بالقصاعين داخل باب الجابية وبها خانقاه لم أقف لواقفها على ترجمة وولي مشيختها الشيخ الإمام العالم الفقيه شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن القاسم بن محمد بن الخضر بن تيمية الحراني١. قال ابن كثير في سنة اثنتين وثمانين وستمائة: والد شيخنا العلامة العالم تقي الدين بن تيمية مفتي الفرق الفارق بين الفرق كانت له فضيلة حسنة ولديه فوائد كثيرة وكان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه عن ظهر قلبه وولي مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين وبها كان مسكنة تم درس ولده الشيخ بها بعده في السنة الآتية كما سيأتي ودفن بمقابر الصوفية.
وقال ابن مفلح في طبقاته سمع من المجد والده٢ وغيره ورحل في صغره إلى حلب وسمع من ابن اللتي وابن رواحه٣ وقرأ العلم على والده المجد وتفنن في الفضائل ودرس وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه المجد وخطيبه وحاكمه وكان إماما كثير الفوائد جيد المشاركة في العلوم له يد طولي في الفرائض والغوامض والحساب والهيئة وكان دينا متواضعا حسن
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٥: ٣٧٦. ٢ شذرات الذهب ٥: ٢٥٧. ٣ شذرات الذهب ٥: ٢١٥.
[ ٥٦ ]
الأخلاق جوادا من حسنات الدهر وكان من أنجم الهدى وإنما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس إشارة إلى أبيه وابنه الشيخ تقي الدين فأن فضائله وعلومه انغمرت بين فضائلها وعلومهما توفي رحمه الله تعالى ليلة الأحد سلخ ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وستمائة بدمشق ودفن من الغد بسفح جبل قاسيون انتهى. ولم يذكر أنه ولي مشيخة السكرية وقال إنه دفن بالسفح وهو وهم إنما دفن بالصوفية كما قاله ابن كثير ثم قال أيضا في تاريخه في سنة ثلاث وثمانين وستمائة: وفي يوم الاثنين ثاني المحرم منها درس الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني بدار الحديث السكرية التي بالقصاعين وحضر عنده قاضي القضاه بهاء الدين يوسف بن الزكي الشافعي والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية والشيخ زين الدين بن المرحل والشيخ زين الدين المنجا الحنبلي١ وكان درسا هائلا حافلا يعني في البسملة كما ذكره ابن مفلح في طبقاته وقد ذكره الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده وكثرة ما استحسنه الحاضرون وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره فأنه كان إذ ذاك عمره عشرين سنة وسنتين ثم جلس الشيخ تقي الدين المذكور أيضا يعني مكان والده بالجامع كما ذكره ابن كثير يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيء له لتفسير القرآن العزيز فابتدأ من أوله في تفسيره وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير ومن كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة.
زاد ابن مفلح في طبقاته وأنه كان بورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر وبقي يفسر في سورة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام عدة سنين. وأطال في ترجمته كثيرا، وشهرته تغني عن الاطناب في ذكره
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٥: ٤٣٣.
[ ٥٧ ]
والإشهار في أمره ولد يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران وقدم مع أهله سنة سبع وستين وستمائة إلى دمشق فسمع بها من ابن عبد الدائم والمجد بن عساكر وابن أبي الخير والقاسم الاربلي والمسلم بن علان وإبراهيم بن الدرجي١ وابن أبي اليسر وخلق كثير وأقبل على العلوم في صغره فأخذ الفقه والأصول عن والده والشيخ شمس الدين بن أبي عمر والشيخ شمس الدين بن المنجا٢ وبرع في ذلك وقرأ في العربية أياما على ابن عبد القوي ثم أخذ كتاب سيبويه وتأمله ففهمه وأقبل على تفسير القرآن العزيز فبرز فيه وأحكم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم ونظر في علم الكلام وبرز في ذلك على أهله ورد على رؤسائهم وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة وأمده الله تعالى بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الفهم وبطء النسيان وعني بالحديث أتم عناية ونسخ الأجزاء ودار على الشيوخ وخرج وانتقى وبرع في الرجال وعلل الحديث وكان كثير المحاسن فارغا عن شهوات المأكل والملبس والجماع لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه عرض عليه قضاء القضاة قبل التسعين ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئا من ذلك وامتحن وأوذي مرات وحبس بقلعة