* وصول جيش الشام إلى المدينة:
[٩٩]- (ووافاهم الجيش، فقاتلوهم حتى كثرت القتلى) (^١).
- ذكر خليفة بن خياط (^٢) عدد القتلى من قريش والأنصار، فقال: (فجميع من أصيب من الأنصار مائة رجل وثلاثة وسبعون رجلًا، وجميع من أصيب من قريش والأنصار ثلاثمائة رجل وستّة).
- وذكر يعقوب بن سفيان (^٣) بسنده عن الإمام مالك: (وكانت الحرة سنة ثلاث وستين، وقُتِلَ يومئذ من حملة القرآن سبعمائة نفس).
- وذكر أبو العرب (^٤) بسند فيه الواقدي: (أن الزهري سئل: كم بلغ القتل يوم الحرّة؟ قال أمّا من قريشٍ والأنصار ومهاجرة العرب ووجوه النّاس فسبعمائة وسائر ذلك عشرة آلافٍ وأصيب بها نساءٌ وصبيانٌ بالقتل).
وهذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها الواقدي، وأما متنها فهو منكر؛ لأن فيها ذكر لقتل الصبيان والنساء، وهذا الفعل لم يحدث أن المسلمين فعلوه مع المشركين، فكيف يفعلونه مع المسلمين.
وفيها مبالغة وذلك في عدد القتلى، ونرد على هذه المبالغة وغيرها بقول ابن تيمية عن قتل الحرة: (لكن لم يُقْتَلْ جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلافٍ، ولا وصلت الدّماء إلى قبر النّبيّ -ﷺ- ولا إلى الرّوضة، ولا كان القتل في المسجد).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٦٥.
(٢) التاريخ ٢٥٠.
(٣) التاريخ ٣/ ٣٢٥.
(٤) المحن ١٨٤.
[ ٢٥٢ ]
نلاحظ مما سبق من الروايات التي حددت قتلى الحرة أن بينها تباينًا واضحًا فقد ارتفع العدد في الرواية الثانية عن الأولى إلى الضعف ثم إلى أضعاف كثيرة في الرواية الثالثة، ونجد في رواية خليفة بن خياط العدد الذي يتوافق مع المشاركين في الحرة، فلم يذكر أن أهل المدينة كلهم شاركوا في الحرة، ولا أنهم استعانوا بأحد من غيرهم، وهذا العدد ليس بالقليل إذا تمت مقارنته بأهل المدينة وحدهم، فبحرمة دماء المسلمين فيما بينهم عامة، ودماء الصحابة وأبنائهم خاصة، وحرمة المكان، تكون هذه الدماء قد أُسْرِفَ فيها وانتُهِكَتْ حرمتها، وهو الإسراف الذي حصل مع النهب.
* دخول جيش الشام إلى المدينة:
[١٠٠]- (وأقبلتْ طائفة من أهل الشام، فدخلوا المدينة من قبل بني حارثة، وهم الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ (^١)، فلم يشعر القوم، وهم يقاتلون مَنْ يليهم، إلا وأهل الشام يضربونهم من أدبارهم، فقُتِلَ عبد الله بن حنظلة أمير الأنصار، وقُتِلَ عمرو بن حزم الأنصاري (^٢) قاضي المدينة (^٣) (^٤).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط والطبري (^٥) والبلاذري (^٦).
_________________
(١) سورة الأحزاب آية ١٣.
(٢) عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله الرسول -ﷺ- على نجران، مات بعد الخمسين. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٥١١. وقد وهم صاحب الكتاب بأنه قتل يوم الحرة، والذي ورد اسمه في يوم الحرة هو ابنه محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري وقد سبقت ترجمته.
(٣) أما قاضي المدينة فهو ابنه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، استقضاه عثمان بن حيان المري، والي المدينة في عهد الوليد بن عبد الملك. أبو بكر الملقب بوكيع: أخبار القضاة ١/ ١٤١.
(٤) الأخبار الطوال ٢٦٥.
(٥) خليفة بن خياط: التاريخ ٢٣٨. الطبري: التاريخ ٥/ ٤٩٥. من طريق جويرية بن أسماء عن أشياخه من أهل المدينة، وهذا فيه مجاهيل.
(٦) الأنساب ٥/ ٣٢٧. أبو العرب: المحن ١٧٦.
