* اجتماع مصعب بن الزبير والمهلب للقضاء على المختار:
[١٧٤]- (ولما تتبع المختار أهل الكوفة جعل عظماؤهم يتسللون هربًا إلى البصرة حتى وافاها منهم مقدار عشرة آلاف رجل، وفيهم محمد بن الأشعث، فاجتمعوا، ودخلوا على مصعب بن الزبير.
فتكلم محمد بن الأشعث، وقال: أيها الأمير، ما يمنعك من المسير لمحاربة هذا الكذاب الذي قتل خيارنا، وهدم دورنا، وفرق جماعتنا، وحمل أبناء العجم على رقابنا، وأباحهم أموالنا؟ سِرْ إليه، فإنا جميعًا معك، وكذلك من خلفنا بالكوفة من العرب، هم أعوانك.
قال مصعب: يا ابن الأشعث، أنا عارف بكل ما ارتكبكم به، وليس يمنعني من المسير إليه إلا غيبة فرسان أهل البصرة وأشرافهم، فإنهم مع ابن عمك المهلب ابن أبي صفرة في وجوه الأزارقة بناحية كرمان، غير أني قد رأيت رأيًا.
قال: وما رأيت أيها الأمير؟
قال: رأيت أن أكتبَ إلى المهلب، آمره أن يوادع الأزارقة، ويقبل إليّ فيمن معه، فإذا وافى تجهزنا لمحاربة المختار.
قال ابن الأشعث: نعم ما رأيت، فاكتب إليه، واجعلني الرسول.
فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب كتابًا، يذكر له ما فيه أهل الكوفة من القتل والحرب، ويفسر فيه أمر المختار.
فسار محمد بن الأشعث بكتابه حتى ورد كرمان، وأوصل الكتاب إلى
[ ٣٨٧ ]
المهلب، وقال له: يا ابن عم، قد بلغك ما لقي أهل الكوفة من المختار، وقد كتب إليك الأمير مصعب بما قد قرأته.
فكتب المهلب إلى قطري، وكان رئيس الأزارقة يومئذ، يسأله الموادعة إلى أجل سماه، ويكتب بينهما كتابًا في ذلك، ويضعان الحرب إلى ذلك الأجل.
فأجابه قطري إلى ذلك، وكتبا بينهما كتابًا وجعلا الأجل ثمانية عشر شهرًا.
وسار المهلب بمن معه حتى وافى البصرة، فوضع مصعب لأهل البصرة العطاء وتهيأ للمسير.
وبلغ المختار ذلك فعقد لأحمر بن سليط في ستين ألف رجل من أصحابه، وأمره أن يستقبل القوم، فيناجزهم الحرب.
فسار أحمر بن سليط في الجيوش حتى وافى المذار، (وقد انصرف إليها شمر بن ذي الجوشن أنفه من أن يأتي البصرة هاربًا، فيشمتوا به، فوجه أحمر بن سليط إلى المكان الذي كان متحصنًا فيه خمسين فارسًا، وأمامهم نبطي (^١) يدلهم على الطريق، وذلك في ليلة مقمرة.
فلما أحس بهم دعا بفرسه فركبه، وركب من كان معه ليهربوا، فأدركهم القوم، فقاتلوهم، فقُتِلَ شمر وجميع من كان معه، واحتزوا رءوسهم، فأتوا بها أحمر بن سليط، فوجهها إلى المختار، فوجه المختار برأس شمر إلى محمد ابن الحنفية بالمدينة) (^٢).
وسار مصعب بن الزبير بجماعة أهل البصرة نحو المذار، وتخلف عنه
_________________
(١) نبطي: والجمع أنباط وهم قوم من العجم ينزلون العراقين فسموا نبطًا، لاستنباطهم ما يخرج من الأرض. حسن شراب: المعالم الأثيرة ١٤٥.
(٢) راجع نقد الرواية رقم [١٦٦] والتي فيها خبر مقتل شمر بن ذي الجوشن.
[ ٣٨٨ ]
المنذر بن الجارود (^١)، وهرب منه نحو كرمان في جماعة من أهل بيته، ودعا لعبد الملك بن مروان.
وأقبل مصعب حتى وافى المذار، وأمامه الأحنف بن قيس في تميم.