مصر والقاهرة وبالإسكندرية وبقلعة دمشق مرتين وصنف التصانيف الحسنة التي هي أشهر من أن تذكر وأعرف من أن تنكر وحدث بدمشق ومصر والثغر وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث ومن تصانيفه وخرج له ابن الواني أربعين حديثا حدث بها وقد أفرد له الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادي٣ ترجمة في مجلدة وكذلك أبو حفص البزار٤ البغدادي في كراريس ومات بدمشق في القلعة معتقلا سحر ليلة الاثنين عشرين ذي الحجة أو ذي القعد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ثم جهز وأخرج إلى جامع البلد وكان الجمع أعظم من جمع الجمع حزر الرجال بستين ألفا وأكثر والنساء
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٥: ٣٧٣. ٢ شذرات الذهب ٥: ٢١٠. ٣ شذرات الذهب ٦: ١٤١. ٤ شذرات الذهب ٦:١٦٣
[ ٥٨ ]
بخمسة عشر ألفا صلى عليه أخوه زين الدين عبد الرحمن١ بسوق الخيل بعد خروج جنازته من باب الفرج ودفن بمقابر الصوفية إلى جانب أخيه بالشرق وهو عبد الله٢ أي أخيه ورؤيت له منامات حسنة ثم وليها بعده الحافظ ابن عبد الله الذهبي وهو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الفارقي الأصل الدمشقي الشافعي الإمام العلامة شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء مؤرخ الشام ومفيده شمس الدين ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة بدمشق وجمع القراآت السبع على الشيخ أبي عبد الله بن جبريل المصري نزيل بيت المقدس فقرأ عليه ختمة جامعة لمذاهب القراء السبعة بما اشتمل عليه كتاب التيسير لأبي عمر الداني ونظم حرز الأماني لأبي محمد القاسم الشاطبي٣ وعني بالحديث من سنة اثنين وتسعين وهلم جرا فسمع ما لا يحصى كثرة من الكتب الكبار والأجزاء على خلق كثير فسمع من أحمد بن عساكر٤ صحيح مسلم والموطأ للإمام مالك٥ رضي الله تعالى عنه رواية أبي مصعب وعلى ابن القواس٦ معجم ابن جميع٧ وعلى زينب بنت كندي وخلق كثير ورحل إلى مصر فسمع بها على أبي المعالي الأبرقوهي السيرة النبوية لابن إسحاق٨ وجزاء ابن الطلاية٩ وبالقاهرة من ابن الحافظ شرف الدين الدمياطي وغيره وسمع بالإسكندرية من الغرافي١٠ وببعلبك من التاج عبد الخالق١١ وبحلب من سنقر١٢ وبنابلس من العماد بن بدران١٣ وغيره وبمكة من الفخر التوزي وعدة مشايخ وأجاز له بالاستدعاء الشيخ علاء الدين ابن العطار وأحمد بن أبي الخير بن سلامة الحداد والشيخ عبد الرحمن بن أبي
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٦: ١٥٢. ٢ شذرات الذهب ٦: ٧٦. ٣ شذرات الذهب ٤: ٣٠١. ٤ شذرات الذهب ٥: ٤٤٥. ٥ شذرات الذهب ١: ٢٨٩. ٦ شذرات الذهب ٥: ٢٨٩. ٧ شذرات الذهب ٤: ١٥٧. ٨ شذرات الذهب ١: ٢٣٠. ٩ شذرات الذهب ٤: ١٤٥. ١٠ شذرات الذهب ٦: ١٠. ١١ شذرات الذهب ٥: ٤٣٥. ١٢ شذرات الذهب ٦: ١٤. ١٣ شذرات الذهب ٥: ٤٤٢.
[ ٥٩ ]
عمر وخلق كثير من أصحاب ابن طبرزد والكندي وحنبل وابن الحرستاني وغيرهم فشيوخه في معجمه الكبير أزيد من ألف ومائتين بالسماع والإجازة وخرج جماعة من شيوخه وأقرانه وعدل وخرج وصحح واستدرك وأفاد وانتقى واختصر كثيرا من تواريخ المتقدمين والمتأخرين وصنف الكتب المفيدة منها تاريخ الإسلام عشرين مجلدا وميزان الاعتدال في نقد الرجال مجلدين وطبقات الحفاظ مجلدين وطبقات القراء مجلد والمغني في أحوال الرواة مجلد ومصنفاته ومختصراته وتخاريجه تقارب المائة وقد سار بكل منها الركبان في أقطار البلدان وولي مشيخة الظاهرية قديما ومشيخة النفيسية والفاضلية والسكرية هذه وأم الصالح وغير ذلك ولم يزل يكتب ويصنف وينتقي حتى أضر في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ومات رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء الثالث من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق ودفن بمقبرة الباب الصغير ﵀ ثم ولي مشيخة السكرية هذه بعده الصدر المالكي قال الشيخ شمس الدين السيد في ذيل العبر سنة تسع وأربعين وسبعمائة والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم المالكي مدرس الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي انتهى. وقال صلاح الدين الصفدي في تاريخه في حرف السين سليمان بن عبد الحكم الشيخ الإمام الفاضل صدر الدين الباردي بالباء الموحدة وبعد الألف راء ودال مهملة المالكي الأشعري مدرس المدرسة الشرابيشية بدمشق مولده سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ووفاته يوم الأحد خامس جمادى الأخرة سنة تسع وأربعين وسبعمائة ودفن بالشرابيشية انتهى.
[ ٦٠ ]