[٢٤٩]- (وحان الوقت الذي واعد فيه أبو مسلم مستجيبيه، فخرجوا جميعًا في يوم واحد من جميع كور خراسان حتى وافوه، وقد سودوا ثيابهم، تسليًا على إبراهيم بن محمد بن علي بن عباس الذي قتله مروان، فكان أول من ورد عليه من القواد، وقد لبس السواد، أسيد بن عبد الله، ومقاتل بن حكيم، ومحقن بن غزوان، والحريش مولى خزاعة، وتنادوا: محمد، يا منصور، يعنون محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو أول من قام بالأمر، وبث دعاته في الآفاق) (^١).
ذكر نحوًا منها: الطبري (^٢) مطولًا.
• نقد النص:
نرى صاحب الكتاب في هذا الخبر يعلن قيام الدعوة العباسية، وقد سبق أن أشرنا إلى زمن قيامها، وأنها قبل هذه الأحداث، ثم إنه ينسب الأمر بقيامها لأبي مسلم، ويذكر أنها بعد وفاة الإمام إبراهيم، وأن التسويد كان حزنًا على وفاة إبراهيم، وقد أخطأ في هذا كله، وخالف غيره.
فالذي أمر بإظهار الدعوة هو إبراهيم بن محمد، فقد ذكر ذلك الطبري في أحداث سنة تسع وعشرين ومائة فقال: (وفي هذه السنة (^٣) أمر إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أبا مسلم، وقد شخص من خراسان يريده حتى بلغ قومس بالانصراف إلى شيعته بخراسان، وأمرهم بإظهار الدعوة والتسويد) (^٤).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٦٠، ٣٦١.
(٢) الطبري: التاريخ ٧/ ٣٥٣.
(٣) أي في سنة تسع وعشرين ومائة. وذكر خليفة بن خياط في التاريخ ٣٨٧ أنه في هذه السنة أيضًا.
(٤) التاريخ ٧/ ٣٥٣.
[ ٥٦٩ ]
ويتضح في هذه الرواية أن الذي أذن بإظهار الدعوة هو إبراهيم بن محمد، وذلك قبل سجنه من قبل مروان، وأن السواد كان علامة الظهور فقط، وقد سبق لصاحب الكتاب أن ذكر السواد عند موت محمد بن علي، ولعله يريد أن يجعل السواد للحزن، وهذا هو ما يذهب إليه الشيعة، وقد سبق الحديث عن السواد وسببه.
وأمر إظهار الدعوة في غاية الخطورة، ولا يمكن لأبي مسلم أن يفعله دون أن يكون أمرًا من صاحب الدعوة إبراهيم بن محمد، وهو الذي ولّاه، والذي يظهر أن صاحب الكتاب يريد أن يجعل الأمر كله لأبي مسلم.
* دخول الناس في الدعوة:
[٢٥٠]- (وانجفل الناس على أبي مسلم من هراة، وبوشنج، ومرو الروذ، والطالقان، ومرو، ونسا، وأبيورد، وطوس، ونيسابور، وسرخس (^١)، وبلخ، والصغانيان، والطخارستان، وختلان، وكش، ونسف، فتوافوا جميعًا مسودي الثياب، وقد سودوا أيضًا أنصاف الخشب التي كانت معهم، وسموها كافر كوبات) (^٢).
ذكر الطبري (^٣) نحوًا منها مطولًا.
• نقد النص:
ذكر في هذا لرواية أنهم سودوا أنصاف الخشب ولعله وصف للرايات التي يحملونا، وقد سموها (كفر كوبات)، وهي في الأصل (كافر كوباد) وتعني
_________________
(١) سرخس: مدينة بين نسابور ومرو. الحميري: الروض المعطار ٣١٦.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦١.
(٣) التاريخ ٧/ ٣٥٦.
[ ٥٧٠ ]
مضرب الكفار (^١)، فهذه الكلمة ظاهرها أنها فارسية غير عربية، وهو يشير إلى أن أغلب المشاركين في جيش الدعوة من غير العرب، وأنها تضرب كل كافر.
وقد انفرد في ذلك صاحب الكتاب، وقد جاء عند الطبري وصف للراية: (اعتقدوا اللواء الذي بعث به الإمام إليه الذي يدعى الظل، على رمح طوله أربعة عشر ذراعًا، وعقد الراية التي بعث بها الإمام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاث عشرة ذراعًا، وهو يتلو: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (^٢) (^٣).
[٢٥١]- (وأقبلوا فرسانًا، وحمارة، ورجالة، يسوقون حميرهم ويزجرونها، هر مروان، يسمونها مروان، ترغيمًا لمروان بن محمد، وكانوا زهاء مئة ألف رجل (^٤) (^٥).
ذكر نحوًا منها: الرازي (^٦).
• نقد النص:
في هذا الرواية ذكر مروان وأن الجند يسوقون الحمير باسم مروان،
ولعل هذا يكون سببًا من أسباب تلقيب مروان الحمار، وأن هذا اللقب خرج من قبل أصحاب الدعوة والهدف منه احتقار مروان، والحط من قدره عند الجند.
ومما يؤيد هذا ما ذكره السمعاني فقال: (وجماعة نسبوا إلى رأي
_________________
(١) الأخبار الطوال، تحقيق عمر فاروق الطباع ٣٣١.
(٢) سورة الحج آية ٣٩.
(٣) الطبري: التاريخ ٧/ ٣٥٦.
(٤) ذكر خليفة بن خياط: التاريخ ٣٩٠ أنهم عشرة آلاف.
(٥) الأخبار الطوال ٢٦١.
(٦) نثر الدر في المحاضرات ٣/ ٥٢.
[ ٥٧١ ]
الجعد بن درهم (^١) مولى سويد بن غفلة وقع إلى الجزيرة وأخذ برأيه جماعة، وكان الوالي بها إذ ذاك مروان بن محمد فلما جاءت الخراسانية نسبوه إليه شنعة عليه كما قالوا له: مروان الحمار، وهو مشهور بمروان الفرس) (^٢).