[ ٢٥٣ ]
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن جيش الشام دخل المدينة من قبل بني الحارثة.
ومما يؤيد هذا القول، ما ذُكِرَ عن مسلم بن عقبة أنه لما قدم المدينة أكمن كمينًا مما يلي منازل بني الحارثة، فلما التَحَمَ جيش أهل المدينة بجيش الشام صبر لهم أهل المدينة وقاتلوا أشد قتال، فلم يشعروا إلا بالكمين يضرب أدبارهم فانهزموا (^١).
أما قول صاحب الكتاب: إن الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ (^٢)، هم بنو الحارثة، فهذا لا يصح على العموم؛ لأن تفسير الآية: أن من قال هذا المنافقون منهم، ولا يشمل كل بني الحارثة من الأنصار.
والآية كاملة هي قول الله -ﷻ-: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾ (^٣).
وتفسيرها: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ من بني حارثة بن الحرث لأصحابهم فى الخندق ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعنون يا أهل المدينة ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ لا مكان لكم في الخندق عند القتال ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى المدينة ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ﴾ من منافقي بني حارثة ﴿النَّبِيَّ﴾ -ﷺ- بالرّجوع إلى المدينة و﴿يَقُولُونَ﴾ ائذن لنا يا نبي الله بالرّجوع إلى المدينة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ خالية من الرّجال نخاف عليها سرق السراق ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ بخالية ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ ما يريدون
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٢٨، من طريق الواقدي.
(٢) سورة الأحزاب آية ١٣.
(٣) سورة الأحزاب الآيتان ١٣، ١٤.
[ ٢٥٤ ]
بذلك ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾ من القتل (^١).
[١٠١]- (واستباح أهل الشام المدينة ثلاثة أيام بلياليها) (^٢).
ذكر البلاذري: (ثم أنهب الناس المدينة ثلاثة أيام)، (وأباح مسلم المدينة ثلاثة أيام يقتلون ويأخذون المتاع ويعبثون بالإماء ويفعلون ما لا يحبه الله) (^٣)، أما الطبري فقد روى عن أبو مخنف قوله: (وأباح مسلم المدينة ثلاثًا يقتلون الناس ويأخذون الأموال) (^٤).
• نقد النص:
ذكر استباحة المدينة من قبل جيش الشام ثلاثة أيام.
قد بالغ المؤرخون في حجم هذه الاستباحة، بينما جاءت آثار صحيحة بينت ذلك، وحصرته في الإسراف في القتل والنهب ومنها:
ما أخرجه البخاري عن: جابر بن عبد الله -﵄-، قال: (بِعْتُ من النّبيّ -ﷺ- بعيرًا في سفرٍ، فلمّا أتينا المدينة قال: «ائت المسجد فصلّ ركعتين» فوزن - قال شعبة: أراه فوزن لي - فأرجح، فما زال معي منها شيءٌ حتّى أصابها أهل الشّأم يوم الحرّة) (^٥).
فهذا يثبت وقوع النهب من قبل جيش الشام.
وسُئل الإمام أحمد عن يزيد بن معاوية قال: (هو فعل بالمدينة ما فعل؟ قلت: وما فعل؟ قال: قتل بالمدينة من أصحاب النّبيّ -ﷺ- وفعل، قلت: وما فعل؟ قال: نهبها، قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه الحديث، ولا
_________________
(١) الفيروزآبادي: تنوير المقباس ١/ ٣٥١.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦٥.
(٣) الأنساب ٥/ ٣٢٧ غير مسندة.
(٤) التاريخ ٥/ ٤٩١.
(٥) الصحيح ٣/ ١٦١.
[ ٢٥٥ ]
ينبغي لأحدٍ أن يكتب عنه حديثًا) (^١).
حددتْ هاتان الروايتان الأعمال التي قام بها جيش يزيد في الشام، وهي القتل، والنهب، ولا شيء أكثر وأعظم من هذا في ذلك القرن، فهو القرن المفضل الأول، وينبغي ألا يصدق ما يرد من الروايات التي تجاوزت الحد في وصف ما جرى بالإباحة التي لو صح أنها حصلت لكانت إساءة لجميع المسلمين على مر عصورهم، لكن لا يشك في صدورها من الأعداء أنفسهم ليجروا بذلك الخزي والعار على المسلمين، ولكن الله حفظ هذه الأمة بالسند، ليقف حدًّا لعبث الرواة الكذابين ودسائسهم الخبيثة، والوصف الذي ينبغي أن توصف به هذه الحادثة هو (الإسراف)؛ لأن السلف سموا مسلم بن عقبة (مسرفًا)، أما الإباحة فهي تعني إباحة كل ما حرم الله مثل الأعراض وقتل النساء والصبيان، وهذا الوصف تروج له الروايات الضعيفة.
