أسباب مقتل حجر بن عدي من الأشياء التي لا نستطيع عرضها بشكل واضح وصحيح؛ لأن أسبابها تعددت عند المؤرخين، ولم تأتِ بسند يمكن الاعتماد عليه، وسوف أذكرها كما جاءت في بعض المصادر، ومن ذلك:
- يُرْوَى أن حجر بن عدي كان ممن اعترض على الحسن -﵁- في صلحه مع معاوية -﵁-، وقد سبق ذكر موقفه، وقد ذكر البلاذري رواية عن أبي مخنف وغيره قالوا: (لم يزل حجر بن عدي مُنْكِرًا على الحسن بن علي بن أبي طالب صلحه لمعاوية، فكان يعذله على ذلك ويقول: (تركت القتال ومعك أربعون ألفًا ذوو نيات وبصائر في قتال عدوك). ثم كان بعد ذلك يذكر معاوية فيعيبه ويظلمه، فكان هذا هجيراه وعادته) (^٦).
_________________
(١) التاريخ ١/ ٢١٣.
(٢) الطبقات ٦/ ٢١٨.
(٣) الأنساب ٥/ ٢٤٢.
(٤) المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٢٠.
(٥) التاريخ ٥/ ٢٥٣.
(٦) الأنساب ٥/ ٢٤٣.
[ ٩٥ ]
وقد حدث من حجر بعض الاعتراضات، وذلك في فترة تولي المغيرة بن شعبة -﵁- على الكوفة، وكان المغيرة -﵁- يسعه بحلمه، ويصفح عنه ويتودده.
-وقد ذكر الطبري (^١) السبب نفسه، الذي جاء عند البلاذري في الرواية السابقة، ثم ساق أسبابًا أخرى لاعتراض حجر، وتتلخص هذه الأسباب بأن معاوية -﵁- حين ولَّى المغيرة -﵁- أوصاه بسبِّ علي -﵁- على المنبر، فكان المغيرة -﵁- يفعل ذلك، وينكر عليه حجر، ولا تصح هذه الأسباب؛ لأنها جاءت بسند فيه رواة ضعاف كذابين، منهم هشام بن محمد الكلبي (^٢)، وأبو مخنف.
وحجر هذا ممن جعل الصلح ملزمًا له في حياة الحسن -﵁- (^٣)، فلما توفي الحسن حصل منه ما حصل مما أدى لقتله، أما السبب الذي أدى إلى مقتله، فهو موقفه مع زياد بن أبيه وفيه روايتين هما:
الأولى: ما ذكره ابن سعد (^٤) بدون سند، وهو أن زيادًا لما وَلِيَ الكوفة، كان يعرف حجرًا حق المعرفة، فأخذه وحذره، وخوفه من إراقة دمه إن أحدث شيئًا لا يرضاه، ورغبه في مجلسه وقضاء حاجاته، فلما خرج جاء إليه إخوانه من الشيعة وقالوا له إن زيادًا لم ينصفك، وأنت شيخنا وأخذوا يجتمعون إليه، فسأله نائب زياد على الكوفة وهو عمرو بن حريث، عن هذه الجماعات التي معه، فرد أنها تنكر ما أنتم عليه، فأرسل إلى زياد وكان بالبصرة إن كان لك حاجة في الكوفة فأقدِمْ، فَقَدِمَ زيادٌ وأرسل من ينهاه عن ذلك فأبى، فأقام عليه زياد الشهود
_________________
(١) التاريخ ٥/ ٢٥٣.
(٢) ضعيف سبقت ترجمته
(٣) ذكر ذلك د. خالد الغيث في كتابه مرويات خلافة معاوية -﵁- ١٦٩.
(٤) الطبقات ٦/ ٢١٨.
[ ٩٦ ]
وبعثهم إلى معاوية -﵁-، وقد ذكر مثله البلاذري (^١) بسند فيه الهيثم بن عدي (^٢) وهو ضعيف.
الثانية: الحصب على المنبر وهو المشهور، واختلفت الروايات من هو المحصوب على أقوال منها:
- ذكر البلاذري (^٣)، والطبري (^٤)، عن هشام الكلبي (^٥) وصاحب الكتاب كما سبق أنه عمرو بن حريث، وهو نائب زياد على الكوفة.
- وذكر الطبري (^٦) أيضًا رواية أخرى، والحاكم بسنده (^٧) أنه زياد بن أبيه، حيث أطال الخطبة، فضرب حجر بن عدي بيده بكف من الحصى.