وقد رويت أسباب أخرى لتسميته مروان بالحمار، منها: أنهم كانوا يسمونه بالحمار لقولهم فلان أصبر من حمار في الحروب؛ لأنه لا يخف له لبد في محاربة الخارجين عليه، وقيل: إنه سمي بالحمار؛ لأن العرب تسمي كل رأس سنة حمارًا، ولما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار (^٣).
وكل هذه التأويلات ليس لها مسوغ، فقد وجد من هو أصبر منه على الحروب ولم يلقب بذلك، ومضت سنون وجاء على رأسها حكام من العرب لم يلقب أحد منهم بذلك.
وهنا وقفة وتساؤل؟ هل يصح تلقيب مروان بالحمار؟ وهل له علاقة بالجعد بن درهم؟ وهل هو من جلب الشقاء والزوال على دولة بني أمية؟.
للإجابة على ذلك نأتي على سيرته وأعماله:
* مروان بن محمد وأعماله:
- تولى مروان بن محمد سنة ١١٤ هـ أرمينية والجزيرة وأذربيجان من قبل هشام بن عبد الملك (^٤).
_________________
(١) الجعد بن درهم، هو أول من ابتدع القول بأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، وهذا لا يجوز على الله، كان زنديقًا، قتله خالد بن عبد الله القسري وقال: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، إنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم الله موسى تكليمًا ثم نزل وذبحه، في حدود سنة عشرين ومائة. الذهبي: السير ٥/ ٤٣٣. الصفدي: الوافي بالوفيات ١١/ ٦٧.
(٢) الأنساب ٣/ ٢٨٧.
(٣) الذهبي: تاريخ الإسلام ٨/ ٥٣٤.
(٤) خليفة بن خياط: التاريخ ٣٤٥.
[ ٥٧٢ ]
- بعث مروان بن محمد في سنة ١١٧ هـ وهو على أرمينية بعثين، فافتتح أحدهما حصونًا ثلاثة من اللان، ونزل الآخر تومانشاه فنزل أهلها على الصلح (^١).
- غزا مروان بن محمد في سنة ١٢٠ هـ أرض الترك (^٢).
- ثم غزا مروان بن محمد سنة ١٢١ هـ بلاد صاحب سرير الذهب، فافتتح بلاده وخرب أرضه، وفرض الجزية عليه (^٣).
هذا جهاده وهذه سيرته أثناء إمارته، فكيف بخلافته.
وأما علاقته بالجعد بن درهم وذلك بتسميته (مروان الجعدي) نسبة إلى الجعد بن درهم؛ لأنه مؤدبه.
فمن المصادر المتقدمة التي ذكرت هذا الخبر:
- البلاذري (^٤) ولم يسند الخبر.
- ابن عساكر (^٥) من طريق أبي معشر (^٦).
- ابن الفقيه (^٧) ولم يسند الخبر.
- ابن النديم (^٨) في الفهرست.
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٧/ ١٩٩.
(٢) الطبري: التاريخ ٧/ ١٣٩.
(٣) المصدر السابق ٧/ ١٦٠.
(٤) الأنساب ٨/ ٣٧٩.
(٥) تاريخ دمشق ٥٧/ ٣٢٨.
(٦) نجيح بن عبد الرحمن السندي، المدني، أبو معشر، ضعيف من السادسة، أسن واختلط، مات سنة ١٧٠ هـ. ابن حجر: التقريب ٥٥٩.
(٧) البلدان ٣٣٦.
(٨) الفهرست ٤١٠، وقد سبقت ترجمة ابن النديم ص ١٨ وهو غير موثوق.
[ ٥٧٣ ]
وبعد عرض هذه المصادر التي نسبت مروان بن محمد إلى الجعد بن درهم لم أقف على من ذكر ذلك بسند يمكن الاعتماد عليه، ولذلك لا يستغرب أن هذا اللقب تشنيعًا عليه.
وبما أن هذه النسبة مشهورة وهي تمس عقيدة الخليفة مروان، وقد تناقلها بعض العلماء؛ بل إن منهم من جعل تبعيته المزعومة للجعد سببًا لذهاب دولته، وذلك لكثرة الفتن والشرور، وقد سبق معنا أن الفتن قامت بمقتل الوليد بن يزيد وليست وليدة خلافته.
لذلك نريد أن نقف على حدث مقتل الجعد بن درهم ومن قتله وأين مكان دعوته؟.
أعلن الجعد بن درهم دعوته في العراق، فقتله خالد القسري وكان أميرًا عليها، وكان ذلك في حدود سنة ١٢٠ هـ (^١).
وفي أثناء هذا الحدث كان مروان بن محمد أميرًا على الجزيرة وأرمينية، فهنا وقفة وتساؤل؟ إذا كان مروان بن محمد على رأي الجعد فلماذا لم يعلن الجعد دعوته في إمارة مروان بن محمد؟ حتى على الأقل يحظى بحماية من الأذى في نشر فكره.
والجواب على ذلك أنه لم يفعل، فلذلك لا يقع الاتهام.
وهذا اتهام خطير لا يصح التلفظ به؛ لأنه يصوب الى خليفة من خلفاء المسلمين جاهد في الله حق جهاده، فقاتل الروم والخوارج والقادرية وحمى ثغور المسلمين، ثم يتهم في عقيدته، بلا شك إن ذلك لا يمكن تصوره.
ولا يقل التشنيع عليه بنبزه بالحمار عن اتهامه بعقيدته، وهذا لا نقبل
_________________
(١) الصفدي: الوفيات ١١/ ٦٧.
[ ٥٧٤ ]
أن ينبز به أحدًا من المسلمين فكيف بخليفة من خلفاء المسلمين، والله المستعان.
[٢٥٢]- (فلما بلغ نصر بن سيار ظهور أبي مسلم سقط في يديه، وخاف على نفسه، ولم يأمن أن ينحاز الكرماني في اليمانية، والربعية إليهم، فيكون في ذلك اصطلامه (^١)، فأراد أن يستعطف من كان مع الكرماني من ربيعة.
