الباب الثاني: الرسائل الحربية
هذه الرسائل كانت تحرر بقلم رئيس ديوان الإنشاء، إما عن لسان السلطان أو الملك. أو تكتب تعبيرا عما يقصده رئيس الديوان لنفسه.
وقد ازدهرت وكثرت في عهد السلطان صلاح الدين، الذي أسس الدولة الأيوبية في مصر، ووصفت المعارك الحربية وصفا تفصيليا، في أسلوب يمتاز بالقوة والجزالة فيناسب المعارك وضراوتها، والإنتصارات والفرحة بها.
وهذه الرسائل تعد من الناحية التاريخية وثائق بالغة الأهمية، وتعد من الناحية الإعلامية سلاحا رادعا يساعد على النصر ويؤازره، كما أنه يبث الرعب في نفوس الأعداء ويرهبهم، بل هو من العوامل الهامة في قهرهم والإطاحة بهم.
فقد خاضت الجيوش العربية حروبا شرسة ضد الحشود الصليبية، وتم في هذه اللقاءات انتصارات حربية رائعة، توجتها معركة حطين، التي تطهر فيها بيت المقدس من دنس المغتصبين له.
وتقل الرسائل الحربية في الفترة التي تلى حكم السلطان صلاح الدين إلى نهاية الدولة الأيوبية، حيث قامت المنازعات ببن أفراد الأسرة الحاكمة، كما أنه لم يكن لأحد ممن خلف السلطان صلاح الدين في الملك قوة في الشخصية مثلما كان له، وبالاختصار يعد عصر السلطان صلاح الدين العصر الذهبي في حكم هذه الأسرة، وهو أطولها مدة، وأدعمها قوة.
منشور بخصوص كسر السلطان صلاح الدين عساكر حلب وحماة:
هذا المنشور بقلم القاضي الفاضل، يبدأه بشكر الله ﷾ على نعمه السابغة هكذا: "لله ﷾ عندنا عوائد نعم، قد صارت كالأمر المعروف والواقع المألوف، والضياء اللازم للصباح، والعرف المتضوع مع الرياح، لا تستغرب غرائبها وإن كانت بديعة. ولا تبهر عجائبها وإن كانت وسيعة وشيعة"١.
ثم يأتي مباشرة إلى هدفه، وهو أن الحلبيين قد صاروا بنيانا مرصوصا في الخلاف، وعقدا واحدا في واحدا في الإنشقاق والانحراف فعندما علم السلطان صلاح الدين بمسير عسكر المواصلة
_________________
(١) ١ من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ١٠٢.
[ 55 - 56 / ١٩٩ ]
والحلبيين لقصد حماة، وهو وقتذاك بحمص، بعث إليهم في طلب الصلح، يشترط أن يسلم لهم حمص وحماة وبعلبك وجميع الحصون التي فتحها، مقابل اعترافهم بجنوب الشام، فأبوا عليه ذلك تحت ضغط غازي الطامع أن يخلف نور الدين في الشام كله والجزيرة كذلك١.
ولذا لم يجد صلاح الدين بدا من السير إلى قرون حماة وهناك عاود الكتابة إليهم دون جدوى، فاستعد حينئذ للحرب، ولقيهم في يوم ١٩ رمضان سنة ٥٧٠ هـ = ١٣ أبريل ١١٧٥ م٢.
واستطاع السلطان صلاح الدين أن يحمل على العدو، ويزيلهم عن مواقفهم، ويجتاز معسكرهم، وهم يعدون أمامه صوب حلب، تاركين غنائم كبيرة وآلة وسلاحا عظيما، ودواب كثيرة، ولحق بهم السلطان صلاح الدين في حلب وحاصرها للمرة الثانية، وأشتد على الحلبيين الحصار وطال، فراسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، مضافا إليه المعرة وكفر طاب، وبارين، ولهم ما بأيديهم منها، واشترطوا كذلك أن يكون الدعاء للسلطان الطفل في جميع منابر البلاد التي تحت يد السلطان صلاح الدين وولاية أصحابها، وأن تكون السكة باسمه، وأن ينجد السلطان صلاح الدين بنفسه وجيشه السلطان إسماعيل عسكريا إذا قصده العدو.