وبعد هذا العرض لقضية حجر بن عدي تبين أنه لم يكن راضيًا عن الصلح، وقد أخذ على عاتقه الاعتراضات على ولاة معاوية -﵁-، وقد كان المغيرة -﵁- يسعه بحلمه ويصفح عنه، ولما جاء زياد كان يعرفه أشد المعرفة فقد كان معه في صحبة علي -﵁-، فأخذه وحذره، ولعله أراد أن يقطع هذا كله؛ لأنه يعلم أن الشيعة لن يدعوه فهو إمامهم وقائدهم في تلك الفترة، فأراد أن يقيم عليه الحجة.
وبعد ما حذره وهدده، لم ينتهِ عما هو عليه، وأَبَى أن يأتيه، ورفض أصحابه أن يسلموه، وحصلت بعض الاشتباكات مع جند زياد وأصحاب
_________________
(١) الأنساب ٥/ ٢٤٦، ٢٤٧.
(٢) سبق ترجمته.
(٣) الأنساب ٥/ ٢٤٦.
(٤) التاريخ ٥/ ٢٥٦.
(٥) ضعيف سبقت ترجمته.
(٦) التاريخ ٥/ ٢٥٦.
(٧) المستدرك ٣/ ٥٣٣.
[ ٩٧ ]
حجر، وكادت أن تقوم فتنة (^١).
أما محاولة احتواء الموقف، فقد ذكر ابن سعد (^٢) والبلاذري (^٣)، أن زيادًا بعث إلى حجر بن عدي جماعة تنهاه عما هو عليه، منهم جرير بن عبد الله -﵁-، وعدي بن حاتم الطائي -﵁- (^٤)، ولكن لم يستجب لهم.
- وأما الطبري (^٥)، وصاحب الكتاب كما سبق، فقد ذكرا أن زيادًا طلب من محمد بن الأشعث أن يأتيه، بحجر بن عدي، فطلب محمد بن الأشعث من جرير بن عبد الله -﵁- وعدي بن حاتم -﵁- ومن معهم أن يأتوا زيادًا ويكلموه في أمر حجر وألا يفعل به شيئًا، وأن يبعث به إلى معاوية -﵁- فيرى فيه رأيه، فوافق زياد.
فكتب زياد إلى معاوية -﵁- بذلك كله، وأشهد عليه الشهود، وكتب شهادتهم وبعث بحجر ومن معه إلى معاوية -﵁-، وبلغ عدد الشهود سبعين رجلًا، وأمر بهم معاوية فقتلوا في مكان يقال له: مرج العذراء (^٦)، وكان عددهم ثلاثة أو أربعة عشر رجلًا، قتل نصفهم (^٧).
_________________
(١) الطبري: التاريخ ٥/ ٢٥٧.
(٢) الطبقات ٦/ ٢١٨.
(٣) الأنساب ٥/ ٢٤٧.
(٤) عدي بن حاتم بن عبد الله بن الحشرج الطائي، أبو طريف، ولد الجواد المشهور، أسلم في سنة تسع، وقيل عشر، كان نصرانيًّا قبل إسلامه، وقد ثبت على الإسلام زمن الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر، وشهد فتح العراق وسكن الكوفة، مات بعد الستين وقد عمر طويلًا قيل عمر ١٢٠ هـ وقيل: ١٨٠ هـ. ابن حجر: الإصابة ٤/ ٣٨٨.
(٥) التاريخ ٥/ ٢٦٣.
(٦) مرج العذراء: أو عذراء بلدة من ظاهر دمشق الشمالي بطرف الغوطة، وتسمى اليوم عدراء. البلادي: معجم المعالم الجغرافية ١٩٩.
(٧) ابن سعد: الطبقات ٦/ ٢١٩، والطبري: التاريخ ٥/ ٢٧٢.
[ ٩٨ ]
نلاحظ في هذه الرواية عدد الشهود وهم سبعون رجلًا وليس كما وهم صاحب الكتاب أنهم ثلاثة، ولم يكن معاوية -﵁- متعجلًا في الحكم عليهم، بل استشار من حوله من كبار أهل الشام.
فقد أورد صالح بن أحمد بن حنبل (^١) بسنده: (أنه لما بعث بحجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه من العراق إلى معاوية بن أبي سفيان -﵄-، استشار الناس في قتلهم فمنهم المشير ومنهم الساكت) (^٢).