قَالَ أَبُو يعلى ورد الْخَبَر فِي خَامِس عشر ربيع الأول من نَاحيَة حلب بحدوث زَلْزَلَة روعت أَهلهَا وأزعجتهم وزعزعت مَوَاضِع من مساكنها ثمَّ سكنت بقدرة محركها ﷾
وَفِي لَيْلَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول وافت زَلْزَلَة فِي دمشق روعت وأقلقت ثمَّ سكنت
[ ١ / ٣٧٥ ]
وَفِي التَّاسِع من ربيع الآخر برز نور الدّين من دمشق إِلَى جسر الْخشب فِي الْعَسْكَر الْمَنْصُور بآلات الْحَرْب لجهاد الْكَفَرَة
وَقد كَانَ أَسد الدّين قبل ذَلِك عِنْد وُصُوله فِيمَن جمعه من فرسَان التركمان أغار بهم على أَعمال صيدا وَمَا قرب مِنْهَا فغنموا أحسن غنيمَة وأوفرها وَخرج إِلَيْهِم من كَانَ بهَا من خيالة الفرنج ورجالتها وَقد كمنوا لَهُم فغنموهم وَقتل أَكْثَرهم واسر الْبَاقُونَ وَفِيهِمْ ولد الْمُقدم الْمُتَوَلِي حصن حارم وعادوا سَالِمين بالأسرى ورؤوس الْقَتْلَى وَالْغنيمَة وَلم يصب مِنْهُم غير فَارس وَاحِد
قَالَ وَفِي أَوَائِل شهر تموز الْمُوَافق لأوّل جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة وافى فِي الْبِقَاع مطر هطال بِحَيْثُ حدث مِنْهُ سيل أَحْمَر كَمَا جرت بِهِ الْعَادة فِي تنبوك الشتَاء وَوصل إِلَى بردى وَوصل إِلَى دمشق وَكثر التَّعَجُّب من اثار قدرَة الله تَعَالَى بحدوث مثل ذَلِك فِي هَذَا الْوَقْت
قَالَ وَفِي لَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَجَب وافت زَلْزَلَة عِنْد تأذين الْغَدَاة ثمَّ أُخْرَى فِي اللَّيْلَة بعْدهَا وَقت صَلَاة الْغَدَاة
وَورد الْخَبَر من الْعَسْكَر بِأَن الفرنج تجمعُوا وزحفوا إِلَى الْعَسْكَر الْمَنْصُور وان الْمولى نور الدّين نَهَضَ فِي الْحَال فِي الْعَسْكَر والتقى الْجَمْعَانِ وَاتفقَ إِن عَسْكَر الْإِسْلَام حدث فِيهِ فشل لبَعض المقدمين فاندفعوا وَتَفَرَّقُوا بعد الِاجْتِمَاع وبقى نور الدّين ثَابتا مَكَانَهُ فِي عدَّة يسيرَة من شجعان غلمانه وأبطال خواصه
[ ١ / ٣٧٦ ]
فِي وُجُوه الفرنج وأطلقوا فيهم السِّهَام فَقتلُوا مِنْهُم وَمن خيولهم الْعدَد الْكثير ثمَّ ولوا منهزمين خوفًا من كمين يظْهر عَلَيْهِم من عَسْكَر الْإِسْلَام ونجى الله وَله الْحَمد نور الدّين من بأسهم بمعونة الله تَعَالَى وَشدَّة بأسه وثبات جأشه ومشهور شجاعته وَعَاد إِلَى مخيمه سالما فِي جماعته وَلَام من كَانَ السَّبَب فِي اندفاعه بَين يَدي الفرنج وتفرق جمع الفرنج إِلَى أَعْمَالهم وراسل ملكهم لنُور الدّين فِي طلب الصُّلْح والمهادنة وحرص على ذَلِك وترددت بَين الْفَرِيقَيْنِ مراسلات وَلم يسْتَقرّ بَينهمَا حَال وَعَاد نور الدّين إِلَى دمشق سالما
قلت وَذكر أَبُو الْفَتْح بنجير بن أبي الْحسن بن بنجير الأشترى المعيد كَانَ بِالْمَدْرَسَةِ النظامية فِي سيرة مختصرة جمعهَا لنُور الدّين وَقد تقدم شَيْء مِنْهَا رحمهمَا الله قَالَ وبلغنا أَن نور الدّين خرج إِلَى الْجِهَاد فِي سنة سِتّ وَخمسين وَخمْس مئة فَقضى الله بانهزام عَسْكَر الْمُسلمين وَبَقِي الْملك الْعَادِل مَعَ شرذمة قَليلَة وَطَائِفَة يسيرَة وَاقِفًا على تل يُقَال لَهُ تل حُبَيْش وَقد قرب عَسْكَر الْكفَّار بِحَيْثُ اخْتَلَط رجالة الْمُسلمين مَعَ رجالة الْكفَّار فَوقف الْملك الْعَادِل بحذائهم موليا وَجهه إِلَى قبْلَة الدُّعَاء حَاضرا بِجَمِيعِ قلبه مناجيا ربه بسره يَقُول يَا رب الْعباد أَنا العَبْد الضَّعِيف ملكتني هَذِه الْولَايَة وأعطيتني هَذِه النِّيَابَة عمرت بلادك وَنَصَحْت عِبَادك وأمرتهم بِمَا أَمرتنِي بِهِ ونهيتهم عَمَّا نهيتني عَنهُ فَرفعت الْمُنْكَرَات من بَينهم وأظهرت شعار دينك فِي بِلَادهمْ وَقد انهزم الْمُسلمُونَ وَأَنا لَا أقدر على دفع هَؤُلَاءِ الْكفَّار أَعدَاء دينك وَنَبِيك مُحَمَّد ﷺ وَلَا أملك إِلَّا نَفسِي هَذِه وَقد سلمتها إِلَيْهِم ذابا عَن دينك وناصرا لنبيك