فأجابهم صلاح الدين إلى جميع ما طلبوه سياسيا وعسكريا، وأنتظم الصلح، ثم رحل السلطان صلاح الدين عائدا إلى حماة.
والجانب الإعلامي من إذاعة هذا المنشور، هو تفهيم الناس أن السلطان صلاح الدين، لم يقصد في محاربته أحدا من المسلمين ألبتة، بل أراد توحيد كلمتهم بالتفاهم الودي والإتفاق السياسي أولا، حتى إذا أخفق في الإتفاق بالمفاوضة عمد إلى القتال في غير هوادة.
وفيه يصف السلطان صلاح الدين هذا الفتح بأنه كان لفتوحه أميرا، وكان لبعده من سعادات الأيام بشيرا.
_________________
(١) ١ الدكتور سعداوي: التاريخ الحربي ص ٦٥. ٢ أبو شامة: الروضتين جـ ١ ص ٢٥٠.
[ 55 - 56 / ٢٠٠ ]
الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية للدكتور محمد نغش أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالجامعة-٢-
كتاب بشأن الحصن الذي استجده الفرنج وهدمه السلطان صلاح الدين.
أرسل القاضي الفاضل إلى بغداد رسالة عن هدم هذا الحصن الحصين، وقدم لها مقدمة طويلة تشمل- كالعادة- تمجيدًا للخليفة العباسي، والدعاء له، ومما جاء فيها:
"الدولة العباسية الإمامية المستضيئة، يرفع الله منارها، ويعمر قلوب البشر من بشائرها الموجبة لاستبشارها، ويحرز لها من الفتوحات التي تتدارك لها خواطر القنوط، وتمد الرجاء بعد تقلص ظله المبسوط، وتمضي لها من عزائم الأولياء، وتذل بها من أعناق الأعداء، ويظهر من دلائل العنايات بأمرها، ويرسل ملائكة سمائية إلى أرضه لنصرها ويقشع من ظلمات الخطوب برايتها السوداء ويدها البيضاء، ونعمتها الخضراء، وبحور أنعامها الزرقاء، وسيوف انتقامها التي تخرق الآجال برايتها الحمراء١.
استدعى السلطان صلاح الدين أخيار البلاد الشامية وعشائرهم، وكتائب من التركمان، وحمل إليهم الأموال وآلات القتال، ومن بينها المنجنيقات وعددها، وسلاليم لمرمى القلاع ومصعدها.
وسار بهذا الجيش الجرار إلى المخاضة في يوم السبت ١٩ ربيع الأول سنة ٥٧٥ هـ – ٢٥ أغسطس ١١٧٩ م.
وهنا يصف القاضي الفاضل الحصن الحصين. فهو مبني على تلال وعرة عالية. وأبراجه مرتفعة متينة، وقد عرض حائطه إلى أن زاد على عشرة أذع، وبني من حجارة صلدة، توعز للحديد بأنه من الصعب هدمه.
_________________
(١) من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٥.
[ ٥٧ / ١٣٧ ]
وبداخل الحصن ما يزيد على أَلف وخمسمائة رجل، ولديهم الجروخ١ الوثيقة، "وقد نصبت عليه مجانيق يروع خاطر الجسارة منظرها، وتلتهم الحصون فكيف الخيام حجرها؟، ويسري إلى الأجساد خبرها، وحفر له خندق أحاط بالمدينة سرادقه، وفتحت أبوابها ثقة بما صانته مغالقه، وقد بنوه حتى لا تنهار حروفه، ووسعت حتى لا تنجار جروفه٢.
ثم ركب السلطان صلاح الدين ثاني يوم الأحد إلى صفد، فقطع منها قضب الكروم والأخشاب، فأما الكروم فليجعلها ستائر للمنجنيقات للتمويه على العدو مثلما تفعل الجيوش المحاربة في العصر الحاضر، وأما الخشب ونشارته فبغرض إيقاد النار في أسوار الحصن بعد نقبها.
وعاد السلطان صلاح الدين في نفس اليوم إلى المخاضة، واستقر رأيه على قتال الحصن بطريقتين، وهما القتال زحفا مع نقب الأسوار في آن واحد.
