبيد الله بن زياد بولاية البصرة، وعزل عبد الله بن خالد عن الكوفة،
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٥/ ٢٩٥.
(٢) أي زياد.
(٣) مقابر قريش: هي مقبرة مشهورة في بغداد، بينها وبين دجلة شوط فرس جيد، وأول من دفن فيها جعفر الأكبر ابن المنصور أمير المؤمنين سنة ١٥٠ هـ. الحموي: البلدان ٥/ ١٦٣.
(٤) البلاذري: الأنساب ٥/ ٢٧٨.
(٥) الطبري: التاريخ ٥/ ٢٩٠.
[ ١٠٦ ]
واستعمل عليها النعمان بن بشير الأنصاري -﵁- (^١) (^٢).
ذكر خليفة بن خياط (^٣)، والطبري (^٤) أن معاوية -﵁- عزل عبد الله بن خالد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس -﵁- (^٥)، ثم عزل معاوية -﵁- سمرة بن جندب -﵁- عن البصرة وولاها عبد الله بن عمرو بن غيلان (^٦).
أما عن ولاية عبيد الله بن زياد للكوفة، فقد تولاها سنة خمس وخمسين بعد عبد الله بن عمرو بن غيلان (^٧).
• نقد النص:
وبعد هذا الترتيب السابق تبين أن صاحب الكتاب قد وهم في ترتيب الولاة؛ لأنه قد خالف غيره.
* وفاة معاوية -﵁- ووصيتة لابنه يزيد:
[٣١]- (قالوا: ولما دخلتْ سنة ستين مرض معاوية مرضه الذي مات فيه، فأرسل إلى ابنه يزيد، وكان غائبًا عن مدينة دمشق، فلما أبطأ عليه دعا
_________________
(١) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري -﵁-، أمه عمرة بنت رواحه أخت عبد الله بن رواحة -﵁-، ولد قبل وفاة الرسول -ﷺ- بثمان سنين، كان جوادًا كريمًا شاعرًا، ولي الكوفة لمعاوية -﵁-، ثم ولي حمص لمعاوية -﵁- ولابنه يزيد، فلما مات يزيد صار زبيريًا، فخالفه أهل حمص فأخرجوه ثم قتلوه. ابن عبد البر: الاستيعاب ٤/ ١٤٩٦.
(٢) الأخبار الطوال ٢٢٥.
(٣) التاريخ ١/ ٢١٩.
(٤) التاريخ ٥/ ٣٠٠.
(٥) الضحاك بن قيس بن خالد الفهري القرشي -﵁-، الأمير، عداده في صغار الصحابة، وتولى الكوفة لمعاوية -﵁- بعد عبد الله بن خالد بن أسيد، ثم دمشق، وهو الذي صلى على معاوية -﵁- وقام بخلافة حتى قدم يزيد، وبعد وفاة يزيد دعا لابن الزبير -﵁-، ثم دعا لنفسه، ثم قتل في مرج راهط سنة أربع وستين. الذهبي: السير ٣/ ٢٤١. ابن حجر: الإصابة ٣/ ٣٨٧.
(٦) خليفة بن خياط: التاريخ ٢٢٣، والطبري: التاريخ ٥/ ٢٩٥.
(٧) خليفة بن خياط: التاريخ ٢٢٣. والطبري: التاريخ ٥/ ٢٩٩.
[ ١٠٧ ]
الضحاك بن قيس الفهري، وكان على شُرَطِهِ، ومسلم بن عقبة (^١)، وكان على حرسه، فقال لهما: أبلغا يزيد وصيتي، وأعلماه أني آمره في أهل الحجاز أن يكرم من قدم عليه منهم، ويتعهد من غاب عنه من أشرافهم، فإنهم أصله، وأني آمره في أهل العراق أن يرفق بهم ويداريهم ويتجاوز عن زلاتهم، وأني آمره في أهل الشام أن يجعلهم عينيه وبطانته، وألا يطيل حبسهم في غير شامهم، لئلا يجروا على أخلاق غيرهم. وأعلماه أني لست أخاف عليه إلا أربعة رجال: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر (^٢)، وعبد الله ابن الزبير، فأما الحسين بن علي فاحسب أهل العراق غير تاركيه حتى يخرجوه، فإن فعل، فظفرت به، فاصفح عنه، وأما عبد الله بن عمر فإنه رجل
قد وقذته العبادة، وليس بطالب للخلافة إلا أن تأتيه عفوًا، وأما عبد الرحمن
ابن أبي بكر فإنه ليس له في نفسه من النباهة والذكر عند الناس ما يمكنه
طلبها، ويحاول التماسها إلا أن تأتيه عفوًا، وأما الذي يجثم لك جثوم
الأسد، ويراوغك روغان الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب فذاك عبد الله بن الزبير، فإن فعل وظفرت به، فقطعه إربًا إربًا إلا أن يلتمس منك صلحًا، فإن فعل فاقبل منه، وأحقن دماء قومك بجهدك، وكف عاديتهم بنوالك، وتغمدهم بحلمك) (^٣).
