* ظهور أبي مسلم وأثره في الدعوة:
[٢٢٤]- (قالوا: وكان بدءُ أَمْرِ أبي مسلم أنه كان مملوكًا لعيسى، ومعقل، ابني إدريس، ابن عيسى العجليين (^١)، وكان مسكنهما بماه البصرة، مما يلى أصبهان.
وكان أبو مسلم وُلِدَ عندهما، فنشأ غلامًا، فَهِمًا، أديبًا، ذهنًا، فأحباه حتى نزل منهما منزلة الولد.
وكانا يتوليان بني هاشم، ويكاتبان الإمام محمد بن علي، فمكثا بذلك ما شاء الله.
ثم إن هشامًا عزل خالد بن عبد الله القسرى من العراق، وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي (^٢)، فكان يوسف بن عمر لا يدع أحدًا يعرف بموالاة بني هاشم، ومودة أهل بيت رسول الله إلا بعث إليه، فحبسه عنده بواسط.
فبلغه أمر عيسى، ومعقل ابني إدريس، فأشخصهما، وحبسهما بواسط فيمن حبس من الشيعة، وكانا أخرج معهما أبا مسلم فكان يخدمهما في الحبس.
وإن سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، ولاهز بن قرط (^٣)، وهم كانوا
_________________
(١) الصحيح أن اسمهما عيسى ويونس ابني معقل العجلي. الطبري: التاريخ ٧/ ١٩٨ لم أقف على ترجمة لهما.
(٢) يوسف بن عمر الثقفي، ولي لهشام بن عبد الملك اليمن سنة ست ومائة والعراق سنة عشرين ومائة، ولما تولى الوليد عزل وقتل. الذهبي: تاريخ الإسلام ٨/ ٣١٥.
(٣) وقيل: لاهز بن قريط أو: قريظ بن بن معدي بن رفاعة المرئي المروزي، أحد دعاة بني العباس، وفد على محمد بن علي في الحميمة، كان يعدل سليمان بن كثير بالقدر والمحل، قتله أبو مسلم؛ لأنه أعلم نصر بن يسار بمحاولة قتله، ويقال: قتله لأنه صهر سليمان بن كثير. السمعاني: الأنساب ٨/ ١٧٠. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٦٤/ ٣٤.
[ ٤٩٩ ]
الدعاة بخراسان قدموا للحج، وقدم معهم قحطبة بن شبيب (^١)، وكان ممن بايعهم، وشايعهم على أمرهم، فجعلوا طريقهم على مدينة واسط، ودخلوا الحبس، فلقوا من كان فيه من الشيعة، فرأوا أبا مسلم، فأعجبهم ما رأوا من هيأته، وفهمه، واستبصاره في حب بني هاشم.
ونزل هؤلاء النفر بعض الفنادق بواسط، فكان أبو مسلم يختلف إليهم طول مقامهم حتى أَنِسَ بهم، وأَنِسُوا به، فسألوه عن أمره. فقال: إن أمي كانت أَمَةً لعمير بن بطين العجلي (^٢)، فوقع عليها، فحملت بي، فباعها، وهي حامل، فاشتراها عيسى، ومعقل، ابنا إدريس، فولدت عندهما، فأنا كهيئة المملوك لهما.
ثم إن النفر شخصوا من واسط، وأخذوا نحو مكة على طريق البصرة، فوصلوا إلى مكة، وقد وافاها الإمام محمد بن علي حاجًّا، فلقوه، وسلموا عليه، وأخبروه بما غرسوا به في جميع خراسان من الغرس، ثم أخبروه بممرهم بواسط، ودخولهم على إخوانهم المحبوسين بها.
ووصفوا له صفة أبي مسلم، وما رأوا من ذكاء عقله وفهمه، وحسن بصره، وجودة ذهنه، وحسن منطقه. فسألهم: أحر هو أم مملوك؟.
فقالوا: أما هو، فيزعم أنه ابن عمير بن بطين العجلي (^٣)، وكانت قصته كيت وكيت، ثم فسروا له ما حكى لهم من أمره.
فقال: إن الولد تبع للأم، فإذا انصرفتم فاجعلوا ممركم بواسط، فاشتروه،
_________________
(١) قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان الطائي، أحد نقباء بني العباس ومن قوادهم، أصابته طعنة في وجهه فهلك بالفرات سنة ١٣٢ هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٤٩/ ٢٩٧.
(٢) لم أقف على ترجمة له.
