* كيفية توليه مقاليد الحكم:
[١٤٦]- (قال: فَسِرْنَا حتى دخلنا دمشق، والناس مختلفون، لم يملكوا عليهم أحدًا، وقد كان مروان بن الحكم هَمَّ باللحاق بعبد الله بن الزبير ليبايعه، ويكون معه.
فدخل عبيد الله، وعنفه في ذلك، وقال: أنت سيد قومك، وأحق الناس بهذا الأمر، فمُدَّ يدك أبايعك.
فقال مروان: وما تبلغ بيعتك وحدك؟ أخرج إلى الناس وناظرهم في ذلك.
فخرج من عنده، ولقي جماعة بني أمية، فعنفهم في ذلك، وفي تخاذلهم، وحملهم على بيعة مروان، فاجتمعوا، وبايعوه) (^١).
انفرد صاحب الكتاب في ربط هذا الخبر بالرواية السابقة عن اليشكري، وذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٢)، والبلاذري (^٣) والطبري (^٤) مطولًا.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية دور عبيد الله بن زياد في بيعة مروان بن الحكم، وقد صورت لنا أن بني أمية انقطع بهم الرأي وحارت عقولهم حتى قدم عليهم عبيد الله بن زياد، وعنّفهم، ثم أرشدهم إلى بيعة كبيرهم مروان بن الحكم، وهي تلغي كل من شارك في جمع كلمة بني أمية إلا دور عبيد الله بن زياد، وهذا يقلل من شأن بني أمية، ويوهن أمرهم، ويلغي كل سابقة لهم في السيادة.
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٨٥.
(٢) الطبقات. ٥/ ٣٨.
(٣) الأنساب ٦/ ٢٧٥ من طريق أبي مخنف.
(٤) التاريخ ٥/ ٥٣٠.
[ ٣٢٥ ]
وعند الطبري أيضًا رواية يذكر فيها: (بويع مروان بن الحكم في المحرّم سنة خمسٍ وستّين، وكان مروان بالشّام لا يحدّث نفسه بهذا الأمر حتّى أطمعه فيه عبيد اللّه بن زيادٍ حين قدم عليه من العراق) (^١).
وفي هذا أيضًا يقصر الأمر على عبيد الله بن زياد.
ولا يستطيع أحد أن يلغي دور قائد مثل عبيد الله بن زياد في تعزيز بني أمية في تلك الفترة، ولكن ليس بهذه الصورة، وخبر بيعة مروان بن الحكم يطول، ولم يأت بهذه السهولة وسأذكر من النصوص ما يتضح به هذا الحدث.
مات يزيد بن معاوية سنة أربع وستين في شهر ربيع الأول، وكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر وقيل: تسعة أشهر (^٢)، وبعد وفاة يزيد بن معاوية خلفه ابنه معاوية بن يزيد (^٣)، فلم يلبث إلا أربعين يومًا، ثم مات (^٤).
ذكر من أشار على عبد الملك بن مروان بالخلافة:
١ - الحصين بن نمير السكوني، فقد جادل مالك بن هبيرة الذي كان يهوى أن تكون الخلافة لخالد بن يزيد (^٥) ويبرر ذلك بقوله: (هلم فلنبايع لهذا
_________________
(١) التاريخ ٥/ ٥٣٤.
(٢) الطبري: التاريخ ٥/ ٤٩٩. خليفة بن خياط: التاريخ ٢٥٥.
(٣) معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، أبو ليلى، كان شابًّا صالحًا، ولي الخلافة بعد أبيه وأتته بيعة الآفاق إلا ما كان من عبد الله بن الزبير، فولي الخلافة ثلاثة أشهر وقيل: أربعين يومًا، ولم يولِّ أحدًا ولم يعزل من ولاة أبيه أحدًا، ولما حضرته الوفاة رفض أن يستخلف وقال: (والله ما نفعتني حيًّا أفأتحملها ميتًا، والله لا يذهب بنو أمية بحلاوتها القليلة وأتحمل مرارتها الطويلة)، ثم أمر أن يصلي عليه الوليد بن عتبة، وأن يصلي بالناس الضحاك بن قيس، وتوفي سنة أربع وستين وعمره تسعة عشرة سنة، وقيل: عشرين وقيل: إحدى وعشرين. البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٥٦. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٩/ ٢٩٦.
