* مقتل عبد الله بن الزبير -﵁-.
[١٨٢]- (ثم وجه الحجاج بن يوسف لمحاربة عبد الله بن الزبير، وعزل قدامة بن مظعون، فسار الحجاج حتى نزل الطائف، وأقام شهرًا.
ثم كتب إلى عبد الملك: إنك يا أمير المؤمنين متى تدع ابن الزبير يعمل فكره، ويستجيش ويجمع أنصاره، وتثوب (^١) إليه فلاله (^٢) كان في ذلك قوة له، فائذن في معاجلته لي، فأَذَنَ له.
فقال الحجاج لأصحابه: تجهزوا للحج، وكان ذلك في أيام الموسم.
ثم سار من الطائف حتى دخل مكة، ونصب المنجنيق على أبي قبيس.
فقال الأقيشر الأسدي (^٣):
_________________
(١) الوثوب: المبادرة للشيء والمسارعة إليه. الزبيدي: تاج العروس ٤/ ٣٣٢.
(٢) الفل: المنهزم والجميع الفلول: والفلال. الفراهيدي: العين ٨/ ٣١٦.
(٣) هو المغيرة بن عبد الله بن المعرض بن عمرو بن أسد بن خزيمة، المعروف بالأقشر الأسدي الكوفي، ويكنى أبا المعرض، ولقب بالأقيشر لأنه كان أحمر الوجه، شاعر إسلامي وقد أدرك الجاهلية، وكان جوادًا مطعمًا، له قصيدة يرثي بها مصعب بن الزبير. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٦٠/ ٦٣، ابن حجر: الإصابة ٦/ ٢٤٣. ولم يرد عندهم أنه قال هذه الأبيات التي ذكرها صاحب الكتاب، وذكر الجاحظ في الحيوان ٧/ ٦٢، والبلاذري في الأنساب ٧/ ١١٧ أن هذه الأبيات لشاعر اسمه الأقيبل القيني، وهو الأقيبل بن شهاب الكلبي ينسب إلى القين بن جسر، وقصته أن الحجاج بعد ما سمع هذه الأبيات طلبه، فاستجار بقبر مروان بن الحكم، وضرب عليه خيمة، فدعاه عبد الملك فلما صار بين يديه أنشد: إني أعوذ بقبر لست مخفره … ولا أعوذ بقبر بعد مروانا فقال له عبدالملك: إني لا أعوذ به أحدًا غيرك، وأمر كاتبه أن يكتب إلى الحجاج أني فوضت الأمر إليك فاعمل فيه بما ترى، ولما انطلق إلى الحجاج في مكة فكر في أمره فقال: لعل الكتاب مثل صحيفة المتلمس، فقال: لأطلبن خمولًا قد علت شرفا … كأنها في الضحى نخل مواقير فقد علمت وعلم المرء ينفعه … أن انطلاقي إلى الحجاج تغرير مستخفيًا صحفًا تدمي طوابعًا … وفي الصحائف حيلت مناكير لئن أتيت لحجاج معتذرًا … إذا فلا قبلت تلك المعاذير ثم لحق بقومه في باديتهم، فلم يزل معهم حتى هلك.
[ ٤١٦ ]
لم أر جيشًا غر (^١) بالحج مثلنا … ولم أر جيشًا مثلنا غير ما خرس
دلفنا (^٢) لبيت الله نرمي ستوره … بأحجارنا زفن (^٣) الولائد (^٤) في العرس
دلفنا له يوم الثلاثاء من منى … بجيش كصدر الفيل ليس بذي رأس
فإلا ترحنا من ثقيف وملكها … نصل لأيام السباسب والنحس
فطلبه الحجاج، فهرب، وأناخ الحجاج بابن الزبير، وتحصن منه ابن الزبير في المسجد، واستعمل الحجاج على المنجنيق ابن خزيمة، فجعل يرمي أهل المسجد ويقول:
خطاره مثل الفنيق الملبد … نرمي بها عواذ أهل المسجد (^٥)
فلما اشتد على ابن الزبير وأصحابه الحصار، خرجت بنو سهم من بابهم، فقال ابن الزبير:
فرت سلامان، وفرت النمر … وقد تكون معهم فلا تفر (^٦)
_________________
(١) الغر: معناه في قولهم غر: فلان فلانًا: عرضه للهلكة والبوار. الزبيدي: تاج العروس ١٣/ ٢٢٤.