فكتب إليهم، وكانوا جميعًا بمرو:
أبلغ ربيعة في مرو وإخوتها (^٢) … أن يغضبوا قبل ألا ينفع الغضب
ما بالكم تلحقون الحرب بينكم … كأن أهل الحجا عن فعلكم غيب
وتتركون عدوًّا قد أظلكم … ممن تأشب، لا دين ولا حسب
ليسوا إلى عرب منا، فنعرفهم … ولا صميم الموالي، إن هم نسبوا
قوما يدينون دينًا ما سمعت … عن الرسول، ولا جاءت به الكتب
فمن يكن سائلي عن أصل دينهم … فإن دينهم أن تقتل العرب (^٣)
فلم تحفل ربيعة بهذه الأبيات) (^٤).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٥)، والطبري (^٦) مختصرًا.
وذكر المرزباني (^٧) هذه الأبيات ونسبها لنصر بن سيار.
_________________
(١) الاصطلام معناه: الاستئصال، يقال: اصطلم القوم: إذا أبيدوا. الحميري: شمس العلوم ٦/ ٣٨١٦.
(٢) ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥/ ٢٢١، المرزباني: معجم الشعراء ٣٦٧.
(٣) ابن الأثير في الكامل ٤/ ٣٦٧.
(٤) الأخبار الطوال ٢٦١، ٢٦٢.
(٥) الأنساب ٤/ ١٣٢.
(٦) التاريخ ٧/ ٣٦٣.
(٧) معجم الشعراء ٣٦٧.
[ ٥٧٥ ]
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن نصر بن سيار خاف من انضمام الكرماني ومن معه من ربيعة إلى أبي مسلم الخراساني، فكتب هذه القصيدة وخص بها ربيعة، وهذا لا يصح؛ لأنه قد ورد ما يخالفه، ومن ذلك ما أورده البلاذري من قول نصر في البيت الأول:
أبلغ ربيعة فِي مروٍ وذا يمن … أَنْ اغضبوا قبل ألَّا ينفع الغضب
وهذا النداء واضح بأنه للعرب كافة وليس لربيعة وحدهم.
وقد ذكر ابن الأثير (^١) مناسبة هذه القصيدة في أحداث سنة تسع وعشرين ومائة، أن نصرًا أراد أن يجمع كلمة العرب على أبي مسلم، فكتب هذه الأبيات السابقة.
فالقتال في خراسان كان قائمًا بين العرب كلهم وهم متفرقون بين نصر بن سيار والكرماني والحارث بن سريج وشيبان الحروري (^٢).
وهذه القصيدة تعتبر من الشواهد على حال القائمين على الدعوة العباسية في خراسان، وما صاحبهم من الخرافات الدينية والقومية.
[٢٥٣]- (وبلغ أبا العباس الإمام، وهو مستخف بالكوفة أن أبا مسلم لو أراد أن يصطلم عسكر نصر والكرماني لفعل، غير أنه يدافع الحرب، فكتب إليه يؤنبه في ذلك) (^٣).
_________________
(١) الكامل ٤/ ٣٦٧.
(٢) شيبان بن سلمة السدوسي الحروري، أحد قادة الحرورية، ثار على نصر بن سيار، وحاصره، ولما ظهرت الدعوة العباسية دعاه أبو مسلم لبيعته، فطلب هو من أبي مسلم أن يبايعه، فأرسل له أبو مسلم جيشًا لمحاربته، فقتل شيبان في هذه المواجهات. الزركلي: الأعلام ٣/ ١٨٠.
(٣) الأخبار الطوال ٣٦٢.
[ ٥٧٦ ]
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
في هذه الرواية دفاع واضح من صاحب الكتاب عن أبي مسلم، أنه يدفع الحرب، وهو قادر عليها، وأن أبا العباس هو الذي حمله على ذلك، وقد سبق الحديث عن أبي مسلم وتعطشه لسفك دماء العرب.
* مقتل الكرماني:
[٢٥٤]- (وكان أبو مسلم يحب أن يستميل أحد الرجلين، ليفصم به شوكة الآخر، فأرسل إلى الكرماني، يسأله أن ينضم إليه، لينتقم له من نصر بن سيار، فعزم على المسير إليه، وأقبل أبو مسلم في عساكره إلى أرض مرو، فعسكر على ستة فراسخ من المدينة.
وخرج إليه الكرماني ليلًا في نفر من قومه، فاستأمن لجميع أصحابه، فأمنهم أبو مسلم، وأكرم الكرماني، فأقام معه، وشق ذلك على نصر بن سيار، وأيقن بالهلكة.
فكتب إلى الكرماني يسأله الرجوع إليه، على أن يعتزلا، ويوليا الأمر رجلًا من ربيعة، يرضيانه، وهو الأمر الذي كان سأله إياه.
فأصغى الكرماني إلى ذلك، وتحمل ليلًا من معسكر أبي مسلم، حتى انصرف إلى معسكره، واسترسل الكرماني إلى نصر، فلما أصاب منه غرة دسَّ عليه من قتله.
ويقال: بل وجه إليه نصر رجلًا من قواده في ثلاث مائة فارس، فكمنوا له ليلًا عند منصرفه من معسكر أبي مسلم، فلما حاذاهم، وهو غافل عنهم، حملوا عليه، فقتلوه.
[ ٥٧٧ ]
وبلغ ذلك أبا مسلم فقال: لا يبعد الله غيره، لو صبر معنا لقمنا معه، ونصرناه على عدوه) (^١).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٢) والبلاذري (^٣) مختصرًا، والطبري (^٤) مطولًا.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية مقتل الكرماني، وظهر أبو مسلم فيها مظهر المشفق على الكرماني من نصر، وقد زاد هذا الموقف عند صاحب الكتاب وانفرد به عن غيره، وقد اختلف في مقتل الكرماني ومن قتله على النحو التالي:
- روي أن الكرماني ونصرًا تصالحوا وجرى السفراء بينهم، فما لبثوا أن حمل الحارث بن سريج على الكرماني وقتله (^٥).
