[٥٠]- (قالوا: ولما ورد كتاب مسلم بن عقيل على الحسين: أن الرائد (^١) لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل، فأَقْدِمْ، فإن جميع الناس معك، ولا رأي لهم في آل أبي سفيان) (^٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٣)، وعنده أن هذا الكتاب جاء من مسلم إلى الحسين -﵁- قبل أن يقتل ببضع وعشرين ليلة. والطبري (^٤).
* موقف الصحابة من خروج الحسين -﵁-:
[٥١]- (فلما عزم على الخروج، وأخذ في الجهاز بلغ ذلك عبد الله بن عباس، فأقبل حتى دخل على الحسين -﵁-، فقال: يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق.
قال الحسين: أنا على ذلك.
قال عبد الله: أعيذك بالله يا ابن عم من ذلك.
قال الحسين: قد عزمت، ولا بد من المسير.
قال له عبد الله: أتسير إلى قوم طردوا أميرهم عنهم، وضبطوا بلادهم؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فَسِرْ إليهم، وإن كانوا إنما يدعونك إليهم، وأميرهم عليهم، وعماله يَجُبُّونَهُم، فإنهم إنما يدعونك إلى الحرب، ولا آمنهم أن يخذلوك كما
_________________
(١) الرائد: الرّود: مصدر فعل الرائد: ومنه قولهم بعثنا رائدًا يرود لنا الكلأ والمنزل ويرتاده؛ أي يطلب وينظر فيختار أفضله، وهو مثل يضرب للذي لا يكذب إذا حدّث. الفراهيدي: العين ٨/ ٦٣.
(٢) الأخبار الطوال ٢٤٣.
(٣) الأنساب ٣/ ١٦٧.
(٤) التاريخ ٥/ ٣٧٥. من طريق أبي مخنف.
[ ١٦٠ ]
خذلوا أباك وأخاك، قال الحسين: يا ابن عم، سأنظر فيما قلت.
وبلغ عبد الله بن الزبير ما يهم به الحسين، فأقبل حتى دخل عليه، فقال له: لو أقمت بهذا الحرم، وبثثت رسلك في البلدان، وكتبت إلى شيعتك بالعراق أن يقدموا عليك، فإذا قوي أمرك نفيت عمال يزيد عن هذا البلد، وعليَّ لك المكانفة والمؤازرة، وإن عملت بمشورتي طلبت هذا الأمر بهذا الحرم، فإنه مجمع أهل الآفاق، ومورد أهل الأقطار لم يعدمك بإذن الله إدراك ما تريد، ورجوت أن تناله.
قالوا: وَلَمَّا كان في اليوم الثالث عاد عبد الله بن عباس إلى الحسين، فقال له: يا ابن عم، لا تقرب أهل الكوفة، فإنهم قوم غدرة، وأقم بهذه البلدة، فإنك سيد أهلها، فإن أبيت فسر إلى أرض اليمن، فإن بها حصونًا وشعابًا، وهي أرض طويلة عريضة، ولأبيك فيها شيعة، فتكون عن الناس في عزلة، وتبث دعاتك في الآفاق، فإني أرجو إن فعلت ذلك أتاك الذي تحب في عافية.
قال الحسين: يا ابن عم، والله إني لأعلم أنك ناصح مشفق، غير أني قد عزمت على الخروج.
قال ابن عباس: فإن كنت لا محالة سائرًا، فلا تخرج النساء والصبيان، فإني لا آمن أن تقتل كما قتل ابن عفان، وصبيته ينظرون إليه.
قال الحسين: يا ابن عم، ما أرى إلا الخروج بالأهل والولد.
فخرج ابن عباس من عند الحسين فمر بابن الزبير، وهو جالس، فقال له: قُرَّتْ عينك يا ابن الزبير بخروج الحسين.
ثم تمثل:
[ ١٦١ ]
خلا لك الجو، فبيضي واصْفِري … ونَقِّري، ما شئت أن تنقري (^١) (^٢)
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٣) مختصرًا، والبلاذري (^٤) والطبري (^٥) مطولًا.
• نقد النص:
جاءت هذه الرواية بموقف عبد الله بن عباس -﵁- وقد ثبت أنه نهى الحسين بن علي -﵁- عن الخروج إلى العراق، ومن ذلك ما أخرجه عبد الرزاق الصنعاني بسنده عن طاووس (^٦) قال: (سمعت ابن عبّاسٍ، يقول: استشارني الحسين بن عليٍّ -﵁- بالخروج بمكّة قال: فقلت: لولا أن يُزْرَى بي أو بك لنشبتَ يديَّ في رأسك، قال: فقال: ما أحبّ أن يستحيل بي، يعني مكّة …) (^٧).
وبموقف عبد الله بن الزبير -﵁- من خروج الحسين -﵁- وفيها اتهام له بأنه حرَّض الحسين -﵁- على الخروج؛ ليتسنى له التخلص منه، وَلِبَيَانِ ذلك
_________________
(١) هذا البيت لطرفة بن العبد، وقصته أن طرفة وضع فخ لقنابر لكي يصطاها، ولكنه فشل في ذلك وذهب عنها فرآها رجعت إلى مكان فخه وأكلت ما فيه من الحب فقال: يا لك من قُبَّرَةِ بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونَقِّري ما شئت أن تُنقِّري … قد رحل الصياد عنك فابشري فذهب ذلك مثلًا للحاجة يتمكن منها صاحبها. النيسابوري: مجمع الأمثال ١/ ٢٣٩.