(٢) دلفنا: تقدمنا. ابن منظور: لسان العرب ٩/ ١٠٦.
(٣) زفن: الزفن هو الرقص. الفراهيدي: العين ٧/ ٣٧٢.
(٤) الولائد: الشواب من الجواري. ابن منظور: لسان العرب ٣/ ٤٧٠.
(٥) ذكر الطبري: التاريخ ٥/ ٤٩٨ أن هذا البيت ارتجز به أهل الشام في حصارهم الأول لمكة.
(٦) ذكر البلاذري: الأنساب ٧/ ١٢٦ من طريق أبي مخنف مثل ذلك، وذكر الخبر عند ابن الجوزي في صفوة الصفوة ١/ ٣٠٤، من طريق عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير -﵁- قال ذلك حين قيل له:
[ ٤١٧ ]
وجعل أهل الشام يدخلون عليه المسجد، فيشد عليهم، فيخرجهم من المسجد حتى رمى بحجر، فأصاب جبهته، فسقط لوجهه، ثم تحامل، فقام، وهو يقول:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا (^١) … ولكن على أقدامنا تقطر الدما (^٢)
ثم قال لأصحابه: اخرجوا إلى من بالباب، واحملوا، ولا يلهينكم طلبي، والسؤال عني، فإني في الرعيل الأول.
فخرج، وخرجوا معه، فقاتل قتالًا شديدًا حتى قُتِلَ عامة من كانوا معه، وأحدقوا به من كل جانب، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه.
فأمر به الحجاج، فصلبه، فمر به عبد الله بن عمر، فقال: رحمك الله أبا بكر، أما والله لقد كنت صوامًا قوامًا، غير أنك رفعت الدنيا فوق قدرها، وليست لذلك بأهلٍ، وإن أمة أنت شرها لأمة صدق.
وكان مقتل ابن الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين (^٣) (^٤).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد (^٥)، وخليفة بن خياط (^٦) مختصرًا،
_________________
(١) إن فلانًا لحق بالحجاج، وفلانًا لحق بالحجاج، وقد ذكر الحداد في كتاب تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ٦/ ٢٨١٧ كامل السند إلى عروة، وهذا يدل على أنه ليس المقصود بني سهم. () الكلم: الجرح، والجمع كلوم. ابن منظور: لسان العرب ١٢/ ٥٢٤.
(٢) هذا البيت للحصين بن الحمام. الزجاجي: الأمالي ٢٠٧.
(٣) ذكر خليفة بن خياط ٢٦٩، أن عبد الله بن الزبير -﵁- قتل لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، وعمره ثلاث وسبعين؛ لأنه ولد في العام الأول من الهجرة ومات في سنة ثلاث وسبعين.
(٤) الأخبار الطوال ٣١٣، ٣١٤، ٣١٥.
(٥) الطبقات ٢/ ٩١ (ت د. محمد السلمي).
(٦) التاريخ ٢٦٨.
[ ٤١٨ ]
والبلاذري (^١)، والطبري (^٢) مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية خبر مسير الحجاج لحرب عبد الله بن الزبير -﵁-، وأنه بطلب من الحجاج نفسه، وقد ذكر الطبري نحوًا من هذا.
وقد روي أن ذلك كان من عبد الملك نفسه دون طلب من الحجاج (^٣).
وقد جاء صاحب الكتاب بخبر يذكر فيه قول عبد الله بن عمر -﵁- حينما مر على عبد الله بن الزبير -﵁- بعد أن قتله الحجاج فقال: (رحمك الله أبا بكر، أما والله لقد كنت صوامًا قوامًا، غير أنك رفعت الدنيا فوق قدرها، وليست لذلك بأهلٍ، وإن أمة أنت شرها لأمة صدق)، وهذا القول مكذوب على عبد الله ابن عمر -﵁-؛ لأنه قد ثبت قوله في الصحيح عند مسلم عن أبي نوفلٍ (^٤) أنه قال: (رأيت عبد الله بن الزّبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريشٌ تمرّ عليه، والنّاس حتّى مرّ عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه فقال: السّلام عليك، أبا خبيبٍ السّلام عليك أبا خبيبٍ السّلام عليك أبا خبيبٍ أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت، ما علمت، صوّامًا، قوّامًا، وصولًا للرّحم، أما والله لأمّةٌ أنت أشرّها لأمّةٌ خيرٌ، ثمّ نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجّاج موقف عبد الله وقوله: فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثمّ أرسل إلى أمّه أسماء
_________________
(١) الأنساب ٧/ ١١٥.
