أرسل السلطان صلاح الدين رسالة بقلم القاضي الفاضل إلى أخيه الملك العادل أبي بكر، بشأن انتصار الأطول المصري بقيادة أميره حسام الدين لؤلؤ على الأسطول الصليبي، الذي جرؤ فعبر مياه البحر الأحمر، قاصدا مهاجمة مدينتي مكة والمدينة، وذلك في شوال سنة ٥٧٨ هـ = فبراير ١١٨٣ م.
تبتدأ هذه الرسالة هكذا: " وصل كتابك المؤرخ بخامس ذي القعدة المسفر عن المسفر من الأخبار، المتبسم عن المتبسم من الآثار، وهي نعمة تضمنت نعما، ونصرة جعلت الحرم حرما، وكفاية ما كان الله ليؤخر معجزة نبيه - ﷺ - بتأخيرها، وعجيبة من عجائب البحر التي يتحدث عن تسييرها وتسخيرها " ١.
وقد راعى القاضي الفاضل في هذه المقدمة الالتزام بالجناس والسجع كعادته.
ثم يقول: " وما كان لؤلؤ فيها إلا سهما أصاب وحمد مسدده، وسيفا قطع وشكر مجرده ركب السبيلين: برًا وبحرًا، وامتطى السابقين: مركبا وظهرا، وخطا فأوسع الخطو، وغزا فأنجح الغزو ٢" وهو يبدى إعجابه بالبسالة الحربية والتضحية المالية التي بذلها المسلمون.
ثم يتحدث عما يفعله مع الأسارى في هذه المعركة، فيقول: " وأما هؤلاء الأسارى فقد ظهروا على عورة الإسلام وكشفوها، وتطرقوا بلاد القبلة وتطوفوها، ولا بد من تطهير الأرض
_________________
(١) ١ أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٦ ٢ أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٦
[ ٥٨ / ١٧٣ ]
من أرجاسهم، والهواء من انفاسهم، بحيث لا يعود منهم مخبر يدل الكفار على عورات المسلمين"١
وفي هذه الرسالة يحذر المسلمين بعد هذا الانتصار الباهر من مكر الصليبيين وغدرهم، وهنا يحل حديثنا لرسول الله ﷺ وهو: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ".. ويقول: " ان اللدغة الأولى تكفي لمن له في النظر تفقه ".
ثم يرسل إليه كتابًا ثانيًا، والذي بين أيدينا منه قطعة فيها تهنئة بالظفر، ثم يأمره بالإسراع بقتل الأسارى، ليتعظ غيرهم بما نالهم، فليس في قتل هؤلاء الكفار مراجعة، ولا للشرع في إبقائهم فسحة، ولا في استبقاء واحد منهم مصلحة ٢. فالله قد أباح قتلهم لغدرهم، أن الغرض من ذلك تهديد غيرهم، فالجرم الذي اقترفوه كبير، لولا لطف الله العلي القدير.
ويلحق هذا الكتاب بثالث، ويستعجله فيه بضرورة القضاء عليهم ونصه " قد تكرر القول في معنى أسارى بحر الحجاز، فلا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ٣، ولا توردهم بعد ماء البحر إلا نارا، فأقلهم إذا بقى جنى الأمر الأصعب ’، ومتى لم تعجل الراحة منهم، وعدت العاقبة بالأشق الأتعب "٤
وتنفيذ لأوامر السلطان صلاح الدين، تولى الصوفية والفقهاء قتلهم ٥ جميعا، وهذه الرسائل الثلاث في قصرها تشبه البرقيات في عصرنا الحالي، كما أنها تدل على حنكة عسكرية من السلطان صلاح الدين القائد المظفر، إذ يرى ضرورة القضاء على هؤلاء الأسارى ’ شارحا في إيجار الدواعي التي من أجلها يأمر بالقضاء عليهم، وألا يستثنى من هذا الحكم أحدا منهم.
وقد اهتم المؤرخون بالاحتفاظ بالرسالة الأولى كاملة تقريبًا، أما الرسالتان التاليتان، فقد احتفظوا بقطعتين منهما.
وكان لهذه السرعة وهذا الإيجار أثرهما في أسلوب هذه الرسائل، فالمقدمة في الكتاب الأول قصيرة، وأرجح أن مقدمة الكتابين التاليين كانت تنهج نفس السبيل، ولم تسهب الرسالة الأولى في وصف سير المعركة، وكذلك بالنسبة لوصف الأسارى والانتصار عليهم، وطلب السلطان صلاح الدين القضاء عليهم.
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق. ٢ أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٦. ٣ سورة نوح آية ٢٦. ٤ أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٦، ٣٧. ٥ أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٥
[ ٥٨ / ١٧٤ ]
وفي الكتابين التاليين في القطعتين الباقيتين عبارات قصيرة. تنصب كلها على الهدف المباشر وهو التخلص من الا ساري في كلمات قليلة واضحة. ولم تلجا القاضي الفاضل فيها إلى إستعارة أو كناية. فالوقت لا يسمح بذلك. هذا تخلاف ما سنجده في كتبه إلى الخليفة في هذا الموضوع.
[ ٥٨ / ١٧٥ ]