_________________
(١) مسلم بن عقبة بن رباح المري، أمير جيش الحرة من قبل يزيد، مات بعد الحرة سنة ٦٣ هـ. ابن حجر: الإصابة ٦/ ٢٣٢.
(٢) عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان -﵁-، ابن أبي بكر الصديق -﵁-، أسلم قبيل الفتح وحسن إسلامه، ولم يجرب عليه كذبة قط، كان شجاعًا راميًا حسن الرمي، شهد اليمامة وقتل سبعون من أكابرهم، اعترض على معاوية -﵁- في بيعة ابنه يزيد، اختلف في زمن موته فقيل ثلاث وخمسين وقيل أربع وقيل: ثمان وخمسين. ابن عبد البر: الاستيعاب ٢/ ٨٢٤، ابن حجر: الإصابة ٤/ ٢٧٦.
(٣) الأخبار الطوال ٢٢٥، ٢٢٦.
[ ١٠٨ ]
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^١)، والبلاذري (^٢)، والطبري (^٣) مطولًا.
• نقد النص:
ذَكَرَتْ هذه الرواية أن معاوية -﵁- أوصى ابنه يزيد، ونصحه بنصائح يسير عليها لكي يستقيم أمره، وأتت من حرصه على الأمة، وقد ورد فيها بعض المآخذ مثل التحريض على رهط من قريش، وللتثبت منها سوف أعرض الطرق المسندة التي جاءت بها:
١ - ذكر ابن سعد (^٤) روايتين من طريق محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف، الأولى: فيها أن معاوية -﵁- خَوَّفَ يزيد من ثلاثة نفر هم: الحسين بن علي -﵁-، وعبد الله بن الزبير -﵁- (^٥)، وعمرو بن سعيد بن العاص (^٦)، وأمره أن يرفق بهم، والثانية: هي عبارة عن نصيحة عامة بين فيها معاوية لابنه سياسة الدولة.
٢ - وأما البلاذري (^٧) والطبري (^٨)، فقد ذكروا روايتين: الأولى من طريق
_________________
(١) الطبقات ١/ ١٤٣ (ت د. عبد العزيز السلومي).
(٢) الأنساب ٥/ ١٠٠، ٥/ ١٤٤.
(٣) التاريخ ٥/ ٣٢٣.
(٤) الطبقات ١/ ١٤٣ (ت د. محمد السلمي).
(٥) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي -﵁-، أبو بكر، أمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة، أول مولود من المهاجرين، ولد في السنة الأولى وقيل: الثانية من الهجرة، كان فارس قريش في زمانه، بويع بالخلافة بعد موت يزيد، سنة أربع وستين، ثم قتل من قبل جنود عبد الملك ابن مروان، سنة ٧٣ هـ في مكة. ابن عبد البر: الاستيعاب ٣/ ٩٠٥. الذهبي: السير ٣/ ٣٦٣.
(٦) عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، تابعي، المعروف بالأشدق، كان شريفًا مطاعًا، وهو في الطبقة الثانية من تابعي المدينة، جمع معاوية -﵁- ولاية مكة والمدينة لأبيه سعيد فجعله على مكة، فحج بالناس سنة ستين، وولي المدينة ليزيد بن معاوية، وقتله عبد الملك سنة سبعين للهجرة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٤٦/ ٢٩.
(٧) الأنساب ٥/ ١٠٠.
(٨) التاريخ ٥/ ٢٣٢.