- أما مزاعم بعض الروايات التي تكلمت عن استباحة الأعراض، فهذا لا يصح ولم يثبت منه شيء.
قال السلمي: (غير أنه مما ينبغي التنبيه عليه أن هذه الحادثة قد بولغ في، وصفها وفي عدد القتلى الذين قتلوا فيها، وأن جنود الجيش وقعوا على النساء، وافتضوا الأبكار، فولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج، وأُجهز على الجرحى، وقتل المدبر، وجالت الخيل في مسجد رسول الله -ﷺ-، وبالت وراثت بين القبر والمنبر، وانقطعت الصلاة في المسجد أربعين يومًا، وخلت المدينة من أهلها، وتركت الثمار للعوافي، إلى غير ذلك فهذا أمر لا يحتمل وقوعه، ولا تقبله طبيعة المجتمع، ولا سنن العادة، لا سيما مع قرب العهد بالرسالة، ولم
_________________
(١) أبو بكر الخلال: السُّنّة ٣/ ٥٢٠.
[ ٢٥٦ ]
ينقل أن مثل هذا الفعل من انتهاك الأعراض، والإسراف في القتل، وقع مع الكفار، فكيف يتصور وقوعه مع المسلمين، وفي دار النبوة والهجرة؟! والحادثة لا شك أنها كبيرة ومؤسفة وخطأ جسيم، ولذلك أجمع السلف على تسمية مسلم بن عقبة مسرفًا، ولكن هذا لا يجعلنا ننفي أصل الحادثة وهو إباحة المدينة بعد توارد الأدلة على ثبوتها، كما فعل بعض المستشرقين والباحثين المعاصرين الذين جهلوا السلف الماضين، ونسبوهم إلى ضعف التحقيق العلمي، مع أنهم هم لم يبنوا حكمهم هذا على التتبع والاستقراء ودراسة كافة النصوص الواردة في الموضوع، وإلا لتبين لهم الحق والواقع) (^١).
وقال الشيباني، بعد أن فند الروايات وما فيها من مزاعم ثم عرض الأدلة والقرائن: (وبهذه الأدلة والقرائن التي ذكرناها يُتأكد لنا أن انتهاك أعراض نساء المدينة لا أساس له من الصحة، وأنها روايات جاءت متأخرة، وبدافع حزبي بغيض، يتخذ من كره وتشويه التاريخ الأموي دافعًا له) (^٢).
* محاسبة مسلم لرءوس الحرة:
[١٠٢]- (فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبة، فدعاهم إلى البيعة، فكان أول من أتاه يزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود (^٣)، وجدته أم سلمه زوج النبي -ﷺ-. فقال له مسلم: بايعني.
قال: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ-.
فقال مسلم: بل بايع على أنكم فيء لأمير المؤمنين، يفعل في أموالكم
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٢/ ٦٥ (ت د. محمد السلمي).
(٢) مواقف المعارضة ٥٥٩.
(٣) يزيد بن عبد الله بن زمعة بدل (ربيعة) بن الأسود بن عبد المطلب، وأمه زينب بنت أبي سلمة، قتله مسلم بن عقبة يوم الحرة. ابن سعد: الطبقات ١/ ١٠٣ (ت زياد منصور).
[ ٢٥٧ ]
وذراريكم ما يشاء. فأبى أن يبايع على ذلك، فأمر به، فضربت عنقه.
ثم تقدم محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، فقال له مسلم: أنت الذي وفدت على أمير المؤمنين، فأكرمك وحباك، فرجعت إلى المدينة تشهد عليه بشرب الخمر، والله لا تشهد بشهادة زور أبدًا، اضربوا عنقه. فضربت عنقه، ثم تقدم معقل بن سنان الأشجعي، وكان حليفًا لبني هاشم، فقال له مسلم: أتذكر يومًا مررت بي بطبرية (^١)، فقلت لك، من أين أقبلت؟ فقلت، سرنا شهرًا، وأنضينا ظهرًا، ورجعنا صفرًا، وسنأتي المدينة فنخلع الفاسق يزيد بن معاوية، ونبايع رجلًا من أولاد المهاجرين؟.