(٢) الأخبار الطوال ٢٤٣، ٢٤٤.
(٣) التاريخ ٢٣٣.
(٤) الأنساب ٣/ ١٦١.
(٥) التاريخ ٥/ ٣٨٣.
(٦) طاووس: طاوس بن كيسان اليماني، ويقال اسمه (ذكوان) وطاوس لقبه، ثقة، فقيه فاضل، من الثالثة، ت ١٠٦ هـ. ابن حجر: التقريب ٢٨١.
(٧) الأمالي في آثار الصحابة ١٠٢، البلاذري: الأنساب ٣/ ١٤٧.
[ ١٦٢ ]
سوف أورد الطرق التي جاءت بالخبر لنقف على حقيقته:
- ذكر الطبري مثل هذه الرواية مسندة من طريق أبي مخنف وهي كاملة، وقد اختصرها صاحب الكتاب كما سبق، وهو اختصار أخل بها وجعلها متناقضة، فهي تَذْكُرُ أن ابن الزبير -﵁- نصح الحسين -﵁- بعدم الخروج، ثم ذكرت لوم ابن عباس -﵁- له، وتمثله بالأبيات، فكيف يلومه على شيء لم يفعله، وأصل هذه الرواية أن الحسين -﵁- عندما أراد الخروج للكوفة جاءه عبد الله بن الزبير -﵁- وقال له: (أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها، ثم خشي ابن الزبير -﵁- أن يتهمه الحسين -﵁- فقال: (لو أقمت بالحجاز، ثم أردت هذا الأمر ما خولف عليك إن شاء الله) (^١).
وهذه الرواية مردوة لضعف سندها؛ ونكارة متنها؛ لأن فيها اتهام لعبد الله بن الزبير -﵁-.
- وذكر البلاذري أن عبد الله بن الزبير -﵁-: (عرض على الحسين -﵁- أن يقيم بمكة فيبايعه، ويبايعه الناس، وإنما أراد ألَّا يتهمه وأن يعذر في القول) (^٢).
- وأخرج خليفة بن خياط بسنده عن جويرية بن أسماء (^٣) عن أشياخه، وهذا فيه مجاهيل أن عبد الله بن الزبير قال للحسين -﵁-: (ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك؟ فوالله لو أن لي مثلهم لذهبت إليهم) (^٤).
وكل ما سبق لا يصح عن عبد الله بن الزبير -﵁- وقد ورد ما يخالفه ومن ذلك:
_________________
(١) التاريخ ٥/ ٣٨٣.
(٢) الأنساب ٣/ ١٦٤، وهي غير مسندة.
(٣) جويرية بن أسماء صدوق، سبقت ترجمته
(٤) التاريخ ٢٣٣.
[ ١٦٣ ]
- ما أخرجه يعقوب بن سفيان عن أبي بكر الحميدي (^١) عن سفيان (^٢) عن عبد الله بن شريك (^٣) عن بشر بن غالب (^٤) أنه سمعه يقول: قال عبد الله بن الزبير للحسين بن علي: أين تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك؟ فقال له الحسين: لئن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إليَّ من أن تستحل بي - يعني مكة) (^٥).
- وما أخرجه المصعب بن عبد الله (^٦) حيث قال: (وأخبرت عن هشام بن يوسف الصنعاني (^٧)، عن معمر (^٨)، قال: سمعت رجلًا يحدث، قال: سمعت الحسين بن علي يقول لعبدالله بن الزبير: «أتَتَنِي بيعة أربعين ألف رجل من أهل الكوفة، أو قال: من أهل العراق»، فقال له عبد الله بن الزبير: «أتخرج إلى قوم قتلوا أباك، وأخرجوا أخاك؟». قال هشام بن يوسف: فسألت معمرًا
عن الرجل؟ فقال: «هو ثقة». وزعم بعض الناس أن ابن عباس هو الذي
_________________
(١) عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي الحميدي المكي أبو بكر ثقة حافظ فقيه أجل أصحاب ابن عيينة من العاشرة مات بمكة سنة ٢١٩ هـ وقيل بعدها. ابن حجر: التقريب ٣٠٣.
(٢) سفيان بن عيينة، ثقة سبقت ترجمته.
(٣) عبد الله بن شريك العامري الكوفي صدوق يتشيع، أفرط الجوزجاني فكذبه من الثالثة. ابن حجر: التقريب ٣٠٧.
(٤) بشر بن غالب بن جنادة بن سفيان الأسدي، يروي عن الحسن -﵁-، ذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ٦٤.
(٥) المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٥٣. وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٢٠٣، والذهبي في السير ٣/ ٢٩٣ من طريق ابن المبارك.
(٦) مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، صدوق، عالم بالنسب، مات سنة ١٣٦ هـ. ابن حجر: التقريب ٥٣٣.