(٤) الطبري: التاريخ ٥/ ٥٠٣. خليفة بن خياط: التاريخ ٢٥٥. الفسوي: المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٢٦.
(٥) خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، أبو هاشم الأموي، كان حليمًا موصوفًا بالعلم وقول الشعر، يذكر أنه بويع له بالخلافة بعد مروان ولكن لم يتم له ذلك، توفي سنة أربع وثمانين وقيل: خمس، وقيل: سنة تسعين. الذهبي: تاريخ الإسلام ٦/ ٥٥.
[ ٣٢٦ ]
الغلام الذي نحن ولدنا أباه، وهو ابن أختنا)، فقال له الحصين: (لا، لعمر اللّه، لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبي) (^١).
٢ - روح بن زنباع الجذامي، قام خطيبًا وأثنى على مروان بن الحكم ورشح أن يلي الخلافة لكبر سنه وشرفه، بدلًا من خالد بن يزيد؛ لأنه صغير (^٢)، وقال أيضًا: (بايعوا الكبير، واستشبوا الصغير) (^٣).
٣ - أهل الأردن، (قال أهل الأردن وغيرهم لمروان: أنت شيخ كبير، وابن يزيد غلام وابن الزّبير كهل، وإنما يقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تباره بهذا الغلام، وارمِ بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسط يدك، فبسطها، فبايعوه بالجابية يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين) (^٤).
٤ - عبيد الله بن زياد، فقد روى البلاذري بسنده فقال: (فقدم ابن زياد الأردن على بني أمية وقد بايعوا خالدًا فقال: إنكم قد أخطأتم الرأي في بيعة خالد، وقد بايع النّاس ابن الزّبير، وهو ابن حواريّ رسول اللّه -ﷺ- ورجل له سن وصلاح في دينه وفضل، وتبايعون أنتم غلامًا حديث السن ليست له حنكة وتريدون أن تقارعوا به ابن الزّبير؟ قالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن تبايعوا مروان بن الحكم فإنّ له سنًّا وفقهًا وفضلًا) (^٥).
٥ - عمرو بن سعيد العاص، فقد قال لمروان بن الحكم: (صدق واللّه
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٥/ ٥٣٦.
(٢) الطبري: التاريخ ٥/ ٥٣٦.
(٣) ابن سعد: الطبقات. ٥/ ٣٨.
(٤) الطبري: التاريخ ٥/ ٥٣٤.
(٥) الأنساب ٦/ ٢٧٨.
[ ٣٢٧ ]
عبيد الله بن زياد أنت سيد قريش وفرعها وأنت أحق النّاس بهذا الأمر) (^١)، مؤيدًا بذلك كلام عبيد الله بن زياد في مروان بن الحكم.
وقد ذكر خليفة بن خياط تصورًا عامًّا عن تلك الفترة فقال: (وقد كان أهل الشّام بايعوا ابن الزبير ما خلا أهل الجابية ومن كان من بني أميّة ومواليهم وابن زياد، فبايعوا مروان بن الحكم ومن بعده لخالد بن يزيد بن معاوية، وذلك للنّصف من ذي القعدة، ثمّ ساروا إلى الضّحّاك فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا عشرين يومًا ثمّ كانت الهزيمة على الضّحّاك بن قيس، فقُتِلَ الضّحّاك وأصحابه) (^٢).
بعد عرض النصوص السابقة اتضح أن أهل الشام اختلفوا بعد وفاة معاوية بن يزيد، وانقسموا إلى قسمين: فريق يوالي بني أمية وفريق يوالي عبد الله بن الزبير -﵁-، فأما فريق بني أمية فقد اختلفوا فيما بينهم فيمن يولون، فمنهم من يريد تولية خالد بن يزيد، والقسم الآخر يرى أنه صغير ولا يصلح للخلافة، ويرى تولية مروان بن الحكم فاجتمع رأيهم على مروان بن الحكم، بعد مشورة أصحاب الرأي من بني أمية وغيرهم من كبار رجالات دولتهم، ولم يقتصر الرأي على عبيد الله بن زياد.
* سبب وفاة مروان بن الحكم:
[١٤٧]- (وتزوج مروان أم خالد بنت هاشم بن عتبة (^٣)، التي كانت
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٦/ ٢٧٥.
(٢) التاريخ ٢٥٩.