- وقيل: إن أبا مسلم صالح الكرماني، فساء ذلك نصر، وأراد أن يفرق بينهما، فكاتب الكرماني ومناه بالصلح ثم أصاب منه غرة، فأرسل إليه ابن الحارث بن سريج ومعه ثلاثمائة فقاتله فقتله، ثم صلبه، ثم قام بالأمر عنه ابنه علي بن جديع الكرماني فصالح أبا مسلم (^٦).
وهذا ما يوافق رواية صاحب الكتاب الثانية.
وكان ذلك في سنة تسع وعشرين ومائة (^٧).
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٦٢.
(٢) التاريخ ٣٨٨.
(٣) الأنساب ٣/ ١٢٩.
(٤) التاريخ ٧/ ٣٧٠.
(٥) خليفة بن خياط: التاريخ ٣٨٨.
(٦) الطبري: التاريخ ٧/ ٣٧٠.
(٧) الطبري: التاريخ ٧/ ٣٦٧.
[ ٥٧٨ ]
وكلها تشير على أن من دبّر قتله هو نصر، والاختلاف فيمن باشر ذلك هل هو الحارث بن سريج أو ابنه، وقد ذكر أن الحارث بن سريج قد خالف نصرًا، واجتمعت إليه بنو تميم، فقاتل الكرماني فقتله الكرماني سنة ثمان وعشرين ومائة (^١).
ولعل الأقرب والله أعلم أن من قتل الكرماني هو ابن الحارث بن سريج؛ لأن الحارث قد قتل قبل ذلك، والذي دفع نصرًا إلى إرسال ابن الحارث إلى الكرماني ليأخذه بدم أبيه.
وقد جاء عند البلاذري ما يؤيد ذلك: (ويقال: إن الحارث قاتل جديعًا فقتله جديع، ثمّ وثبت تميم وفيهم حاتم بن الحارث بن سريج فقتلوا جديعًا والله أعلم) (^٢).
ثم إن أبا مسلم لا يريد تقريب الكرماني ليعينه على عدوه نصر، ولكن يريد أن يتقوى بأحدهما على الآخر ليقضي عليهم جميعًا، كما حصل فقد قرب ابن الكرماني حتى انتهى من نصر ثم قضى عليه (^٣).
[٢٥٥]- (وقال نصر في ظفره بالكرماني:
لعمري، لقد كانت ربيعة ظافرت … عدوي بغدر حين خابت جدودها
وقد غمزوا مني قناة صليبة … شديدًا على من رامها الكسر عودها
وكنت لها حصنًا، وكهفًا، وجنةً … يؤول إلي، كهلها، ووليدها
فمالوا إلى السوءات، ثم … وهل يفعل السوءات إلا مريدها؟
_________________
(١) خليفة بن خياط: التاريخ ٣٨٣.
(٢) الأنساب ٤/ ١٢٩.
(٣) البلاذري: الأنساب ٩/ ٢٨١.
[ ٥٧٩ ]
فأوردت كرمانيها الموت … كذاك منايا الناس يدنو بعيدها) (^١)
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذه الأبيات.
* نهاية ابن الكرماني ونصر بن سيار:
[٢٥٦]- (قالوا: ولما قتل الكرماني مضى ابنه عليّ مِنْ خَنْدَقِهِ إلى أبي مسلم، فسأله أن يطلب له بثأر أبيه.
فأمر قحطبة بن شبيب أن يستعد، ويسير حتى ينيخ على نصر في خندقه، فينابذه الحرب، أو ينيب إلى الطاعة.
فسار قحطبة، فبدأ بالمدينة، فدخلها، واستولى عليها، وأرسل إلى نصر يؤذنه بالحرب. فكتب نصر إلى أبي مسلم، يسأله الأمان، على أن يدخل معه في أمره، فأجابه إلى ذلك، وأمر قحطبة أن يمسك عنه.
فلما أصاب نصر من قحطبة غفلة تحمل في حشمه وولده، وحاشيته ليلًا، فخرج من معسكره من غير أن يعلم أصحابه، وسار نحو العراق، وجعل طريقه على جرجان، فأقام بها، فمرض فيها، فسار منها إلى ساوه، فأقام بها أيامًا ثم توفي بها. فاستأمن جميع أصحابه وأصحاب الكرماني إلى أبي مسلم إلا أناسًا كرهوا أمر أبي مسلم، فساروا من مدينة مرو هرابًا، حتى أتوا طوس، فأقاموا بها) (^٢).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٣)، والبلاذري (^٤)، والطبري (^٥) مطولًا.
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٦٣.
(٢) الأخبار الطوال ٣٦٣.
(٣) التاريخ ٣٩٠.
(٤) الأنساب ٤/ ١٣٠.
(٥) التاريخ ٧/ ٣٧٧.
[ ٥٨٠ ]
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكر المصالحة بين علي بن جديع الكرماني وأبي مسلم، وأن سببه الطلب بثأر أبيه من نصر، وأن أبا مسلم قَبِل ذلك وأعانه على نصر، وقد انفرد صاحب الكتاب بهذا، ثم أتى على نهاية نصر.
أما عن علي بن جديع ومصالحته نصر فيذكر في ذلك سببًا آخر، وهو أن ابن الكرماني صالح نصرًا على حرب أبي مسلم، فلما علم أبو مسلم بذلك، أرسل إلى ابن الكرماني وذكره بقتل أبيه من قبل نصر، فرجع الكرماني عن رأيه وانتقض الصلح، فلما علم نصر بميل ابن الكرماني إلى أبي مسلم بعث إلى أبي مسلم بطلب الدخول معه، وبعث الكرماني ومن معه من ربيعة وقحطان بذلك، فاختار أبو مسلم الكرماني ومن معه على نصر ومضر (^١).
