فَفِيهَا عَاد أَسد الدّين إِلَى مصر تَاسِع ربيع الآخر وَقد كَانَ بعد رُجُوعه من مصر لَا يزَال يحدث نَفسه بقصدها ومعاودتها حَرِيصًا على الدُّخُول إِلَيْهَا يتحدث بِهِ مَعَ كل من يَثِق إِلَيْهِ وَكَانَ مِمَّا يهيجه على الْعود زِيَادَة حقده على شاور وَمَا عمل مَعَه فَلَمَّا كَانَ هَذِه السّنة تجهز وَسَار إِلَيْهَا وسير نور الدّين مَعَه جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَابْن أَخِيه صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب
وَفِي ذَلِك يَقُول العرقلة
(أَقُول والأتراك قد ازمعت مصرَ إِلَى حَرْب الأعاريب)
[ ٢ / ١٠ ]
(رب كَمَا ملكتها يُوسُف الصّديق من أَوْلَاد يَعْقُوب)
(ملكهَا فِي عصرنا يُوسُف الصَّادِق من أَوْلَاد أَيُّوب)
(من لم يزل ضرّاب هام العدى حَقًا وضرّاب العراقيب)
ثمَّ إِن أَسد الدّين جدَ فِي السّير على البرّ وَترك بِلَاد الإفرنج عَن يَمِينه فوصل إِلَى الديار المصرية وَقصد إطفيح وَعبر النّيل عِنْدهَا إِلَى الْجَانِب الغربي وَنزل بالجيزة مُقَابل مصر وَتصرف فِي الْبِلَاد الغريبة وَأقَام بهَا نيفًا وَخمسين يَوْمًا
وَكَانَ شاور لما بلغه مَجِيء أَسد الدّين قد راسل الفرنج يستغيث بهم ويستصرخهم فَأتوهُ على الصعب والذلول فَتَارَة يحثهم طمعهم فِي ملك مصر على الْجد والتشمير وَتارَة يحدوهم خوفهم من أَن يملكهَا الْعَسْكَر النُّوري على الْإِسْرَاع فِي الْمسير فالرجاء يقودهم وَالْخَوْف يسوقهم فَلَمَّا وصلوا إِلَى مصر عبروا إِلَى الْجَانِب الغربي وَكَانَ أَسد الدّين والعسكر النُّوري قد سَارُوا إِلَى الصَّعِيد فبلغوا مَكَانا يعرف بالبابين وسارت العساكر المصرية والفرنج وَرَاءَهُمْ فأدركوهم بِهِ فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من جمادي الأولى وَكَانَ قد أرسل إِلَيْهِم جواسيس فعادوا وَأَخْبرُوهُ بِكَثْرَة عَددهمْ وعددُهم وجدهم فِي طلبه فعزم على لقائهم وقتالهم وَأَن تحكم السيوف بَينه وَبينهمْ إِلَّا أَنه خَافَ من أَصْحَابه أَن تضعف نُفُوسهم عَن
[ ٢ / ١١ ]
الثَّبَات فِي هَذَا الْمقَام الْخطر الَّذِي عطبهم فِيهِ أقرب من السَّلامَة لقلَّة عَددهمْ وبعدهم عَن بِلَادهمْ فاستشارهم فكلهم أَشَارَ عَلَيْهِ بعبور النّيل إِلَى الْجَانِب الشَّرْقِي وَالْعود إِلَى الشَّام وَقَالُوا لَهُ إِن نَحن انهزمنا وَهُوَ الَّذِي لَا شكّ فِيهِ فَإلَى أَيْن نلتجئ وبمن نحتمي وكل من فِي هَذِه الديار من جندي وعامي وفلاح عدوُّ لنا ويودون لَو شربوا دماءنا وَحقّ لعسكر عدتهمْ ألفا فَارس قد بعدُوا عَن دِيَارهمْ ونأى ناصرهم أَن يرتاع من لِقَاء عشرات أُلُوف مَعَ أَن كل أهل الْبِلَاد عَدو لَهُم فَلَمَّا قَالُوا ذَلِك قَامَ إِنْسَان من المماليك النُّورية يُقَال لَهُ شرف الدّين بزغش وَكَانَ من الشجَاعَة بِالْمَكَانِ الْمَشْهُور وَقَالَ من يخَاف الْقَتْل والجراح والأسر فَلَا يخْدم الْمُلُوك بل يكون فلاحًا أَو مَعَ النِّسَاء فِي بَيته وَالله لَئِن عدتم إِلَى الْملك الْعَادِل من غير غَلَبَة وبلاء تعُذرون فِيهِ ليأخذن إقطاعاتكم وليعودنَّ عَلَيْكُم بِجَمِيعِ مَا أخذتموه إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَيَقُول لكم أتأخذون أَمْوَال الْمُسلمين وتفرون عَن عدوهم وتسلمون مثل هَذِه الديار المصرية يتَصَرَّف فِيهَا الْكفَّار قَالَ أَسد الدّين هَذَا رَأْيِي وَبِه أعمل وَوَافَقَهُمَا صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ثمَّ كثر الموافقون لَهُم على الْقِتَال فاجتمعت الْكَلِمَة على اللِّقَاء فَأَقَامَ بمكانه حَتَّى أدْركهُ المصريون والفرنج وَهُوَ على تعبئة وَقد