(٣) لم أقف على ترجمة له.
[ ٥٠٠ ]
وابعثوا به إلى الحميمة من أرض الشام، لأجعله الرسول فيما بيني وبينكم، على أني أحسبكم لا تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم ابني هذا يعني إبراهيم فاستوصوا به خيرًا، فإني سأوصيه بكم خيرًا.
فانصرف القوم نحو خراسان، ومروا بواسط، ولقوا عيسى، ومعقل ابني إدريس، فأخبروهما بحاجة الإمام إلى أبي مسلم، وسألوهما بيعه منهم. فزعموا، أنهما وهباه لهم.
فوجه به القوم إلى الإمام، فلما رآه تفرس فيه الخير، ورجا أن يكون هو القيم بالأمر، لعلامات رآها فيه، قد كانت بلغته، فجعله الرسول فيما بينه وبينهم، فاختلف إليهم مرارًا كثيرة) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢) مطولًا، والطبري (^٣) مختصرًا.
• نقد النص:
أورد صاحب الكتاب في هذه الرواية خبر أبي مسلم وبداية انضمامه للدعوة العباسية، وقد أطال في هذا كما سيأتي، وقد أولاه عناية خاصة لم يسبق أن اعتنى بأحد في كتابه هذا كعنايته به، وذلك يدل على إعجاب به، ويضاف إلى شعوبيته.
أما عن الخبر في أصل أبي مسلم وبداية انضمامه للدعوة، فلم يكن واضحًا فقد اختلفت الروايات في ذلك ومما ورد في أصله:
- أن اسمه عبد الرحمن بن مسلم، من أهل ضياع بني معقل العجليين في أصفهان، وكان إدريس وعيسى ابنيّ معقل قد سجنا بالكوفة بسبب الخراج،
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٣٧، ٣٣٨.
(٢) الأنساب ٤/ ١١٨.
(٣) التاريخ ٧/ ١٩٨.
[ ٥٠١ ]
وكان أبو مسلم معهما للخدمة، وفي ذلك السجن عاصم بن يونس العجلي (^١) فمر به سليمان بن كثير وهو خارج بمن معه للكوفة فسمع أبو مسلم كلامهم فأعجبه ذلك وطلب الانضمام إليهم.
وقيل: إن أبا مسلم لبعض أهل هراة أو بوشنج فقدم مولاه على الإمام فأعجبه عقله فابتاعه منهم ومكث عنده سنين ثم وجهه إلى خراسان.
وقيل: كانت أُمَهُ أَمَةَ لبني معقل، وكان أبوه من أهل ضياعهم فأتى الكوفة معهم فابتيع للإمام، وذكر أن أباه من أهل بابل (^٢) أو خطرانية (^٣) وكيلًا للعجليين وكان اسمه زاذان بن بنداد هرمز وأُمْهُ وشيكة فقدم العراق مع عيسى بن معقل، فكان يخدمه في سجن الكوفة، فسمع ناسًا من الشيعة فمال إليهم، وزعم قوم أن اسمه إبراهيم واسم أبيه عثمان وأنه من ولد كسرى وأن الإمام كان يبعثه إلى خراسان (^٤).
[٢٢٥]- (ثم توفي الإمام محمد بن علي، فقام بالأمر بعده ابنه إبراهيم بن محمد، وكان أكبر ولده، فأمر أبا مسلم أن يسير إلى الدعاة بالعراق، وخراسان، فيعلمهم وفاة الإمام، وقيامه بالأمر من بعده.
فسار حتى وافى العراق، ولقي أبا سلمة، ومن كان معه من الشيعة، فأخبرهم بما أمره به.
_________________
(١) عاصم بن يونس، قيل: العجلي أو أنه مولى بني عجل، اختلف في سبب حبسه بالكوفة، فقيل: إنه بسبب دم، وقيل: إنه اتهم بالدعاء لبني العباس، وذلك سنة ١٢٤ هـ. أخبار الدولة العباسية ١٩٨، الطبري: التاريخ ٧/ ١٩٨.
(٢) بابل: هي مدينة العراق القديمة التي فيها حدائق بابل المعلقة، وقد اندثرت بابل وبقي آثارها اليوم. الحربي: معجم المعالم ٣٩.
(٣) خطرانية: لم أقف على تعريف لها.
(٤) البلاذري: الأنساب ٤/ ١١٩.