ويقال: إن علي بن جديع الكرماني لما تولى الأمر بعد أبيه اتفق مع شيبان الخارجي (^٢) على محاربة نصر، فمال أبو مسلم إليه، وأخذ يثني عليه ويصوب أمره، ويقول له: قد عظم أمرك ووهن أمر نصر، فابعث عمالك إلى الأمصار، وأخذ يستدرجه ويعظمه.
فلما انتهى من نصر بعث إلى ابن الكرماني من يأتي به على أية حال، فجيء به إليه فحبسه، ثم أخرجه وقتله (^٣).
وقد ذكر الطبري خبر مقتل الكرماني وخاصة أصحابه فقال: (وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم علي بن الكرماني، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمي له خاصته ليوليهم، ويأمر لهم بجوائز وكِسًا، فسماهم له فقتلهم جميعًا) (^٤).
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٧/ ٣٧٧، وخليفة بن خياط ٣٩٠ مختصرًا.
(٢) سبق ترجمته ص ٦٠١.
(٣) البلاذري: الأنساب ٤/ ١٣٠.
(٤) التاريخ ٧/ ٣٨٨.
[ ٥٨١ ]
أما نصر فقد نجا من غدر أبي مسلم حين أمنه وأظهر أنه يريد إكرامه، وذلك أن نصرًا لما قدم على أبي مسلم، أرسل إليه من يخبره أنه يريد محادثته، وكان ممن بعث إليه لاهز بن قرط، فلما أتوه تلا لاهز قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (^١)، فتنبه لذلك نصر وقال لهم: إنه صائر إلى أمر أبي مسلم، ثم احتال عليهم وهرب، فأخبر أبي مسلم بفعل لاهز فقتله (^٢)، ثم إن نصرًا سار إلى الري، فلما صار إليها مرض، فحمل إلى ساوة بقرب همذان فمات بها (^٣)، وكان ذلك في سنة إحدى وثلاثين ومائة (^٤).
فهذا أبو مسلم وهذه أعماله الخسيسة، فقد كان لا يدع للعرب في خراسان مجالًا للاجتماع، فكلما حاولوا ذلك عمل بخبثه بالتفريق بينهما، وحينما يجد الفرصة يغدر بهم ويسفك دماءهم، ونجد أن صاحب الكتاب صوره بذلك البطل الشهم الذي يحب نصرة المظلوم، وأنه وافٍ بالعهد ولا يحب الغدر.
ولعل هذا من تسليط الله عليهم بسبب عصبيتهم واختلافهم، ولولا العصبية والخلاف بين العرب في خراسان لم تتمكن الدعوة العباسية من الانتصار، فقد فتح هذا التنافس والتناحر على العرب شرًّا أذهب به أمرهم، وتسلط عليهم من عاث في دمائهم وفرق جمعهم وأصبحوا أذلاء بعد عزتهم، ومن صور هذا الذل أنهم يتنافسون في التحالف مع أبي مسلم لكي يتقوى به أحدهما على الآخر، وهذا الخلاف والتنازع فيما بينهم هو الذي أفشلهم وأذهب ريحهم، وبدَّل قوتهم ذلة وهوانًا، وهذا من سنن الله في خلقه، قال تعالى:
_________________
(١) سورة القصص: الآية ٢٠.
(٢) البلاذري: الأنساب ٤/ ١٣١. الطبري: التاريخ ٧/ ٣٨٤.
(٣) البلاذري: الأنساب ٤/ ١٣١. الطبري: التاريخ ٧/ ٤٠٣.
(٤) الطبري: التاريخ ٧/ ٤٠٣.
[ ٥٨٢ ]
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (^١).
قال أبو جعفر: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا، أيها المؤمنون، ربّكم ورسوله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ولا تخالفوهما في شيء ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾، يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم ﴿فَتَفْشَلُوا﴾، يقول: فتضعفوا وتجبنوا، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾) (^٢).
* غلبة أبي مسلم على خراسان:
[٢٥٧]- (وإن أبا مسلم استولى على خراسان، واستعمل عماله عليها.
فكان أول من عقد له منهم زنباع بن النعمان (^٣)، على سمرقند،
وولى خالد بن إبراهيم، على طخارستان، وولى محمد بن الأشعث، الطبسين، ثم وجه أصحابه إلى سائر تلك البلاد، وضم إلى قحطبة بن شبيب أبا
عون (^٤)، مقاتل بن حكيم العكي (^٥)، وخالد بن برمك (^٦)، وحارثة بن
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٤٦.
(٢) الطبري: جامع البيان، ١/ ٥٧٥.
(٣) في الطبري: التاريخ ٧/ ٣٨٩، (سباع بن النعمان الأزدي) ولعل هذا هو الصحيح من اسمه، وهو أحد الشجعان الذين قاموا بالدعوة العباسية، ولاه أبو مسلم سمرقند، ولما تم الأمر إلى أبي العباس دعاه وأمره إن وجد فرصة إلى أبي مسلم أن يثب به ويقتله، فبلغ ذلك أبي مسلم فسجنه بآمل ثم أمر عامله بقتله، فقتله. الزركلي: الأعلام ٣/ ٧٦.
(٤) في الطبري: التاريخ ٧/ ٣٨٩ أبو عون عبد الملك بن يزيد.
(٥) مقاتل بن حكيم العكي، من أهل مرو، تولى إمارة حران في زمن السفاح، حصل بينه وبين عبد الله بن علي مواجهات كان سببها موالاته للمنصور، فسجن في ذلك وقتل من قبل الموالين لعبد الله بن علي. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٦٠/ ١٠٠.
(٦) خالد بن برمك، أبو العباس الفارسي، الوزير، قال الصولي كان يُتهم بدين المجوس، وكان يختلف إلى الإمام محمد بن علي ثم إلى ابنه إبراهيم، وزر للسفاح بعد أبي سلمة الخلال، ثم وزر للمنصور، مات سنة ١٦٥ هـ. الذهبي: السير ٧/ ٢٢٩.