(٧) هشام بن يوسف الصنعاني، أبو عبد الرحمن القاضي، ثقة من التاسعة، مات سنة ١٩٧ هـ. ابن حجر: التقريب ٥٧٣.
(٨) معمر بن راشد الأزدي، ثقة سبق ترجمته.
[ ١٦٤ ]
قال هذا) (^١).
هذا ما صح من موقف عبد الله بن الزبير -﵁- مع الحسين -﵁-، ومن اتهمه بالإشارة على الحسين -﵁- بالخروج يظن أنه إنما يريد ذلك؛ ليتخلص منه حتى يبايع لنفسه، وهذا لم يحدث؛ لأنه لم يبايع له إلا بعد وفاة يزيد بن معاوية.
- وقد ذكر ابن كثير (^٢) بعض أسماء مَنْ نَهَى الحسين -﵁- عن الخروج للكوفة ومنهم، عبد الله بن عمر -﵁-، وأبو سعيد الخدري -﵁- (^٣)، وأبو واقد الليثي -﵁- (^٤)، وجابر بن عبد الله -﵁-، والمسور بن مخرمة -﵁- (^٥)، وعبد الله ابن جعفر (^٦)، وعمرو بن سعيد بن العاص نائب الحرمين.
وهؤلاء أغلبهم من أهل الحل والعقد في تلك الفترة، قد كان منهم إجماع على عدم خروج الحسين -﵁-.
أما عن سبب عزم الحسين -﵁- على الخروج، فقد ذكر الشيباني (^٧) أسباب، منها:
_________________
(١) نسب قريش ٢٣٩.
(٢) البداية والنهاية ٨/ ١٧٥.
(٣) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي -﵁-، اشتهر بكنيته، لم يحضر أُحدًا لصغر سنه، وحضر ما بعدها، أكثر من رواية الحديث. ابن حجر: الإصابة ٣/ ٦٥.
(٤) أبو واقد الليثي، اختلف في اسمه قيل: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث، أسلم عام الفتح وكان يحمل لواء بني ليث، له رواية عن النبي -ﷺ-. ابن حجر: الإصابة ٧/ ٣٧٠.
(٥) المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن زهرة بن كلاب الزهري القرشي، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: قبلها، وقدم المدينة بعد الفتح، روى عن النبي -ﷺ- أحاديث، مات في خلافة يزيد في مكة. ابن حجر: الإصابة ٦/ ٩٣.
(٦) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، أول مولود في الحبشة للمسلمين، حفظ عن النبي -﵁- وأردف معه، ودعا له، مات سنة ٨٧ هـ. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٣٨.
(٧) الشيباني: مواقف المعارضة ٢٩٩.
[ ١٦٥ ]
السبب الأول: إرادة الله ﷾ وقدره.
السبب الثاني: أن الحسين أدرك أن يزيد بن معاوية لن يرضى أن يبقى بالحجاز له حرية التصرف دون أن يحمله على البيعة بالقوة.
* موقف أمير مكة من خروج الحسين -﵁-:
[٥٢]- (قالوا: ولما خرج الحسين من مكة اعترضه صاحب شرطة أميرها، عمرو بن سعيد بن العاص في جماعة من الجند، فقال: إن الأمير يأمرك بالانصراف، فانصرف، وإلا منعتك، فامتنع عليه الحسين، وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط.
وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى صاحب شرطته، يأمره بالانصراف) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢)، والطبري (^٣).
• نقد النص:
ما جاء عن موقف صاحب شرطة مكة من قبل عمرو بن سعيد وأنه حاول منع الحسين -﵁- وأنهم تضاربوا بالسياط، فهذه الرواية جاءت عند الطبري مسندة من طريق أبي مخنف، وهو ضعيف.
وهذه الرواية والتي قبلها تؤكد لنا أن الهدف من اختيار بعض الموضوعات دون غيرها لشحن العواطف وتأجيج الفتن، كما هو مذهب أهل التشيُّع.
وقد روى الطبري من طريق أبي مخنف أيضًا أن لعمرو بن سعيد موقفًا
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٤٤.
(٢) الأنساب ٣/ ١٦٤.
(٣) التاريخ ٥/ ٣٨٥. من طريق أبي مخنف وهو ضعيف.
[ ١٦٦ ]
آخر هو أنه وبطلب من عبد الله بن جعفر -﵁- كتب إلى الحسين -﵁- يؤمنه ويرغبه بعدم الخروج، وهذا نصه: (بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أمّا بعد، فإني أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك، وأن يهديك لما يرشدك، بلغني أنك قد توجهت إلى العراق، وإني أعيذك باللّه من الشقاق، فإني أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثتُ إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبلْ إليّ معهما، فإن لك عندي الأمان والصلة والبر وحسن الجوار لك، واللّهُ عليَّ بذلك شهيد وكفيل، ومراع ووكيل، والسلام عليك) (^١).
ولعل هذا السبب أقرب لحال عمرو بن سعيد مع الحسين -﵁-، وهو متناسق مع موقف الذين نهوه عن الخروج.
* * *
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٥/ ٣٨٨.
[ ١٦٧ ]