[ ٥٠٢ ]
ثم سار إلى خراسان ولقي الدعاة بها، فأخبرهم بذلك، وبلغ وفاة الإمام جميع من بايع في أقطار خراسان، فسودوا ثيابهم حزنًا لمصابه، وتسليًا عليه، وكان أول من سود منهم ثيابه حريش مولى خزاعة، وكان عظيم أهل نسا، ثم سودها من بعده قحطبة بن شبيب، ثم سود القوم جميعًا، وكثرت الشيعة بخراسان كلها، وعَلِنَ أمرهم) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢)، والطبري (^٣) مختصرًا.
• نقد النص:
كانت وفاة محمد بن علي سنة مئة وأربع وعشرين، ويقال: سنة خمس وعشرين، أما كتاب إبراهيم بن علي إلى خراسان فيذكر أنه أرسله مع بكير بن ماهان (^٤).
وقد انفرد صاحب الكتاب بذكر أن التسويد ظهر حزنًا على موت محمد بن علي.
وذكر الطبري أن أول من سوَّد هو أسيد بن عبد الله (^٥) ونادى: يا منصور أمت، وذلك بعد أن كتب أبو مسلم إلى الكور بإظهار الأمر، سنة تسع وعشرين ومائة (^٦). وكان هذا أول ظهور السواد.
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٣٩.
(٢) الأنساب ٤/ ١١٨، ١٢١.
(٣) التاريخ ٧/ ٢٢٧، ٢٩٤.
(٤) أخبار الدولة العباسية ٢٣٩، الطبري: التاريخ ٧/ ١٩٩، ٢٢٧، ٢٩٤.
(٥) أسيد بن عبد الله الخزاعي، أحد القادة الشجعان، من ذوي الرأي، كانت إقامته في نَسا، من مدن خراسان، صحب أبو مسلم وخدمه برأيه وسعيه، ثم كان أول من لبس السواد، (شعار بن العباس) وقد ولي خرسان. الزركلي: الأعلام ١/ ٣٣١.
(٦) التاريخ ٧/ ٣٦٩.
[ ٥٠٣ ]
أما عن أصل التسويد في الدعوة العباسية فقد ذكره ابن كثير، فقال: (إنّ بني العباس كان السواد من شعارهم، أخذوا ذلك من دخول رسول اللّه -ﷺ- مكّة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء، فأخذوا بذلك وجعلوه شعارهم في الأعياد والجمع والمحافل) (^١).
وقال الذهبي: (كان أبو مسلمٍ سفّاكًا للدّماء، يزيد على الحجّاج في ذلك، وهو أوّل من سنّ للدّولة لبس السّواد) (^٢).
[٢٢٦]- (وكتب يوسف بن عمر، وكان على العراقين، إلى هشام، يخبره بذلك، فكتب هشام إلى يوسف، يأمره أن يبعث إليه رجلًا، له علم بخراسان، ومعرفة بمن فيها من قوادها، وجنودها، وقد كان يوسف بن عمر عزل عنها الجنيد بن عبد الرحمن، واستعمل عليها جعفر بن حنظلة البهراني (^٣).
فكتب جعفر إلى يوسف بن عمر مع عبد الكريم بن سليط بن عطية الحنفي (^٤)، يخبره بتفاقم أمر المسودة بخراسان، وكثرة من أجاب الدعاة بها.
فلما أتاه كتاب هشام يأمره أن يوجه إليه رجلًا، له علم بخراسان، حمل عبد الكريم بن سليط إليه على البريد.
قال عبد الكريم: فسرت حتى وافيت دمشق، فدخلت على هشام،
_________________
(١) البداية والنهاية ١٠/ ٥٦.
(٢) السير ٦/ ٥١.
(٣) جعفر بن حنظلة بن هانئ، فارس بهراء، ولي خرسان في عهد هشام بن عبد الملك، بعد أسد بن عبد الله أربعة أشهر ثم جاء عهد نصر بن سيار سنة إحدى وعشرين، ثم كان له أخبار مع المنصور. ابن الكلبي: نسب معد واليمن ٢/ ٧٠٣. الطبري: التاريخ ٧/ ١٤١، ٤٩٢.
(٤) عبد الكريم بن سليط بن عقبة ويقال: ابن عطية، الهفَّاني الحنفي المروزي، وفد على هشام بن عبد الملك فبعث معه بعهد نصر بن سيار على خراسان. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٣٦/ ٤٣٧.