[ ٥٨٣ ]
خزيمة (^١)، وعبد الجبار بن نهيك (^٢)، وجهور بن مراد العجلي (^٣)، والفضل بن سليمان (^٤)، وعبد الله بن النعمان الطائي (^٥)، وضم إلى كل واحد من هؤلاء القواد صناديد الجنود وأبطالهم.
وأمر قحطبة أن يسير إلى طوس، فيلقى من قد اجتمع بها من جنود نصر بن سيار، والكرماني، فيحاربهم حتى يطردهم عنها، ثم يتقدم، قدمًا قدمًا، حتى يرد العراق.
فسار قحطبة حتى إذا دنا من طوس هرب أولئك الذين قد كانوا تجمعوا بها، فتفرقوا، وسار قحطبة من طوس إلى جرجان، فافتتحها.
وسار منها إلى الري، فواقع عامل مروان عليها، فهزمه، ثم سار من الري إلى أصبهان حتى وافاها، وبها عامر بن ضبارة، من قبل يزيد بن عمر، فهرب منه، ودخلها قحطبة، واستولى عليها.
ثم سار حتى أتى نهاوند، وبها مالك بن أدهم الباهلي، فتحصن أيامًا، ثم
_________________
(١) لعل الصحيح من اسمه (خازم) بدل (حارثة) بن خزيمة النهشلي، شارك العباسيين في بداية دولتهم، وهو أحد قوادهم، غلب على مرو الروذ وقتل عامل نصر بن سيار، وولي خراسان وشارك مع الحسن بن قحطبة في حربه مع ابن هبيرة، مات ببغداد. ابن قتيبة: المعارف ٤١٤، الطبري: التاريخ ٧/ ٣٦٠، ٣٨٩، ٤١٨.
(٢) الصحيح من اسمه (عثمان) بن نهيك، أحد رجال العباسيين قام مع أبي مسلم، وولاه أبو جعفر المنصور على حرسه، ثم اشترك مع أبي جعفر في قتل أبي مسلم الخراساني. الطبري: التاريخ ٧/ ٣٦٢، ٤٥٣، ٤٨٨.
(٣) الصحيح من اسمه جهور بن (مرار) بدل (مراد) العجلي، أحد قادة أبي جعفر المنصور بعثه للقبض على عبد الصمد أخي عبد الله بن علي فقبض عليه وسلَّمه لأبي جعفر، ثم أرسله أبو جعفر للقضاء على ثورة سنباذ، فحَوَى ما في الخزائن وخلع أبا جعفر، فأرسل إليه أبو جعفر محمد بن الأشعث الخزاعي فهزمه، فهرب جهور ثم أخذ وقتل. الطبري: التاريخ ٧/ ٤٧٦، ٤٩٧.
(٤) لم أقف على ترجمته.
(٥) في الطبري: التاريخ ٧/ ٣٨٩، عبد الله بن (عثمان) بدل (النعمان) الطائي، ولم أقف على ترجمته.
[ ٥٨٤ ]
استأمن إلى قحطبة، فأمنه، فخرج إليه، وسار قحطبة حتى نزل حلوانًا، فأقام بها.
وكتب إلى أبي مسلم يعلمه خبره، وأن مروان بن محمد قد أقبل من الشام حتى وافى الزابين فأقام بها في ثلاثين ألفًا، وأن يزيد بن عمر بن هبيرة قد استعد بواسط.
فأتاه كتاب أبي مسلم، يأمره أن يوجه أبا عون العكي في ثلاثين ألف فارس من أبطال جنوده إلى مروان بن محمد بالزابين، فيحاربه، ويسير هو في بقية الجنود إلى واسط، فيحارب يزيد بن عمر، ليشغله عن توجيه المدد إلى مروان.
ففعل قحطبة ذلك.
وبلغ مروان وصول أبي عون إليه بالجيوش من حلوان فاستقبله، فالتقيا بشهرزور (^١)، فاقتتلوا، فانهزم أهل الشام حتى صاروا إلى مدينة حران) (^٢).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٣) مختصرًا، الطبري (^٤) مطولًا.
[٢٥٨]- (قال الهيثم: فحدثني إسماعيل بن عبد الله القسري (^٥)، أخو خالد بن عبد الله قال: دعاني مروان عند وصوله إلى حران، وكنت أخص الناس عنده، فقال لي: يا أبا هاشم، وما كناني قبل ذلك، فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين.
_________________
(١) شهرزور: وهي كورة واسعة في الجبال بين أربل وهمدان، وأغلب سكانها من الأكراد. الحموي: معجم البلدان ٣/ ٣٧٥.
(٢) الأخبار الطوال ٣٦٤، ٣٦٥.
(٣) الأنساب ٩/ ٣١٤.
(٤) التاريخ ٧/ ٣٨٩.
(٥) إسماعيل بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري، أخو خالد بن عبد الله القسري، روى عن أخيه، تولى إمرة الموصل، وكان في صحابة أبي جعفر، تدخل في صلح ما بين العباسيين وما تبقى من فلول الأمويين وأخذ لهم أمانًا من أبي جعفر المنصور. البلاذري: الأنساب ٤/ ١٤٥، ابن عساكر: تاريخ دمشق ٨/ ٤٢٧.
[ ٥٨٥ ]
قال: ترى ما قد نزل من الأمر، وأنت الموثوق برأيه، فما ترى؟ قلت: وعلام أجمعت يا أمير المؤمنين؟ قال: أجمعت على أن أرتحل بأهلي، وولدي، وخاصة أهل بيتي، ومن اتبعني من أصحابي حتى أقطع الدرب، وأصير إلى ملك الروم، فأستوثق منه بالأمان، ولا يزال يأتيني الخائف من أهل بيتي وجنودي حتى يكشف أمري، وأصيب قوة على محاربة عدوي.
قال إسماعيل: وذلك، والله، كان الرأي له عندي، غير أني ذكرت سوء أثره في قومي، ومعاداته إياهم، وتحامله عليهم، فصرفت الرأي عنه.