فاعلم أني كنت آليت ذلك اليوم ألا أقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلا قتلتك، وقد أمكنني الله منك يا أحمق، ما أشجع والخلافة؟! فتعزل وتولى، اضربوا عنقه) (^٢).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٣)، والبلاذري (^٤)، والطبري (^٥).
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية محاسبة مسلم بن عقبة قائد جيش الشام لقادة جيش أهل المدينة في وقعة الحرة، والملاحظ عليها ذكر أفعالهم قبل المعركة ومنها
_________________
(١) طبرية: بحيرة تقع على بعد ثلاث وأربعين كيلًا من البحر المتوسط، وبجوارها مدينة، وإليها ينسب الطبراني. محمد شراب: المعالم الأثير ١٧٠.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦٥، ٢٦٦.
(٣) ابن سعد: الطبقات ١٠٤ (زياد محمد منصور) جاء خبر يزيد بن زمعة مع مسلم، وفي الطبقات ٤/ ٢٨٢، قصة معقل بن سنان مع مسلم، وفي ٥/ ١٧١ خبر محمد بن أبي الجهم كلها من طريق الواقدي وهو ضعيف.
(٤) الأنساب ٥/ ٣٢٨. ذكر قصة محمد بن أبي الجهم من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف.
(٥) التاريخ ٥/ ٤٩٢. من طريق هشام بن محمد، وهو ضعيف.
[ ٢٥٨ ]
شهادة بعضهم على يزيد بأنه يشرب الخمر، ثم تخييرهم بالبيعة ليزيد على أنهم فيء وفي بعض الروايات أنكم خول ليزيد يحكم في أموالهم وذراريهم ما يشاء، وهذا لا يمكن تصديقه، ومن يقبل بهذا منهم، وهو مما لاشك فيه أنه زيادة من فعل الرواة، ولم أقف على من أورد ذلك بسند يمكن الاعتماد عليه.
ولذا أقول: إن مسلم قتل هؤلاء؛ لأنهم رءوس الحرة وقادة الجيش بها، وأن هذه المبايعة التي وردت عنه لن يقبلها جميع من بقي من أهل المدينة، فلماذا خير هؤلاء فقط وترك غيرهم هل ما بقي من أهل المدينة إلا هم؟! أم هل جميع أهل المدينة رضوا بهذا وبايعوا لقوله فلذلك نجوا من القتل؟!.
وما يؤيد ذلك ما ذكره خليفة بن خياط فقال: (وقُتِلَ معقل بن سنان الأشجعيّ صبرًا ومحمّد بن أبي حذيفة العدوي صبرًا، ومحمّد بن أبي الجهم ابن حذيفة صبرًا) (^١)، (وقُتِلَ يزيد بن عبد الله بن زمعة صبرًا) (^٢).
وذكر ابن سعد في ترجمته فقال: (محمّد بن أبي جهمٍ أحد الرّءوس يوم الحرّة، وقُتِلَ يومئذٍ في ذي الحجّة سنة ثلاثٍ وستّين) (^٣).
وهذا يدل على أنه من نجا من رءوس الحرة قُتِلَ صبرًا بعد المعركة.
[١٠٣]- (ثم تقدم عمرو بن عثمان (^٤)، فقال له: أنت الخبيث ابن الطيب، الذي إذا ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن عثمان بن عفان، وإذا ظهر أهل
_________________
(١) التاريخ ٢٥٠.
(٢) المصدر السابق ٢٤١.
(٣) الطبقات ٥/ ١٧١.
(٤) عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، من كبار التابعين، وهو مدني، ثقة، وقد عده ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وفد على معاوية فأغزاه أرض الروم ففتح أنقرة، وقد تزوج رملة بنت معاوية بن أبي سفيان، توفي قريب الثمانين. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٤٦/ ٢٨٥. تاريخ الإسلام ٥/ ٤٩٦.
