قَالَ الرئيس أَبُو يعلى اتَّصل الْخَبَر بِنور الدّين بإفساد الفرنج فِي الْأَعْمَال الحَوْرَانيّة بالنهب والسبي فعزم على التأهب لقصدهم وَكتب إِلَى من بِدِمَشْق يعلمهُمْ مَا عزم عَلَيْهِ من الْجِهَاد ويستدعي مِنْهُم المعونة على ذَلِك بِأَلف فَارس تصل إِلَيْهِ مَعَ مقدم يعول عَلَيْهِ وَقد كَانُوا عَاهَدُوا الفرنج أَن يَكُونُوا يدا وَاحِدَة على من يقصدهم من عَسَاكِر الْمُسلمين فاحتج عَلَيْهِ وغولط
فَلَمَّا عرف ذَلِك رَحل وَنزل بمرج يبوس وَبَعض العسكرية بيعفور
فَلَمَّا قرب من دمشق وَعرف من بهَا خَبره وَلم يعلمُوا أَيْن قَصده وَقد كَانُوا راسلوا الإفرنج بِخَبَرِهِ وقرروا مَعَهم الإنجاد عَلَيْهِ وَكَانُوا قد نهضوا إِلَى نَاحيَة عسقلان لعمارة غَزَّة ووصلت أوائلهم إِلَى بانياس
وَعرف نور الدّين خبرهم فَلم يحفل بهم وَقَالَ لَا أنحرف عَن جهادهم
وَهُوَ مَعَ ذَلِك كافّ أَيدي أَصْحَابه عَن العيث والإفساد فِي الضّيَاع وَأمر بِإِحْسَان الرَّأْي فِي
[ ١ / ٢٣٩ ]
الفلاحين وَالتَّخْفِيف عَنْهُم وَالدُّعَاء لَهُ مَعَ ذَلِك متواصل من أهل دمشق وأعمالها وَسَائِر الْبِلَاد وأطرافها
وَكَانَ الْغَيْث قد انحبس عَن حوران والمرج والغوطة ونزح أَكثر أهل حوران عَنْهَا للمحل واشتداد الْأَمر
فَلَمَّا وصل نور الدّين إِلَى بعلبك اتّفق نزُول الْمَطَر يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث ذِي الْحجَّة وَأقَام إِلَى مثله فروى الآكام والوهاد وَجَرت الأودية وزادت الْأَنْهَار وامتلأت برك حوران ودارت أرحيتها وَعَاد مَا صوح من النَّبَات وَالزَّرْع غضا طريا وجد النَّاس بِالدُّعَاءِ لنُور الدّين وَقَالُوا هَذَا ببركته وَحسن معدلته وَسيرَته
ثمَّ رَحل من منزله بالأعوج وَنزل بجسر الْخشب الْمَعْرُوف بمنازل العساكر فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَأرْسل إِلَى مجير الدّين والرئيس وَقَالَ إِنَّنِي مَا قصدت بنزولي هَذَا الْمنزل طلبا لمحاربتكم وَلَا منازلتكم وَإِنَّمَا دَعَاني إِلَى هَذَا الْأَمر كَثْرَة شكاية الْمُسلمين من أهل حوران والعربان بِأَن الفلاحين أخذت أَمْوَالهم وسبيت نِسَاؤُهُم وأطفالهم بيد الإفرنج وَعدم النَّاصِر لَهُم وَلَا يسعني مَعَ مَا أَعْطَانِي الله وَله الْحَمد من الاقتدار على نصْرَة الْمُسلمين وَجِهَاد الْمُشْركين وَكَثْرَة المَال وَالرِّجَال أَن أقعد عَنْهُم وَلَا أنتصر لَهُم مَعَ معرفتي بعجزكم عَن حفظ أَعمالكُم والذب عَنْهَا وَالتَّقْصِير الَّذِي دعَاكُمْ إِلَى الاستصراخ بالإفرنج على محاربتي وبذلكم لَهُم أَمْوَال الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين من الرّعية ظلما لَهُم وتعديا عَلَيْهِم وَهَذَا مَا لَا يُرْضِي الله تَعَالَى وَلَا أحدا من الْمُسلمين وَلَا بُد من المعونة بِأَلف فَارس مُزاحِي العلّة تُجرّدُ مَعَ من يوثق بشجاعته من المقدّمين
[ ١ / ٢٤٠ ]
لتخليص ثغر عسقلان وغزة
قَالَ فَكَانَ الْجَواب عَن هَذِه الرسَالَة لَيْسَ بَيْننَا وَبَيْنك إِلَّا السَّيْف وسيوافينا من الإفرنج مَا يُعينُنا على دفعك إِن قصدتنا وَنزلت علينا
فَلَمَّا عَاد الرَّسُول بِهَذَا الْجَواب ووقف عَلَيْهِ أَكثر التَّعَجُّب مِنْهُ وَالْإِنْكَار لَهُ وعزم على الزَّحْف إِلَى البد ومحاربته فِي غَد ذَلِك الْيَوْم فَأرْسل الله من الأمطار وتداركها ودوامها مَا مَنعه من ذَلِك