ونقف قليلًا أمام هذه العبارة "وعلم- أي صلاح الدين- أن أمرًا أَوله الاستخارة، وأوسطه الاستشارة، وخاتمته الجسارة، فإن الجامع بينها لا يندم٣".
ففيها رغم إيجازها وصف كامل للحالة النفسية للمقاتلين الذين يستعينون بالله على محاربة عدوهم، ثم يليها استشارة القائد ضباطه لأخذ آرائهم، ثم الشجاعة والجرأة التي تنجم عن تعبئة روحية عالية، تكون النتيجة الظفر على الأعداء بإذن الله.
ثم يلي ذلك وصف المعركة، ومنه: "وفي الحال أَطافت بالحصن المقاتلة من جميع أقطاره، ولبوا تلبية الحجيج، وكل يرمي جمرة سهم، وعبرت الآجال المسماة على قناطر القسي المحنية، وقدحت زنودها البيض شرار جمر المنية، فصارت الأبرجة كأنها مستلئمة
_________________
(١) ١ الجرخ (GARKH) مأخوذ عن الفارسية (تشرخ TCHARKH) وهو نوع من القوس الرامي، ترمي عنه النشاط أو النفط، هكذا تصفه النصوص وهكذا وصفه دوزي بأنه: (UNEARBOLETE AVEC LA QELLE ON LANCAIT، SOIT DE FLECHES LE NAPHTE) وقد ذكر مرضي بن علي في تبصرة أبصار الألباب ص ٦، ٨ (أربعة أنواع للقوس الرامي الذي يشبه المنجنيق، وهو قوس الزياد، قوس العقاد، قوس الرجل، ويقال للذي يرمي عن قوسه السهام أو النفط «الجرخي»، ويقابله بالفرنسية (ARBALETRIER) والجمع «الجرخية»، وقد عقد الحسن بن عبد الله في كتابه آثار الأول ص ٦٠ فصلا عن صفة القسي والنشاب، أضاف إليه فيه معلومات قيمة عن الشعوب التي تؤثر استعمال الجرخ، والقوس العقاد، وأين يستعمل كل منهما؟. لأن القوس الجرخ يصنع من القرن، والعقاد يصنع من الخشب.. الخ. ٢ من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٧. ٣ من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٨.
[ ٥٧ / ١٣٨ ]
بسلاحها، أو كأنها لكثرة ريش السهام طائرة بجناحها، أو كأنها صدور قد أظهرت حسك١ الضغائن، أَو كأن أبرجتها لازدحام السهام بها كتائن٢، فنجدد عليهم حصر بان في البيوت بعد الحصر في المدينة، وضاق مجال اليد عن أنجاد خواطرها اللعينة المبينة، وفي الحال هجم الأولياء على الحوش، وحازوا الخندق وأطلقوا النيران فتبسطت خطواتها، وتسلطت سطواتها، وأحاطت بالأعداء خطياتها"٣.
ولم ير الصليبيون بدًا من النجاة بأنفسهم إلى أسوار الحصن ليحموا أنفسهم وحصنهم حتى يأتي إليهم المدد من طبرية، غير أن المسلمين ألحوا في القتال رغبة في الوصول إلى نتيجة حاسمة قبل وصول المدد، وأدرك الليل قبل أن تتضح النتيجة فأمر السلطان صلاح الدين بالمبيت في الباشورة إلى الغد، وفي الصباح باشر النقابون تنقيبهم في أسوار الحصن وهي بالغة الفخامة. حتى بلغ طول النقب ثلاثين ذراعا في عرض ثلاثة أذرع، وحشى النقب بالحطب، وأشعلت فيه النيران فلم يسقط أيضًا. ولذا أمر السلطان صلاح الدين بإطفاء النار ليتم نقبه، وعاد النقابون إلى عملهم حتى خرَقوا السير وعمقوا الخرق، ثم حشوه بالقش والحطب وأشعلوا النار، فسقط السور يوم الخميس ٢٤ ربيع الأول سنة ٥٧٥ هـ= ٣٠ أغسطس ١١٧٩ م. وكان الصليبيون قد جمعوا وراءه حطبًا، فلما وقع السور دخلت الرياح فردت النار على من به، وأحرقت بيوتهم وطائفة منهم، واجتمع الباقون إلى الجانب البعيد من النار وطلبوا الأمان فأمنهم صلاح الدين. وغنم المسلمون مائة ألف قطعة من الحديد من جميع أنواع الأسلحة، عدا ألف زردية، فضلا عما كان في الحصن من أقوات كان الصليبيون قد اختزنوها استعدادا لمقاومة طويلة.