[ ١٠٩ ]
عوانة بن الحكم (^١)، وهو متهم بالوضع، وفيها أن معاوية -﵁- نصح يزيد وخوفه من الحسين بن علي -﵁-، وعبد الله بن الزبير -﵁-، وقال له: إن الله كفاك عبد الرحمن بن أبي بكر، وأما عبد الله بن عمر فقد وقذه الإسلام.
- والأخرى من طريق عبد الحميد بن حبيب (^٢) عن أشياخه، وقوله: عن أشياخه فيها مجاهيل.
٣ - وأوردها الطبري (^٣)، من هشام بن محمد (^٤) عن أبي مخنف (^٥)، وكلاهما ضعيف، وفيها أن معاوية -﵁- أوصى ابنه وخوفه من أربعة هم: الحسين -﵁-، وابن عمر -﵁- وابن الزبير -﵁- وعبدالرحمن بن أبي بكر -﵁-.
وبعد سرد الطرق وبيان رواتها تَبَيَّنَ أنها لم تأتِ بطرق صحيحة (^٦)، ولا يمكن الاعتماد عليها والتسليم بصحة كل ما ذكر فيها، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
- القسم الأول: الذي فيه الوصية مع ذكر أسماء الرهط، وفيها بعض المآخذ منها:
- أن فيها اختلافًا في ذكر أسماء الرهط وعددهم، والملاحظ أن التكرار
_________________
(١) عوانة بن الحكم الأخباري المشهور، روى عن كثير من التابعين قل أن روى حديثًا مسندًا، وأنه كان عثمانيًّا يضع الأخبار لبني أمية. ابن حجر: لسان الميزان ت أبو غدة ٦/ ٢٤٧.
(٢) عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، كاتب الأوزاعي، ولم يروِ عن غيره، صدوق ربما أخطأ، ابن حجر: التقريب ١/ ٣٣٣، وقد قال عنه النسائي: ليس بالقوي. الذهبي: ديوان الضعفاء ١/ ٢٣٦.
(٣) التاريخ ٥/ ٣٢٢.
(٤) هشام بن محمد الكلبي ضعيف سبقت ترجمته.
(٥) لوط بن يحيى ضعيف سبقت ترجمته.
(٦) ومن ذلك أيضًا ما ذكره الجاحظ في البيان والتبيين ٢/ ٨٩، وابن عبد ربه في العقد الفريد ٥/ ١٢٢، من طريق الهيثم ابن عدي وهو ضعيف.
[ ١١٠ ]
والتركيز جاء على شخصين هما الحسين -﵁- وعبد الله بن الزبير -﵁-، وهذا يثير الغرابة.
- أن بعضها ذكرت عبد الرحمن بن أبي بكر -﵁- وقد توفي قبل معاوية -﵁- (^١).
وقد أوردها ابن كثير، وعلق على ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر -﵁-، فقال: والصحيح أنه مات قبل ذلك بسنتين (^٢).
- وأما عن ذكر عبد الله بن عمر -﵁- فلم يعارض البيعة أصلًا، وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع (^٣) عن سفيان (^٤) عن محمد بن المنكدر (^٥) قال: بلغ ابن عمر أن يزيد بن معاوية بويع له فقال: (إن كان خيرًا رضينا، وإن كان شرًّا صبرنا) (^٦).
- وفيها اتهام لمعاوية -﵁- بأنه وصف بعض هؤلاء الرهط بأوصاف لا تليق بهم.
وهذا القسم لم يأتِ وحده في المصادر السابقة وإنما أتى مقرونًا بالقسم الآخر.
_________________
(١) اختلف في سنة وفاته فقد ذكر ابن سعد وأبو نعيم أنه توفي سنة ثلاث وخمسين، وقال يحيى بن بكير سنة أربع، وقيل: خمس، وقال ابن حبان: مات سنة ثمان، وقال البخاري: مات قبل عائشة وبعد سعد. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٢٧٦.
(٢) البداية والنهاية ٨/ ١٢٣.
(٣) وكيع بن الجراج بن مليح الرؤاسي، الكوفي، ثقة، حافظ، عابد، من كبار التاسعة مات سنة ١٩٧ هـ. ابن حجر التقريب ١/ ٥٨١.
(٤) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، حافظ، فقيه عابد، من رءوس السابعة، مات ١٦١ هـ. ابن حجر: التقريب ١/ ٢٤٤.