(٢) التاريخ ٦/ ١٧٤.
(٣) ذكر ذلك خليفة بن خياط: التاريخ ٢٦٨، والبلاذري: الأنساب ٧/ ١١٥.
(٤) أبو نوفل بن أبي عقرب الكناني، وقيل: اسمه مسلم، وقيل: عمرو بن مسلم، وقيل: معاوية بن مسلم، ثقة، من الثالثة. ابن حجر: التقريب ٦٧٩.
[ ٤١٩ ]
بنت أبي بكرٍ، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرّسول: لتأتينّي أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتّى تبعث إليّ من يسحبني بقروني، قال: فقال: أروني سبتيّ فأخذ نعليه، ثمّ انطلق يتوذّف، حتّى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدوّ الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنّك تقول له: يا ابن ذات النّطاقين أنا، والله ذات النّطاقين، أمّا أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله -ﷺ-، وطعام أبي بكرٍ من الدّوابّ، وأمّا الآخر فنطاق المرأة الّتي لا تستغني عنه، أما إنّ رسول الله -ﷺ- حدّثنا، «أنّ في ثقيفٍ كذّابًا ومبيرًا» فأمّا الكذّاب فرأيناه، وأمّا المبير فلا إخالك إلّا إيّاه، قال: فقام عنها ولم يراجعها) (^١).
فبهذا النص نجد التحريف الواضح بين ما ثبت في هذا الحديث وبين ما رواه صاحب الكتاب في كلام عبد الله بن عمر -﵁-، ونلحظ مدى خطورة تحريف الرواة لسير السلف وإدراج ما تخفيه صدورهم من الحنق والكراهية على أهل الحق، وهذا يندرج تحته كثير من أهل الأخبار، فلو أن صاحب الكتاب أسند الخبر لذهب عنه هذا الاتهام ولكنه ذكره جازمًا به، فقد جعل عبد الله بن الزبير -﵁- ليس أهلًا للخلافة، والقيام بأمر المسلمين وأنه رفع الدنيا فوق قدرها، فالحمد لله الذي وفق هذه الأمة للسند لكي يعرف به الحق من الباطل.
قال النووي في شرحه لهذا الحديث: (وفيه الثّناء على الموتى بجميل صفاتهم المعروفة، وفيه منقبةٌ لابن عمر لقوله بالحقّ في الملأ وعدم اكتراثه بالحجّاج؛ لأنّه يعلم أنّه يبلغه مقامه عليه وقوله وثناؤه عليه، فلم يمنعه ذلك أن
_________________
(١) الصحيح ٤/ ١٩٧١.
[ ٤٢٠ ]
يقول الحق ويشهد لابن الزّبير بما يعلمه فيه من الخير، وبطلان ما أَشَاعَ عنه الحجّاج من قوله أنه عدو) (^١).
وقد أثنى عليه عبد الله بن عباس -﵁- وبَيَّنَ أحقيته بهذا الأمر وعظيم نسبه وقرابته (^٢).
فشهادة ابن عباس -﵁- وابن عمر -﵁- له كافية له أن يكون أهلًا للخلافة.
وفي هذا الخبر مقتل عبد الله بن الزبير -﵁- شهيدًا على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، وبذلك تنتهي دولته، التي نشأت من سنة أربع وستين إلى اثنتين وسبعين من الهجرة، فهي ما يقارب تسع سنوات، وهي حافلة بالعدل والإنجازات، وقد بدأت دولته بحرب الخوارج وطردهم عن العراق على يد أحد رجالاته وهو المهلب بن أبي صفرة، ثم أعاد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ثم قضى على المختار على يد أخيه مصعب بن الزبير.
وبعد مقتل عبد الله بن الزبير -﵁- صَفَى لعبد الملك بن مروان ملكه بعد تفرق بين المسلمين دام ما يقارب تسع سنوات، حصل فيه من القتل والتفرق الشيء الكثير، وتعطلت الفتوحات بسبب هذا الخلاف، وجاء هذا التفرق من عدم وجود الولاية الشرعية، فلو أن معاوية بن يزيد وَلَّى الأمر بعده لأحد بني أمية الأكفاء؛ لحقن بذلك دماء أهل الشام والعراق والحجاز، وكل ذلك
بتقدير الله.