[ ٢٥٩ ]
الحجاز قلت أنا واحد منكم، وأنت في ذلك تبغي أمير المؤمنين الغوائل، انتُفُوه، فنُتِفَتْ لحيته، حتى ما تركت فيها شعرة.
فقام إليه عبد الملك بن مروان، فاستوهبه، فوهبه له) (^١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٢)، والبلاذري (^٣).
• نقد النص:
تحدثت هذه الرواية عن عمرو بن عثمان بن عفان، وموقف مسلم بن عقبة معه، وأنه سبه، وأمر بنتف لحيته.
ولم أقف على من أوردها بسند صحيح، وأما متنها فهو منكر، ولا يصح عن ذلك القرن هذه الأعمال القبيحة.
ثم إنه ورد عند البلاذري موقفًا لعمرو بن عثمان غير ما ذكرته هذه الرواية وهو: (ولقيت بنو أميّة مسلم بن عقبة بوادي القرى فسلموا عليه، فدعا عمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فسأله عن الخبر فلم يخبره بشيء ليمينه التي حلفها لأهل المدينة، فقال: لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، واللّه لا أقلتها قرشيًّا بعدك) (^٤).
وهذا الخبر أحسن من الذي قبله وهو متناسق مع أحداث الحرة؛ لأن أهل المدينة أخرجوا بني أمية بعد خلعهم يزيد؛ ولذلك التقوا بمسلم في طريقه إلى المدينة بوادي القرى.
وأمر آخر هو أن عمرو بن عثمان ابن عم ليزيد بن معاوية، فكلاهما من
_________________
(١) الأخبار الطوال ٢٦٦.
(٢) التاريخ ٥/ ٤٩٤. من طريق هشام بن محمد الكلبي، وهو ضعيف.
(٣) الأنساب ٥/ ٣٢٩. من طريق الهيثم بن عدي، وهو ضعيف.
(٤) البلاذري: الأنساب ٥/ ٣٢٣. وذكر الطبري: التاريخ ٥/ ٤٨٥.
[ ٢٦٠ ]
بني أمية، وقد تزوج برملة بنت معاوية أخت يزيد (^١)، فكيف يصدق أن مسلم يفعل به هذا وهو يعلم صلة قرابته من يزيد؟
* خبر مسلم بن عقبة مع علي بن الحسين:
[١٠٤]- (ثم أتاه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فأجلسه معه على ثيابه وفراشه، وقال: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك. فقال علي: إني كنت لما فعل أهل المدينة كارهًا. قال: أجل. ثم حمله على بغلة، وصرفه إلى منزله) (^٢).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٣)، وذكر البلاذري (^٤) في خبر الحرة أن علي بن الحسين قد اعتزل بضيعة له قرب المدينة كراهية أن يشهد شيئًا من أمرهم.
[١٠٥]- (وبعث إلى علي بن عبد الله بن عباس (^٥) ليؤتى به للبيعة، فأُخرج من منزله، فأقبلوا به، فلقيه الحصين بن نمير، فانتزعه من يد الجلاوزة. وكان الحصين من أخوال علي بن عبد الله. فقال مسلم: إني إنما بعثت إليه للبيعة، فائتني به. فأرسل إليه الحصين، فجاء حتى بايع) (^٦).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٧).
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٥/ ١٥٠.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦٦.
(٣) الطبري: التاريخ ٥/ ٤٩٣.
(٤) الأنساب ٥/ ٣٢٣. وذكر ذلك ابن كثير في البداية ٨/ ٢٣٨.
(٥) علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ولد في العام الذي قتل فيه علي بن أبي طالب فسمي باسمه، لقب بالسَّجَّاد لكثرة صلاته، وهو جد الخلفاء، توفي سنة ١١٨ هـ، وعمره ٧٨ سنة. الذهبي: السير ٥/ ٢٨٥.
(٦) الأخبار الطوال ٢٦٧.
(٧) الأنساب ٥/ ٣٢٩. من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف.
[ ٢٦١ ]
• نقد النص:
وفي هذه الرواية ذكرٌ لعلي بن العباس وأنه قد دخل في أمر أهل المدينة، ولكن ذلك لم يثبت؛ لأنه لم يرد بسند يمكن الاعتماد عليه؛ وقد ورد ما يخالفه، وهو ما رواه ابن كثير عن أبي جعفرٍ الباقر (^١): (لم يخرج أحدٌ من آل أبي طالبٍ ولا من بني عبد المطّلب أيّام الحرّة) (^٢).
