فَفِيهَا تسلم نور الدّين بعلبك من واليها ضحاك وَذكر ابْن الْأَثِير أَن ذَلِك كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَقَالَ كَانَ ضحاك البقاعي يَنُوب ببعلبك عَن صَاحب دمشق فَلَمَّا ملك نور الدّين دمشق امْتنع بهَا وَلم يُمكن نور الدّين محاصرتها لقُرْبه من الفرنج فلطف الْحَال مَعَه إِلَى ذَلِك الْوَقْت فملكها وَاسْتولى عَلَيْهَا
وَقَالَ ابْن أَبى طي لما فتح نور الدّين دمشق اتَّصل ذَلِك بِنَجْم الدّين أَيُّوب فكاتب نور الدّين فِي تَسْلِيم بعلبك فأنفذ إِلَيْهِ وتسلمها مِنْهُ وألحقه بِأَصْحَابِهِ
قَالَ وَرَأَيْت بعض المؤرخين قد ذكر إِن مجير الدّين صَاحب دمشق أنزل نجم الدّين من القلعة وَجعله فِي الْبَلَد وَولى القلعة رجلا يُقَال لَهُ ضحاك
فَلَمَّا ملك نور الدّين دمشق خرج إِلَى بعلبك واستنزل مِنْهَا ضَاحِكا وتوسط أَسد الدّين فِي امْر أَخِيه نجم الدّين مَعَ نور الدّين فأقطعه إقطاعا وسيره إِلَى دمشق فَأَقَامَ فِيهَا ورد نظر دمشق إِلَيْهِ وَولى وَلَده
[ ١ / ٣١٨ ]
تورانشاه شحنكية دمشق فساسها أحسن سياسة وَلم يزل بهَا إِلَى أَن توفّي فولى صَلَاح الدّين شحنكية دمشق
قلت هَذَا وهم
تورانشاه هُوَ الْملك الْمُعظم شمس الدولة الَّذِي فتح الْيمن فِي أَيَّام أَخِيه صَلَاح الدّين فَكيف يَقُول انه مَاتَ قبل أَن يَلِي صَلَاح الدّين شحنكية دمشق وَأما كَونه ولى الشحنكية بِدِمَشْق قبل صَلَاح الدّين فَهَذَا قريب وَقد رَأَيْت مَا يؤكده
قَرَأت فِي = ديوَان العرقلة = وَقَالَ يهنئه بالشحنكية بِدِمَشْق وَهُوَ فِي دَار عَمه أَسد الدّين شيركوه ابْن شاذي
(قلت لحسادك زيدوا فِي الْحَسَد قد سكن الدَّار وَقد حَاز الْبَلَد)
(لَا تعجبوا إِن حل دَار عَمه أما تحل الشَّمْس فِي برج الْأسد)
وَقَالَ فِي صَلَاح الدّين لما ولي الشحنكية الشحنكية
(لصوص الشَّام تُوبُوا من ذنُوب تكفرها الْعقُوبَة والأصفاد)
(لَئِن كَانَ الْفساد لكم صلاحا فمولاي الصّلاح لكم فَسَاد)
وَله فِيهِ
(رويدكم يالصوص الشّآم فَإِنِّي لكم نَاصح فِي مقالي)
(وَإِيَّاكُم وَسمي النَّبِي يُوسُف رب الحجا وَالْجمال)
(فَذَاك مقطع أَيدي النِّسَاء وَهَذَا مقطع أَيدي الرِّجَال)
[ ١ / ٣١٩ ]
قَالَ ابْن أَبى طي وَولى صَلَاح الدّين شحنكية دمشق والديوان فَأَقَامَ فِيهِ أَيَّامًا ثمَّ تَركه وَصَارَ إِلَى حلب لأجل وَاقعَة جرت بَينه وَبَين صَاحب الدِّيوَان أَبى سَالم بن همام
فأنفذ نور الدّين وَأخذ ابْن همام وَحلق لحيته وطيف بِهِ فِي دمشق
قلت وَابْن همام هَذَا هُوَ الَّذِي ذكره الشنباشي فِي قصيدته وَأَشَارَ إِلَى حلق لحيته بقوله
(كابى سَالم بن همام لما قَامَ للنصح عَاد يمشي ملثم)