وقلت له: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله، أن تحكم أهل الشرك في نفسك وحرمك؛ لأن الروم لا وفاء لهم، قال: فما الرأي عندك؟.
قلت: الرأي أن تقطع الفرات، وتستقري مدن الشام، مدينة مدينة، فإن لك بكل مدينه صنائع ونصحاء، وتضمهم جميعًا إليك، وتسير حتى تنزل ببلاد مصر، فهي أكثر أهل الأرض مالًا، وخيلًا، ورجالًا، فتجعل الشام أمامك، وإفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، وإن تكن الأخرى اتسع لك المهرب نحو إفريقية، فإنها أرض واسعة، نائية منفردة.
قال: صدقت، لعمري، وهو الرأي، فسار من حران حتى قطع الفرات، وجعل يستقري مدن الشام، فيستنهضهم، فيروغون عنه، ويهابون الحرب، فلم يسر معه منهم إلا قليل) (^١).
ذكر نحوًا منها: البلاذري (^٢) مختصرًا.
• نقد النص:
هذه الرواية عن إسماعيل لا تصح؛ لأن في سندها الهيثم بن عدي وهو
_________________
(١) الأخبار الطوال ٣٥٥، ٣٥٦.
(٢) الأنساب ٩/ ٣١٩.
[ ٥٨٦ ]
ضعيف، وقد ذكرها البلاذري (^١)، واكتفى بذكر: قال إسماعيل بن عبد الله، ثم ساق الرواية، وهي مختلفة عن هذه الرواية، وفيها أن إسماعيل بن عبد الله أراد صرف مروان عن الرأي الذي فيه إقامة مروان في أرض الروم حتى يجتمع إليه أتباعه، ثم جعله إلى الرأي الآخر الذي هزم فيه، وذلك نكاية به لتقريبه القيسية على اليمانية.
ثم إنه كيف لمروان أن يستشير أحد أعدائه ويحكمه في مصيره؛ لأن إسماعيل هذا أخو خالد القسري الذي قتله أحد ولاة بني أمية، ومروان - أيضًا - قد انتقم من يزيد بن خالد لقتله أبناء الوليد بن يزيد، وقد سبق الحديث عن هذا كله.
والخبر الذي ورد عن إسماعيل بن عبد الله في الأحداث الأخيرة، هو أنه تدخل في حل جيش الأمويين في العراق الذي صمدوا في محاربة جيش العباسيين وقال لهم: (علام تقتلون أنفسكم وقد قتل مروان) (^٢).
ويدل هذا على أن إسماعيل بن خالد انضم إلى العباسيين ودخل في خاصتهم، وسعى بالصلح بينهم وبين فلول الأمويين، فكيف يكون قد التقى مروان وأشار عليه.
* نهاية حكم مروان وقتله:
[٢٥٩]- (وسار أبو عون صاحب قحطبة في أثر مروان حتى انتهى إلى الشام، وقصد دمشق، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، فيهم ثمانون رجلًا من ولد مروان بن الحكم.
_________________
(١) الأنساب ٩/ ٣١٩.
(٢) البلاذري: الأنساب ٤/ ١٤٥. الطبري: التاريخ ٧/ ٤٥٤.
[ ٥٨٧ ]
ثم عبر الشام سائرًا نحو مصر حتى وافاها، واستعد مروان فيمن كان معه، من أهل الوفاء له، وكانوا نحوًا من عشرين ألف رجل، وسار مستقبلًا أبا عون حتى التقى الفريقان، فاقتتلوا.
فلم يكن لأصحاب مروان ثبات، فقُتِلَ منهم خلق، وانهزم الباقون، فتبددوا، وهرب مروان على طريق إفريقية، وطلبته الخيل، فحال بينها وبينه الليل، فعبر مروان النيل في سفينة، فصار في الجانب الغربي، وكان منجمًا، فقال لغلامه: إني إن سلمت هذه الليلة رددت خيل خراسان على أعقابها حتى أبلغ خراسان.
ثم نزل، ودفع دابته إلى غلامه، وخلع درعه، فتوسدها، ونام لشدة ما قد كان مر به من التعب، ولم يكن معه دليل يدله على الطريق، وخاف أن يوغل في تلك المفاوز، فيضل.
وأقبل رجل من أصحاب أبي عون، يسمى عامر بن إسماعيل (^١) في طلب مروان، حتى أتى المكان الذي عبر فيه مروان، فدعا بسفينة، فجلس فيها، وعبر، فانتهى به السير إلى مروان، وهو مستثقل نومًا، فضربه بالسيف حتى قتله) (^٢).
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط (^٣) مختصرًا، والبلاذري (^٤)، والطبري (^٥) مطولًا.
_________________
(١) عامر بن إسماعيل بن عامر الحارثي الجرجاني، من بني مسلية، شهد حصار دمشق، ونفذ إلى مصر، وهو الذي أدرك مروان بن محمد ببوصير، وقَتَلَ مروان بعض أصحابه، وكان من كبار قواد الدولة، كان له قدر عند المنصور مات سنة سبع وخمسين ومائة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ٢٥/ ٣١٨. الذهبي: تاريخ الاسلام ٩/ ٤٤٧.
(٢) الأخبار الطوال ٢٦٦، ٢٦٧.
(٣) التاريخ ٤٠٣.
(٤) الأنساب ٩/ ٣١٩.
(٥) التاريخ ٧/ ٤٣٧.
[ ٥٨٨ ]
• نقد النص:
جاء في هذه الرواية خبر هزيمة مروان ثم قتله بعد هربه إلى مصر، وقد ذكر صاحب ذلك ونسبه إلى أبي عون وقد خالف غيره في ذلك.
والذي ورد في ذكر هزيمة مروان وتتبعه أن الذي تولى ذلك عبد الله بن علي (^١) عم أبي العباس، وقد التقى به في معركة الزاب، وقد استلم القيادة من أبي عون بأمر من أبي العباس وذلك بعد ظهوره، فقاتل مروان بن محمد وهزمه (^٢)، وكان ذلك في يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة (^٣)، أما ملاحقة مروان بن محمد، فيروى أن عبد الله بن علي وَكَّلَ أخاه صالح بن علي (^٤) بملاحقة مروان (^٥).
