بمشهد ابن عروة بالجانب الشرقي من صحن الجامع الأموي قبلي الحلبية ويعرف قديما بمشهد علي رضي الله تعالى عنه قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تاريخه في سنة عشرين وستمائة: ابن عروة شرف الدين محمد بن
[ ٦١ ]
عروة الموصلي المنسوب إليه مشهد ابن عروة بالجامع الأموي لأنه أول من فتحه وكان مشحونا بالحواصل الجامعية وبنى فيه البركة ووقف على الحديث دروسا ووقف خزائن كتبه فيه وكان مقيما بالقدس الشريف ولكنه كان من خواص أصحاب الملك المعظم١ فانتقل إلى دمشق حين خرب سور بيت المقدس إلى أن توفي بها وقبره عند قباب طغتكين٢ قبلي المصلى.
وقال الصلاح الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات: المنسوب إليه المشهد محمد ابن عروة شرف الدين والموصلي إنما نسب إليه لأنه كان يخزن فيه آلات تتعلق بالجامع فعزله وبيضه وعمل له المحراب والخزانتين ووقف فيهما كتبا وجعله دار حديث توفي رحمه الله تعالى سنة عشرين وستمائة وأول من ولي مشيخته الفخر بن عساكر أبو منصور الدمشقي قال ابن كثير في تاريخه في سنة عشرين وستمائة فخر الدين بن عساكر عبد الرحمن بن محمد بن الحسن ابن هبة الله بن عساكر أبو منصور الدمشقي شيخ الشافعية بها اشتغل من صغره بالعلم على شيخه قطب الدين مسعود النيسابوري٣ وتزوج بابنته ودرس مكانه بالجاروخية وبها كان يسكن في إحدى القاعتين اللتين أنشأهما وبها توفي غربي الإيوان ثم ولي تدريس الصلاحية الناصرية بالقدس الشريف ثم ولاه الملك العادل تدريس التقوية وكان عنده من الأعيان ثم تفرغ فلزم المجاورة بالجامع في البيت الصغير إلى جانب محراب الصحابة يخلو فيه للعبادة والمطالعة والفتاوى وكانت الفتاوى تفد إليه من كل الأقطار وكان كثير الذكر حسن السمت وكان يجلس تحت قبة النسر في كل يوم اثنين وخميس مكان عمه لإسماع الحديث بعد العصر فيقرأ دلائل النبوة وغيره وكان يحضر مشيخة دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة أول ما فتح وقد استدعاه الملك العادل لما عزل قاضيه زكي الدين بن الزكي٤ فأجلسه إلى جانبه وقت السماط وسأل منه أن يلي القضاء بدمشق فقال حتى أستخير الله
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٥: ١٥. ٢ شذرات الذهب ٤: ٦٥. ٣ شذرات الذهب ٤: ٢٦٣. ٤ شذرات الذهب ٥: ٧٣.
[ ٦٢ ]
تعالى ثم امتنع من ذلك فشق على السلطان امتناعه وهم أن يؤذيه فقيل له احمد الله الذي في بلادك مثل هذا ولما توفي العادل١ وأعاد ابنه المعظم الخمور انكر عليه الشيخ الدين فبقى في نفسه منه فانتزع منه تدريس الصلاحية التي بالقدس وتدريس التقوية ولم يبق معه سوى الجاروخية ودار الحديث النورية ومشهد ابن عروة وكانت وفاته يوم الأربعاء بعد العصر عاشر رجب من هذه السنة وله خمس وستون سنة وصلي عليه بالجامع وكان يوما مشهودا وحملت جنازته إلى مقابر الصوفية فدفن بها في أولها قريبا من شيخه قطب الدين مسعود انتهى ملخصا.
