قال ابن كثير في سنة ثمان وتسعين وستمائة: وفيها وقف الأمير علم الدين سنجر الدوادار رواقه داخل باب الفرج دار حديث ومدرسة وولي مشيخته الشيخ علاء الدين بن العطار وحضر عنده القضاة والأعيان وعمل لهم ضيافة انتهى.
وقال الذهبي في العبر في سنة تسع وتسعين وستمائة: الأمير الكبير علم الدين سنجر التركي الصالحي كان من نجباء الترك وشجعانهم وعلمائهم وله مشاركة جيدة في الفقه والحديث. وفيه ديانة وكرم وسمع الكثير من الزكي المنذري٢ والرشيد العطار٣ وطبقتهما وله معجم كبير وأوقاف بدمشق
_________________
(١) ٢ شذرات الذهب ٥: ٢٧٧. ٣ شذرات الذهب ٥: ٣١١.
[ ٤٩ ]
والقدس تحيز إلى حصن الأكراد فتوفي به رحمه الله تعالى في شهر رجب عن بضع وسبعين سنة انتهى. وقال الصلاح الصفدي في حرف السين المهملة: سنجر الأمير الكبير العالم المحدث أبو موسى الدواداري ولد سنة نيف وعشرين وستمائه وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وستمائه وقدم من الترك في حدود سنة اربعين وستمائه وكان مليح الشكل مهيبا كبير الوجه خفيف اللحيه صغير العينين ربعه من الرجال حسن الخلق والخلق فارسا شجاعا دينا خيرا عالما فاضلا مليح الخط حافظا لكتاب الله تعالى قرأ القرآن على الشيخ نجيب الدلاصي وغيره وحفظ الإشارة في الفقه للشيخ سليم الرازي١ وحصل له عناية بالحديث وسماعه سنة بضع وخمسين وسمع الكثير وكتب بخطه وحصل الأصول وخرج له المزي جزءين عوالي وخرج له البرزالي معجما في أربعة عشر جزءا وخرج له ابن الظاهري قبل ذلك معجما.
سار بكسوة البيت الشريف بعد أن أخذ بغداد من الديار المصرية وقبل ذلك كان نائبها الاستادار من الخليفة وحج مرة هو واثنان من مصر على الهجن وكان من الاسرى في أيام الظاهر ثم أعطى امرية بحلب ثم قدم دمشق وولي الشدمرة ثم كان من أصحاب سنقر الأشقر ثم أمسك ثم أعيد إلى رتبته وأكثر ثم أعطى خبزا وتقدمة على الالف وتقلبت به الاحوال وعلت رتبته في دولة الملك المنصور حسام الدين لاشين٢ وقدمه على الجيش في غزوة سيس وكان لطيفا مع أهل الصلاح والحديث يتواضع لهم ويحادثهم ويؤانسهم ويصلهم وله معروف كثير وأوقاف بدمشق والقدس وكان مجلسه عامرا بالعلماء والشعراء والأعيان وسمع الكثير بمصر والشام والحجاز وروي عن الزكي عبد العظيم٣ والرشيد العطار وابن عبد السلام٤ والكمال
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٣: ٢٧٥. ٢ شذرات الذهب ٥: ٤٤. ٣ شذرات الذهب ٥: ٤٤. ٤ شذرات الذهب ٥: ٣٠١.
[ ٥٠ ]
الضرير١ والشرف المرسي وعبد الغني بن بنين٢ وإبراهيم بن بشارة وأحمد ابن حامد الأرتاحي وإسماعيل بن عزون٣ وسعد الله أبي الفضل الفتوحي وعبد الله بن يوسف بن اللمط٤ وعبد الرحمن بن يوسف المنبجي ولاحق الأرتاحي٥ وأبي بكر بن مكارم وفاطمة بنت الملثم بالقاهرة وفاطمة بنت الحزام الحميرية بمكة المشرفة وابن عبد الدائم٦ وطائفة بدمشق وهبة الله ابن رزين وأحمد بن النحاس٧ بالاسكندرية وعبد الله بن علي بن معن وبأنطاكية وحلب المحمية وبعلبك والقدس وقوص والكرك وصفد وحماة وحمص وطيبة والفيوم وجدة وقل من أنجب من الترك مثله وسمع منه خلق بدمشق والقاهرة وشهد الوقعة وهو ضعيف ثم التجأ بأصحابه إلى حصن الأكراد فتوفي به ليلة الجمعة ثالث شهر رجب بتاريخ تقدم انتهى.