[ ٥٠٤ ]
فسلمت عليه بالخلافة. فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا عبد الكريم بن سليط بن عطية الحنفي. قال: كيف علمك بخراسان وأهلها؟ قلت: أنا بها جد عالم.
ثم أخبرته أن وجهي كان منها بكتاب أميرها جعفر بن حنظلة البهراني إلى يوسف بن عمر يخبره بما حدث فيها.
قال: إني أريد أن أُولي أمرها رجلًا من القواد، الذين هم مرتبون بها، فمن ترى أن أولي أمرها منهم، وأيهم أقوم بها؟.
قال عبد الكريم: وكان هواي في اليمانية فقلت: يا أمير المؤمنين، أين أنت من رجل من قوادها ذي حزم، وبأس، ومكيدة، وقوة، ومكانفة من قومه؟ قال: ومن هو؟ قلت: جديع بن علي الأزدي المعروف بالكرماني (^١)، قال: وكيف يسمى الكرماني؟ قلت: ولد بكرمان، كان أبوه مع المهلب عند محاربته الأزارقة، فولد هذا هناك، قال: لا حاجة لي في اليمانية وكان هشام يبغض اليمانية، وكذلك سائر بني أمية. قلت: يا أمير المؤمنين، فأين أنت من المجرب البطل النافذ اللسن؟ قال: ومن هو؟ قلت: يحيى بن نعيم (^٢)، المعروف بأبي الميلاء، وهو ابن أخي مصقلة بن هبيرة. قال: لا حاجة لي فيه؛ لأن ربيعة لا تسد بها الثغور.
فقلت: يا أمير المؤمنين، فعليك بالماجد اللبيب الأريب، الكامل
_________________
(١) جديع بن علي ويقال: ابن سعيد الكرماني، الأزدي، وسمي الكرماني؛ لأنه ولد بجيرفت من كرمان، اختلف مع نصر بسبب تقريبه تميم وتعصبه ضد ربيعة واليمن، فغضب عليه نصر فحبسه فهرب من محبسه، واجتمعت إليه اليمن وربيعة فحارب نصر، ثم قتله الحارث بن سريج المجاشعي، وصلبه نصر، وهذا الاختلاف والعصبية مما زاد قوة أبي مسلم الخراساني. البلاذري: الأنساب ٤/ ١٢٩.
(٢) يحيى بن نعيم الشيباني، ابن أخي مصقلة بن هبيرة الشيباني، تولى آمل من قبل أسد بن عبد الله، فقتل وصلب خداش صاحب الدعوة العباسية الذي أظهر دين الخُرَّمية، وكان مع الكرماني في حروبه مع نصر بن سيار. الطبري: التاريخ ٧/ ١٠٥، ٣٣٥. ابن عساكر: تاريخ دمشق ١٠/ ٣٨٩.
[ ٥٠٥ ]
الحسيب، عقيل بن معقل الليثي (^١). قال، فكأنه هويه. فقلت: إن اغتفرت منه هنة فيه. قال: وما هي؟ قلت: ليس بعفيف البطن والفرج. قال: لا حاجة لي فيه.
قلت: فالكامل النافذ، الفارس المجرب، محسن بن مزاحم السلمي. قال، فكأنه هويه، للمضرية. قلت: ان اغتفرت هنة فيه. قال: وما هي؟ قلت: أكذب، ذي لهجة. قال: لا حاجة لي فيه.
قلت: فذو الطاعة لكم، المتمسك بعهدكم، المقتدي بقدوتكم، يحيى بن الحصين بن المنذر بن الحارث بن وعلة (^٢). قال: ألم أخبرك أن ربيع لا تسد بها الثغور؟.
قلت: فالكامل النافذ الشجاع البطل، قطن بن قتيبة بن مسلم (^٣). قال: فمال إليه للمضرية. قلت: إن اغتفرت منه هنة. قال: وما هي؟ قلت: لا آمنه إن أفضى إليه السلطان أن يطلب جنود خراسان بدم أبيه قتيبة، فإنهم جميعًا تظافروا عليه. قال: لا حاجة لي فيه. قلت: فأين أنت من العفيف المجرب، الباسل المحنك، نصر بن سيار الليثى (^٤)؟ قال: فكأنه تفاءل به، ومال إليه،
_________________
(١) عقيل بن معقل الليثي، كان عاملًا على بلخ من قبل نصر بن سيار، فكتب إليه أن يأخذ الحريش الذي كان يخفي يحيى بن زيد عنده، فأخذ الحريش وجلده فأبى أن يخبره، ثم جاء قريش بن الحريش فأخبره بشرط ألَّا يقتُلَ أباه، فقبض عليه وأرسله إلى نصر. البلاذري: الأنساب ٣/ ٢٦١. الطبري: ٧/ ٢٢٨.
