قَالَ أَبُو يعلى كَانَ قد وصل من ملك الرّوم رَسُول من مُعَسْكَره وَمَعَهُ هَدِيَّة أتحف بهَا الْملك الْعَادِل من أَثوَاب ديباج وَغير ذَلِك وَجَمِيل خطاب وفعال وقوبل بِمثل ذَلِك
وَحكى عَن ملك الفرنج خذله الله إِن الْمُصَالحَة بَينه وَبَين ملك الرّوم تقررت والمهادنة انْعَقَدت وَالله يرد باس كل
[ ١ / ٣٨٤ ]
وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى نَحره ويذيقه عَاقِبَة غدره ومكره
قَالَ ووردت أَخْبَار من نَاحيَة ملك الرّوم باعتزامه على أنطاكية وَقصد المعاقل الإسلامية فبادر نور الدّين بالتوجه إِلَى الْبِلَاد الشامية لإيناس أَهلهَا من استيحاشهم من شَرّ الرّوم والإفرنج خذلهم الله تَعَالَى فَسَار فِي الْعَسْكَر صوب حمص وحماة وشيزر
قَالَ وَفِي ثَالِث ربيع الأول وافت زَلْزَلَة هائلة ماجت أَربع موجات وأيقظت النيام وأزعجت اليقظى وَخَافَ كل ذِي مسكن مُضْطَرب على نَفسه وعَلى مَسْكَنه
قَالَ وَفِي تَاسِع جُمَادَى الأولى هبت ريح عاصف شَدِيدَة أَقَامَت يَوْمهَا وليلتها فأتلفت أَكثر الثِّمَار صيفيها وشتويها وأفسدت بعض الْأَشْجَار ثمَّ وافت آخر اللَّيْل زَلْزَلَة هائلة ماجت موجتين أزعجت وأقلقت
قَالَ وتجددت المهادنة الْمُؤَكّدَة لنُور الدّين مَعَ ملك الرّوم بعد تكَرر المراسلات والاقتراحات فِي التقريرات وَأجِيب ملك الرّوم إِلَى مَا التمسه من إِطْلَاق مقدمي الإفرنج المقيمين فِي حبس نور الدّين فأنفذهم بأسرهم
وقابل ملك الرّوم هَذَا الْفضل بِمَا يضاهيه من الإتحاف بأثواب الديباج الفاخرة الْمُخْتَلفَة الْأَجْنَاس الوافرة الْعدَد وَمن الْجَوْهَر النفيس وخيمة من الدبياج لَهَا قيمَة وافرة وَمَا اسْتحْسنَ من الْخُيُول الجبلية
ثمَّ رَحل عقيب ذَلِك
[ ١ / ٣٨٥ ]
فِي عساكره من منزله عَائِدًا إِلَى بِلَاده مشكورا مَحْمُودًا وَلم يؤذ أحدا من الْمُسلمين فِي الْعشْر الْأَوْسَط من جُمَادَى الأولى فاطمأنت الْقُلُوب بعد انزعاجها وقلقها
قَالَ وَورد بعد ذَلِك الْخَبَر بِأَن نور الدّين صنع لِأَخِيهِ قطب الدّين ولعسكره وَلمن ورد مَعَه من المقدمين والولاة وأصحابهم الواردين لجهاد الرّوم والإفرنج سماطا عَظِيما هائلا تناهى فِيهِ وَفرق من الْحصن الْعَرَبيَّة والخيول وَالْبِغَال الْعدَد الْكثير وَمن الْخلْع من أَنْوَاع الديباج الْمُخْتَلف وَغَيره والتخوت الذَّهَب الشَّيْء الْكثير الزَّائِد على الْكَثْرَة وَكَانَ يَوْمًا مشهودا فِي الْحسن والتجمل
وَاتفقَ أَن جمَاعَة من غرباء التركمان وجدوا من النَّاس غَفلَة باشتغالهم بالسماط وانتهابه فغاروا على الْعَرَب من بني سامة وَغَيرهم وَاسْتَاقُوا مَوَاشِيهمْ فَلَمَّا ورد الْخَبَر بذلك أنهض نور الدّين فِي أَثَرهم فريقا وافرا من الْعَسْكَر فأدركوهم واستخلصوا مِنْهُم جَمِيع مَا أَخَذُوهُ وأعيد إِلَى أربابه
قَالَ وتقرر الرَّأْي النورى على التَّوَجُّه إِلَى مَدِينَة حران لمنازلتها واستعادتها من يَد أَخِيه نصْرَة الدّين حَسْبَمَا رَآهُ فِي ذَلِك من الصّلاح فَرَحل فِي عسكره أول جُمَادَى الْآخِرَة فَلَمَّا نزل عَلَيْهَا وأحاط بهَا وَقعت المراسلات إِلَى أَن تقرر الْحَال على أَمَان من بهَا وسلمت فِي يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة وقررت أحوالها وَأحسن النّظر فِي أَحْوَال
[ ١ / ٣٨٦ ]
أَهلهَا وَسلمهَا للأمير زين الدّين عَليّ على سَبِيل الإقطاع وفوض إِلَيْهِ تَدْبِير أمورها