(٥) محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي، ثقة فاضل من الثالثة. مات ١٣٠ هـ. ابن حجر التقريب ١/ ٥٠٨.
(٦) المصنف ٦/ ١٩٠. ابن سعد: الطبقات ٤/ ١٨٢
[ ١١١ ]
- ومجمل هذا الجزء يتنافى مع حكمة معاوية -﵁- ودهائه وحلمه الذي اشتهر به، وإلا فكيف يضع ابنه وخليفته في مفترق طرق، وبسياسة متناقضة، بحيث يأمره بالرفق بالحسين -﵁-، والانتقام من ابن الزبير -﵁- وكلاهما من الصحابة ولهما قرابة بالرسول -ﷺ-.
- أما القسم الثاني: والذي فيه وصية معاوية -﵁- لابنه في كيفية تدبير ملكه بدون ذكر الرهط، حيث فَصَلَ فيه التعامل مع الأمصار كل مصر له طريقة، وهي نصيحة عامة:
فقد روى ابن سعد بسنده: (يا يزيد: اتّق اللّه، فقد وطّيت لك هذا الأمر، وولّيت من ذلك ما ولّيت، فإن يك خيرًا فأنا أسعد به، وإن كان غير ذلك شقيت به، فارفق بالنّاس، وأغض عمّا بلغك من قولٍ تُؤذَى به وتنتقص به، وطأ عليه يهنك عيشك وتصلح لك رعيّتك. وإيّاك والمناقشة وحمل الغضب؛ فإنّك تهلك نفسك ورعيّتك، وإيّاك وجبّة أهل الشّرف واستهانتهم والتّكبّر عليهم، لِنْ لهم لينًا لا يرون منك ضعفًا ولا خورًا، وأوطئهم فرشك وقرّبهم فإنّه يعلم لك حقّك، ولا تهنهم وتستخفّ بحقّهم فيهينونك ويستخفّون بحقّك ويقولون فيك. فإذا أردت أمرًا فادع أهل السِّنّ والتّجربة من أهل صنائعي والانقطاع إليّ، فشاورهم ثمّ لا تخالفهم، وإيّاك والاستبداد برأيك، فإنّ الرّأي ليس في صدرٍ واحدٍ. اصدق من أشار عليك حتّى يجيبك على ما يعرف، ثمّ أطعه فيما أشار به، واخزن ذلك عن نسائك وخدمك. وشمّر إزارك، وتعاهد جندك، وأصلح نفسك يصلح لك النّاس، لا تدع لهم فيك مقالًا، فإنّ النّاس سراعٌ إلى الشّرّ، واحضر الصّلاة، فإنّك إذا فعلت ما أوصيك به عُرِفَ لك حقّك، وعظمت مع مملكتك. وشَرِّف أهل المدينة ومكّة، فإنّهم أصلك وعشيرتك ونسبك، وشَرِّف أهل الشّام، فإنّهم أنصارك وحماتك وجندك الّذين تصول بهم أهل طاعةٍ.
[ ١١٢ ]
واكتب إلى أهل الأمصار بكتابٍ تَعِدُهُم منك المعروف، فإنّ ذلك يبسط آمالهم، ووفّد عليك من الكور كلّها فأحسن إليهم وأكرمهم فإنّهم لمن ورائهم، ولا تسمعنّ قول قارفٍ ولا ماحلٍ، فإنّي رأيتهم وزراء سوءٍ) (^١).
وأورد البلاذري أيضًا وصية لمعاوية -﵁-: (يا بني، انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم مَنْ قدم عليك منهم، وتعهد مَنْ غاب عنك من وجوههم، وانظر أهل العراق وإن سألوك أن تعزل عنهم في كل يوم عاملًا فافعل، فإنَّ عزل عامل أهون عليك من أن تُشْهِرَ عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فإنهم بطانتك وعيبتك فإذا رَابَكَ من عدو شيء فانتصر بهم ثم ردهم إلى بلادهم فإن هم أقاموا في غيرها فسدت أخلاقهم) (^٢).
_________________
(١) الطبقات ١/ ١٤٣ (ت د. عبد العزيز السلومي)
(٢) الأنساب ٥/ ١٤٦.
[ ١١٣ ]