وزحف الفريقان، بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا، فانهزم أصحاب المختار، واستحر القتال فيهم، ومضوا نحو الكوفة، واتبعهم مصعب يقتلهم في جميع طريقه، فلم يفلت منهم إلا القليل.
فقال أعشى همدان في ذلك:
ألم يبلغك ما لقيت شبام … وما لاقت عرينة بالمذار
أتيح لهم بها ضرب طلحق … وطعن بالمثقفة الحرار
كأن سحابة صعقت عليهم … فعمتهم هنالك بالدمار
وما إن ساءني ما كان منهم … لدى الإعسار مني واليسار
ولكني فرحت وطاب نومي … وقر لقتلهم منى قرارى (٢)
وإن مصعبًا سار بالجيوش نحو الكوفة، فعبر دجلة، وخرج إلى
أرض كسكر (٣)، ثم أخذ على حديثة الفجار (٤)، ثم أخذ على النجرانية (٥)
_________________
(١) ذكر ابن سعد في الطبقات ٥/ ٥٦١، أن المنذر بن الجارود قد توفي سنة إحدى وستين أو أول سنة اثنتين وستين، قلت: وهذا يعني أنه لم يدرك عبد الملك بن مروان.
(٢) ذكر نحوها البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٣١، ومطلعها قوله: أما نبئت والأنباء تنمي … بما لاقت بجيلة بالمذار وذكر الطبري ٦/ ٩٧ نحوها وكان مطلعها: ألا هل أتاك والأنباء تنمي … بما لاقت بجيلة بالمذار
(٣) كسكر: في العراق وقصبتها واسط التي بين الكوفة والبصرة. الحموي: البلدان ٤/ ٤٦١.
(٤) لم أقف على تعريف لها.
(٥) النجرانية: لم أقف على تعريف لها، ولعلها نجران، وهي قرب الكوفة وبينها وبين واسط، =
[ ٣٨٩ ]
حتى قارب الكوفة.
وبلغ المختار مقتل أصحابه، فنادى في بقية من كان معه من جنوده، فقواهم بالأموال والسلاح، وسار بهم من الكوفة مستقبلًا لمصعب بن الزبير، فالتقوا بنهر البصريين، فاقتتلوا، فقتل من أصحاب المختار مقتلة عظيمة، وقتل محمد بن الأشعث، وقتل عمر بن علي بن أبي طالب (^١) -﵁-، وذلك أنه قدم من الحجاز على المختار، فقال له المختار: هل معك كتاب محمد ابن الحنفية؟ فقال عمر: لا، ما معي كتابه.
فقال له: انطلق حيث شئت فلا خير لك عندي.
فخرج من عنده، وسار إلى مصعب، فاستقبله في بعض الطريق، فوصله بمائة ألف درهم، وأقبل مع مصعب حتى حضر الوقعة، فقتل فيمن قتل من الناس (^٢).
وانهزم المختار حتى دخل الكوفة، وتبعه مصعب، فدخل في أثره، وتحصن المختار في قصر الإمارة، فأقبل مصعب حتى أناخ عليه، وحاصره أربعين يومًا. ثم إن المختار قلق بالحصار قلقًا عظيمًا، فقال للسائب بن مالك
_________________
(١) وسمي بذلك لأن نصارى نجران سكنوه لما أجلاهم عمر -﵁-. القطيعي: مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٦٠. () عمر بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ولد في خلافة عمر -﵁- فوهبه علي -﵁- لعمر -﵁- فسماه عمر، يذكر أنه قتل أيام المختار، وعلق الذهبي على هذا الخبر، فقال: فلعله أخوه وسَمِيه، وإنما المعروف أن الذي قتل مع مصعب عبيد الله بن علي. الذهبي: تاريخ الإسلام ٦/ ١٦٣. ومما يؤكد قول الذهبي أن عبيد الله قتل في هذا الموضع ما ذكره ابن سعد في الطبقات ٥/ ١١٧، وابن قتيبة في المعارف ٤٠١، والطبري: التاريخ ٦/ ١٠٤. وذكر البلاذري في الأنساب ٦/ ٤٣٩ أنه لما قتل عبيد الله بن علي بن أبي طالب قال مصعب للمهلب: يا أبا سعيد، أعلمت أنهم قتلوا عبيد الله بن علي، وهم يعرفونه ويزعمون أنهم شيعة أبيه.