ووجد السلطان صلاح الدين بداخل الحصن من أسرى المسلمين ما يزيد على مائة رجل، فأمر بنزع القيود من أرجلهم، ووضعها في أرجل الصليبيين المأسورين البالغ عددهم نحو السبعمائة.
وتقدم السلطان صلاح الدين فاقتلع بيده الأحجار من أسها، ومحا حروف البنيان من طرسها، وطم جب الماء الذي حفره الصليبيون وسط الحصن، بأن ألقى فيه القتلى من الصليبيين والمحترق من دوابهم، واستمر مقامه ثلاثة أيام، إلى أن دمر ما كانوا يصنعون. وأعز الله الإسلام، وأمر أمره، ونصر الإيمان، وكان حقًا على الله نصره.
_________________
(١) ١ الحسك: أداة من أدوات الحرب. ٢ الكتائن: مفردها كتانة: جعبة صغيرة من أدم للنبل. ٣ من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٨٩.
[ ٥٧ / ١٣٩ ]
ثم سار صلاح الدين إلى أعماق طبرية وصور وبيروت، وأنزل بالصليبيين الذين احتلوها الهلاك وبحصونها الدمار، وثل عروشها. وأحل بالكفار الهزيمة المنكرة في ثلاثة أيام وهو في طريقه إلى دمشق.
وعاد السلطان صلاح الدين إلى دمشق في يوم الخميس ١٩ ربيع الآخر سنة ٥٧٥ هـ= ٢٩ سبتمبر ١١٨٠ م بالنصر الظاهر. والظفر الباهر. فمدحه عدة من الأمراء والشعراء وهنأوه بالفتح١.
والقاضي الفاضل يشيد بهذا الفتح الذي يعد فتوحا، قد ضاعف الله بها بهاء الإسلام والملة، وأن هذا الفتح كليلة القدر جمالا وبهاء وقدسية، وأنه قام مقام تجديد شباب الإسلام بل مقام مولده.
ثم يعرج إلى مدح الخليفة العباسي من خلال تمجيده لهذا الفتح، فمن ذلك قوله:
"وقد تخير الله له- أي الفتح- أفضل زمان، وتخير للزمن أفضل قائم، واشتملت أيامه على فتوحات يوصل منها كل خال بتال، ويتجدد منها كل قديم بقادم٢.
ويحسن القاضي الفاضل الانتقال إلى. موضوع قلج أرسلان إذ يقول: "وسقط جوده الفائض غرس إحسانه، بأعذب وأطهر من سلالة الغمائم، فلا يزال ذلك الغرس مستثمرًا لا تخلف دلالته، وذلك الصفو جمالًا ينزف زلالته، غير أن الشوائب لا يخلو منها دهر، والعوارض لا يصفو منها صدر٣".
فقد كان قلج أرسلان سلطان السلاجقة بالروم، وأولياؤه بآسيا الصغرى ممن يكرهون قيام دولة كبيرة على أنقاض الدولة النورية٤.
فبينما كان السلطان صلاح الدين مشغولا بالصليبيين، تحرك قلج أرسلان نحو حلب، وحاصر حصن رعبان مدعيًا أن نور الدين اغتصبه منه، وأن السلطان الصالح إسماعيل أمر برده إليه، ولم يقم صلاح الدين وزنا لهذا الادعاء، فكلف ابن أخيه تقي الدين عمر والأمير سيف الدين مشطوب بصده، وقد نجحا في مهمتهما، وقضيا على مطامعه التوسعية في تلك الجهة٥.
_________________
(١) ابن الأثير: الكامل جـ ١١ص ٣٠١، ٣٠٣، أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ١١، ١٣، ابن واصل مفرج الكروب جـ ٢ ص ٨٣، ٨٥، المقريزي جـ ١ قسم ١ ص ٦٩، والعين جـ ٢١ قسم ٣ ص ٦١٤. Lane. Poob: saladin p. ١٥٩. ٢ من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٨٣. ٣ نفس المرجع السابق. ٤ الدكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي المصري ص ٥١. ٥ أبو شامة: الروضتين جـ ٢ص٨، ٩، ابن كثير: البداية والنهاية جـ ١٢ص ٢.