وقد سبق معنا أن الخوارج لم تَقْوَ شوكتهم إلا بعد موت يزيد وكذلك المختار لم يخرج إلا مقلدًا لمروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير -﵁- كما صرح بذلك، وما حصل من تقاتل أهل الشام فيما بينهم إلا لعدم وجود خليفة
_________________
(١) النووي: شرح مسلم ١٦/ ٩٨.
(٢) راجع نقد الرواية رقم ١٧٤.
[ ٤٢١ ]
شرعيًّا بينهم، ولذلك أقول: إن معاوية -﵁- أصاب في جمع الناس على ابنه يزيد، وهذا تأكيد منه على أهمية ولاية العهد، ويضاف إلى دهائه وتبصره بالعواقب.
* أسباب زوال سلطان عبد الله بن الزبير -﵁-:
- سقوط العراق بيد عبد الملك بن مروان ومقتل أخيه مصعب بن الزبير، فالعراق كان بمثابة القوة الضاربة لعبد الله بن الزبير -﵁-.
- عدم جدوى استمرار الحصار من قبل عبد الله بن الزبير -﵁-، وذلك بسبب الجوع الذي تسببت به طول فترة الحصار من قبل أهل الشام، فأهل الشام استطاعوا أن يثبتوا لما يأتيهم من مدد الشام.
- عمدَ الحجاج إلى حيلة حربية، ألا وهي إعطاء الأمان كل من أتاه من جند ابن الزبير -﵁-.
- قاتل معه ناس من الحبشة يجيدون الرمي، قتلوا جماعة من أهل الشام، فحمل عليهم الشاميون فانكشفوا واعتذروا من عبد الله -﵁- وقالوا: لسنا أصحاب مواجهة (^١).
- وكان مع عبد الله بن الزبير -﵁- في قتال الحجاج جند من أصحاب ابن عديس (^٢) وهم خوارج ذوو بأس وشدة كانت له نكاية بأهل الشام، فبلغه عنهم ما يقولون في عثمان -﵁-، فقال: (والله ما أحب أن أستظهر على عدوي بمن
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٧/ ١١٩.
(٢) هو عبد الرحمن بن عديس البلوي، أبو محمد، من الفرسان، صحب النبي -ﷺ-، وبايع تحت الشجرة، وشهد فتح مصر، وكان من الرءوس الذين سعوا بقتل عثمان -﵁-، سجنه معاوية -﵁- وهرب من سجنه، قتل سنة ست وثلاثين. ابن سعد: الطبقات ٧/ ٥٠٩، الإصابة: ابن حجر ٤/ ٢٨١.
[ ٤٢٢ ]
يبغض عثمان، ولا بأن ألقى اللّه إلا ناصرًا له، وجعل يماكرهم، فقالوا: والله ما نرى أن نقاتل مع رجل يكفر أسلافنا، وما قاتلنا إلا لحرمة هذا البيت، وأن نردها شورى فتفرقوا عنه فاختل عسكره وعريت مصافه، ودنا منه عدوه حتّى قاتلوه) (^١).
فهذا هو ابن الزبير -﵁- منعه تقواه أن يلقى الله مستنصرًا بمن يبغض عثمان -﵁-.
وسوف أقف على بعض ما يثار حول ابن الزبير -﵁- من الشبهات وأردّها، وهي كما يلي:
الشبهة الأولى: ما جاء بها صاحب الكتاب وهي عدم أهليته للخلافة، والحديث السابق عن ابن عمر -﵁- يرد على ذلك.
الشبهة الثانية: أنه خارج على دولة بني أمية.
وللرد على ذلك نقول: إنه قد ثبت لنا أن عبد الله بن الزبير -﵁- لم يطلب الخلافة إلا بعد وفاة يزيد بن معاوية، وقد بينا ذلك بالأدلة في فصل سابق، وقد اجتمعت له أغلب البلدان، إلا ما كان من بعض بلدان الشام، حتى إن مروان بن الحكم هم بمبايعته لولا تدارك بعض الموالين لبني أمية له، فبهذا الوقت قد مرضت الدولة الأموية وكاد أن يضمحل أمرها، وهو الوقت الذي سنحت فيه الفرصة لعبد الله بن الزبير -﵁- أن يعلن أمره بحيث أنه لم يكن له منازع، بل إنه لم ينازع إلا بعد أن استعاد عبد الملك العراق بعد سنة سبعين من الهجرة، فهو بذلك لم يكن خارجًا على إمام زمانه.