[ ٢ / ١٢ ]
جعل الأثقال فِي الْقلب يتكثر بهَا وَلِأَنَّهُ لم يُمكنهُ أَن يَتْرُكهَا بمَكَان آخر فينهبها أهل الْبِلَاد
ثمَّ إِنَّه جعل صَلَاح الدّين ابْن أَخِيه فِي الْقلب وَقَالَ لَهُ وَلمن مَعَه إِن الفرنج والمصريين يظنون أنني فِي الْقلب فهم يجْعَلُونَ جمرتهم بإزائه وحملتهم عَلَيْهِ فَإِذا حملُوا عَلَيْكُم فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ الْقِتَال وَلَا تهلكوا نفوسكم واندفعوا بَين أَيْديهم فَإِذا عَادوا عَنْكُم فَارْجِعُوا فِي أَعْقَابهم وَاخْتَارَ من شجعان أَصْحَابه جمعا يَثِق إِلَيْهِم وَيعرف صبرهم وشجاعتهم ووقف بهم فِي الميمنة فَلَمَّا تقَابل الطائفتان فعل الفرنج مَا ذكره أَسد الدّين وحملوا على الْقلب ظنا مِنْهُم أَنه فِيهِ فَقَاتلهُمْ من بِهِ قتالا يَسِيرا ثمَّ انْهَزمُوا بَين أَيْديهم فتبعوهم فَحمل حِينَئِذٍ أَسد الدّين فِيمَن مَعَه على من تخلف من الفرنج الَّذين حملُوا على الْقلب من الْمُسلمين والفرنج فَهَزَمَهُمْ وَوضع السَّيْف فيهم فأثخن وَأكْثر الْقَتْل والأسر وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ فَلَمَّا عَاد الفرنج من أثر المنهزمين الَّذين كَانُوا فِي الْقلب رَأَوْا مَكَان المعركة من أَصْحَابهم بلقعًا لَيْسَ بهَا مِنْهُم ديار فَانْهَزَمُوا أَيْضا وَكَانَ هَذَا من أعجب مَا يؤرخ أَن ألفي فَارس تهزم عَسَاكِر مصر وفرنج السَّاحِل
ثمَّ سَار أَسد الدّين إِلَى ثغر الْإسْكَنْدَريَّة وجبى مَا فِي طريقها من القرايا والسواد من الْأَمْوَال وَوصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فتسلمها من غير قتال سلمهَا أَهلهَا إِلَيْهِ فاستناب بهَا صَلَاح الدّين ابْن أَخِيه وَعَاد إِلَى الصَّعِيد وتملكه وجبى أَمْوَاله وَأقَام بِهِ حَتَّى صَامَ رَمَضَان
[ ٢ / ١٣ ]
وَأما المصريون والفرنج فَإِنَّهُم عَادوا إِلَى الْقَاهِرَة وجمعوا أَصْحَابهم وَأَقَامُوا عوض من قتل مِنْهُم واستكثروا وحشدوا وَسَارُوا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَبهَا صَلَاح الدّين فِي عَسْكَر يمنعونها مِنْهُم وَقد أعانهم أَهلهَا خوفًا من الفرنج فَاشْتَدَّ الْحصار وَقل الطَّعَام بِالْبَلَدِ فَصَبر أَهله على ذَلِك
ثمَّ إِن أَسد الدّين سَار من الصَّعِيد نحوهم وَكَانَ شاور قد أفسد بعض من مَعَه من التركمان وَوَصله رسل المصريين والفرنج يطْلبُونَ الصُّلْح وبذلوا لَهُ خمسين ألف دِينَار سوى مَا أَخذه من الْبِلَاد فأجابهم إِلَى ذَلِك وَشرط أَن الفرنج لَا يُقِيمُونَ بِمصْر وَلَا يتسلمون مِنْهَا قَرْيَة وَاحِدَة وَأَن الْإسْكَنْدَريَّة تُعَاد إِلَى المصريين فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك واصطلحوا وَعَاد إِلَى الشَّام فوصل دمشق ثامن عشر ذِي الْقعدَة وتسلم المصريون الْإسْكَنْدَريَّة فِي النّصْف من شَوَّال
وَأما الفرنج فَإِنَّهُم اسْتَقر بَينهم وَبَين المصريين أَن يكون لَهُم بِالْقَاهِرَةِ شحنة وَتَكون أَبْوَابهَا بيد فرسانهم ليمتنع الْملك الْعَادِل من إِنْفَاذ عَسْكَر إِلَيْهِم وَيكون للفرنج من دخل مصر كل سنة مئة ألف دِينَار هَذَا كُله يجْرِي بَين الفرنج وشاور وَأما العاضد صَاحب مصر فَلَيْسَ إِلَيْهِ من الْأَمر شَيْء وَلَا يعلم بِشَيْء من ذَلِك قد حكم عَلَيْهِ شاور وحجبه وَعَاد الفرنج إِلَى بِلَادهمْ وَتركُوا جمَاعَة من فرسانهم ومشاهير أعيانهم بِمصْر والقاهرة على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة
ثمَّ إِن الْكَامِل شُجَاع بن شاور راسل نور الدّين مَعَ شهَاب الدّين مَحْمُود الحارمي وَهُوَ من أكَابِر أُمَرَاء الْملك الْعَادِل وَهُوَ خَال صَلَاح الدّين يُوسُف ينْهَى محبته وولاءه ويسأله أَن يَأْمر بإصلاح الْحَال وَجمع
[ ٢ / ١٤ ]
الْكَلِمَة بِمصْر على من طَاعَته وبجمع كلمة الْإِسْلَام وبذل مَالا يحملهُ كل سنة فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وحملوا إِلَى نور الدّين مَالا جزيلا فَبَقيَ الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن قصد الفرنج مصر لتملكها فَكَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي أَخْبَار سنة أَربع وَسِتِّينَ
قَالَ القَاضِي أَبُو المحاسن ذكر عود أَسد الدّين إِلَى مصر فِي الْمرة الثَّانِيَة وَهِي الْمَعْرُوفَة بوقعة البابيْن لم يزل أَسد الدّين يتحدث بذلك بَين النَّاس حَتَّى بلغ شاور ذَلِك وداخله الْخَوْف على الْبِلَاد من الأتراك وَعلم أَن أَسد الدّين قد طمع فِي الْبِلَاد وَأَنه لَا بُد لَهُ من قَصدهَا فكاتب الفرنج وَقرر مَعَهم أَنهم يجيئون إِلَى الْبِلَاد ويمكنونه فِيهَا تمكينًا كليًا ويعينونه على استئصال أعدائه بِحَيْثُ يسْتَقرّ قدمه فِيهَا وَبلغ ذَلِك نور الدّين وَأسد الدّين فَاشْتَدَّ خوفهما على مصر أَن يملكهَا الْكفَّار فيستولوا على الْبِلَاد كلهَا فتجهز أَسد الدّين وأنفذ نور الدّين مَعَه الْعَسْكَر وألزم صَلَاح الدّين ﵀ بِالْمَسِيرِ مَعَه على كَرَاهِيَة مِنْهُ لذَلِك وَذَلِكَ فِي اثناء ربيع الأول وَكَانَ وصولهم إِلَى الْبِلَاد المصرية مُقَارنًا لوصول الفرنج إِلَيْهَا وَاتفقَ شاور مَعَ الفرنج على أَسد الدّين والمصريون بأسرهم وَجرى بَينهم حروب كَثِيرَة ووقعات شَدِيدَة وانفصل الفرنج عَن الديار المصرية وانفصل أَسد الدّين
وَكَانَ سَبَب عود الفرنج أَن نور الدّين قدس الله روحه جرد العساكر إِلَى بِلَاد الإفرنج وَأخذ المنيطرة وَعلم الفرنج ذَلِك فخافوا على بِلَادهمْ وعادوا وَكَانَ سَبَب عود أَسد الدّين ضعف عسكره بِسَبَب مواقعة الفرنج
[ ٢ / ١٥ ]
والمصريين وَمَا عانوه من الشدائد وعاينوه من الْأَهْوَال وَمَا عَاد حَتَّى صَالح الفرنج على أَن ينصرفوا كلهم عَن مصر وَعَاد إِلَى الشَّام فِي بَقِيَّة السّنة وَقد انْضَمَّ إِلَى قُوَّة الطمع فِي الْبِلَاد شدَّة الْخَوْف عَلَيْهَا من الفرنج لعلمه بِأَنَّهُم قد كشفوها كَمَا كشفها وعرفوها من الْوَجْه الَّذِي عرفهَا فَأَقَامَ بِالشَّام على مضض وَقَلبه مقلقل وَالْقَضَاء يجره إِلَى شَيْء قد قدر لغيره وَهُوَ لَا يشْعر بذلك
قَالَ وَفِي اثناء سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ ملك نور الدّين قلعة المنيطرة بعد مسير أَسد الدّين فِي رَجَب وَخرب قلعة اكاف بالبرية
وَفِي رَمَضَان مِنْهَا اجْتمع نور الدّين وَأَخُوهُ قطب الدّين وزين الدّين بحماة للغزاة وَسَارُوا إِلَى بِلَاد الفرنج فخربوا هُونين فِي شَوَّال مِنْهَا
وَفِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا كَانَ عود أَسد الدّين من مصر
وَفِيه مَاتَ قرا أرسلان بديار بكر