قلت وكان الشيخ فتح الدين به خصيصا ينام عنده ويساهره فقال لي: كان الامير علم الدين قد لبس الفقيري وتجرد وجاء مكة فجاور بها وكتب الطباق بخطه وكانت في وجهة آثار الضروب من الحروب وكان إذا خرج إلى غزوة خرج طلبة كذا وهو في زيه وإلى جانبه شخص يقرأ عليه جزءا فيه أحاديث الجهاد وقال: إن السلطان حسام الدين لاجين رتبه في عمارة جامع ابن طولون وفوض أمره إليه فعمره وعمر وقوفه وقرر فيه دروس الفقه والحديث وجعل من جملة ذلك وقفا يختص بالديوك التي تكون في سطح الجامع في مكان مخصوص بها وزعم ان الديوك تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين في الاسحار وضمن ذلك كتاب وقف فلما قرئ على السلطان أعجبه ما اعتمده في ذلك فلما انتهى إلى ذكر الديوك أنكر ذلك وقال: ابطلوا هذه لا يضحك الناس علينا وكان سبب أختصاص فتح الدين به أنه سأل الشيخ.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٥: ٣٠٦. ٢ شذرات الذهب ٥: ٣٠٦. ٣ شذرات الذهب ٥: ٣٢٤. ٤ شذرات الذهب ٥: ٢٨٩. ٥ شذرات الذهب ٥: ٢٩٦. ٦ شذرات الذهب ٥: ٣٢٥. ٧ شذرات الذهب ٥: ٣٣٣.
[ ٥١ ]
شرف الدين الدمياطي عن وفاة البخاري فلما استحضر تاريخها فسأل فتح الدين عن ذلك فأجابه وغالب رؤساء دمشق وكبارها وعلماؤها نشوءه وجمع الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مدائحه في مجلدين أو واحد وكتب ذلك بخطه وكتب إليه علاء الدين الوداعي١ بولد أسمه عمر ومن خطه نقلت:
قل للآمير وعزه في نجله عمر الذي أجرى الدموع أجاجا
حاشاء يظلم ربع صبرك بعدما أمسى لسكان الجنان سراجا
ومن خطه نقلت:
علم الدين لم يزل في طلاب الـ ـعلم والزهد سائحا زمالا
فيرى الناس رأيين ووراء عند الأربعين وأبدالا كذا
وقال فيه لما اخذ في دويرة السميساطي بيتا:
لدويرة الشيخ السميساطي من دون البقاع فضيلة لا تجهل
هي موطن للأولياء ونزهة في الدين والدنيا لمن يتأمل
كملت معاني فضلها مذ حلها العالم الفرد الغياث الموئل
إني لأنشد كلما شاهدتها ما مثل منزلة الدويرة منزل
انتهى.
والشيخ علاء الدين بن العطار الذي تولى مشيختها أولا هو كما قال الصلاح الصفدي في وافيه علي بن إبراهيم بن داود الشيخ الإمام المفتي المحدث الصالح بقية السلف علاء الدين أبو الحسن بن الموفق العطار ابن الطبيب الشافعي شيخ دار الحديث النورية ومدرس القوصية والعلمية يعني هذه لا العلمية الحنفية الآتية ثم قال ولد يوم عيد الفطر سنة أربع وخمسين وستمائة وتوفي في سنة أربع وعشرين وسبعمائة وحفظ القرآن وسمع من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر٢ وعبد العزيز بن عبد الله والجمال الصيرفي٣ وابن أبي
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٦: ٣٩. ٢ شذرات الذهب ٥: ٣٣٨. ٣ شذرات الذهب ٥: ٣٦٣.