ويؤيد ذلك ما ذكره ابن كثير في كلامه عن عبد الله بن الزبير -﵁-: (ثمّ هو كان الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشدُ من مروان بن
_________________
(١) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٢٠.
[ ٤٢٣ ]
الحكم، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه، وقامت البيعة له في الآفاق وانتظم له الأمر واللّه أعلم) (^١).
فامتناع مروان بن الحكم عن بيعة عبد الله بن الزبير -﵁- وقيامه بأمر الشام جعل عبد الله بن عباس -﵁- يمتنع عن بيعتهما ومعه -﵁- محمد ابن الحنفية، ومات ابن عباس قبله، ولم يبايع له، وكذلك امتنع عبد الله بن عمر -﵁- ولم يبايع له، ولا لعبد الملك بن مروان إلا بعد قضاء الحجاج على عبد الله بن الزبير -﵁-.
فقد أخرج البخاري في صحيحة عن عبد الله بن دينارٍ (^٢)، قال: (شهدت ابن عمر حيث اجتمع النّاس على عبد الملك، قال: (كتب إنّي أقرّ بالسّمع، والطّاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنّة اللّه وسنّة رسوله ما استطعت، وإنّ بنيّ قد أقرّوا بمثل ذلك) (^٣).
الشبهة الثالثة: وهي أنه كان يعاب عليه بالبخل.
وهي من المواد التي لاقت رواجًا من بعض أهل الأخبار، فقد ألمح لها صاحب الكتاب في ذكره لرأس المختار حينما أوتي به إلى عبد الله بن الزبير -﵁- فقال لمن أتى به: خذ الرأس هدية لك، وقد ذكرنا أن هذا الخبر لم يصح منه شيء. ويؤيد ما ذكرناه القاضي عياض في شرحه للحديث السابق فقد قال: (وقوله فيه: «وصولًا للرحم»: أصح من قول من بخله ونسبه لذلك من أصحاب الأخبار، لإمساكه مال الله عمن لا يستحق، وقد عده صاحب كتاب الأجواد
_________________
(١) البداية ٨/ ٣٧٤.
(٢) عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، مولى عبد الله بن عمر، ثقة، من الرابعة، مات سنة ١٢٦ هـ. ابن حجر: التقريب ٣٠٢.
(٣) الصحيح ٩/ ٧٧.
[ ٤٢٤ ]
فيهم، وهو الذي يشبه أفعاله وشيمته) (^١).
وحكايته في كتاب الأجواد هي: (عن أم ذرة (^٢) وكانت تخدم عائشة -﵂-، قالت: إن ابن الزبير بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة وألف، فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس) (^٣).
ومن أمثلة ما ذكر في بخله: ما رواه البلاذري عن الواقدي قوله: (وأصابت النّاس مجاعة شديدة حتّى ذبح ابن الزّبير فرسًا له وقسم لحمه في أصحابه) (^٤).
وفي رواية أخرى عن الواقدي أيضًا أنه قال: (وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، ومُدُّ الذرة بعشرين درهمًا، وإن بيوت ابن الزّبير لمملوءة قمحًا وشعيرًا وذرة وتمرًا) (^٥).
وهذا في حديثه عن حصار الحجاج بن يوسف لعبد الله بن الزبير -﵁-، ونلحظ في هذا حجم التناقض بين الروايتين، فالأولى تثني على كرم ابن الزبير -﵁- وإيثاره، والأخرى تذم بخله، وكلها عن الواقدي وهو من قد ضعفه العلماء، فلم يسعه المدح حتى جاء بالذم، ومثل ذلك في كتب الأخبار كثير.
وروي عن ابن عباس -﵁- أنه كان يبخل ابن الزبير -﵁- ويقول قال رسول الله -ﷺ-: («ليس المسلم من شبع وجاره جائعٌ إلى جنبه» (^٦)، وهذا الأثر
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٧/ ٥٨٨.
(٢) أم ذرة المدنية، مولاة عائشة -﵂-، تابعية من الثالثة مقبولة. الفلوجي: المعجم الصغير ٢/ ٨٤٠.