وقال الذهبي في العبر: وكان له مصنفات في الفقة لم تنشر وقال الاسدي في تاريخه في سنة عشرين وستمائة: الشيخ فخر الدين بن عساكر عبد الرحمن ابن محمد بن الحسن بن عبد الله بن الحسين الإمام المفتي فخر الدين أبو منصور الدمشقي الشافعي ابن عساكر شيخ الشافعية بالشام ولد في شهر رجب سنة خمسين وخمسمائة وسمع من عمية الصائن٢ والحافظ أبي القاسم٣ وحسان الزيات٤ وأبي المكارم بن هلال٥ وأبي المعالي بن صابر٦ وجماعة وتفقه على الشيخ قطب الدين النيسابوري حتى برع في الفقه وزوجه القطب بابنته وولي تدريس الجاروخية ثم الصلاحية بالقدس ثم تدريس العزيزية وكان عنده بالتقوية فضلاء الوقت حتى كانت تسمى نظامية الشام وهو أول من درس بالعذراوية في سنة ثلاث وتسعين وكان يقيم بالقدس الشريف أشهرا وبدمشق الشام أشهرا وكان لا يمل الشخص من النظر إليه لحسن سمته واقتصاده في لباسه ولطفه ونور وجهه وكان لا يخلو لسانه من ذكر الله تعالى وكان يسمع عليه تحت قبة النسر وهو المكان الذي كان يسمع فيه على الحافظ أبي القاسم عمه وكان العادل قد طلبه لتوليه القضاء فألح عليه فامتنع وأصر على
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٥: ٦٥. ٢ شذرات الذهب ٤: ٢٠٧. ٣ شذرات الذهب ٤: ٢٣٩. ٤ شذرات الذهب ٤: ١٨٨. ٥ شذرات الذهب ٤: ٢١٥. ٦ شذرات الذهب ٤: ٢٥٦.
[ ٦٣ ]
الامتناع وأشار بتولية ابن الحرستاني.
قال أبو شامه" كان يتورع من المرور في رواق الحنابلة لئلا يأتموا بالوقيعة فيه وذلك ان عوامهم يبغضون بني عساكر لأنهم أعيان الأشعرية الشافعية وعزله الملك المعظم عن توليته تدريس العادلية لكونه أنكر عليه تضمين المكوس والخمور ثم أنه لما حج اخذ منه التقوية واخذت منه قبل ذلك الصلاحية التي بالقدس وما بقي معه الا الجاروخية روى عنه الزكي البرزالي والضياء المقدسي والتاج عبد الوهاب بن زين الامناء١ والزين خالد٢ وغيرهم وتفقه عليه جماعة منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال ابن الحاجب هو أحد الائمة المبرزين بل وأوحدهم فضلا وكبيرهم شيخ الشافعية في وقته وكان إماما زاهدا ذاكرا لله كثير التهجد غزير الدمعة حسن الإخلاق كثير التواضع قليل لغضب سلك طريق أهل اليقين وكان أكثر أوقاته في بيته في الجامع وفي نشر العلم وكان مطرح التكلف وعرض عليه مناصب وولايات دينية فتركها وحدث بمكة المشرفة ودمشق والقدس الشريف وصنف في الفقه وفي الحديث عدة مصنفات.
قال الشهاب القوصي في معجمه: كان شيخنا فخر الدين كثير البكاء سريع الدموع كثير الورع والخشوع وافر التواضع عظيم الخضوع وكثير التهجد قليل الهجوع مبرزا في علم الأصول والفروع جمعت له العلوم والزهادة وعليه تفقهت فأحرزت الإفادة توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب قال أبو شامة أخبرني من حضر وفاته قال: صلى الظهر ثم جعل يسأل عن العصر فقيل له لم يقرب وقتها فتوضأ ثم تشهد وهو جالس وقال: رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا لقنني الله حجتي وأقالني عثرتي ورحم غربتي ثم قال: وعليكم السلام فعلمت أنه قد حضرته الملائكة ثم انقلب على قفاه ميتا رحمه الله تعالى ودفن بمقابر الصوفية بطرفها الشرقي
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٥: ٣٠٢. ٢ شذرات الذهب ٥: ٣١٣.
[ ٦٤ ]
جوار تربة شيخه القطب وكان الجمع لا ينحصر من الكثرة انتهى كلام الأسدي ثم وليها بعده الحافظ زكي الدين البرزالي.
قال الصفدي في الوافي: محمد بن يوسف بن محمد بن يداس بالياء التحتية والدال المهملة المشددة والسين المهملة بعد الألف الحافظ الرحال زكي الدين أبو عبد الله البرزالي ذكر ان مولده تقريبا سنة سبع وسبعين وخمسمائة قدم دمشق سنة خمس وستمائة ثم رجع إلى مصر ثم رد إلى دمشق ورحل إلى خرسان وبلاد الجبل وسمع بأصبهان ونيسابور ومرو وهراة وهمذان وبغداد والري والموصل وتكريت وإربل وحلب وحران وعاد إلى دمشق بعد خمس سنين واستوطنها وكتب بخطه عن دير ودرج وأم بمسجد فلوس طرف ميدان الحصى وولي مشيخة مشهد عروة ولم يفتر عن السماع حدث بالكثير وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وستمائة انتهى.
