جاء فيها بعد التحية التي زاد فيها السلطان صلاح الدين وأفاض، تحديد ما فتحه من بلاد الشام، كما حدد الباقي منها في يد الصليبيين وهى: ثغر طرابلس، وصور، ومدينة أنطاكية، وهو يرجو الله أن يفك أسرها.
ثم يشير إلى النجدات التي لبت صرخة الصليبيين في الشام، فأخرت فتح بقية البلاد التي في أيديهم، ويذكر مجيء ملك الألمان إليهم في البر والبحر بأعداد مهولة.
ويقول:" إن عدة الأعداء مائة ألف أو يزيدون، وأنه حاربهم بأصدق عزيمة، حتى أصبحوا لا يستطيعون قتال الثغر، لأنهم محصورون أشد الحصر، غير أنهم خندقوا أو سوروا ".
وخرج ملك الألمان قاصدًا الشام، فبعث إليه صلاح الدين من يلقاه، ويضطره إلى تغيير مساره، سالكًا مسلكًا وعرًا، فأدركه الموت غرقًا، وبقي له ولد هو الآن المقدم والمؤخر، وقائد الجمع المكسر، فيعود إلى عكا في البحر تهيبًا أن يسلك البر.
وقبل أن ينهى صلاح الدين رسالته يقول: "كان المتوقع من تلك الدولة العالمية، والعزمة الفادية، مع القدرة الوافية، والهمة المهدية الهادية، أن يمد غرب الإسلام المسلمين بأكثر مما أمد به غرب الكفار الكافرين فيملأها عليهم جواري كالأعلام، ومدنا في اللجج سوائر كأنها الليالي مقلعة بالأيام، تطلع علينا معشر الإسلام آمالًا، وتطبع على الكفار آجالًا ".
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق.
[ ٥٩ / ١٦٨ ]
وكان سفير السلطان صلاح الدين، أو الممثل الشخصي له على حد قولنا الآن إلى ملك المغرب، هو الأمير أبو العزم عبد الرحمن بن منقذ، وقد ورددت في الرسالة كلمة تشيد بمكانته، وعلو منزلته، مما سبق الإشارة إليه في الوصايا، وصحبت هذه الرسالة هدية، وفصلت محتوياتها١.
وتختم هذه الرسالة بخاتمة طويلة لم نعهد مثلها فيما قبل سواء في المكاتبات المرسلة إلى الخليفة العباسي أو الخليفة المغربي، ونصها: "والسلام الصادر عن القلب السليم، والود الصميم والعهد الكريم، على حضرة الكرم العلية، وشدة السيادة الجلية، سلام مودة ما وفد الغرب قبلها مثلها، ورسالة ما خطرت إلى أن نفذت وراءها المحبة رسلها، وليصل السلام ورحمة الله وبركاته، ورضوانه وتحياته، إن شاء الله تعالى٢.
[ ٥٩ / ١٦٩ ]