(٢) يحيى بن الحصين بن المنذر بن الحارث، أبوه الحضين صاحب راية ربيعة مع علي -﵁-، وأما يحيى فكان أثيرًا عند بني أمية، قتله أبو مسلم مع المضرية. ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ٣١٧.
(٣) قطن بن قتيبة بن مسلم، لم أقف على ترجمته له.
(٤) نصر بن سيار المروزي، أبو الليث، الأمير تولى خراسان، وقد خرج عليه أبو مسلم ولم يستطعه، فاستنجد بمروان ولم ينجده لاشتغاله باختلال الجزيرة وأذربيجان، فتقهقر أمام أبي مسلم، وقد مرض بالري فحمل إلى ساوة ومات بها في ربيع الأول سنة ١٣١ هـ. الذهبي: تاريخ الإسلام ٨/ ٥٥٢.
[ ٥٠٦ ]
للمضرية. قلت: إن اغتفرت منه خصلة. قال: وما هي؟ قلت: ليست له بخراسان عشيرة من جنودها، وإنما يقوى على ولاية خراسان من كانت له بها عشيرة من جنودها. قال: فأي عشيرة أكثر مني، لا أبا لك، يا غلام؟ انطلق إلى الكتاب، فمرهم بإنشاء عهده، وائتوني به.
فكتب له عهده، وأتى به، فناولنيه، وقال: انطلق حتى توصله إليه. ثم أمر أن أحمل على البريد. فسرت حتى وافيت خراسان، فأتيته في منزله، فناولته العهد، فأمر لي بعشرة آلاف درهم. ثم تناول العهد، فانطلق إلى جعفر بن حنظلة، الأمير كان بها، فدخل عليه، وهو جالس على سريره، فناوله العهد. فلما قرأه أخذ بيد نصر، فرفعه حتى أجلسه معه على سريره، وقال: سمعًا وطاعة لأمير المؤمنين، فقال له نصر: أبا خلف، السلطان سلطانك، فمر بأمرك، ودعا له جعفر بن حنظلة، وسلم الأمر إليه) (^١).
ذكر نحوًا منها البلاذري (^٢) والطبري (^٣) مطولًا، وكلها من طريق المدائني عن بعض شيوخه.
• نقد النص:
انفرد صاحب الكتاب في ذكر أن سبب تولية نصر بن سيار هو ظهور المسودة في خراسان.
وهذه الرواية لا تصح عن هشام بن عبد الملك لأنها من طريق المدائني وفي سندها مجاهيل وهي تصف الطريقة التي تولى فيها نصر بن سيار على خراسان من قبل هشام، وفي متنها نكارة حيث ذكر فيها تصنيف الرجال من حيث قبائلهم
_________________
(١) الأخبار الطوال من صفحة ٣٣٩ إلى صفحة ٣٤٣.
(٢) الأنساب ٩/ ١١٩.
(٣) التاريخ ٧/ ١٥٤.
[ ٥٠٧ ]
وبهتهم، وفيه إساءة لبعض القبائل من قبل هشام وأنه رغب بالمضرية على اليمنية، وهي لا تحاكي دهاء هشام وقدرته على سياسة الدولة، فهو بذلك عاجز عن اختيار رجل من دولته يصلح لولاية خراسان.
ثم أورد كلمة انفرد بها ويبدو أنها من تعليقه وهي قوله: (وكان هشام يبغض اليمانية، وكذلك سائر بني أمية) وهذا التعليق يختصر سبب إيراده مثل هذه الرواية.
وقد أورد الطبري رواية أخرى يمكن أن نستأنس بها، وهي أن يوسف بن عمر أمير العراق كتب إلى هشام يستشيره بمن يولي خراسان، وذكر له أسماء رجال قد رشحهم لها ومن بين تلك الأسماء نصر بن سيار وكان في آخر الكتاب وأكثر من ذكر أسماء القيسية له، ثم علل بعدم ذكر نصر في أول الكتاب بأنه ليس له عشيرة بخراسان، ففهم هشام بأن ذلك منه ترشيح للقيسية، فأمر بتولية نصر بن يسار وكتب له كتابا منه قوله: (فلم يقل من عشيرته أمير المؤمنين) (^١)، فكأن الأمر أصلًا يشار به إلى نصر بن يسار وأراد يوسف بن عمر أن ينحِّيه عنها.