(٢) ذكر نحوًا من قصة عبيد الله بن علي بن أبي طالب. ابن سعد في الطبقات ٥/ ١١٧.
[ ٣٩٠ ]
الأشعري (^١)، وكان من خاصته: أيها الشيخ، أخرج بنا نقاتل على أحسابنا لا على الدين. فاسترجع السائب، وقال: يا أبا إسحاق، لقد ظن الناس أن قيامك بهذا الأمر دينونة.
فقال المختار: لا، لعمري ما كان إلا لطلب دنيا، فإني رأيت عبد الملك ابن مروان قد غلب على الشام، وعبد الله بن الزبير على الحجاز، ومصعبًا على البصرة، ونجدة الحروري على العروض، وعبد الله بن خازم (^٢) على خراسان، ولست بدون واحد منهم، ولكن ما كنت أقدر على ما أردت إلا بالدعاء إلى الطلب بثأر الحسين.
ثم قال: يا غلام، عليّ بفرسي ولامتي، فأُتي بدرعه، فتدرعها، وركب فرسه، ثم قال: قبَّح الله العيشَ بعد ما أرى، يا بواب، افتح، ففتح له الباب.
وخرج ومعه حماة أصحابه، فقاتل القوم قتالًا شديدًا، وانهزم أصحابه، ومضى هو نحو القصر، وهو في حامية أصحابه، فدخل القصر من أصحابه ستة آلاف رجل، وبقي مع المختار نحو من ثلاثمائة رجل، فأخذ أصحاب مصعب عليه باب القصر، فلجأ المختار فيمن معه إلى حائط القصر، وأقبل يَذَّمَّر أصحابه، ويحمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل أكثر من كان معه.
_________________
(١) السائب بن مالك الأشعري، أحد الكبار من أصحاب المختار ومن الذين سعوا لبيعته، وكان المختار يستخلفه على الكوفة إذا خرج منها، وقد قتل معه. البلاذري: الأنساب ٦/ ٤٤٠، الطبري: التاريخ ٦/ ٩، ١١٠.
(٢) عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت السلمي، أبو صالح، أمير خراسان، اختلف في صحبته، وقال ابن حجر: وفي ثبوت ذلك نظر، كان من أشجع الناس ولي خراسان، من قبل عبد الله بن عامر زمن عثمان -﵁-، ولما وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير -﵁- وعبد الملك، كتب ابن خازم إلى ابن الزبير فأقره على خراسان، ثم بعث إليه عبد الملك فأبى عليه، ثم ثار عليه ابن الدورقية وقتله. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٦١. قلت: ولم يذكره بهذا الموضع من كلام المختار البلاذري في الأنساب ٦/ ٤٤٠، والطبري في التاريخ ٦/ ١٠٧، وهو كما سبق تابع لعبد الله بن الزبير -﵁-.
[ ٣٩١ ]
فحمل عليه إخوان من بني حنيفة (^١) من أصحاب المهلب، فضرباه بالسيف حتى سقط، وبادرا إليه، فاحتزا رأسه، فأتيا به مصعبًا، فأعطاهما ثلاثين ألف درهم.
فقال سويد بن أبي كاهل (^٢) يذكر قتل المختار:
يا ليت شعرى متى تغدو مخيسه … منا فتبلغ أهل الموسم الخبرا
إنا جزرنا عن الكذاب هامته … من بعد طعن وضرب يكشف الخمرا) (^٣)
ذكر نحو منها: ابن سعد (^٤)، وخليفة بن خياط (^٥) مختصرًا، والبلاذري (^٦)، والطبري (^٧) مطولًا، وقد زاد عن البلاذري والطبري (^٨) أن شبث بن ربعي أيضًا استحث مصعب على قتال المختار بعد أن بين له ما لاقاه أهل الكوفة منه.
وأما ابن سعد (^٩) فقد ذكر سببًا غير ذلك، وهو أن المختار كان يوالي عبد الله بن الزبير -﵁-، ثم كتب إليه يخبره بأنه يخدعه وأن ما قام به من مولاته
_________________
(١) هما طرفة وطرافا، ابنا عبد الله بن جاجة من بني حنيفة. الطبري: التاريخ ٦/ ١٠٨.