ثمَّ قَالَ ابْن أبي طي واستخص نور الدّين صَلَاح الدّين وألحقه بخواصّه فَكَانَ لَا يُفَارِقهُ فِي سفر وَلَا حضر وَكَانَ يفوق النَّاس جَمِيعًا فِي لعب الكرة وَكَانَ نور الدّين يحب لعب الكرة
قَالَ أَبُو يعلى وَنزل نور الدّين بعسكره بِالْأَعْمَالِ المختصة بِالْملكِ قليج أرسلان بن الْملك مَسْعُود بن قليج أرسلان بن سُلَيْمَان بن قتلمش ملك قونية وَمَا والاها فَملك عدَّة من قلاعها وحصونها بِالسَّيْفِ والأمان وَكَانَ الْملك قليج أرسلان وأخواه ذُو النُّون ودولات مشتغلين بمحاربة أَوْلَاد
[ ١ / ٣٢٠ ]
الدانشمند ونصروا عَلَيْهِم فِي وقْعَة كَانَت بأقصرا فِي شعْبَان
فَلَمَّا عَاد قليج أرسلان وَعرف مَا كَانَ من نور الدّين فِي بِلَاده عظم عَلَيْهِ هَذَا الْأَمر واستبشعه مَعَ مَا بَينهمَا من الْمُوَادَعَة والمهادنة والصهر وراسله بالمعاتبة وَالْإِنْكَار والوعيد والتهديد فَأَجَابَهُ نور الدّين بِحسن الِاعْتِذَار وَجَمِيل الْمقَال وَبَقِي الْأَمر بَينهَا مستمرا على هَذِه الْحَال وَعَاد نور الدّين من حلب إِلَى دمشق
قَالَ وَولى الأسطول الْمصْرِيّ مقدم شَدِيد الباس بَصِير بأشغال الْبَحْر فَاخْتَارَ جمَاعَة من رجال الْبَحْر يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَان الفرنج وألبسهم ثِيَابهمْ ونهض بهم فِي عدَّة من المراكب الأسطولية وأقلع فِي الْبَحْر لكشف الْأَمَاكِن والمكامن والمسالك الْمَعْرُوفَة بمراكب الرّوم وتعرف أحوالها ثمَّ قصد ميناء صور وَقد ذكر لَهُ أَن فِيهِ شختورة رُومِية كَبِيرَة فِيهَا رجال كثير وَمَال وافر فهجم عَلَيْهَا وملكها وَقتل من فِيهَا وَاسْتولى على مَا حوته وَأقَام ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أحرقها وَعَاد عَنْهَا فِي الْبَحْر فظفر بمراكب حجاج الفرنج فَقتل وانتهب وَأسر وَعَاد إِلَى مصر بالغنائم والأسرى
قلت وَفِي هَذِه السّنة ورد أَمر الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد وَهُوَ المقتفي إِلَى
[ ١ / ٣٢١ ]
أَمِير الْحَرَمَيْنِ قَاسم بن هَاشم يَأْمُرهُ أَن يركب على بَاب الْكَعْبَة المكرمة بَاب سَاج جَدِيدا قد ألبس جَمِيع خشبه فضَّة وطلي بِذَهَب وَأَن يَأْخُذ أَمِير الْحَرَمَيْنِ حلية الْبَاب الْقَدِيم لنَفسِهِ ويسير إِلَيْهِ خشب الْبَاب الْقَدِيم مُجَردا ليجعله تابوتا يدْفن فِيهِ عِنْد مَوته
ذكر ذَلِك الْفَقِيه عمَارَة الشَّاعِر وَقَالَ سَأَلَني أَمِير الْحَرَمَيْنِ أَن أبيع لَهُ الْفضة الَّتِي أَخذهَا من الْبَاب فِي الْيمن ومبلغ وَزنهَا خَمْسَة عشر ألف دِرْهَم فتوجهت إِلَى زبيد وعدن من مَكَّة فِي صفر سنة إِحْدَى وَخمسين وَحَجَجْت فِي الْمَوْسِم مِنْهَا فَدفعت لأمير الْحَرَمَيْنِ مَاله وألزمني الترسل عَنهُ إِلَى مصر يعْنى مرّة ثَانِيَة بِسَبَب جِنَايَة جناها خدمه على حَاج مصر وَالشَّام