ولم يكن عامر بن إسماعيل لوحده حينما قتل مروان، كما جاء عند
_________________
(١) عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، عم أبو جعفر المنصور، كان بطلًا، مهيبًا جبارًا، من دهاة قريش، سافكًا للدماء، به قامت الدولة العباسية، ولاه أبو العباس حرب مروان بن محمد، واستولى على الشام، وفي حصار دمشق قتل خمسين ألفًا، ولم يرقب إلَّا ولا ذمة، وصار أميرًا عليها، فلما ولي المنصور خالف عليه فوجه إليه أبا مسلم فهزمه في نصيبين، واختفى عبد الله، فعثر عليه المنصور وحبسه، فوقع عليه البيت الذي حبس فيه فمات سنة مائة وسبع وأربعين بمدينة السلام، ويذكر أنه قتل ثلاثًا وثمانين رجلًا من بني أمية. الخطيب: تاريخ بغداد ١٠/ ٩. الذهبي: سير أعلام النبلاء ٦/ ١٦١. وقد ذكر لنا الدكتور نايف أبو قريحة أنه هو من يستحق لقب السفاح وليس أبو العباس.
(٢) البلاذري: الأنساب ٩/ ٣١٥. الطبري: التاريخ ٧/ ٤٣٢.
(٣) الطبري: التاريخ ٧/ ٤٣٥.
(٤) صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، عم المنصور، ولد بالشراة من أرض البلقان، من أعمال دمشق، سنة ست وتسعين أو قبلها، قهر بني أمية، ولحق مروان وبيته في بوصير، وقد ولي دمشق وولي الموسم، أنشأ مدينة أدنة، قاتل الروم بقيادة طاغيتهم قسطنطين بن أليون، وهم مائة ألف وهزمهم وسبى منهم، مات سنة اثنين وخمسين ومائة. الصفدي: الوافي بالوفيات ١٦/ ١٥٣.
(٥) خليفة بن خياط: التاريخ ٤٠٤، الطبري: التاريخ ٧/ ٤٤٠.
[ ٥٨٩ ]
صاحب الكتاب، والذي روي في ذلك أن صالح بن علي توجه في طلب مروان؛ فجعل على مقدمته أبا عون وعامر بن إسماعيل، وسار في ملاحقة خيل مروان حتى نزل الصعيد، وحصل بينهم عدة لقاءات وفي كلها يهزم مروان، ثم استمر في ملاحقته حتى نزل في مكان يقال له: ذات الساحل فنزل به، فقدم أبو عون عامر بن إسماعيل ومعه شعبة بن كثير المازني، فلقوا خيلًا لمروان، فقتلوا بعضهم وأسروا الباقين، ثم سألوهم عن مروان، فأخبروهم على أن يأمنوهم، فوجدوه نازلًا في بوصير، فخرج إليهم في نفر يسير فأحاطوا به فقتلوه (^١)، وكان قتله في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة (^٢)، ويذكر أنه يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة (^٣).
وقد اختلف فيمن باشر قتله، فيروى أنه عامر بن إسماعيل (^٤) كما ذكر صاحب الكتاب، ويروى أنه رجل من أهل البصرة يقال له: المعوذ (^٥)، وقيل: إنه محمد بن شهاب المازني، وقيل: إنه مزاحم بن حسان الحارثي (^٦).
ومما سبق من أحداث الدولة الأموية نستخلص بعض الأسباب التي أدت إلى سقوطها:
- عدم معالجة الأخطاء في زمانها، ومن ذلك ترك يزيد الانتقام من عبيد الله بن زياد، وتأديبه لما قام بقتل الحسين -﵁- وأقل ما يمكن فعله هو عزله، وما فعله عبد الملك من بسط يد الحجاج على أهل العراق مع معرفته
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٧/ ٤٤٠
(٢) خليفة بن خياط: التاريخ ٤٠٤.
(٣) الطبري: التاريخ ٧/ ٤٤٢.
(٤) ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٧/ ٣٤٦.
(٥) الطبري: التاريخ ٧/ ٤٤٢. وأما البلاذري: الأنساب ٩/ ٣٢٢ فقد ذكر أنه يسمى أبا العود.
(٦) البلاذري: الأنساب ٩/ ٣٢٢.
[ ٥٩٠ ]
بقسوته وجبروته، وهذا ما جعل للأعداء مادة يستندون عليها للتأليب على بني أمية، ومثل ذلك ثورة المختار، والدعوة العباسية.
- التنازع على السلطة حيث بدأت بوادره في عهد هشام بن عبد الملك، واختتامه على يد يزيد بن الوليد الذي اغتال ابن عمه، فانفتح الشر على الأموييين، وفسد أمرهم في عقر دارهم.
- عدم وجود نظام ثابت في الحكم.
- عدم الاهتمام بأمر خراسان مع أهميتها ومن ذلك جعل أمرها لوالي العراق، مما جعلها مسرحًا للقوى المعادية مثل الخوارج والدعوة العباسية.
- عدم الاستجابة لصرخات الإنذار التي أطلقها والي خراسان نصر بن سيار وهذا يوحي أن الخليفة مروان في شغل عنها.
- اتساع المساحة التي تحويها الدولة الأموية والذي يتطلب عليها مزيدًا من التنبه واليقظة وعدم الغفلة عن دقائق الأمور وجليلها، ومن هذا عدم الاهتمام بدعاة العباسيين في بداية ظهورهم.
- التنظيم الدقيق الذي انتهجه العباسيون في دعوتهم له دور بارز في النجاح.
- اختيار الدعوة العباسية خراسان مسرحًا للدعوة يوحي بمزيد من العناية الفائقة التي يوليها أئمة الدعوة، فهي بعيدة كل البعد عن مركز الخلافة.
* * *
[ ٥٩١ ]