بالكلاسة كذا رأيته بخط الشيخ تقي الدين الأسدي ورأيت في كتاب ابن شداد٢ قال زكرياء: في الجامع من حلق الحديث ميعاد بالكلاسة للقاضي الفاضل انتهى. وقال أبو شامة في كلامه على وفاة صلاح الدين٣: إن تربته جوار المكان الذي زاده الفاضل في المسجد انتهى قلت والفاضل هو عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسين بن أحمد ابن الفرج بن احمد القاضي محيي الدين٤ وقيل مجير الدين أبو علي ابن القاضي الأشرف ابي الحسن اللخمي البيساني العسقلاني المولد المصري المنشأ صاحب العبارة والفصاحة والبلاغة والبراعة ولد في جمادى الأولى سنة تسع بتقديم التاء وعشرين وخمسمائة.
وقال الأسدي في تاريخه سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة: انتهت إليه براعة الإنشاء وبلاغة الترسل وله في ذلك معان مبتكرة لم يسبق إليها مع كثرتها اشتغل بصناعة الترسل على الموفق يوسف بن الخلال٥ شيخ الإنشاء
_________________
(١) ٢ شذرات الذهب ٥: ٣٨٨. ٣ شذرات الذهب ٤: ٢٩٨. ٤ شذرات الذهب ٤: ٣٢٤. ٥ شذرات الذهب ٤: ٣٢٤.
[ ٦٧ ]
للمتأخرين ثم إنه دخل ثغر الإسكندرية في سفينة وأقام بها مدة.
قال عمارة١ الفقيه اليمني: ومن محاسن العادل بن الصالح بن رزيك خروج امره إلى والي الإسكندرية بتسيير القاضي الفاضل إلى الباب واستخدامه في ديوان الجيوش فإنه غرس منه للدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النماء أصلها ثابت وفرعها في السماء وقد سمع أبا طاهر السلفي٢ وأبا محمد العثماني وأبا طاهر ابن عوف وأبا القاسم ابن عساكر الحافظ وعثمان بن سعيد بن فرج العبدي وكان كثير الصدقات والصوم والصلاة ورده في كل يوم وليلة ختمة كاملة.
قال المنذري: ركن السلطان صلاح الدين إليه ركونا تاما وتقدم عنده كثيرا وله آثار جميلة ظاهرة مع ما كان عليه من الإغضاء ولاحتمال وقال الموفق عبد اللطيف٣: كان له غرام بالكتابة وتحصيل الكتب وكان له العفاف والدين والتقى مواظب على اوراده ولما ملك أسد الدين شيركوه احتاج إلى كاتب فأحضره فأعجبه سمته وتصوره فلما ملك صلاح الدين استخلصه لنفسه وحسن اعتقاده فيه وكان قليل اللذات كثير الحسنات دائم التهجد مشتغلا بالأدب وكان قليل النحو لكن له دربة قوية توجب قلة اللحن وكتب في الإنشاء ما لم يكتبه أحد وكان متقللا في مطعمه ومنكحه ولباسه يلبس البياض ولا يبلغ جميع ما عليه من ثياب دينارين ويركب معه غلام وركابي ولا يمكن أحدا أن يصحبه ويكثر لقي الجنائز وعيادة المرضى وزيارة القبور وله معروف في السر والعلانية وكان ضعيف البنية رقيق الصورة له حدبة يغطيها الطيلسان وكان فيه سوء خلق يكمد به في نفسه ولا يضر أحدا به ولأصحاب الفضائل عنده نفاق يحسن إليهم ولا يمن عليهم ولم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان إليهم والإعراض عنهم وكان دخله ومعلومه في السنة نحو خمسين ألف دينار سوى متاجر الهند
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٤: ٢٣٤. ٢ شذرات الذهب ٤: ٢٥٥. ٣ شذرات الذهب ٥: ١٣٢.
[ ٦٨ ]
والمغرب وغيرهما وأحوج ما كان إلى الموت عند تولي الإقبال وإقبال الإدبار وهذا يدل على أن الله تعالى به عناية.
وقال ابن خلكان: نقل عنه أنه قال أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا اجتمعت ما تقصر عن مائة مجلدة وله نظم كثير وقيل أن كتبه التي ملكها تكون مائة ألف مجلدة. وقد اثنى عليه العماد الكاتب١ اثناء عظيما في الخريدة وغيرها توفي فجأة في سابع شهر ربيع الآخر يوم دخول العادل إلى قصر مصر واحتفل الناس في جنازته وزار قبره في اليوم الثاني الملك العادل وتأسف عليه ويقال أنه لما سمع أن الملك العادل لما أخذ الديار المصرية دعا على نفسه بالموت خشية أن يستدعيه وزيره صفي الدين بن شكر٢ أو يجري في حقه إهانة فأصبح ميتا رحمه الله تعالى وكان له معاملة حسنة مع الله تعالى وتهجد بالليل وله مدرسة بالقاهرة على الشافعية والمالكية ومكتب للأيتام وترجمه الذهبي في تاريخه في ورقتين ونصف وقال: إنه كتب في ديوان الإنشاء في الدولة الفاطمية ولما صار أسد الدين شيركوه وزيرا في الديار المصرية جعله كاتبا ومشيرا وقال ابن كثير: والعجب أن القاضي الفاضل مع براعته وفصاحته التي لا يداني فيهما ولا يجارى لا يعرف له قصيده طويلة طنانة له ما بين البيت والبيتين والثلاثة في أثناء الرسائل وغيرها انتهى كلام الأسدي. قال بعضهم: بل له قصيدة طويلة مطلعها:
لله روض بالحدائق محدق وبكل ما تهوى النواظر مونق
وهي فوق الثلاثين بيتا وغيرها أطول منها انتهى. قلت والوقف على دار الحديث هذه مزرعة برتايا لصيق أرض حمورية يفصل بينهما نهر كذا أخبرني المحب بن سالم وغيره وهي بيد الزيني عبد الغني بن السراج ابن الخواجا شمس الدين بن المزلق ثم صارت للمحب ناظر الجيش بدمشق في سنة خمس عشرة وتسعمائة ولعل أول من درس بها التقي اليلداني انتهى قال ابن كثير في سنة خمس وخمسين وستمائة: وبها توفي الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن أبي
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٤: ٣٣٢. ٢ ابن كثير ١٣: ١١٨.