[ ٥٧ / ١٤٠ ]
ويوضح القاضي الفاضل أن السلطان صلاح الدين قضى بذلك على تطرف قلج أَرسلان وتطرفه في ادعائه المذكور، وأنه قطع عروة تعلقه بالفساد وبدد أحلامه التوسعية.
ولم يكن أمام السلطان صلاح الدين غير هذا السبيل، فقد أتى قلج أرسلان بكبيرة يحل بها قتاله، وأقدم على عظيمة يجب بها استئصاله. وتوجب الضرورة حينئذ موادعة الكفار ليكون الذرع خاليا لأمره، والأمر مصروفًا عنانه إلى عقره، والرمح مسددًا سنانه إلى عقره١.
والقاضي الفاضل يستكثر من قلج أرسلان أن يهاجم سلطنة صلاح الدين القاهرة، التي لم تجد خصما يقهرها، وينزل بأرضها. ولذا فقد قرر السلطان صلاح الدين أن يمهل العدو الصليبي، إلى أن يؤدب هذا المعتدي الباغي، الذي يشق عصا الطاعة على الإسلام بتعديه وظلمه.
وقبل أن تنتهي هذه الرسالة يرد ذكر قاض كريم الخلال قائم بتبليغ هذه البشارة، ولكن لم يذكر اسمه، وإن كانت قد تحددت المهمة المنوطة به، فهو نائب عن السلطان صلاح الدين يشرح بلسانه ما جاء في الرسالة، والتعليق على بنودها من عنده. وعليه أن يؤدي تحية الخلافة والثناء للخليفة.
وتختم هذه الرسالة بالدعاء هكذا: «لازال المجلس السامي معان٢ الأماني ومأواها.
وموئل الرغبات ومثواها، ومجتبي ثمرات السعود ومجتلاها، وملقي رحال الندى ومبتداها إن شاء الله٣.
رسالة عن فتح آمد:
وهذه الرسالة الطويلة كباقي الرسائل من هذا النوع، الذي يرسله القاضي الفاضل إلى الخلافة العباسية، كتذكرة بالأمجاد التي يؤديها السلطان صلاح الدين. ويطلب في أثنائها مجازاته بتقليده ما يفتحه من البلاد.
وهو في مقدمتها يمدح الخليفة العباسي، الذي امتد نفوذه، واشتد سلطانه فالأخبار تتوالى عنده مبشرة بانتصار أوليائه.
ثم يصف القاضي الفاضل شعور السلطان صلاح الدين عند ورود التقليد إليه بولاية آمد. فقد فرح به وتناوله وكأنه كتاب أنزل من السماء أو نور يمشي به بين الناس، وسار
_________________
(١) ١ من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٨٤. ٢ في الأصل مغان، ولعل الصواب ما أثبتناه، فالمعاني يراد بها الصفات المحمودة. ٣ من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٨٥.
[ ٥٧ / ١٤١ ]
من توه لفتح آمد (بلاد بكر الحالية)، فوصلها في يوم الأربعاء١٧ ذي الحجة سنة ٥٧٨هـ= أبريل سنة ١١٨٣ م.
ونرى القاضي الفاضل يسجل ما حدث قبيل الحرب في أمدا وينتقل بعدها لوصف المعركة نفسها، وما انتهت إليه.
فقد أمر السلطان صلاح الدين أن تكتب الرقاع للآمديين يعدهم بالخير والإحسان إن أطاعوه، ويتهددهم إن قاتلوه، وانتظر ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع، أخذ في ردم أسوارها، إذ أرسل النقابين لنقبها، فما زالوا بها حتى نقبوها من عدة نواح، فضلًا عن رميها بالمجانيق. وهنا يتفنن القاضي الفاضل في تشخيص المعركة في أسلوب تشعر من خلاله بمدى ضراوتها، فهي كجهنم وقودها الناس والحجارة، وقد أزالت معالم المدينة، مثلما يزال جلد الشاة، والمنجنيقات تسقي الموت لأبرجتها ويعجز أهلها عن الذود عنها، والنقابون ينقبونها فيهتكون حجابها، فهو يصور في بلاغة، قوة البطش بها وبمن بداخلها.