(٣) التنوخي: المستجاد من فعلات الأجواد ١/ ٢. ابن سعد: الطبقات ٨/ ٦٧.
(٤) الأنساب ٧/ ١٢٠.
(٥) البلاذري: الأنساب ٧/ ١٢١.
(٦) ابن أبي الدنيا: مكارم الأخلاق ١/ ١٠٧ برقم ٣٤٧، المروزي: تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٩٣ برقم ٦٢٩، المنتخب: عبد بن حميد ١/ ٢٣١ برقم ٦٩٤. الطحاوي: شرح معاني الآثار ١/ ٢٨ برقم ١١٦، بلفظ: (يعاتب ابن الزبير -﵁- في البخل). الحاكم: المستدرك ٤/ ١٤٨ برقم ٧٣٠٧.
[ ٤٢٥ ]
جاء على روايات عدة من طريق عبد الله بن المساور (^١) وهي أن ابن عباس -﵁- يعاتب رجلًا في البخل (^٢)، وأنه يخبر (^٣) عبد الله بن الزبير -﵁-، وأنه يبخل (^٤) ابن الزبير -﵁-، وروى هذا الحديث مجردًا دون تعليق (^٥).
وقد ذكر هذا الحديث الألباني في السلسلة الصحيحة فقال: (رجاله ثقات غير ابن مساور فهو مجهول كما قال الذهبي في الميزان … وقال الحاكم: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي (^٦)، وقال الألباني: (نعم هو صحيح بما له من شواهد، فقد روي من حديث أنس وابن عباس وعائشة) (^٧).
فنجد أن الألباني صحح الحديث ولم يصحح الإسناد وعلته عبد الله بن المساور الذي جاء بالزيادات التي فيها عبد الله بن الزبير -﵁-.
ورُوِيَ عن ليث بن أبي سليمٍ (^٨) قال: كان ابن عباسٍ يكثر أن يعنف
ابن الزبير بالبخل، قال: فلقيه يومًا فعيّره، فقال له ابن الزبير: ما أكثر ما تعيرني
يا ابن عباسٍ؟ قال: إنّي إن أفعل، فإنّي سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إنّ المؤمن
_________________
(١) عبد الله بن مساور، مجهول. ابن حجر: لسان الميزان ٩/ ٣٤٦.
(٢) المروزي: البر والصلة ١٢٣ برقم ٢٣٩.
(٣) البخاري: الأدب المفرد ١/ ٥٢ برقم ١١٢، البيهقي: شعب الإيمان ٧/ ٤٥٤ برقم ٥٢٧٢.
(٤) الطبراني: المعجم الكبير ١٢/ ١٥٤ برقم ١٢٧٤١، البيهقي: شعب الإيمان ١٢/ ٨٧ برقم ٩٠٨٩.
(٥) ابن أبي شيبة: المصنف ٦/ ١٦٤ برقم ٣٠٣٥٩، وله في شعب الإيمان ١/ ٣٩، الدارمي: الزهد ٢/ ٥٠٧، أبو يعلى الموصلي: المسند ٥/ ٩٢ برقم ٢٦٩٩. تمام: الفوائد ٢/ ١٠٥ برقم ١٢٦٢، البيهقي: الآداب ١/ ٢٩ برقم ٧١. وله في شعب الإيمان ٥/ ٧٦.
(٦) ذكر في كتاب تلخيص مختصر الذهبي، ت: سعد آل حميد ٦/ ٢٧٠٥ أن تصحيح الإسناد الذي فيه عبد الله بن المساور جاء من توثيق ابن حبان له.
(٧) الألباني: السلسلة الصحيحة ١/ ٢٧٩.
(٨) الليث بن أبي سليم بن زنيم، صدوق اختلط جدًّا ولم يميز فترك، من السادسة. ابن حجر: التقريب ٤٦٤.
[ ٤٢٦ ]
لا يشبع وجاره وابن عمّه جائعٌ» (^١).
وهذا لم يصح إسناده؛ لأن ليثًا متروك.
فالحديث السابق عن النبي -ﷺ- صحيح ولكن إقحام عبد الله بن الزبير -﵁- فيه هو ما لم يرد بسند صحيح.
* * *
_________________
(١) ابن عساكر: دمشق ٢٨/ ٢١٨. الذهبي: تاريخ الإسلام ٥/ ٤٤٤.
[ ٤٢٧ ]