[٢٢]- (قالوا: وقد كان معاوية خلَّفَ على الكوفة حين شخص منها المغيرة بن شعبة، فصَعِد المنبر يوم الجمعة ليخطب فحصبه حجر بن عدي، وكان من شيعة علي، في نفر من أصحابه، فنزل مسرعًا من المنبر، ودخل قصر الإمارة، وبعث إلى حجر بخمسة آلاف درهم ترَضَّاه بها. فقيل للمغيرة: لِمَ فعلت هذا، وفيه عليك وهن وغضاضة؟ فقال: قد قتلته بها.
فلما مات المغيرة وجمع معاوية لزياد الكوفة إلى البصرة، كان يقيم بالبصرة ستة أشهر، وبالكوفة مثل ذلك، فخرج في بعض خرجاته إلى البصرة، وخلَّف على الكوفة عمرو بن حريث العدوي (^١)، فصعد عمرو بن حريث ذات جمعة المنبر ليخطب، وقعد له حجر بن عدي وأصحابه فحصبوه، فنزل من المنبر، فدخل القصر، وأغلق بابه.
وكتب إلى زياد يخبره بما صنع حجر وأصحابه، فركب زياد البريد حتى وافى الكوفة، ودخل المسجد، وأخرج له سريره من القصر، فجلس عليه، فكان أول من دخل عليه من أشراف الكوفة محمد بن الأشعث بن قيس (^٢)، فسلم عليه بالإمارة.
فقال زياد: لا سلم الله عليك، انطلق فأتني بابن عمك الساعة.
قال محمد بن الأشعث: ما لي ولحجر، إنك لتعلم التباعد بيننا.
_________________
(١) عمرو بن حريث بن عمرو بن (المخزومي) بدل (العدوي) له صحبة ورواية، توفي سنة ٨٥ هـ. الذهبي: السير ٣/ ٤١٩.
(٢) محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أمه أم فروة أخت أبي بكر -﵁- روى عن عائشة، لا تصح له رواية ولا صحبة، قتل أيام المختار سنة ٦٧ هـ. ابن حجر الإصابة ٦/ ٢٥٨.
[ ٩٣ ]
فقال له جرير بن عبد الله -﵁- (^١): أنا آتيك بحجر أيها الأمير، على أن تجعل له الأمان، وألا تعرض له حتى يلقى معاوية، فيرى فيه رأيه. قال: قد فعلت. فأقبل به إلى زياد، فأمر بحبسه، وأمر بطلب أصحابه الذين كانوا معه، فأُتِيَ بهم، فوجههم جميعًا إلى معاوية مع مائة رجل من الجند، فأنشأت أم حجر (^٢) تقول:
ترفع أيها القمر المنير … ترفع هل ترى حجرًا يسير
وإن تهلك فكل عميد قوم … من الدنيا إلى هلك يصير
وبعث زياد بثلاثة نفر من الشهود، ليشهدوا عنده بما فعل حجر وأصحابه، منهم أبو بردة بن أبي موسى (^٣)، وشريح بن هانئ الحارثي (^٤)، وأبو هنيدة القيني (^٥)، فأتوا معاوية، وشهدوا عليهم بحصبهم عمرو بن حريث، فأمر معاوية بهم، فقتلوا) (^٦).
_________________
(١) جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن النضر البجلي، صحابي مشهور، يكنى أبا عمرو، قيل: إن إسلامه سنة عشر للهجرة وقيل: قبل ذلك، جعله عمر -﵁- على بجيلة في حروب العراق وكان له أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن الكوفة، وبعثه علي -﵁- رسولًا إلى معاوية -﵁-، ثم اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسياء حتى توفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: أربع وخمسين. ابن حجر: الإصابة ١/ ٥٨١.
(٢) هذه الأبيات لهند بنت زيد الأنصارية، وكانت شيعية (وليس كما وهم صاحب الكتاب أنها أم حجر). الطبقات ابن سعد ٦/ ٢٢٠.
(٣) عبد الله بن حضار الأشعري، ابن أبي موسى الأشعري -﵁-، صاحب رسول الله -ﷺ-، مات سنة ١٠٤ هـ. الذهبي: السير ٥/ ٥.
(٤) شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي، أدرك النبي -ﷺ- ولم يهاجر إلا بعده، ووفد أبوه على النبي -ﷺ-، كان من أصحاب علي -﵁-. ابن حجر الإصابة ٣/ ٣٠٧.
(٥) أبو هنيدة لم أقف على ترجمة له.
(٦) الأخبار الطوال ٢٢٣، ٢٢٤.
[ ٩٤ ]
ذكر الخبر خليفة بن خياط (^١)، مختصرًا.
وابن سعد (^٢) والبلاذري (^٣)، والفسوي (^٤)، والطبري (^٥)، مطولًا.
• نقد النص:
تعتبر قضية مقتل حجر بن عدي عند بعض المؤرخين، من القضايا المهمة في تاريخ بني أمية، ومثلها مثل قضية زياد بن أبيه، وبيعة يزيد، وخصوصًا في حقبة معاوية -﵁-، وتبسط مفصلة بحيث توضع موضع الأحداث الكبيرة التي لا يمكن التغافل عنها، وهي المأخذ الثاني على معاوية -﵁- بعد قضية زياد.