[١٠٦]- (وأرسلت بنت الأشعث بن قيس (^٣)، وكانت امرأة الحسين بن علي، إلى مسلم بن عقبة تعلمه أن منزلها انتهب، فأمر برد جميع ما أخذ لها) (^٤).
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
أورد صاحب الكتاب هذه الرواية التي فيها عفو مسلم بن عقبة عن جعدة بنت الأشعث وهي امرأة الحسن -﵁-، وليس كما وهم صاحب الكتاب أنها امرأة الحسين -﵁- وهذا إيعازٌ منه بالعلاقة التي تروج لها الروايات الضعيفة (^٥) بالربط بين هذه المرأة وبين موت الحسن -﵁-، وأنها هي من دسّت له السم،
_________________
(١) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولد ٥٦ هـ، جمع بين العلم والسؤدد والثقة والرزانة وهو أحد الأئمة الاثنى عشر. الذهبي: ٤/ ٤٠٢.
(٢) البداية والنهاية ٨/ ٢٥٦.
(٣) جعدة بنت الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، كانت زوجة الحسن بن علي بن أبي طالب، وقد خلف عليها يعقوب بن طلحة ثم العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وقد أنجبت منه. ابن سعد: الطبقات ٥/ ٣١٥. البلاذري: الأنساب ٣/ ١٥. قلت: هذا من الأدلة البينة على أنها بريئة من سَمِّ الحسن -﵁-، وإلا فكيف يُخْلِف على امرأة غدرت بزوجها!!
(٤) الأخبار الطوال ٢٦٧.
(٥) أخرج ابن سعد بسنده، قصة سم الحسن -﵁- الطبقات، (ت د. محمد السلمي). وقال عنه المحقق: (إسناده ضعيف). والبلاذري: الأنساب ٣/ ٥٥ ولم يسند الخبر.
[ ٢٦٢ ]
وأن الذي أمرها بذلك معاوية -﵁-، وقد ساق صاحب الكتاب هذه الرواية ليثبت أن لها يدًا عند بني أمية.
وهذا لا يصح عن معاوية -﵁-، ولا عن ابنه يزيد وقد رد العلماء هذه التهمة.
قال ابن العربي: (فإن قيل: قد دس على الحسن من سمه. قلنا: هذا محال من وجهين: أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلم الأمر. الثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تحملونه - بغير بينة - على أحد من خلقه في زمان متباعد لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه ما لا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل المصمم) (^١)، وأورد الذهبي الخبر وعلق عليه بقوله: (هذا شيءٌ لا يصحّ فمن الّذي اطّلع عليه) (^٢)، وأورد ابن كثير الخبر وعلق عليه: (وروى بعضهم أنّ يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سمّي الحسن وأنا أتزوّجك بعده، ففعلت، فلمّا مات الحسن بعثت إليه فقال: إنّا واللّه لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟ وعندي أنّ هذا ليس بصحيحٍ، وعدم صحّته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى) (^٣).
وقال ابن تيمية: (وأمّا قوله: «إنّ معاوية سمّ الحسن». فهذا ممّا ذكره بعض النّاس، ولم يثبت ذلك ببيّنةٍ شرعيّةٍ، أو إقرارٍ معتبرٍ، ولا نقلٍ يجزم به، وهذا ممّا لا يمكن العلم به، فالقول به قولٌ بلا علمٍ) (^٤).
_________________
(١) العواصم والقواصم ٢١٣.
(٢) تاريخ الإسلام ٤/ ٤٠.
(٣) البداية والنهاية ٨/ ٤٧.
(٤) منهاج السنة ٤/ ٤٦٩.
[ ٢٦٣ ]
وقال ابن خلدون: (وما ينقل من أنّ معاوية دس إليهم السمّ مع زوجه جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك) (^١).
وقد تَقصَّى الغيث (^٢) الأعراض التي ظهرت على الحسن -﵁- عند وفاته وقام بعرضها على أحد الأطباء المتخصصين وكانت النتيجة أن الأعراض لم تكن أعراض سم.
_________________
(١) التاريخ ٢/ ٦٤٩.
(٢) مرويات خلافة معاوية: ٣٩٥.
[ ٢٦٤ ]