(٣) أم خالد هي فاختة ابنة أبي هشام بن عتبة بن عبد شمس، خلف عليها مروان بن الحكم بعد يزيد بن معاوية، وتباينت أقوال المؤرخين في أهداف هذا الزواج، فقيل: إنه تزوجها حتى يصغر شأن ابنها خالد فلا يطلب الخلافة، وقيل: إنها طمعت بعودة الملك في بيتها، وقيل: إنه واعدها بأن يولي ابنها،. البلاذري: الأنساب ٦/ ٢٧٥، الطبري: التاريخ ٥/ ٥٤١. قلت: وكل هذا لم يرد بسند صحيح.
[ ٣٢٨ ]
امرأة يزيد بن معاوية، فلما تم الملك لمروان بن الحكم تسعة أشهر قتلته امرأته أم خالد.
وذلك أن مروان نظر يومًا إلى ابنها خالد بن يزيد بن معاوية، وهو غلام من أبناء سبع سنين، يمشى مشية أنكرها، فقال له: ما هذه المشية يا ابن الرطبة؟ فشكا الغلام ذلك إلى أمه، فقالت له: إنه لا يقول بعد هذا.
فسقته السم، فلما أحس بالموت، جمع بني أمية وأشراف أهل الشام، فبايع لابنه عبد الملك) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢) والطبري (^٣) مطولا.
• نقد النص:
تحدثت هذه الرواية عن اتهام مروان بن الحكم بالسخرية من خالد بن يزيد بأمه، وبألفاظ مشينة قبيحة، وسوف أقوم بدراسة هذا الخبر من جانبين:
الأول: الروايات التي أوردت الخبر مسندًا:
ذكر البلاذري لهذه الرواية أربع طرق الأولى: من طريق المدائني، وهذه الرواية جاءت بكيفية قتله بصيغة التمريض زعموا (فزعم بعض النّاس أنّها سقته شربة لبن مسموم فقتلته، وزعم بعضهم أنّها ألقت على وجهه مرفقة (^٤) حين أخذ مضجعه بعد العشاء الآخرة، ووثبت عليه هي وجواريها فغممته حتّى أتين على نفسه ثمّ صرخن وقالت: مات فجأة) (^٥).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٨٥.
(٢) الأنساب ٦/ ٢٧٩.
(٣) التاريخ ٥/ ٦١٠ من طريق الواقدي.
(٤) المرفقة: الوسادة؛ لأنها توضع تحت المرفق. نشوان الحميري: شمس العلوم ٤/ ٢٥٧١.
(٥) البلاذري: الأنساب ٦/ ٢٨٠.
[ ٣٢٩ ]
والثانية (^١) من طريق جورية بن أسماء عن المدنيين، وفيه مجاهيل، والثالثة (^٢) من طريق هشام بن عمار الدمشقي (^٣) ولم يذكر بقية السند.
والرابعة (^٤) من طريق هشام الكلبي وهو ضعيف.
أما الطبري (^٥) فقد جاءت عنده من طريق الواقدي وهو ضعيف.
وبذلك لم نقف على من أوردها بسند صحيح.
الثاني: المتن وأما عن متنها فلو سلمنا أنها قد وضعت له السم فأين أعراضه، وهل يعقل أن تنجو من عقاب ابنه عبد الملك.
ثم هل بلغ بمروان من الفسق وسوء الخلق وقلة التّدين أن يصف امرأته أمام الناس، ولكن شخصية مروان تعرضت لحملة شرسة من بعض المؤرخين وغيرهم، ورويت فيه أحاديث وأخبارًا مكذوبة، ووصف بأوصاف وألقاب قبيحة، مثله مثل معاوية -﵁- وابنه يزيد.
وقد ذكر خليفة بن خياط (^٦) وفاة مروان في سنة خمس وستين ولم يذكر سببًا في ذلك، مما يدل على أن وفاته طبيعة.
* * *
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٦/ ٢٩٧.
(٢) المصدر السابق ٦/ ٢٩٨.
(٣) هشام بن عمار بن نصير السلمي الدمشقي، الخطيب، صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح، من كبار العاشرة مات سنة ٢٤٥. ابن حجر: التقريب ٥٧٣.
(٤) الأنساب ٦/ ٢٩٩.
(٥) التاريخ ٥/ ٦١٠.
(٦) التاريخ ٢٦٢.
[ ٣٣٠ ]