[ ٦٩ ]
الفهم اليلداني في ثامن شهر مشتغلا بالحديث سماعا وكتابة وإسماعا إلى أن توفي وله نحو من مائة سنة قلت وأكثر كتبه ومجاميعه التي بخطه موقوفة بخزانة الفاضلية في الكلاسة ثم وليها بعده النجم أخو البدر.
قال ابن كثير في سنة سبع وخمسين وستمائة والنجم أخو البدر مفضل وكان شيخ الفاضلية في الكلاسة وكانت له إجازة من السلفي انتهى. ثم وليها بعده الحافظ الذهبي وقد تقدمت ترجمته في دار الحديث السكرية ثم وليها بعده الحافظ المتقن المعمر الرحلة تقي الدين أبو المعالي محمد ابن الشيخ المحدث المقري جمال الدين أبي محمد رافع بن هجرس بن محمد ابن شافع السلامي بتشديد اللام الصميدي المصري المولد والمنشأ ثم الدمشقي ميلاده في ذي القعدة سنة أربع وسبعمائة أحضره والده على جماعة وأسمعه على آخرين واستجاز له الحافظ الدمياطي ورحل به والده إلى الشام في سنة أربع عشرة وسبعمائة وأسمعه من طائفة ورجع وتوفي والده فطلب بنفسه في حدود سنة إحدى وعشرين وتخرج في علم الحديث بالحافظ قطب الدين الحلبي ثم بالحافظ أبي الفتح بن سيد الناس وسمع وكتب بنفسه ثم رحل إلى الشام أربع مرات وسمع بها وأخذ عن حفاظها المزي والبرزالي والذهبي وذهب في بعضها إلى بلاد الشمال ثم قدمها خافقا صحبة القاضي تقي الدين السبكي واستوطنها ودرس بها بدار الحديث النووية وليها بعد وفاة المزي المذكور سنة ثلاث وأربعين والفاضلية بالكلاسة بعد وفاة الذهبي وعمل لنفسه معجما في أربع مجلدات وهو في غاية الضبط والإتقان مشحون بالفوائد يشتمل على أكثر من ألف شيخ وجمع وفيات ذيل بها على البرزالي وصنف ذيلا على تاريخ بغداد لابن النجار أربع مجلدات وتخرج به جماعة من الفضلاء وانتفعوا به وخرج له الذهبي جزءا من عواليه وحدث قديما وحديثا ذكره الذهبي في المعجم أي المختص وقال فيه العالم المحدث المفيد الرحال المتقن وفي بعض نسخ المعجم المذكور وصفه بالحافظ وقال الحافظ شهاب الدين ابن حجي السعدي: كان ذا معرفة تامة تفنن بالحديث ومعرفة الرجال والعالي والنازل متقنا محررا لما
[ ٧٠ ]
يكتبه ضابطا لما ينقله وعنه أخذت هذا العلم وقرأت عليه الكثير وعلقت عنه فوائد كثيرة وكان يحفظ المنهاج والألفية لابن مالك ويكرر عليهما وولي مشيخات كالقوصية والنورية ثم حصل له وسواس في الطهارة حتى انحل بدنه وأفسدت ثيابة وهيأته ولم يزل مبتلي به إلى أن مات في جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وسبعمائة ودفن بباب الصغير ثم وليها بعده الإمام العالم الأوحد المفتي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد العزيز بن رضوان البعلي المعروف بابن الموصلي ميلاده سنة تسع وتسعين بتقديم التاء فيهما وستمائة وسمع من جماعة وتفقه بحماة على الشيخ شرف الدين بن البارزي١ وغيره وأقام بطرابلس وصار من فضلائها وكتب بخطه المليح شيئا كثيرا نسخا وحصل مالا وكتبا ثم طلب إلى دمشق بسبب توليه خطابة جامع يلبغا حين شرع في بنائه وخطب به قبل فراغه ثم توفي الواقف وجرت خطوب وصار للحنفية فأقام بدمشق وكان يجلس عند باب مئذنة العروس يشتغل هناك في العلم وله تصدير على الجامع ويواظب على سوق الكتب وولي مشيخة الفاضلية هذه بعد ابن رافع ونظم مطالع الأنوار وفقه اللغة والمنهاج للنواوي.
وقال الحافظ شهاب الدين بن حجي السعدي: كان يحفظ علما كثيرا من لغة وحديث ومذاهب العلماء ويفتي على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى ونظمه جيد حسن وخطه فائق منسوب توفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ٦: ١١٩.
[ ٧١ ]