فَاسْتَجَاب الله
[ ١ / ٣٧٧ ]
تَعَالَى دعاءه وأوقع فِي قُلُوبهم الرعب وَأرْسل عَلَيْهِم الخذلان فوقفوا مواضعهم وَمَا جسروا على الْإِقْدَام عَلَيْهِ وظنوا أَن الْملك الْعَادِل عمل عَلَيْهِم الْحِيلَة وَأَن عَسْكَر الْمُسلمين فِي الكمين فَإِن أقدموا عَلَيْهِ تخرج عَسَاكِر الْمُسلمين من الكمين فَلَا ينفلت مِنْهُم أحد فوقفوا وَمَا أقدموا عَلَيْهِ
قَالَ وَلَوْلَا ذَلِك الإلهام من الله تَعَالَى لكانوا قد استأسروا الْمُسلمين وَمَا كَانَ ينفلت وَاحِد من الْمُسلمين فَوقف عَسْكَر الْكفَّار وبرز اثْنَان مِنْهُم يجولان بَين الصفين يطلبان البرَاز من الْمُسلمين فَأمر الْملك الْعَادِل بخطلخ الزَّاهِد مولى الشَّهِيد بِالْخرُوجِ إِلَيْهِمَا فَخرج وجال بَينهمَا سَاعَة وَحمل على وَاحِد مِنْهُمَا فَقتله ثمَّ جال سَاعَة وَعمل حِيلَة وخدعه وَرجع إِلَى قريب صف الْكفَّار وَحمل على الآخر فَقتله وَرجع إِلَى الصَّفّ
قَالَ وَحدثنَا الشَّيْخ دَاوُد الْمَقْدِسِي خَادِم قبر شُعَيْب على نَبينَا وَعَلِيهِ السَّلَام قَالَ كَانَ أَعْطَانِي ملك الْقُدس بغلة كنت رَاكِبًا عَلَيْهَا يَعْنِي فِي ذَلِك الْيَوْم وَاقِفًا مَعَ الْملك الْعَادِل فَلَمَّا وصل الْكفَّار وقربوا منا شمت بغلتي رَائِحَة خيل الْكفَّار فصهلت تطلب خيلهم فَسَمِعُوا صَهِيل بغلتي فَقَالُوا هَذَا دَاوُد رَاكب على البغلة مَعَ نور الدّين وَاقِف وَلَوْلَا الْحِيلَة والكمين من الْمُسلمين لما وقفُوا مَعَ هَذِه الشرذمة القليلة والطائفة الْيَسِيرَة فتحقق ذَلِك فِي قُلُوبهم فوقفوا وَمَا جسروا على الْإِقْدَام عَلَيْهِ قَالَ فترجل كل من كَانَ مَعَ الْملك الْعَادِل وتشفعوا إِلَيْهِ وباسوا الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَقَالُوا أَيهَا الْملك أَنْت بِجَمِيعِ الْمُسلمين فِي هَذَا الْموضع وَفِي هَذَا الإقليم فَإِن جرى وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَهن وَضعف من اسْتِيلَاء الْكفَّار على الْمُسلمين من الَّذِي يقدر على تَدَارُكه قَالَ وَحلف هَذَا الشَّيْخ دَاوُد أَنهم أخذُوا بعنان
[ ١ / ٣٧٨ ]
فرسه كرها ورحلوا من ذَلِك الْموضع وَمَا كَانَ فِي عزم الْملك الْعَادِل أَن يرحل من ذَلِك الْموضع
فَلَمَّا عرف الْكفَّار ذَلِك وَأَنه مَا كَانَ عَلَيْهِم حِيلَة وَلَا كمين ندموا على ذَلِك ندامة عَظِيمَة
قَالَ وَكَانَ قبل هَذِه الْوَقْعَة بِسنة كسر الْملك الْعَادِل الْكفَّار وَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة واسر مِنْهُم خلقا كثيرا على مَا حكى عَن صَلَاح الدّين صَاحب حمص أَنه قَالَ فد جَازَ التركمان علينا فَحصل فِي الجريدة ألف أَسِير مَعَ التركمان
هَذَا مَا جَازَ على بلد حمص وَحده وَكَانَ قد انفلت ملك الْقُدس وَدخل إِلَى قليعة فَمَا جن عَلَيْهِ اللَّيْل خرج من القلعة وَمضى