[ ٥٢ ]
الخير١ والجمال محمد بن إسماعيل بن عساكر والعماد بن محمد صصري٢ وابن مالك شيخ الصوفية والشمس ابن هامل٣ وأبي بكر محمد بن البشتي وخطيب بيت الأبار٤ ومحمد بن عمر٥ الخطيب وابن أبي عصرون٦ وأحمد بن هبة الله الكهفي٧ والكمال بن فارس المقري والشيخ حسن الصقلي والفقيه زهير الزرعي والقاضي أبي محمد بن عطاء الأذرعي٨ ومدللة بنت الشيرجي وابن علوان المقري٩ وعدة وسمع بمكة من يوسف بن إسحاق الطبري وأبي اليمن بن عساكر١٠ وبالمدينة من أحمد بن محمد النقيبي وبالقدس من قطب الدين الزهري١١ وبنابلس من العماد عبد الحافظ وبالقاهرة من الأبرقوهي١٢ وابن دقيق العيد١٣ وعمل له الشيخ شمس الدين معجما سمعه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بقراءته سنة سبع وتسعين وابن الفخر وابن المجد١٤ والبرزالي والمقاتلي١٥ وصحب الشيخ محيي الدين النواوي رحمه الله تعالى وتفقه عليه وقرأ عليه التنبيه وأفتى ودرس وجمع وصنف ونسخ الأجزاء ودار مع الطلبة وسمع الكثير وكان فيه زهد ويفيد ويأمر بالمعروف على عادة في أخلاقه وله أتباع ومحبون أصيب بالفالج سنة إحدى وسبعمائة وكان يحمل في محفة إلى المدارس وإلى الجامع رأيته غير مرة ولم أسمع منه وكان والده يهوديا انتهى.
وذكره الذهبي في المعجم المختص وقال وأحسن باستجازته لي كبار المشيخة وفي العبر وقال: كان يلقب بمختصر النواوي وخرجت له معجما،
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٥: ٣٦٠. ٢ شذرات الذهب ٥: ٣٣٢. ٣ شذرات الذهب ٥: ٣٣٤. ٤ شذرات الذهب ٥: ٣٢١. ٥ شذرات الذهب ٥: ٣٩٣. ٦ شذرات الذهب ٥: ٣٤٥. ٧ شذرات الذهب ٥: ٣٣٤. ٨ شذرات الذهب ٥: ٣٤٠. ٩ شذرات الذهب ٥: ٤٣٥. ١٠ شذرات الذهب ٥: ٣٩٥. ١١ شذرات الذهب ٥: ٤٠١. ١٢ شذرات الذهب ٦: ٤. ١٣ شذرات الذهب ٥: ٤٥٢.. ١٤ شذرات الذهب ٥: ٣٧٦. ١٥ شذرات الذهب ٦: ٤٦.
[ ٥٣ ]
وأصابه فالج أكثر من عشرين سنة وذكره ابن كثير في تاريخه وقال له مصنفات وتواريخ وفوائد ومجاميع توفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين مستهل ذي الحجة سنة أربع المذكورة وصلي عليه بالجامع ودفن بقاسيون وقال غيرهما أخذ عن جمال الدين بن مالك١ ولازم النواوي وهو أشهر أصحابه وأخصهم به لزمه طويلا وانتفع به وله معه حكايات واطلع على أحواله وكتب مصنفاته كثيرا وبيض منها ومن تصانيفه شرح العمدة لكنه أخذ شرح ابن دقيق العيد وزاد عليه من شرح مسلم للنواوي رحمه الله تعالى مع فوائد أخر حسنة سماء أحكام شرح عمدة الأحكام ومصنف في فضل الجهاد وآخر في حكم البلوى وابتلاء العباد وآخر في حكم الأخبار والاحتكار عند فقد غلاء الأسعار انتهى. قلت وممن درس بهذا المكان الشيخ الأصيل الفقيه نور الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ العالم الصالح القدوة نجم الدين أبي بكر بن محمد بن عمر ابن الشيخ الكبير أبي بكر ابن قوام بن علي بن قوام البالسي الأصيل الدمشقي المعروف بابن قوام ولد في شهر رمضان سنة سبع بتقديم السين عشرة وسبعمائة وسمع من جماعة وتفقه ودرس بالناصرية البرانية مدة سنين بعد أبيه وبالرباط الدواداري داخل باب الفرج وكان يحب السنة ويفهمها جيدا وقال ابن رافع سمع وتفقه ودرس وكان حسن الخلق توفي في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وسبعمائة ودفن بسفح قاسيون بزاويتهم انتهى.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٥: ٣٣٩.
[ ٥٤ ]