قال ابن كثير في سنة ست وثلاثين المذكورة: الحافظ الكبير زكي الدين أبو عبد الله احد من اعتنى بصناعة الحديث وبرز فيه وأفاد الطلبة وكان شيخ الحديث بمشهد عروة ثم سافر إلى حلب فتوفي بحماة في رابع عشر شهر رمضان من هذه السنة وهو والد شيخنا علم الدين القاسم بن محمد البرزالي مؤرخ دمشق الذي ذيل على الشيخ شهاب الدين أبي شامة وقد ذيلت انا على تاريخه بعون الله تعالى وقدرته انتهى. ثم وليها بعده العلامة الفخري الحنبلي.
قال ابن كثير في تاريخه سنة ثمان وثمانين وستمائة: الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي شيخ دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة وشيخ الصدرية وكان يفتي ويفيد الناس مع ديانة وصلاح وعبادة وزهادة ولد سنة إحدى عشرة وستمائة وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب فيها انتهى وهذا آخر ما انتهى عمن ولي مشيختها وأما مشيخة الحديث بالجامع الأموي فالظاهر انها غير مشيخة عروة هذا وهي التي وليها الشيخ المقري شمس الدين محمد بن سلام الشافعي.
[ ٦٥ ]
قال تقي الدين الأسدي في ذيله في صفر سنة ست وعشرين وثمانمائة عنه: قرأ القرآن على الشيخ نجم الدين العجمي وكان له دكان يتسبب فيها ويحيى في شهر رمضان بمحراب الصحابة ﵃ ثم بعد الفتنة قرأ صحيح البخاري على الشيخ جمال الدين بن الشرايحي وأذن له في قراءته وصحب الشيخ محمد بن قديدار١ ولازمه فصار من خواصه الملازمين له وعرفه الناس بواسطة الشيخ وحصل له وظائف جيدة مشيخة الحديث بالجامع الأموي وأذان وقراءة حديث وجلس بالجامع يقرأ عليه القرآن والبخاري ويشتغل مع ذلك بالعلم مع الطلبة وعنده سكون ويقرأ الحديث بفصاحة طعن يوم الاثنين خامس عشرة وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس تاسع عشرة وصلى عليه بالجامع الأموي الشيخ محمد بن قديدار وقاضي القضاة وخلق كثير مع أنه كان يوما مطيرا ودفن بمقبرة باب الصغير وهو في عشر الخمسين وعمل له الؤذنون من الغد بعد الصلاة ختمة في المقصورة انتهى واستقر في مشيخة إسماع الحديث بالجامع الأموي عوضه الشيخ العلامة شمس الدين البرماوي وجرى بسبب ولايته فتنة كانت هي أول أسباب محنة القاضي نجم الدين ابن حجي٢ الشافعي وقد قرأ البخاري بالجامع المذكور خلق كثير منهم ما قاله الشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة في شوال سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة وممن توفي الخطيب الخير الفاضل زين الدين بن طلحة بن السلف ربي بأرض المصلى وقرأ التنبيه أو بعضه واشتغل بالفرائض والحساب وفضل فيهما واشتغل بالنحو وقرأ البخاري بالجامع الأموي عدة سنين ولازمني في الفقه في التنبيه وشرحه مدة ومع ذلك فلم ينجب لوقوف ذهنه وكان في آخر عمره يكتب على فتاوى الفرائض والحساب ويأخذ الأجرة على ذلك كغيره من أصحاب هذا الفن وخطب بالمصلى مدة طويلة وبيده أذان بالجامع وهو أخو الرئيس فخر الدين وبيده فقاهات وكان ضغيف البنية منقبضا عن الناس،
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٧: ٢١٨. ٢ شذرات الذهب ٧: ١٩٣.
[ ٦٦ ]
سليم الباطن وكان الشيخ تقي الدين الحصني١ يقصد أن يصلي خلفه الجمعة توفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء رابع عشرة وصلي عليه بالمصلى ودفن بالباب الصغير عن نحو ستين سنة انتهى.
وقوله ويأخذ الأجرة على ذلك إلى آخره، قال الصفدي في تاريخه في ترجمة محمد بن موهوب بن الحسن الفرضي الضرير: إنه كان أوحد أهل وقته في علم الفرائض والحساب وله مصنفات حسنة في ذلك قرأ عليه جماعة وتخرجوا به إلى أن قال: وكان لا يأخذ أجرة على تعليمه الفرائض والحساب ولكن يأخذ الأجرة على الجبر والمقابلة ويقول الفرائض مهمة وهذا من الفضل انتهى ولم يذكر له وقت وفاة ولا ميلاد.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٧: ١٨٨.
[ ٦٧ ]