ثم تسلم السلطان صلاح الدين آمد بأموالها وذخائرها، ورفع أعلامه على أسوارها يوم ١٤ محرم ٥٧٩ هـ= ٦ مايو ١١٨٣ م، فقد فضل الآمديون التسليم على المقاومة.
ويفتخر القاضي الفاضل بهذا الفتح المبين، وما تم بعد إحراز النصر المؤزر، فيقول: وهذه مدينة آمد، فهي مدينة ذكرها بين العالم متعالم، وطالما صادم جانبها من تقادم، فرجع عنها مفدوغا أنفه، وإن كان محلًا، وقرعها مزيدًا بهجة، وإن استصحب حفلًا، ورأى حجرها فقد رأته لا يقال له حجر وسوادها فحسب أنه لا يتوشحه فجر، وحمية أنف أنفها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر، من ملوك كلهم طوى صدره على العليل إلى موردها، ووقف بها وقفة المحب المائد فلم يفز بما أمل من جواب معهدها١.
ثم وهب السلطان صلاح الدين البلد بما فيه لنور الدين محمد بن قرج أرسلان٢ وقد وعده بها من قبل٣.
وقضى السلطان صلاح الدين على الحلف الذي تزعم عز الدين مسعود صاحب الموصل، واشترك فيه إيغلازي بن ألبي بن تمرتاش صاحب ماردين، ومغيث الدين طغول شاه بن قلج أرسلان، صاحب أرزن، وغيرهم.
_________________
(١) من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧١. ٢ صاحب حصد كيفا، توفي سنة ٥٨١هـ = ١١٨٦م (النجوم الزاهرة جـ٦ص٩٨) .
(٢) Lane –Pool: saladin P. ١٧٠. ابن الأثير: الكامل جـ١١ص٣٢٠، أبو شامة جـ٢ص٤١.
[ ٥٧ / ١٤٢ ]
ويطلب السلطان صلاح الدين في هذه الرسالة التقليد لا بالموصل وما علق به أهل الموصل، ذاكرًا أن في ذلك خيرا كثيرا للدولة العباسية، حيث أنه لا يوجد بين ولاتها من له مثل فضله وأمجاده،. فيقول: «هذه آمد لما أرسل إليه مفتاحها، وهو التقليد، فتحها، وهزه الموصل لما تأخر عنه المفتاح منعها وما منحها، ولو أعين به لعظمت على الإسلام عائدته، وظهر في رفع مناره فائدته. لأن اليد كانت تكون به على عدو الحق واحدة، والهمة لآلات النصر واجدة ١.
ثم يبين للخليفة أن ذلك هو السبيل الوحيد إلى توحيد الأمة الإسلامية، والقضاء على الحروب الصليبية، والظفر بالمسجد الأقصى. وهو أغلى أمنية، فالسلطان صلاح الدين أبر أولياء الخليفة، وأشدهم على أعدائه، وأثبتهم رأيًا وروية.
ويعود إلى الدعاء ولكن في هذه المرة للدين، إذ يقول: أعاد الله يا أمير المؤمنين هدى الدين إلى معالم حقه، وأطال يد سلطانه الطولى إلى أن أخذ الأمور مأخذها٢. وهو يريد أن يعود إلى الإسلام مجده التليد.
ويختم رسالته هَكذا: (وللآراء علوها إن شاء الله ٣".
الأمة الإسلامية
يقول لينين:
(يمكن أن تتحول كل أمة إلى الشيوعية إلا الأمة الإسلامية، لذلك يجب
العمل على تجريد المسلمين من إيمانهم أولًا..) .
من كتاب (من الرق إلى السيادة)
(لسامحة أي ويردي: التركية)
_________________
(١) من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٢، ٧٣. ٢ من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٣. ٣ نفس المرجع السابق اللوحة ٧٣.
[ ٥٧ / ١٤٣ ]
الرَّسَائِلُ الحَرْبيَّة
في عصْر الّدوْلة الأيوبيَّة