* تولية أبي مسلم أمر خراسان:
[٢٢٧]- (وإن سليمان بن كثير، ولاهز بن قرط، ومالك بن الهيثم، وقحطبة بن شبيب أرادوا الحج، فخرجوا مع الحاج متنكرين حتى أتوا مكة، وقد وافاها في ذلك العام إبراهيم بن محمد الإمام، فأخبروه بما اجتمع له الناس بخراسان. وقد كانوا حملوا إليه ما بعثت به إليه الشيعة. فقالوا: قد حملنا إليك مالًا. قال: وكم هو؟ قالوا: عشرة آلاف دينار، ومائتا ألف درهم. فقال: سلموه
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٧/ ١٦٥
[ ٥٠٨ ]
إلى مولاي عروة، فدفعوه إليه.
فقال لهم إبراهيم: إني قد رأيت أن أولي الأمر هناك أبا مسلم، لما جربت من عقله، وبلوت من أمانته، وأنا موجهه معكم، فاسمعوا له، وأطيعوا أمره، فإن والدي رحمة الله عليه قد كان وصف لنا صفته، وقد رجوت أن يكون هو الذي يسوق إلينا الملك، فعاونوه، وكانفوه، وانتهوا إلى رأيه، وأمره.
قالوا: سمعًا وطاعة لك أيها الإمام.
فانصرفوا، وأبو مسلم معهم، حتى صاروا إلى خراسان. فتشمر أبو مسلم للدعاء، وأخذ القوم بالبيعة، ووجه كل رجل من أصحابه إلى ناحية من خراسان، فكانوا يدورون بها كورة كورة، وبلدًا بلدًا، في زي التجار.
فاتبعه عالم من الناس عظيم، فواعدهم لظهوره يومًا سماه لهم، وولى على من بايعه في كل كورة رجلًا من أهلها، وتقدم إليهم بالاستعداد للخروج من ذلك اليوم الذي سماه لهم حتى أجاب جميع أرض خراسان، سهلها وجبلها، وأقصاها وأدناها.
وبلغ في ذلك ما لم يبلغه أصحابه من قبله، واستتب له الأمر على محبته، وصار من أعظم الناس منزلًا عند شيعته، حتى كانوا يتحالفون به، فلا يحنثون، ويذكرونه، فلا يملون) (^١).
ذكر نحوًا منها البلاذري (^٢) مطولًا، والطبري (^٣) مختصرًا.
• نقد النص:
زاد عند صاحب الكتاب قول إبراهيم بن محمد أن أباه أوصاه بأبي مسلم
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٤٢، ٣٤٣.
(٢) الأنساب ٤/ ١١٩.
(٣) التاريخ ٧/ ٣٢٩.
[ ٥٠٩ ]
وقوله: (قد رجوت أن يكون هو الذي يسوق إلينا الملك)، وعن سؤاله لهم كم مقدار المال الذي معهم، وهذا منه تمجيد له ومبالغة في أثره.
ثم أورد بعض المخالفات العقدية التي كانت تصاحب الدعاة، وهي قوله: (حتى كانوا يتحالفون به، فلا يحنثون، ويذكرونه، فلا يملون).
وأما عن ذكره تولية أبي مسلم في هذا اللقاء، فقد انفرد بذلك، وقد رُويَ ما يخالفه، وهو أن إبراهيم ولّى عليهم أبا سلمة، وذلك سنة سبع وعشرين ومائة (^١).
ثم قدموا على إبراهيم مرة أخرى، وطلبوا منه تولية رجل يتولى أمرهم في خراسان، فاستخار ووجه أبا مسلم (^٢).
وذكر الطبري (^٣) أن أبا مسلم كان يختلف إلى خراسان، حتى ظهور العصبية واضطراب الناس، فكتب سليمان بن كثير كتابًا إلى أبي سلمة الخلال يسأله أن يكتب إلى إبراهيم بن محمد أن يوجه رجلًا من أهل بيته، فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم، فوجه لهم أبا مسلم.
* * *
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٧/ ٣٢٩.
(٢) البلاذري: الأنساب ٤/ ١١٩، أخبار الدولة العباسية ٢٥٦.
(٣) التاريخ ٧/ ٣٥٣.
[ ٥١٠ ]