(٢) سويد بن أبي كاهل، واسمه غطيف بن حارثة بن حسل اليشكري، ويقال: الوائلي، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية، وعاش في الإسلام دهرًا إلى زمن الحجاج، له قصيدة عينية تسمى اليتيمة لما اشتملت عليه من الأمثال. ابن حجر: الإصابة ٣/ ٢٢٢. لم أقف على من ذكر هذين البيتين غير صاحب الكتاب.
(٣) الأخبار الطوال من صفحة ٣٠٤، إلى صفحة ٣٠٨.
(٤) الطبقات ٢/ ٨٢ (ت د. محمد السلمي).
(٥) التاريخ ٢٦٤.
(٦) الأنساب ٦/ ٤٢٧.
(٧) التاريخ ٦/ ٩٣.
(٨) الأنساب ٦/ ٤٢٧، التاريخ ٦/ ٩٣.
(٩) الطبقات ٢/ ٨٢ (ت د. محمد السلمي).
[ ٣٩٢ ]
ليتمكن مما يريد، فعلم عبد الله بن الزبير -﵁- أمره وكلمه من حوله وأخبره بغشه وسوء مذهبه، فبعث إليه أخاه مصعب وأمره بقتاله.
وقد انفرد ابن سعد بهذا السبب.
وفي سياقه لأخبار المختار ذكر أن المختار يظهر في بداية أمره أنه مع ابن الزبير وأنه يمثل واليه على الكوفة، وهذا مستبعد؛ لأنه لم يأتِ من طرق صحيحة (^١)، ثم إن المختار لم يكن أمره بهذا الخفاء حتى لا يعلم بل كان شره واضحًا وبلاؤه عظيمًا.
* رأس المختار:
[١٧٥]- (ووجه مصعب برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير مع عبد الله بن عبد الرحمن (^٢).
قال عبد الله: فوافيت مكة بعد العشاء الآخرة، فأتيت المسجد، وعبد الله بن الزبير يصلي، قال: فجلست أنتظره، فلم يزل يصلي إلى وقت السحر، ثم انفتل من صلاته، فدنوت منه، فناولته كتاب الفتح، فقرأه، وناوله غلامه، وقال: أمسكه معك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الرأس معي. قال: فما تريد؟. قلت: جائزتي. قال: خذ الرأس الذي جئت به بجائزتك. فتركته، وانصرفت) (^٣).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٤).
_________________
(١) ابن سعد في الطبقات بإسناد جمعي، ٢/ ٧٩ قال عنه المحقق د محمد السلمي: (فيه ضعفاء ومن لا يعرف).
(٢) لم أقف على ترجمته.
(٣) الأخبار الطوال ٣٠٨.
(٤) الطبقات ٢/ ٧٩ (ت د. محمد السلمي).
[ ٣٩٣ ]
• نقد النص:
قُتِلَ المختار على يد مصعب بن الزبير سنة سبع وستين للهجرة (^١).
ذكر صاحب الكتاب أن رأسه بُعِثَ إلى عبد الله بن الزبير -﵁- لكنه لم يُعْطِ حامل الرأس شيئًا، وقال له: خذ الرأس فهو جائزتك، وهذا الخبر أورد مثله ابن سعد بإسناد جمعي، قال عنه المحقق: (فيه ضعفاء ومن لا يعرف) (^٢)، وبذلك لم أقف على من أورد ذلك بسند صحيح.
وفي هذه الرواية تعريض بعبد الله بن الزبير -﵁- أنه بخيل، وهذا ما تروجه الروايات الضعيفة، وهو كغيره من أعلام الهدى، أما أن ترمى إليه تهمة أو يوصف بوصف يوهن أمره، فبعض الصحابة والتابعين والخلفاء لا بد في الغالب أن تدور حوله التهم، ولكن هذا لا يضر مثله، فقد شهد له بالصلاح والزهد وحسن المعاشرة، فلو كان فيه بخل لم يسوده الناس، وسيأتي الرد على هذه الشبهة في الحديث عن الشبهات التي أثيرت حوله في هذا الكتاب.
* * *
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٦/ ٩٣.
(٢) الطبقات ٢/ ٧٩ (ت د. محمد السلمي).
[ ٣٩٤ ]